النص المفهرس
صفحات 1401-1420
ومثل إسقاط الكفارة في استدعاء القيء، فلا يقاس عليه الأكل(١). ومثل جواز الوضوء بنبيذ التمر، فلا يقاس عليه غيره من الأنبذة للأثر الوارد(٢). ومثل جواز البناء على الصلاة، إذا سبقه الحدث فيها(٣)، لا يقاس عليه من احتلم في صلاته، وفكّر فأمنى(٤) ونحو ذلك. = عليه وسلم - من ضحك أن يعيد الصلاة، ويعيد الوضوء). وقد سبق تخريجه (٨٩٥/٣). وانظر: أصول السرخسي (١٥٣/٢) فقد ذكر قريباً من نص المؤلف في هذه المسألة. (١) من استدعى القيء عامداً فعليه القضاء ولا كفارة، وأما من أكل عامداً فعليه القضاء والكفارة عند الحنفية. انظر: شرح فتح القدير (٣٣٥/١، ٣٣٨) وحاشية ابن عابدين (٤١٤/٢). (٢) الأثر الوارد في ذلك هو: ما رواه ابن مسعود - رضي عنه - قال: (سألني النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما في إداوتك؟ فقلت: نبيذ، فقال: تمرة طيبة وماء طهور. قال: فتوضأ منه). وقد سبق تخريجه (٣٤١/١). (٣) القياس أنه لا يبني على الصلاة السابقة؛ لأن الحدث ينافي الصلاة، والمشي والانحراف يفسدان الصلاة، إلا أنه ترك هذا القياس، وقيل بالبناء لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف، وليتوضأ، وليّْنٍ على صلاته ما لم يتكلم). انظر: أصول الجصاص ص (١٢٠) فإن المؤلف نقل هذا عنه، وانظر أيضاً شرح فتح القدير (٣٧٧/١). (٤) فإن عليه أن يغتسل، ولا يبني على صلاته، بل يستأنف صلاة جديدة حملاً على قياس الأصل. انظر: أصول الجصاص ص (١٢٠). ١٤٠١ : دليلنا : قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِى الأَبْصَارِ)(١). وهذا عام في كل موضع إلا ما خصه الدليل. وأيضًا: فإنا إذا قسنا على المخصوص قسنا المخصوص على غيره. وحملنا النبيذ على غيره من المائعات، والقهقهة على الكلام. فإن مخالفنا يعترف بصحة القياس، وأنه يجب حمل النبيذ على غيره من المائعات، والقهقهة على الكلام، ويَدَّعي أنه استحسن تركه لما هو أولى منه(٢). وهذا غير صحيح من وجهين: أحدهما : أنه يلزمه أن يبين الأوْلى، وإلا حكمُ القياس متوجه عليه، وهذا كما لو قال: إن القرآن يدل على كذا، ولكن تركته للسنَّة، فتكون حجة القرآن لازمة له ما لم يبين السنة التي هي أقوى من القرآن. ولا یکفي في ذلك مجرد دعواه. والثاني: أنه يدعي أن الاستحسان أقوى من القياس، فلهذا تركَه. والقياس إذا عارضه دليل أقوى منه كان القياس باطلاً، ولم يكن له حكم كما لو عارضه نص كتاب أو سنة أو إجماع. ولما حكم بصحة القياس هاهنا امتنع أن يكون عارضه أقوى منه ومانع من استعماله. وأيضاً: فإن المخصوص من جملة العموم يقاس عليه، فالمخصوص من جملة قياس الأصول أوْلى أن يقاس عليه؛ لأن حكم العموم أقوى من قياس الأصول (١) آية (٢) من سورة الحشر. (٢) وذلك لوجود نصوص صحت عندهم، أو لمخالفته قياس الأصول. انظر: أصول الجصاص الموضع السابق، وأصول السرخسي (١٥٣/٢). ١٤٠٢ له (١)، ولهذا ترك القياس له(٢) وأيضاً: فإن ما ورد به الأثر قد صار أصلاً بنفسه، فوجب القياس عليه، كسائر الأصول(٣). وليس رد هذا الأصل لمخالفة تلك الأصول بأوْلى من رد الأصول لمخالفة هذا الأصل، فوجب إعمال كل واحد منهما في مقتضاه وإجراؤه علی حکمه. وأيضاً: فإن القياس يجري مجرى خبر الواحد، بدليل أن كل واحد منهما يثبت بغالب الظن، ثم ثبت أنه يصح أن يرد مخالفاً لقياس الأصول، كذلك القیاس قبله. وأيضاً: لما جاز القياس على المخصوص من جملة القياس إذا [٢١٦/ب] كان معللاً بتعليل صاحب الشرع جاز وإن لم يكن معللاً. دليلُه: سائرُ الأصول. فإن قيل: إذا ورد معللاً، فإن كل ما وجدت فيه تلك العلة يصير