النص المفهرس

صفحات 1521-1540

وأما معارضة العلة بتلك العلة بعينها (١)، فإنها تسمى قلباً(٢) وتسمى
المشاركة في الدليل.
ومثاله: أن يقول: صلاة فرض لا تقضى في السفر، فوجب أن ينفصل وقتُها
عن وقت الصلاة التي بعدها قياساً على صلاة الصبي.
فيقول له: وجب أن يكون لها وقتان أو وقت ممتد قياساً على صلاة الصبح.
أو يقول المخالف: لُبْثٌ في مكان مخصوص، فلا يكون قُرْبة بنفسه قياساً
على الوقوف بعرفة.
فيقال له: وجب أن لا يكون من شرطه الصوم قياساً على الوقوف بعرفة.
ومثل هذا كثير.
فهو صحيح(٣).
ومن أصحاب الشافعي من قال: لا يصح(٤).
(١) راجع في هذا: التمهيد (٢٠٢/٤) والواضح (١١٣٨/٣) والمسوَّدة ص (٤٤٥)
وشرح اللُّمع (٩١٦/٢) والتبصرة ص (٤٧٥).
(٢) عَّفه الشيرازي في كتابه شرح اللُّمع الموضع السابق بقوله: (أن يعلق على علة
المستدل نقيض حكمه، ويقيس على الأصل الذي قاس عليه، ولا يغير من أوصافه
شيئاً) كما قسمه إلى قسمين: مصرح بحكم، وبمبهم، وهو قلب التسوية.
انظر: المرجع السابق (٩٢١/٢).
وقسمه أبو الخطاب في كتابه التمهيد (٢٠٨/٤) وابن عقيل في الواضح (١١٥٠/٣)
إلى ثلاثة أقسام، وكلام المؤلف يدل عليه:
أ - القلب بحكم مقصود غير حكم المعلل.
ب - قلب التسوية.
جـ - جعل المعلول علة والعلة معلولاً.
(٣) وبه قال أبو الخطاب والشيرازي وأبو علي الطبري.
انظر: التمهيد، وشرح اللُّمع، والتبصرة والواضح، المواضع السابقة.
(٤) انظر: التبصرة وشرح اللُّمع، في الموضعين السابقين.
١٥٢١

والدلالة على صحته: أن هذه معارضة صحيحة؛ لأن المبتدىء بالعلة لا يمكنه
أن يجمع بينهما ويعلقهما على علته. وإذا كان كذلك كانا متعارضين، وكان
ذلك بمنزلة المعارضة من أصل آخر. فإنه لما تعذر الجمع بين حكم الأصلين
في الفرع كانا متعارضين، كذلك هاهنا.
وأيضاً: فإن المخالف استدل على المنع من نقض البناء في مسألة السَّاجَة (١)
بقوله - عليه السلام - : (لا ضرر ولا إضرار في الإِسلام)(٢) وفي نقض
بنائه إضرار به؛ لأنه إفساد لآلته، وإبطال لنفقته، فوجب أن يمنع منه.
(١) السَّاجَة، بالجيم: خشبة عظيمة تنبت بالهند.
والمراد بذلك: أن الإِنسان لو غصب ساجة وبنى عليها، فهل ينقض البناء وترد
الساجة إلى صاحبها مطلقاً، أو ترد إليه إذا كانت قيمتها أكثر من قيمة البناء، فإن
كانت قيمتها أقل من قيمة البناء فله ثمنها.
بالأول قالت الشافعية، وهو رواية عن الإِمام أحمد، والأصح عند الحنابلة، وبالثاني
قالت الحنفية، وهو رواية عن الإِمام أحمد.
انظر: شرح اللُّمع (٩١٧/٢)، وكتاب الروايتين والوجهين للمؤلف (٤١٨/٢)،
وحاشية ابن عابدين (١٩٢/٦).
(٢) هذا الحديث رواه عبادة بن الصامت - رضي الله عنه ـ مرفوعاً، أخرجه ابن
ماجة في كتاب الأحكام، باب: من بنى في حقه ما يضر بجاره (٧٨٤/٢) رقم
الحديث (٢٣٤٠). بلفظ: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى: أن
لا ضرر ولا ضرار).
وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده (٣٢٦/٥).
وأخرجه أبو نعيم في كتابه أخبار أصبهان في ترجمة: شعيب بن محمد الدبيلي
(٣٤٤/١).
ورواه ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعاً، أخرجه عنه ابن ماجة في الموضع
السابق رقم الحديث (٢٣٤١).
وأخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده (٣١٣/١).
١٥٢٢
=
١
:
i

وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير على ما في إرواء الغليل (٤٠٩/٤).
=
وأخرجه الدارقطني في سنته في كتاب الأقضية والأحكام وغير ذلك (٢٢٨/٤)
ورواه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه ـ مرفوعاً، أخرجه عنه الدار قطني
في الموضع السابق.
وأخرجه الحاكم في كتاب البيوع (٥٧/٢ - ٥٨) وقال: (صحيح الإسناد على
شرط مسلم) ووافقه الذهبي.
وأخرجه البيهقي في كتاب الصلح، باب: لا ضرر ولا ضرار (٦٩/٦).
وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد كما في نصب الراية (٣٨٥/٤).
وأخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب الأقضية، باب: الأقضية في المرافق
ص (٤٦٤). عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه مرفوعاً.
قال الألباني في الإرواء (قلت: وهذا مرسل صحيح الإسناد، وهذا هو الصواب
من هذا الوجه).
ورواه أبو هريرة - رضي الله عنه ـ مرفوعاً، أخرجه عنه الدارقطني في سننه
في الموضع السابق بلفظ: (لا ضرر ولا ضرورة، ولا يمنعن أحدُكم جارَه أن يضع
خشبته على جداره).
ورواه جابر بن عبد الله - رضي الله عنه ـ مرفوعاً، أخرجه عنه الطبراني في
الأوسط، كما في الإِرواء.
وروته عائشة - رضي الله عنها - أخرجه عنها الدارقطني في سننه ص(٢٢٧).
ورواه ثعلبة بن أبي مالك القرظي - رضي الله عنه - أخرجه عنه الطبراني في
المعجم الكبير، كما في الإِرواء.
ورواه أبو لبابة - رضي الله عنه - أخرجه عنه أبو داود في كتابه المراسيل
ص (١٧٦) رقم (٣٦٧).
وقد صدر الشيخ الألباني كلامه عن هذا الحديث بقوله: (صحيح).
وفي آخر الكلام عن الحديث قال: (قلت: فهذه طرق كثيرة لهذا الحديث قد
جاوزت العشر، وهي وإن كانت ضعيفة مفرداتها، فإن كثيراً منها لم يشتد ضعفها،
فإذا ضم بعضها إلى بعض تقوى الحديث بها وارتقى إلى درجة الصحيح إن شاء =
١٥٢٣

فقال أصحاب الشافعي وجب رد ساجَتِه وما غصبه من آلته؛ لأن في منع
ذلك منه إضراراً (١) به.
وإذا كان هذا صحيحاً كان القلب صحيحاً؛ لأنه يشاركه في دليله.
واحتج المخالف :
بأنها معارضة في غير الحكم الذي علله، فلا يلزمه الجواب عنه.
ألا ترى أنه إذا استأنف قياساً في حكم آخر لم يصح لهذا المعنى، كذلك
لا يصح القلب.
والجواب: أنه يبطل بالمشاركة في دلالة الخبر على ما بيناه في مسألة السَّاجَة،
فإنه معارضة في غیر حکمه وقد صح.
وعلى أن مثل هذا جائز للمعارض، وإن كان من أصل آخر؛ لأنه في معنى
ضد حكمه؛ لأنه لا يمكنه الجمع بينهما كما(٢) لا يمكنه الجمع بين
= الله تعالى).
ثم قال: (قلت: وقد احتج به الإِمام مالك، وجزم بنسبته إلى النبي - صلى الله
عليه وسلم - فقال (٨٠٥/٢) من الموطأ: وقد قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - لا ضرر ولا ضرار.
وكذلك احتج به محمد بن الحسن الشيباني في مناظرة جرت بينه وبين الإِمام
الشافعي، وأقره الإِمام عليه).
ثم ذكر بعد ذلك شواهد للحديث.
ورمز له السيوطي في الجامع الصغير (٤٣١/٦) رقم الحديث (٩٨٩٩) بالحسن.
وقال المناوي في تعليقه على هذا الحديث: (والحديث حسَّنه النووي في الأربعين.
قال: ورواه مالك مرسلاً. وله طرق يقوي بعضها بعضاً، وقال العلائي: للحديث
شواهد ينتهي مجموعها إلى درجة الصحة أو الحسن المحتج به).
(١) في الأصل: (اضرار).
(٢) في الأصل: (فيما).
١٥٢٤
1

الحكم وضده .
واحتج بأن أوصاف علة المعلِّل لا تصلح للحكم الذي نقلتها فيه، فلا تكون
مؤثرة في وجوده، فلم يصح القلب.
والجواب أن هذا في بعضه دون بعض.
ألا ترى أنه إذا قال(١): عضو من أعضاء الوضوء، فلا يجوز في إيصال الماء
إليه ما يقع الاسم عليه(٢).
فقلبه الخصم على أبي حنيفة [٢٣٥/أ] وقال: وجب أن لا يقدَّر بالربع(٣)،
كانت العلة في الحكمين سواء، ولم يكن فرق بين أن يجعل عضواً من أعضاء
الوضوء علة لإِجزاء اليسير وبين أن يجعل علة لنفي التقدير.
وفي القلب نوع أحسن، وهو الذي يسمى قلب التسوية(٤).
مثاله: أن يقول المخالف(٥): إيقاع طلاق من مكلف مالك للطلاق،
فوجب أن يقع الطلاق. أصله: المختار.
فيقلبه الخصم عليه فيقول: وجب أن يكون حكم الإيقاع والإقرار سواء
قياساً على المختار.
(١) يعني: إذا قال في مسح الرأس.
لأن الشافعى يقول يجزىء في ذلك ما يقع عليه اسم المسح.
(٢)
انظر: شرح اللُّمع (٩١٧/٢).
(٣) عند الحنفية في القدر الذي يمسح من الرأس ثلاث روايات:
الأولى: يقدر بثلاث أصابع مطلقاً. وهو ظاهر الرواية.
الثانية: يقدر بربع الرأس.
الثالثة: مقدار الناصية.
انظر: تحفة الفقهاء (٩/١).
(٤) سبق تعريفه عند الشيرازي بأنه القلب بحكم مبهم.
(٥) يعني: أن يقول الحنفي في طلاق المكره: إنه طلاق .. الخ.
١٥٢٥
i