كالمنصوص عليه، كأن النبَّ أُمَر بالقياس عليه، ويصير [القياس] عليه أوْلى من (١) قوله: (له) لم أفهم لها معنى، فلعلها خطأ. (٢) قال أبو الخطاب في التمهيد (٤٤٦/٣): (بل عموم الكتاب أقوى؛ لأنه مقطوع بطريقه، وقياس الأصول غير مقطوع عليه؛ لأنه مقيس على العموم بأمارة مظنونة، ثم العموم لا يمنع، فأوْلى أن لا يمنع المقيس عليه). وانظر: التبصرة ص (٤٤٨). (٣) هذا هو الفيصل في الموضوع، فإن أي حكم ورد به نص شرعي صحيح أصبح أصلاً بنفسه، فيقاس عليه، ولا يقال: إنه مخالف لقياس الأصول. وهذا هو ما بينه ابن القيم في كتابه الجليل: اعلام الموقعين، ومن قبله شيخ الإِسلام ابن تيمية. وانظر: اعلام الموقعين (٣١١/٢). على أن أبابكر الجصاص قد أورد هذا الدليل على شكل اعتراض، وأجاب عنه، وذلك في أصوله ص (١٢٣). ١٤٠٣ قياس الأصول، وليست هذه حال المخصوص العاري عن علة؛ لأنه لا يوجد فيه ما يبطل قياس الأصول. قيل: لو كان الحكم عندك في المعلل لما ذكرت، لوجب أن تقيس النبيذ على الخمر في التحريم لوجود علة الخمر(١) بقوله تعالى (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بِيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَعْضَاءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ)(٢). وهذه العلة موجودة في النبيذ، ومع هذا فلم تقيسوا النبيذ على الخمر. وكذلك كان يجب قياس الخل على النبيذ في جواز الوضوء - كما حُكي عن الأصم(٣) جواز الوضوء بسائر المائعات - لوجود العلة في النبيذ بقوله عليه السلام: (ثمرةٌ طيبة، وماء طهور)(٤)، وهذه العلة موجودة في الخل. وكذلك كان يجب أن تقيسوا الآكل والشارب في رمضان لمرض، على الناسي في إسقاط القضاء لوجود العلة فيه، وهو قوله: (اللَّهُ أَطْعمكَ وسقَاكَ)(٥). وهذا التعليل موجود في المريض. وليس لهم أن يقولوا: هذا التعليل لاسقاط (١) في الأصل: (العلة الخمر) و(ال) زائدة. (٢) آية (٩١) من سورة المائدة. (٣) هو: عبد الرحمن بن كيسان المعتزلي، وقد سبقت ترجمته. (٥) هذا الحديث رواه أبو هريرة - رضي الله عنه ـ مرفوعاً، أخرجه عنه البخاري (٤) إشارة إلى حديث النبيذ، وقد سبق تخريجه (٣٤١/١). في كتاب الصيام، باب: الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً (٣٨/٣) بلفظ: (عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قال إذا نسي فأكل وشرب، فليتمَّ صومَه، فإنّما أُطْعَمه الله وسقَاه). وأخرجه عنه مسلم في صحيحه في كتاب الصيام، باب: أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر (٨٩/٢). ١٤٠٤ أ المأثم، بل هو تعليل لإسقاط القضاء؛ لأنه روي في بعض الألفاظ (إِنَّمَا هو رِزِقٌ ساقَه اللَّهُ تَعَالى إليهِ، فلا قضاءَ عليه) رواه الدار قطني(١). فجعل هذه علة في إسقاط القضاء، ومع هذا فلم يقيسوا عليه غيرِه(٢). وكذلك أيضاً قاسوا المجامع ناسياً على الآكل ناسياً، وإن لم يكن الأصل معللاً، ولا مجمعاً على قياسه عليه(٣)؛ لأن أصحابنا منعوا من ذلك، وقالوا في الآكل ناسياً: لا يفطر (٤)، وفي المجامع يفطر(٥)، فامتنع أن تكون العلة في (١) الحديث رواه الدارقطني في كتاب الصيام (١٨٠/٢) عن أبي هريرة بلفظ قريب من لفظ البخاري. وأخرجه باللفظ الذي ذكره المؤلف منسوباً إليه (١٧٩/٢) وقال فيه: مندل وعبد الله بن سعيد، وهما ضعيفان. كما أخرجه بطرق أخرى وبألفاظ متقاربة. وكلها لا تخلو من مقال. (٢) القياس عندهم أن من أكل أو شرب ناسياً أنه يفطر، وعليه القضاء، ولكن ترك هذا القياس للحديث الصحيح الذي ذكره المؤلف. انظر: فتح القدير (٣٢٧/٢) مع البداية والهداية. والقول بأن العلة في الناسي موجودة في المريض فيه نظر ظاهر. (٣) الحنفية لم يقولوا بأن المجامع ناسياً يقاس على الآكل ناسياً، حتى يلزم عليهم ما ذكره المؤلف، بل قالوا ذلك ثابت بالنص لا بالقياس. وقال البابرتي في شرحه على الهداية (٣٢٧/٢) مطبوع مع فتح القدير: (فإن قيل: سلَّمنا ذلك، لكن النص ورد في الأكل والشرب على خلاف القياس، فكيف تعدى إلى الجماع؟ أجاب بقوله [يعني صاحب الهداية]: وإذا ثبت هذا في الأكل والشرب ثبت في الوقاع للاستواء في الركنية يعني: ثبت بالدلالة لا بالقياس؛ لأن كلاً منهما نظير للآخر في كون الكف عن كل منهما ركناً في باب الصوم). وانظر: أصول الجصاص ص (١١٥) وأصول السرخسي (١٥٣/٢). (٤) ولا قضاء عليه. انظر: الإقناع (٣١٠/١) والمقنع وحاشيته (٣٦٦/١). (٥) المجامع في نهار رمضان عليه القضاء والكفارة إن كان عامداً. ١٤٠٥ = ٦ جواز القياس على المعلل ما ذكروه، وإنما العلة فيه ما ذكرنا. وأيضًا: لما جاز القياس على ما ورد بخلاف القياس العقلي، وهو الطواف والسعي ورمي الجمار والوضوء(١)، فإن العقل يخالف هذه، ومع هذا يقاس علیها. فلأنْ يجوز القياس على ما ورد بخلاف القياس الشرعي أوْلى. فإن قيل: الشرع لا يرد بما يمنع العقل منه، وإنما يرد بما يُجَوِّزه العقل. فنظيره أن يرد الأثر بما لا تمنع منه الأصول، فيجوز القياس عليه. قيل: قد ثبت أن الشرع قد ورد بما يمنع العقل منه فلا يصح هذا(٢). فإن قيل: القياس الشرعي وخبر الواحد قد ثبت [٢١٧/أ] حكمهما في خلاف قياس العقل ولا يجوز ثبوت حكمهما(٣) في خلاف قياس النص، فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضاً أن يختلف حكم القياس العقلي والقياس الشرعي في باب جواز القياس على المخصوص من جملة أحدهما، وامتناع جواز ذلك في المخصوص من جملة الآخر. = وإن كان ناسياً ففيه روايتان: إحداهما: عليه القضاء والكفارة، وهي ظاهر المذهب. الثانية: عليه القضاء ولا كفارة. انظر: كتاب الروايتين والوجهين للمؤلف (٢٥٩/١) والإقناع (٣١٢/١) والمقنع وحاشيته (٣٦٨/١). (١) فإن هذه الأمور مبنية على التعبد، فالعقل لا يدرك السر في التعبد بها، ولكن الواجب علينا التسليم والامتثال؛ لأنها صادرة ممن نقطع بحكمته وعلمه. (٢) هذا غير مسلم للمؤلف. وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية كتاباً عظيماً في ذلك سماه: درء تعارض العقل والنقل، بَيَّن فيه كثيراً مما يظن أن فيه تعارضاً بين العقل والنقل بأسلوب واضح مبين. وانظر: اعلام الموقعين (٣١١/٢). (٣) في الأصل: (حكمها) والضمير عائد على مثنى. ١٤٠٦ i 1 قيل: لا نسلِّم هذا؛ لأنه قد ثبت الحكم بخبر الواحد في خلاف قياس النص، ولهذا حكمنا بخبر التَّصْرِية(١) والفَلَس(٢) وغير ذلك مما يرده (٣) أصحاب أبي حنيفة(٤). وكذلك قياس النص لا يقدم على غيره من قياس الاصول التي ليست بمنصوص على أصولها. (١) هذا إشارة إلى حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - يرفعه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تُصِرُّوا الإِبل والغنم. فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردَّها وصاعاً من تمر). أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب: النهي للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم (٨٧/٣). وأخرجه مسلم في كتاب البيوع، باب: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه وتحريم النَّصْرِية (١١٥٥/٣). وانظر: اعلام الموقعين لابن القيم (٣١١/٢) فإنه تكلم على هذه المسألة فأجاد وأفاد. (٢) مثل حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أدركَ ماله عند رجل أفلس، أو إنسان قد أفلس، فهو أحقُّ به من غيره). أخرجه البخاري في كتاب الاستقراض وأداء الديون، باب: إذا وجد ماله عند مفلس (١٤٧/٣). وأخرجه مسلم في كتاب المساقاة، باب: من أدرك ما باعه عند المشتري وقد أفلس فله الرجوع فيه (١١٩٣/٣). (٣) في الأصل: (ما يرده). (٤) انظر: أصول الجصاص ص (١١٣) وما بعدها، فقد تكلم عن هذه المسألة باستفاضة. وانظر أيضاً: أصول السرخسي (١٤٩/٢) وما بعدها. ١٤٠٧ واحتج المخالف بأن إثبات الشىء لا يصح مع وجود ما ينافيه، فلما كان القياس مانعاً مما ورد به الأثر لم يجز لنا استعمال القياس فيه؛ لأنه لو جاز ذلك لم يكن فرق بينه وبين سائر الأصول التي يمنع قياسها منه، فكان يخرج حينئذ من كونه مخصوصاً من جملة القياس. والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنا لا نسلِّم أن هاهنا ما ينافيه؛ لأن المنافاة تكون بدليل خاص، وما يذكرونه في هذه المسائل ليس بدليل خاص لما نذكره من التأويل. والثاني: أن المنافاة إنما تحصل بقياسه على غيره في إسقاط حكم النص، فأما قياس غيره فلا ينافيه؛ لأنه لا يسقط حكم النص، وعندهم لا يصح القياس عليه. واحتج: بأن قياس الأصول أوْلى من قياس ما ورد به الأثر، وذلك لأن. قياس ما ورد به الأثر يختلف فيه، وقياس الأصول متفق عليه، والمتفق عليه أوْلى من المختلف فيه(١). وهذا كان ما ثبت بخبر التواتر أوْلى مما ثبت بخبر الواحد. وما شهد له أصلان أوْلى مما شهد له أصل واحد، فلما كان قياس الأصول يشهد له جميع الأصول، وكان قياس ما ورد به الأثر لا يشهد له إلا أصل واحد، وهو الأثر، كان قياس الأصول أوْلى بالاعتبار من قياس ما ورد به الأثر. والجواب: أن هذه المزيَّة موجودة في مقابلة خبر الواحد، ومع هذا فإنه مقدم على قياس الأصول. . وكذلك القياس الشرعي مقدم على مقتضى القياس العقلي، وإن كان للعقل مزيَّة. ويفارق هذا خبر الواحد مع التواتر؛ لأن أحدهما مقطوع عليه. (١) انظر: أصول الجصاص (١٢٣) فإن هذا الدليل منقول منه بتصرف. ١٤٠٨ ١ ١ ! ١ مسألة يجوز إثبات الحدود والكفارات والمقدرات والأبدال بالقياس(١). ويجوز قياسها على المواضع التي أجمع على ثبوت ذلك فيها. وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية الميموني، فيمن سرق من الذهب أقل من ربع دينار: ((أقطعُه. قيل: ولم؟ قال: لأنه لو سرق عروضاً قوَّمتُها بالدراهم، كذلك إذا سرق ذهباً أقل من ربع دينار قوّمتُه بالدراهم))(٢). فقد أثبت القطع بالقياس. وكذلك نقل الميموني عنه في النصراني إذا زنا وهو محصَن: ((يرجم. قيل له: لم؟ قال: لأنه زانٍ بعد إحصانه))(٣). وكذلك نقل جعفر بن محمد النَّسائي أبو محمد عن أحمد - رحمه الله - في يهودي مرَّ بمؤذن وهو [يؤذن](٤) فقال: كذبتَ، قال: ((يقتل، (١) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٤٤٩/٣) والواضح لابن عقيل (٣٤٣/٢) والروضة مع شرحها (٣٤٣/٢) والمسوَّدة ص (٣٩٨). (٢) هذه الرواية ذكرها المؤلف في كتابه الروايتين والوجهين (٣٣١/٢). وكون الذهب ليس بأصل وأنه يقوم بالدراهم رواية في المذهب، والرواية الثانية: أن الذهب أصل، ومقداره ربع دينار فصاعداً، نص عليه في رواية صالح والمروذي، فإذا سرق من الذهب أقل من ربع دينار فلا يقطع، حتى لو ساوى ثلاثة دراهم فأكثر. قال المؤلف في كتابه: الروايتين والوجهين الموضع السابق: (هي أصح). وهي المذهب كما ذكرها المرداوي في الإِنصاف (٢٦٢/١٠). (٣) ذكر المؤلف معنى هذه الرواية منقولة عن الميموني في كتابه الروايتين والوجهين (٢٢٤/٢). وراجع هذه المسألة في كتاب الإِنصاف (١٧٢/١٠) والمغني (١٦٣/٨). (٤) الزيادة يقتضيها المقام، وهي كذلك في أحكام الذمة لابن القيم (٧٩٧/٢). ١٤٠٩ ( العدة فى أصول الفقه - ٨٩ ) : . : لأنه شتم))(١). وهو قول أصحاب الشافعي(٢). وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يثبت ذلك بالقياس(٣). دليلنا: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِى الأَبْصَارِ)(٤) وهذا عام. وحديث معاذ، لما قال: (أجتهد رأيي)(٥)، صوَّبه النبي عليه السلام، ولم يفرق بين هذه الأحكام وبين غيرها، فوجب حمله على عمومه. ولأنه إجماع الصحابة، قال عمر: (إن الناس قد تتابعوا في شرب الخمر واستحقروا حدَّها، فما ترون فيه؟ فقال علي: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، حَدُّه حد المفترين). فأجمعت الصحابة على إلحاقه بالقاذف قياساً(٦). (١) هذه الروايات الثلاث ذكرت في المسؤَّدة ص (٣٩٨). والرواية الأخيرة ذكرها ابن القيم في كتابه: أحكام أهل الذمة في الموضع السابق، كما ذكر كثيراً من الروايات عن الإِمام أحمد فيما يتعلق بمن تكلم في الله من أهل الذمة، وأورد الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب قتل السَّبَّاب وانتقاض عهده فأجاد وأفاد، رحمه الله تعالى. (٢) انظر: البرهان (٨٩٥/٢) والتبصرة ص (٤٤٠) والإحكام للآمدي (٥٤/٤). انظر في هذا: أصول الجصاص ص (١١٣) وأصول السرخسي (١٥٧/٢، ١٦٤) (٣) وتيسير التحرير (١٠٣/٤) وفواتح الرحموت (٣١٧/٢). (٤) آية (٢) من سورة الحشر. (٥) هذا جزء من حديث معاذ - رضي الله عنه - المشهور: (بم تحكم إن عرض لك قضاء)؟ الحديث. وقد سبق تخريجه. (٦) حكاية الإجماع هذه إما أن يراد أنهم أجمعوا على استعمال القياس في الحدود، حيث قاس بعضهم حد الخمر على حد القذف، ولم ينكر عليهم استعمال القياس هنا . = ١٤١٠ 1 وأيضاً: فإنه حكم لم يثبت بما يوجب العلم ويقطع العذر، فجاز إثباته بالقياس. أصله: سائر الأحكام. ولأن ما جاز إثباته بخبر الواحد جاز إثباته بالقياس. أصله: ما ذكرنا. يبين صحة هذا: أن القياس بمنزلة خبر الواحد، بدليل أن كل واحد منهما يثبت بالاستدلال. ثم الحدود تثبت بخبر الواحد، كذلك القياس. ولأن ما جاز أن يثبت به غير هذه الأحكام جاز أن يثبت به هذه الأحكام. أصله: الكتاب والسنة والإجماع. ولأن القياس [على] ما أثر على الأصول، فإذا وجد هذا المعنى في مسألتنا يجب أن یحکم بصحته. واحتج المخالف: بأن موجب القياس هو حصول الشبهة من الفرع، ومن بعض الأصول(١). وهذا المعنى متى حصل في الوطء (٢) سقط الحد. ألا ترى أن الوطء إذا حصل فيه الشبهة بالوطء المباح والشبهة(٣) بالوطء الحرام، كوطء أحد الشريكين الجارية التي بينهما، صار ذلك موجباً لسقوط الحد فلما كان مقتضى القياس [٢١٨/أ) مؤثراً وإما أن يراد أنهم أجمعوا على أن حد الخمر ثمانون قياساً على حد القذف. فالأول = يمكن تسليمه. أما الثاني فلا؛ لأن الخلاف في حده ذائع وشائع. انظر في اختلافهم: مراتب الإجماع ص (١٥٤). (١) عبر أبو الخطاب في التمهيد (٤٥٣/٣) عن هذا الدليل بعبارة أوضح حيث قال: (واحتج المخالف: بأن الحد لا يثبت مع الشبهة، والقياس هو: إلحاق الفرع بأشبه الأصلين، وذاك يثبت فيه الشبهة). (٢) في الأصل: (الوطيه). (٣) في الأصل: (والشبه). ١٤١١ --- في سقوط الحد، لم يجز أن يكون له مدخل في إثبات الحدود. والجواب: أن الشبهة التي أسقطت الحد هناك معدومة هاهنا؛ لأن هناك الشبهة في الفعل أو الفاعل أو المفعول فأسقطت الحد، وهذه الشبهة معدومة في مسألتنا، وأكثر ما فيه أنه دليل غير مقطوع عليه. وهذا يبطل بإثباته بخبر الواحد؛ لأن ما فيه من تجويز(١) الخطأ والسهو والعمد الكذب، لا