وهو صحيح(١).
ومن أصحاب الشافعي من منع صحته(٢).
والدلالة على صحته: أن الجمع بين الحكم المبتدىء بالعلة وبين حكم القالب
لا يصح، فكان بمنزلة القلب الأول.
فعلى هذا حكم الفرع موافق لحكم الأصل؛ لأن الحكم هو الاستواء، وهذا
في الأصل والفرع واحد. وإنما يختلفان في كيفية الاستواء، والكيفية حكم غير
الاستواء.
ألا ترى أن النبي - عليه السلام - لو قال: حكم الإيقاع والإقرار سواء،
كانت التسويةُ واجبةً بالنص، وكيفية التسوية غير منصوص عليها، فإذا دل
الدليلُ على أنهما يستويان في الأصل في الصحة وفي الفرع في البطلان كانت
الكيفية مجتهداً فيها، والاستواء منصوصاً عليه.
فعلى هذا يجوز قياس أصحاب أبي حنيفة: مالان من جنس الأثمان، فوجب
ضمُّ أحدهما إلى الآخر قياساً على ضم المكسرة والصحاح، وإن كان الضم
في الأصل في الأجزاء وفي الفرع في القيمة على قولهم(٣).
ومن قال: لا يصح هذا القلب لا يُجوِّز هذا القياس؛ لأنهما يختلفان، ويجب
أن يكون الفرع موافقاً لحكم الأصل.
واحتج في ذلك: بأن حكم الفرع في ذلك مخالف لحكم الأصل؛ لأن
(١) يعني: أن قلب التسوية صحيح.
وبه قال أبو الخطاب كما في التمهيد (٢٠٨/٤)، والشيرازي كما في شرح اللُمع
(٩٢٢/٢) والتبصرة (٤٧٧).
(٢) انظر: شرح اللمع والتبصرة في الموضعين السابقين.
(٣) سبق التعليق على هذه المسألة ص (١١١٥) وانظر المسوّدة ص(٣٧٤).
١٥٢٦

الاستواء [في الأصل] في الصحة وفي الفرع في البطلان عند القالب. ويجب
أن يكون حكم الفرع مثل حكم الأصل؛ لأن حكم الأصل يجب أن يتعدى
إلى الفرع لتعدي علة الأصل عليه.
والجواب عنه ما ذكرنا، وهو أن الجمع بين حكم المبتدىء بالعلة وبين حكم
القالب لا يصح، فلم يجب اعتبارهما في القلب.
نوع ثالث:
وهو أن يجعل المعلول علة والعلة معلولاً (١).
والمراد بالمعلول هو الحكم، فكأنه يجعل حكم المبتدىء بالعلة علة وعلته
حكماً.
مثاله: أن يقول(٢): زوج يصح طلاقُه، فوجب أن يصح ظهارُه(٣) قياساً
على المسلِم.
فيقول المخالف: ما ينكر على من قال: إنما صح طلاقُ المسلِم؛ لأنه صح
ظهارُه.
قيل له: هذا القلب بمنزلة المعارضة بعلة واقفة وأصل عليه.
ويكون الجواب عنه ما ذكرنا من القول بهما. أو قوله: إنهما لا يتعارضان،
فلا يصح القلب.
وقد قيل: يصح هذا القلب؛ لأنه لا يجوز [٢٣٥/ب] أن يثبت الحكم لما
(١) وهذا القلب لا يفسد العلة عند الحنابلة وأكثر الشافعية، خلافاً للحنفية وبعض
المتكلمين.
انظر: التمهيد (٣١١/٤) والتبصرة ص (٤٧٩) وشرح اللُّمع (٩٤٤/٢) والمسؤَّدة
ص (٤٤٦) وتيسير التحرير (١٦١/٤).
(٢) يعني: في ظهار الذمي.
(٣) في الأصل: (طهارته).
١٥٢٧
L

هو مثبت له.
فإذا كان ثبوت الظهار لثبوت الطلاق في الأصل لم يجز أن يكون كل واحد
منهما أمارة على الآخر من الأمارات الشرعية (١).
فيقول(٢) صاحب الشريعة: إذا وجدتم صحة الطلاق فاحكموا بصحة
الظهار، وإذا وجدتم صحة الظهار فاحكموا بصحة الطلاق، فيكون كل واحد
منهما أمارة على الآخر.
وقد وجد مثل ذلك ؛ لأن صاحب الشريعة أمرنا إذا أعطينا الابن
عطية أن نعطي الابنة ، وإذا أعطينا الابنة عطية أن نعطيَ الابن
أيضاً (٣) ، فصارت(٤) عطية كل واحد منهما أمارة على عطية الآخر.
(١) هذا أهم دليل للحنفية ومن قال بقولهم.
انظر بقية الأدلة في المراجع السابقة.
(٢) يظهر أنه يوجد سقط قبل هذا؛ لأن الكلام الآتي هو استدلال الذين لا يقولون
بفساد العلة، وليس بقية دليل الحنفية.
وبمراجعة: التمهيد (٢١١/٤) والتبصرة ص (٤٧٩) يتضح ذلك جلياً. والله أعلم.
(٣) هذا إشارة إلى مثل حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنه - أنه أتى بابنه
محمد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني نَحَلتُ ابني هذا غلاماً،
فقال: (أُكل ولدك نحلتَ مثله؟ قال: لا، قال: فارجعه).
بهذا اللفظ أخرجه البخاري في كتاب الهبة، باب الهبة للولد (١٩٥/٣).
وأخرجه مسلم في كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة
(١٢٤١/٣) رقم الحديث (١٦٢٣).
(٤) في الاصل: (وصارت).
١٥٢٨

i
فصل
[ في ترجيحات العلل ]
فأما ترجيحات العلل(١) فمن وجوه:
أحدها: أن ترجح إحدى العلتين على الأخرى بأن تكون موافقة لكتاب
الله تعالى.
والثاني: بأن تكون موافقة للخبر عن رسول الله ێ.
٠
والثالث: بأن تكون موافقة لأثر عن الصحابة.
والرابع: أن تكون إحداهما منصوصاً عليها والأخرى مستنبطة.
والخامس: بأن تشهد لإِحداهما الأصول.
والسادس: بأن تكون إحداهما مطردة منعكسة، فيدل ذلك على تعليق
الحكم بهذه العلة.
والسابع: بأن تكون إحداهما مؤثرة في أصلها، فيوجد الحكم بوجودها
ويرتفع بارتفاعها، والأخرى تؤثر في غير أصلها.
الثامن: أن يكون الفرع موجوداً بإحدى العلتين في جنسه وشكله
فتكون أولى .
التاسع: بأن تكون إحداهما مردودة إلى ما يكثر شبهه به، مثل اللعان، يُرَد
إلى اليمين، فإن شبهه بها أكثر من شبهه بالشهادة.
(١) راجع في هذا الفصل: التمهيد (٢٢٦/٤) والواضح (١١٨٠/٣) والمسوَّدة
ص (٣٧٦) وشرح الكوكب المنير (٧١٢/٤) وشرح اللُّمع (٩٥٠/٢) والتبصرة
ص (٤٨١) والمعونة في الجدل ص(١٢٥) وكتاب المنهاج في ترتيب الحجاج
ص (٢٣٤).
١٥٢٩

العاشر: بأن تكون إحداهما لا تخص الاسم المنهي عنه منه، والأخرى تخصه
كتعليل أبي حنيفة تحريم التفاضل بالكيل، ويبيح تمرةً بتمرتين وبُرةً ببرتين(١)،
ونحن لا نخص الاسم، ويجرى الربا في القليل، والكثير(٢) فيكون الذي لا
يخصه أوْلى؛ لأن العموم يشهد لها.
ويمكن أن لا يكون ذلك من الترجيح، وتكون العلة باطلة؛ لأن المطلوب
علة الحكم الذي دلّ عليه الاسم، فلا يجوز إسقاط شىء منه بالعلة. ويخالف
تخصيص اسم آخر؛ لأنه إنما يخصه بخصوص الاسم الذي انتزعت العلة منه
بذلك، فيكون القضاء بالعلة عليه نقضاً للاسم الخاص عليه.
والحادي عشر: بأن يكون حكم إحداهما(٣) سابقاً لها، وحكم الأخرى
غير سابق لها، فالتي لا يسبقها حكمها أوْلى؛ لأن ذلك يدل على تأثيرها،
كقولنا: بائن [٢٣٦/أ] فلا نفقة لها كالمطلقة قبل الدخول (٤).
وقال المخالف(٥): معتدة من طلاق، فوجب أن تكون لها النفقة كالرجعية؛
لأن النفقة سابقة للعلة في الأصل والفرع، وعلتنا غير سابقة؛ لأن العلة هي
البينونة، ولم تسبق سقوط النفقة.
(١) وهو كذلك عند الحنفية.
انظر: تحفة الفقهاء (٢٦/٢).
(٢) هذا مذهب الحنابلة كما ذكر المؤلف.
وبه قال الثوري وإسحاق وابن المنذر.
انظر: المغني (٥٩/٦) طبعة هجر.
(٣) في الأصل: (أحدهما).
(٤) عند الحنابلة البائن لا نفقة لها ولا سكنى إلا إذا كانت حاملاً.
انظر: الروض المربع بحاشية العنقري (٢٢٨/٣).
(٥) المراد بهم الحنفية، فهم يقولون بأن لها النفقة مطلقاً.
انظر: حاشية ابن عابدين (٦٠٩/٣).
١٥٣٠
أ

الثاني عشر: أن تكون إحداهما صفة ثابتة في الحال والأخرى توجد في
الثاني، كقولنا (في رهن المشاع](١): عين يصح بيعها فصح رهنها كالمفرد(٢).
وقولهم(٣): قارَنَ العقد معنى يوجب استحقاق [رفع] (٤) يده في الثاني،
فهو تجوّز(٥) غير موجود(٦).
الثالث عشر: أن تكون إحداهما صفة محسوسة، والأخرى حكماً شرعياً،
فتكون الصفة المحسوسة (أوْلى] لقوة وجودها (٧).
الرابع عشر: أن تكون إحداهما إثبات صفة، والأخرى نفيها، فيكون
إثبات الصفة أوْلى.
الخامس عشر: أن تكون إحداهما حكماً متفقاً عليه، والأخرى حكماً مختلفاً
فيه، وإن كان الخصمان قد اتفقا عليه.
السادس عشر: أن تكون إحداهما مردودة إلى أصل ثابت بكتاب أو سنة
متواترة أو إجماع أو نص صريح، والأخرى بخلاف ذلك، فتكون أولى؛ لأن
الفرع يقوى بقوة الأصل.
(١) الزيادة من التمهيد (٢٣٠/٤) والمسؤَّدة ص (٣٨٢).
(٢) هو كذلك عند الحنابلة.
انظر: المغني (٤٥١/٦) طبعة هجر، والروض المربع مع حاشية العنقري (١٦٢/٢).
(٣) يعني: الحنفية، فإنهم يقولون بعدم جواز رهن المشاع.
انظر: تحفة الفقهاء (٤٠/٣) وحاشية ابن عابدين (٤٨٩/٦).
(٤) الزيادة من التمهيد (٢٣٠/٤) والمسوَّدة ص (٣٨٢)، وهي زيادة يقتضيها المقام.
(٥) في الأصل (بحوز) بدون إعجام للحرفين الأولين، وقد أعجمناهما بما ترى.
(٦) يعني: أن علة الحنابلة متحققة الوجود، وما ذكره المخالفون غير متحققة، فيجوز
أن توجد، ويجوز أن لا توجد، فكانت علة الحنابلة أولى.
انظر: التمهيد الموضع السابق.
(٧) في الأصل: (وجوده).
١٥٣١
( العدة فى أصول الفقه - ٩٧ )

السابع عشر: أن تكون إحداهما مفسَّرة، والأخرى مجملة، فتكون المفسر[٥]
أوْلى، كقولنا (١): أفطر بغير مباشرة.
وقول أصحاب أبي حنيفة(٢): أفطر بأعلى ما في جنسه أو بممنوع نوعه(٣).
الثامن عشر: أن يكون في إحداهما احتياط للغرض فتكون أولى.
التاسع عشر: أن تكون إحداهما ناقلة عن العادة والأخرى مبقية، كانت
الناقلة عن العادة أوْلى؛ لأنها تفيد حكماً شرعياً.
وقال بعضهم (٤): المبقية على حكم ما قبله [أولى](٥)؛ لأن النفي أمر (٦)
[معتبر] عند اعتراض الشك بالبناء على ما قبله.
وهذا لا يشبه ما ذكرنا؛ لأن البقاء هناك احتياط للعبادة، وأن لا يحكم
(١) يعني: قول الحنابلة فيمن أكل في رمضان: إنه لا كفارة عليه، لأنه أفطر بغير مباشرة،
أشبه ما لو بَلَع حصاة.
انظر: التمهيد (٢٤٥/٤) والمسوَّدة ص (٣٨٢).
(٢) يعني: أن أصحاب أبي حنيفة يقولون: إن من أكل في رمضان فعليه الكفارة. وعلل
ذلك السمر قندي في تحفته (٣٦١/١) بقوله: (إنها تجب بمعقول المعنى، وهو تكفير
جناية إفساد الصوم من كل وجه، وهذا المعنى موجود في الأكل والشرب؛ لأن
الصوم هو الإمساك عن الأكل والجماع، فكان الإِفساد بأحدهما نظير الإِفساد
بالآخر، وإذا استويا في الإِفساد [واستويا] في الإِثم فيجب أن يستويا في وجوب
الرافع للإِثم).
وانظر: حاشية ابن عابدين (٤١١/٢).
(٣) في الأصل: (بمتبوع) والكلمة غير مستقيمة في التمهيد، والعبارة في المسوَّدة
ص (٣٨٣): (وقول الحنفية: أفطر بأعلى ما في الباب من جنسه، أو أفطر بممتنع
جنسه).
(٤) هم بعض الشافعية كما في اللُّمع ص (٦٧).
(٥) الزيادة من اللمع الموضع السابق. وهي زيادة يقتضيها المقام.
(٦) هكذا في الأصل: (أمر) ولكن الكلام لا يستقيم، فاجتهدنا، فزدنا كلمة (معتبر).
١٥٣٢