يصير شبهة في درء الحد وإسقاط الكفارة. وكذلك يجوز إثباته بشهادة شاهدين، وما فيها من تجويز ذلك على الشاهدين، لا يكون شبهة في الإسقاط. ولأنه إذا وجب إلحاقه بأحد الأصلين، لقوته ورجحانه، سقط حكم الأصل الآخر، وكان وجوده كعدمه. واحتج: بأن الحد حق الله تعالى مقدر كالصلاة والزكاة ونحوها، فلما لم يجز إثبات أعداد الركعات والنصاب في الزكوات بالقياس، كذلك لا يجوز إثبات الحدود به(٢). والجواب: أنَّا لو وجدما معنى القياس جارياً في ذلك الموضع أثبتناه. واحتج: بأن مقادير العقوبات على الأجرام لا تعلم إلا من طريق التوقيف، لأن العقوبات إنما تستحق على الأجرام بحسب ما يحصل بها من كفران النعمة. ومعلوم أن مقادير نعم الله تعالى على عباده لا يعلمها(٣) إلا الله تعالى، وكان الحد عقوبة مستحقة على الفعل، ولم يكن لنا سبيل إلى معرفة مقدار العقوبة على ذلك الفعل إلا من جهة التوقيف، لم يجز له إثبات الحد بالقياس(٤). (١) في الأصل: (تجوز). (٢) انظر معنى هذا الدليل في أصول الجصاص ص (١١٣). (٣) في الأصل: (لا يعلما). (٤) انظر معنى هذا الدليل في أصول الجصاص ص (١١٤). ١٤١٢ 1 والجواب: أن الحدود يثبت قدرها بالشرع لأجرام معلومة، فإذا وجدنا معنى ذلك الجرم موجوداً في غيره ألحقناه به، قياساً عليه؛ لأن المعنى قد ثبت بالدليل، وما دل عليه الدليل فهو بمنزلة التوقيف. وعلى أنهم قد أثبتوا الحد بالقياس، وكذلك الكفارات، فقالوا: تجب الكفارة على المفطر بالأكل والشرب قياساً على المجامع(١). وقالوا: الحد يجب على الرِّدْءٍ(٢) في المحاربة(٣) قياساً على المباشر على قتال المشركين (٤). (١) سبق في المسألة التي قبل هذه ذكر قول الحنفية بأن ذلك ليس من باب القياس، بل من باب دلالة النص. وانظر: أصول الجصاص ص (١١٥). (٢) في الأصل (الرد). والرِّدْء: المُعِين. (٣) يعني أن المحاربين لو اجتمعوا فباشر أحدهم القتل، والباقي وقوف لم يشتركوا معه، فإن القتل يكون للجميع؛ لأنهم كانوا ردءٌ له. وذلك قياساً على الغنيمة، فالرّدْء في المعركة له ما للمباشر من الغنيمة. وعبارة الكمال في شرح فتح القدير (٤٢٧/٥): (قلنا: إنه حكم تعلَّق بالمحاربة، فيستوي فيه المباشر والرِّدْءِ كالغنيمة). (٤) عبارة المؤلف فيها غموض، فهو يريد أن يلزم الحنفية بأنهم قالوا بالقياس في الحدود فقالوا: إن الِّدْء في المحاربة يجب عليه الحد قياساً على الرِّدْء في قتال المشركين فإنه يستحق الغنيمة، مثله مثل المباشر لقتال المشركين. وانظر: التمهيد (٤٥٢/٣). ١٤١٣ مسألة [ قياس العكس ] الاستدلال بالشىء من طريق العكس صحيح، كالاستدلال به على وجه الطرد(١). وهو مثل استدلالنا على طهارة دم السمك بأنه يؤكل دمه، فدل ذلك على [٢١٨/ب] طهارته. ألا ترى أن سائر الحيوانات التي كانت دماؤها نجسة لم تؤكل بدمائها. ومثل استدلالنا على قراءة السورة غير مسنون في الأخريين، أنه لو كان من سنة القراءة فيها قراءة السورة لوجب أن يكون من سنته الجهر بها. ألا ترى أن الأوليين لما كان من سنتها قراءة السورة كان من سنتها الجهر. ومثل استدلالنا على أن الصلاة على النبي عَ له غير مسنون في التشهد الأول، أنه لو كان من سنته الصلاة لكان من سنته الدعاء. ألا ترى أن التشهد الأخير، لما كان من سنته الصلاة، كان من سنته الدعاء. وقال أصحاب الشافعي: الاستدلال بالعكس غير صحيح(٢). دليلنا : أن الأصل ليس بدليل على صحة العلة، وإنما (٣) الدليل على صحتها الكتاب (١) راجع في هذه المسألة: التمهيد (٣٥٨/٣)، والواضح (٨٣٦/٢)، والمسوَّدة ص (٤٢٥). (٢) هذا العزو غير محرر، فالشافعية فريقان، منهم: من قال: لا يصح كما ذكر المؤلف. ومنهم: من قال: يصح، قال الشيرازي في اللمع ص (٥٧): (وهو الأصح) يعني: القول به. ودلِّل على ذلك بقوله: (لأنه قياس مدلول على صحته بشهادة الأصول). وانظر: شرح اللمع (٨١٩/٢) فإن فيه كلاماً جيداً عن هذه المسألة. (٣) في الأصل: (ولا نما) وهو خطأ. ١٤١٤ والسنة وشهادة الأصول والتأثير، ودليل العكس قد أثر في الأصول فوجب أن يكون صحيحاً. ولأن عكسه يدل على صحته، يدل عليه العلة العقلية، لما اطردت وانعكست كان ذلك دليلاً على صحتها، كذلك هاهنا وجب أن يكون العكس دليلاً على صحته. ولأنه لا خلاف أنه لو عارض في الأصل بعلة ولم يعكسها، وإنما عكس بغيرها، لم يلزم الكلام على علة الأصل؛ لأنهما(١) قد اتفقا على صحتها، وإنما يلزم الكلام على علة الفرع، فدل هذا على أن العكس حجة. فصل [ التقسيم ] والاستدلال بالتقسيم صحيح، وهو أن يكون في المسألة قسمان أو أكثر فيدلَّ المستدل على إبطال الجميع إلا واحداً منها ليحكم بصحته، ولا يطالب بالدلالة على صحته بأكثر مما ذكره (٢). (١) في الأصل: (لأنها) وهو خطأ، بدليل ما بعده. (٢) راجع في هذه المسألة: التمهيد (٢٢/٤) والواضح (١٠٨٥/٣) وروضة الناظر (٢٨١/٢) والمسوَّدة ص (٤٢٦) والبلبل ص (١٦١) وشرح الكوكب ص (٣٠٨). واشترط أبو الخطاب: أن تجمع الأمة على تعليل الأصل، ثم يختلفون في العلة، فيبطل المستدل جميع ما قاله المخالفون إلا علة واحدة فتكون صحيحة. وزاد ابن قدامة شرطين هما: = أن يكون سبرُه حاصراً لجميع ما يعلل به. ١٤١٥ مثاله: أن نقول: لا يخلو إما أن يكون تحريم التفاضل في البُر متعلقاً بكونه مكيلاً، أو مأكولاً، أو مقتاتاً. فلا يجوز أن يكون مأكولاً ولا مقتاتاً لوجود التفاضل فيهما والعقد صحيح، وهو إذا باع مَكُّوكاً بمَكُّوك(١)، وأحدهما أخف من الآخر، فإن التفاضل في القوت والطعم موجود والعقد صحيح، ولو تساويا في ذلك وتفاضلا في الكيل لم يصح العقد. فعلم أن التحريم متعلق بالكيل. ومثله ما قلنا في الإِيلاء، لا يخلو إما أن يكون صريحاً في الطلاق أو كناية، فلا يجوز أن يكون صريحاً؛ لأنه لو كان كذلك، لوقع الطلاق به منجزاً حالاً كما يقع بصريحه(٢). ولا يجوز أن يكون كناية؛ لأنه (٢١٩/أ) لو كان كذلك لافتقر إلى النية، كسائر الكنايات. فلما بطل القسمان، امتنع أن يكون طلاقاً. ومثله ما نقوله في اللعان: لا يخلو إما أن يكون يميناً أو شهادة، فلا يجوز أن يكون شهادة؛ لأنه يصح من فاسق ومن أعمى، وشهادتهما لا تصح(٣). لم يبق إلا أنه يمين؛ لأن أيمان هؤلاء تُسمع. وأن يبطل أحد القسمين، إما ببيان بقاء الحكم بدون ما يحذفه من الأوصاف، وإما = ببيان أن ما يحذفه من جنس ما عهد من الشارع عدم الالتفات إليه كالسواد والبياض. قلت: وفي اشتراط الاجماع على تعليل الأصل نظر؛ لأنه يؤدي إلى إبطال هذا المسلك، أو تقليصه، ولو اكتفى باتفاق الخصمين على أن حكم الأصل معلل لكان أولى. والله أعلم. (١) المكّوك: مكيال. انظر المصباح المنير (٨٩٢/٢) مادة (مكك). (٢) في الأصل (عصره) بدون إعجام. (٣) الإطلاق في عدم قبول شهادة الأعمى فيه نظر، فقد صرح في المغني (١٨٩/٩) = ١٤١٦ ! ومثله ما نقوله في تحريم الخمر: لا يخلو إما أن يكون الاسم أو الشدة المطربة. ولا يجوز أن يكون للاسم؛ لأن العصير المطبوخ يحرم عندهم إذا حصلت فيه [الشدة]، وإن لم يقع عليه اسم الخمر. وكذلك نقيع التمر والزبيب محرمان عند مخالفنا، وإن(١) لم يتناولهما الاسم. فعلم أن التحريم يُعلَّق لوجود الشدة المطربة، وهذا موجود في النبيذ. ومثل هذا کثیر. والدلالة على صحة هذا: أنه لابد في الحادثة من حكم، فإذا بطل الجميع إلا واحداً، وجب