ببراءة ذمته بالشك . والاحتياط هاهنا في الانتقال؛ لأنه يفيد حكماً
شرعياً .
العشرون: أن تكون إحداهما تزيد في الحكم، مثل أن توجب إحداهما،
وتندب الأخرى، أو تندب إحداهما، وتبيح الأخرى، فتكون: الزائد[٥] أوْلى.
وكذلك إذا كانت إحداهما تزيد في القدر.
الحادي والعشرون: أن تكون إحداهما حاظرة، فتكون أوْلى.
وقد بينا ذلك في ترجيح الأخبار.
الثاني والعشرون: أن تكون إحداهما تستوعب معلولها، كقولنا(١): من
جرى بينهما القصاص في النفس جرى بينهما القصاص في الأطراف كالحُرّين
الرجلين، وهذا يستوعب [٢٣٦/ب] جميع المعلول.
وقولهم(٢): التكافؤ معتبر في الأطراف، ولا يوجد ذلك بين الرجل والمرأة
لعدم التساوي في البدل. وهذا لا يعم المعلول؛ لأن العبدين لا يجري بينهما
عنده، وإن تساويا في البدل(٣).
الثالث والعشرون: أن تكون إحداهما من باب الأوْلى فيجب تقديمها.
الرابع والعشرون: أن تكون إحداهما متعدية إلى فرع مختلف فيه،
والأخرى غير متعدية، فتكون المتعدية أوْلى، ولهذا تركنا علة الأثمان في الربا؛
لأنها لا تنعقد (٤).
(١) يعني: قول الحنابلة في جريان القصاص بين الرجل والمرأة في الأطراف.
انظر: التمهيد (٢٤٥/٤) والروض المربع (٢٧٢/٣).
(٢) يشير إلى قول الحنفية في هذه المسألة.
انظر: تحفة الفقهاء (١٠٤/٣).
(٣) في الأصل: (البذل) بالذال المعجمة، وقد عبر في المسوّدة ص (٣٨٥) بالقيمة.
(٤) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: (لا تتعدى).
١٥٣٣

الخامس والعشرون: أن يكون أصل إحداهما ما يعارضها، وهو القلب.
فأما كون إحداهما أعم من الأخرى فلا تكون أولى.
وحكي عن بعض الشافعية أن الأعم أولى(١).
ولهذا قالوا: العلة الطعم؛ لأنها أعم من الكيل، فإنها تجري فيما
لا یکال.
دليلنا:
أن أحد العمومين إذا اشتمل على مسميات أكثر من المسميات التي اشتمل
عليها العموم الآخر، لم يكن أكثرهما عدداً في المسميات أوْلى بالاستعمال من
أقلهما(٢) عدداً، كذلك هاهنا.
يبين صحة هذا : أنه ليس في كون إحداهما(٣) أكثر من كون فروعها
أكثر، وهذا لا يوجب ترجيحها، كما لم يوجب ذلك في العمومين.
على أنهم قد ناقضوا في ذلك، فإنهم لم يجعلوا العلة في تحريم التفاضل في
الذهب: الوزن، مع كونها أعم من الأثمان.
وهذه الترجيحات قد كانت تستعمل في المناظرات، وقد عدل عنها في هذا
الزمان إلى معانٍ وتأثيرات، وهو أولى؛ لأنه طريق الفقه واستخراج الأمارات
الظاهرة المغلبة على الظن المميزة بين الصحيح منها وبين الفاسد.
فإذا ثبت ما ذكرنا، فإن من عجز عن ترجيح دليله على ما عارضه خصمه
به، أو إفساده بما يفسده فإنه منقطع.
(١) انظر: البرهان لإمام الحرمين (١٢٩١/٢).
(٢) في الأصل: (أقلها).
(٣) في الأصل: (أحدهما).
١٥٣٤
:

[ معنى الانقطاع ]
والانقطاع في المناظرة (١) هو: العَجْز عن بلوغ الغرض المطلوب
بالمناظرة(٢). وذلك مأخوذ من قولهم: انقطع في السفر: إذا عجز عن السير
وبلوغ الغاية المقصودة به(٣).
[ انقطاع المسؤول ]
وانقطاع المسؤول بسبعة أشياء:
أحدها: العجز عن بيان المذهب.
والثاني: العجز عن بيان الدليل.
والثالث: العجز عن الانفصال عن المعارضة.
والرابع: بجحده مذهبَه.
والخامس: بجحده ما ثبت بإجماع أو نص.
والسادس: بالانتقال.
والسابع: بتخليط كلامه بما لا يُفهم.
(١) راجع هذا الموضوع في: التمهيد (٢٤٩/٤) والواضح (٦٩٢/٢) والجدل ص (٧١)
وشرح الكوكب المنير (٣٧٨/٤) والفقيه والمتفقه (٥٧/٢) والكافية في الجدل
ص (٥٥١).
(٢) وعرفه الباجي في كتابه الحدود ص (٧٩) بقوله: (عجز أحد المتناظرين عن تصحيح
قوله).
(٣) قال ابن فارس في معجمه (١٠١/٥): (قَطَع، القاف والطاء والعين أصل صحيح
واحد، يدل على صرم وإبانة شىء من شىء).
وفي القاموس (٧٠/٣) .. ( ... وقُطِع بزيد كعني فهو مقطوع به عجز عن سفره
بأي سبب كان، أو حيل بينه وبين ما يؤمله).
١٥٣٥

[ انقطاع السائل ]
وانقطاع السائل بثمانية أشياء.
[الأول]: بالعجز عن بيان السؤال.
والثاني: بالعجز عن المطالبة [٢٣٧/ أ] بالدليل.
والثالث: بالعجز عن المطالبة بتقرير الدليل.
والرابع: بالعجز عن المعارضة.
والخامس: بالعجز عن المنع من الترجيح.
والسادس: بالانتقال عما شرَع فيه قبل إتمامه.
والسابع: بجحد ما ثبت بنص أو إجماع.
والثامن: بتخليط كلامه على وجه لا يُفهم(١).
مسألة
لا يجوز أن يعتدل قياسان على أصل واحد مع كون أحدهما موجباً للحظر
وكون الآخر موجباً للإباحة (٢)، ولابد من وجود المزية في أحدهما. وقد
(١) ويضيف أبو الخطاب في كتابه التمهيد (٢٥٠/٤) أشياء تدل على الانقطاع، ويشترك
فيها السائل والمسؤول وهي جديرة بالذكر، وهي:
١ - أن يسكت سكوت حيرة، من غير عذر.
٢ - أن يتشاغل بذكر حديث أو شعر أو نحوهما.
٣ - أن يغضب في غير موضع الغضب.
٤ - أن يقوم في غير موضع القيام.
٥ - أن يسفِّه خصمه.
على أن أبا الخطاب قسَّم ما يدل على الانقطاع ثلاثة أقسام، قسم يختص بالسائل
وقسم يختص بالمسؤول، وقسم مشترك بينهما.
(٢) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٣٤٩/٤) وروضة الناظر (٤٦٣/٢) والمسوَّدة
ص (٤٤٦) وشرح الكوكب المنير (٦٠٨/٤).
١٥٣٦
:
1

تظهر تلك المزية وقد تخفی.
فإذا خفيت وجب أن يجتهد في طلب ترجيح أحدهما والوقْف إلى أن
یتبین ذلك.
وكذلك الأخبار، لا يجوز أن يرد خبران متعارضان من جميع الوجوه، ليس
مع أحدهما ترجيح يُقدَّم به.
وقد قال أبوبكر الخلال في كتاب العلم: ((لم أجد عن رسول الله عَ له
حديثاً متضاداً إلا وله وجهان، أحدهما إسناد جيد، والآخر إسناد ضعيف)).
وإلى هذا ذهب الكرخي من أصحاب أبي حنيفة(١) وأبي سفيان.
وحكاه الإسفراييني عن أصحابه أيضاً(٢).
وذهب الرازي إلى جواز ذلك وقال: إذا اعتدل قياسان في نفس المجتهد،
وأحدهما يوجب الحظر والآخر يوجب الإباحة، فإن المجتهد يكون مخيراً في أن
يحكم بأيهما شاء(٣).
وبه قال قوم من المتكلمين (٤).
وإليه ذهب الجرجاني أيضاً(٥)، وحَكى قول الكرخي وقال:
هذا خلاف ما قاله أبو حنيفة في سؤر الحمار: إن دليل الحظر والإِباحة
(١) انظر في هذا: مسلَّم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت (١٨٩/٢).
(٢) انظر في مذهب الشافعية: التبصرة ص(٥١٠) والمحصول (٥٠٦/٥) والإِحكام
للامدي (١٩٧/٤) طبعة مؤسسة النور بالرياض.
(٣) انظر كتابه الفصول ص (١٦٩) من الطبعة الباكستانية.
كالقاضي أبي بكر والجبائي وابنه والآمدي.
(٤)
انظر: المعتمد (٨٥٣/٢) والإِحكام للآمدي (١٩٧/٤) طبعة مؤسسة النور
بالریاض.
(٥) انظر رأيه في التمهيد (٣٤٩/٤) والمسؤَّدة ص (٤٤٦).
١٥٣٧

تساويا، فتوقَّفَ فيه(١).
دلیلنا :
اتفاقهم على أن الحكم في الحادثة يتبع كونها ببعض الأصول أشبه منها
بغیره.
وإذا كان كذلك لم يجز أن تكون الحادثة بكل واحد من الأصلين أشبه
منها بالآخر.
فلم(٢) يجز أن يعتدل قياسان، ولابدَّ من وجود الرجحان في أحدهما.
ولأن كل واحد من القياسين لو انفرد لم يوجب التخيير، كذلك إذا
اجتمعا؛ لأن التخيير معنى زائد، فلا يجوز إثباته إلا بدلالة.
وإذا سقط اعتبار التخيير لم يجز للمجتهد أن يقيس الفرع عليهما، ويلزمه
أن يجتهد في طلب ترجيح أحدهما، والوقف إلى أن يتبين ذلك.
كما لو لم يعرف في الابتداء أصلاً يقيس الفرع عليه لزمه التوقف.
ولأن هذا يوجب تكافؤ الأدلة وتعارضها، وهذا خلاف موضوع الشريعة.
واحتج المخالف:
بأنه لا يستحيل في العقل تكافؤ (٢٣٧/ب) جهات القياس بدلالة أنه قد
يصح أن تتساوى جهات القبلة عند الخطأ.
(١) سؤر الحمار مشكوك فيه في ظاهر الرواية عند الحنفية.
وروى الكرخي: أنه نجس.
قال السمرقندي في تحفته (٥٤/١): (والسؤر المشكوك فيه لا يجوز التوضؤ به إن
وجد ماء مطلقاً، وإن توضأ به جاز مع الكراهة، وإن لم يجد يتوضأ به ويتيمم؛
لأن أحدهما مطهر بيقين، وأيهما قدم أو أخر، جاز عندنا.
وعند زُفَر: لا يجوز، ما لم يقدم الوضوء على التيمم حتى يصير عادماً للماء).
وانظر تفصيل هذا في حاشية ابن عابدين (٢٢٦/١).
(٢) في الأصل: (لم).
١٥٣٨

وإذا كان ذلك جائزاً وجب أن يكون المجتهد بالخيار في حمل الفروع على
أي الأصلين شاء كالمكفِّر عن يمينه، لما استوت الأشياء الثلاثة في جواز التكفير،
فبأيها شاء كان له أن يكفِّر بما شاء منها.
والجواب: أن [هناك ] فرقاً بين القبلة وبين مسألتنا، وذلك أنه لا يجوز
للمجتهد أن يعدل عن حمل الحادثة على الأصل الذي هي أشبه به منها بغيره
على وجه من الوجوه، ويجوز ذلك في جهات القبلة عند المسايَفَة(١)
والراحلة.
وأما الأشياء الثلاثة في كفارة اليمين، فإنما كان المكفر مخيراً فيها؛ لأن كلاً
منها منصوص عليه على طريق التخيير، وليس بينها(٢) تضاد.
ألا ترى أنه يجوز ورود العبادة بوجوب التكفير بهما جميعاً، ولا يجوز ورود
التعبد باعتبار الحظر والإِباحة في الشىء الواحد على المكلف الواحد.
واحتج: بأن القياس طريق إلى إثبات الحكم كالنص، فلما جاز ورود النصر
بحكمين مختلفين، كذلك القياس.
والجواب: أنه لا يجوز أن يرد النص بحكمين متضادين في الشىء الواحد
في الوقت الواحد على المكلف الواحد ، كما قلنا في القياس فلا فرق
بينهما .
(١) في الأصل: (المسابقة) بالقاف، وهو خطأ، والمراد المسايفة بالفاء كما أثبتناه.
والمسايفة: المجالدة بالسيوف.
(٢) في الأصل: (بينهما).
١٥٣٩

باب الاجتهاد
مسألة
المصيب واحد من المجتهدين في أصول الديانات.(١).
وقد نصَّ أحمد - رحمه الله - في مواضع على تكفير جماعة من المتأولين،
كالقائلين بخلق القرآن، ونفي الرؤية، وخلق الأفعال(٢).
وهذا يمنع إصابتهم في اجتهادهم.
وهو قول الجماعة(٣).
وحُكي عن عبيد الله العنبري (٤): أن المجتهدين من أهل القبلة مصيبون مع
(١) راجع هذه المسألة في: كتاب المعتمد في أصول الدين للمؤلف ص (٢٧٣)
والتمهيد (٣٠٧/٤) وروضة الناظر (٤١٤/٢) والمسوّدة ص (٤٩٥) وشرح
الكوكب (٤٨٨/٤).
(٢) حكم المؤلف على هؤلاء في كتاب المعتمد ص(٢٦٧) بأنهم خالفوا الحق.
ونقل عن الإِمام أحمد أنه نصَّ على تكفيرهم.
وروى أبو داود في مسائله ص (٢٦٢) عن الامام أحمد أنه ذكر له أن رجلاً
يقول: (إن أسماء الله مخلوقة والقرآن مخلوق؟ قال أحمد: كفر)
كما نقل عنه ص (٢٦٣) أنه قال : (من قال: إن الله لا يرى فهو كافر).
(٣) انظر: المراجع السابقة في أول المسألة.
(٤)
هو: عبيد الله بن الحسن العنبري البصري، قاضى البصرة، روى عن خالد الحذاء
وعبد الملك العَرْزَمي وغيرهما. وعنه معاذ بن معاذ الأنصاري وعبد الرحمن بن
مهدي. خرج له مسلم حديثاً واحداً في الجنائز. وثقه النسائي وابن سعد. وقال
الذهبي: (صدوق مقبول، لكن تكلم في معتقده ببدعة). وقال ابن حجر : (ثقة
فقيه، عابوا عليه مسألة تكافؤ الأدلة). ولد سنة (١٠٠) ومات سنة (١٦٨).
له ترجمة في: تاريخ بغداد (٣٠٦/١٠) وتقريب التهذيب (٥٣١/١) وميزان
الاعتدال (٥/٣).
١٥٤٠
،