أن يكون ما بقي صحيحاً؛ لأنه لا يجوز أن يبطل الكل. وأما إذا دل الدليل على صحة كل واحد منها بطلت سائر الأقسام؛ لأن الحق واحد، وما عداه باطل، فإذا صح الواحد منها، وجب أن يحكم ببطلان الباقي. فصل [ الاستدلال بالأولى ] والاستدلال بالأولى صحيح (٢)، إذا بين أن حكم الأصل في الفرع يجب أن يكون آكد. = أنه تقبل شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت، وهو المذهب كما في الإِنصاف (٦١/١٢). (١) في الأصل: (وإذا لم). (٢) هذا ما يسمى بمفهوم الموافقة، وقد عقد له المؤلف فصلاً (٤٨٠/٢) تحدث فيه عن حجيته، كما عقد له فصلاً آخر (٨٢٧/٣) بين فيه أنه يَنسخ ويُنسخ به. وصرَّح بأن دلالته من باب النطق لا من باب القياس. ١٤١٧ = مثاله: ما نقول في أن التيمم إذا لم يجز مع وجود الماء لفوت صلاة الجمعة فلأنْ لا يجوز لفوت صلاة الجنازة مع الإِمام أولى؛ لأن صلاة الجنازة فرض على الكفاية. وكذلك ما نقول في جريان القصاص بين الرجل والمرأة، وبين العبدين في الأطراف، لمَّا جرى بينهم في النفس مع عظم حرمتها وضمانها بالكفارة، فأولى أن يجري في الطرف مع خفة حرمته. وكذلك نقول في قطع الأطراف بطرف، لمَّا قُتل الجماعة بالواحد مع عِظَم حرمة الأنفس، فأولى أن يفعل ذلك في الأطراف مع خفة حرمتها. وقد احتج أحمد - رحمه الله - بهذا في رواية بكر بن محمد عن أبيه ((لا يقتل الحر بالعبد))(١). وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا أعاد الكلام هنا في باب القياس؟ = يجاب على ذلك بما في المسوَّدة ص (٤٢٧) بأن الأولى في المعاني نظير الفحوى بما في الخطاب. ويقول في المسوّدة أيضاً: (التحقيق عندي: أن الأولوية الواضحة التي يستوي فيها العالم والعامي هي تنبيه الخطاب كما سبق، ولها حكم المنصوص كما سبق. فأما الأولوية الخفية فكسائر الأقيسة، كما قال الشافعي في مسألة السَّلَّم في الحال وكفارة العمد). ويدل عليه أيضاً قول المؤلف في آخر المسألة: (لأن الأولى فيه ضرب من التنبيه، والتنبيه حجة في الشرع). (١) هذا هو المذهب. ويرى الشيخ تقي الدين: أنه يقتل به. انظر: الإنصاف (٤٦٩/٩) ومسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص (٤٠٩) والمقنع مع حاشيته (٣٤٦/٣) والمغني (٦٥٨/٧). والمذهب جرى على أنه إذا لم يقتص منه في النفس فمن باب أولى لا يقتص منه = ١٤١٨ وأصحاب أبي حنيفة يقولون: يقتل(١)، ولا يجعلون بين الحر والعبد قصاصاً في الجراح، والنفس أعظم من الجراح (٢)، فهذا يدخل عليهم. والدليل على صحة ذلك: أن أحد أقسام الدلالة على صحة العلة التأثير وشهادة الأصول. وهذا المعنى موجود في الأولى؛ لأنه قد أثر. ولأن الأولى فيه ضرب من التنبيه ، والتنبيه حجة في الشرع . وقد دل على ذلك الكتاب في قوله: (فَلاَ ثُقُل لَّهُمَا أُفٌ)(٣) نبه على تحريم الضرب . وكذلك قوله: (وَمِنْهُم مَّنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) (٤) تنبيه على الزيادة على ذلك. في الطرف. = قال في المغني (٦٥٩/٧): (ولا يُقطع طرفُ الحر بطرف العبد بغير خلاف علمناه). وقال أيضاً ص (٧٠٣): (وأما من لا يقتل بقتله، فلا يقتص منه فيما دون النفس له، كالمسلم مع الكافر، والحر مع العبد، والأب مع ابنه؛ لأنه لا تؤخذ نفسه بنفسه فلا يؤخذ طرفه بطرفه، ولا يجرح بجرحه كالمسلم مع المستأمن). وانظر: الإِنصاف (١٤/١٠). (١) انظر في هذا: شرح فتح القدير (٢١٥/١٠) مستدلين بالعمومات، ولأن القصاص يعتمد المساواة في العصمة، وهي بالدِّين وبالدار، وهما يستويان فيهما. (٢) الحنفية يمنعون القصاص في الأطراف؛ لأن المساواة لابدَّ من توافرها في الجزء المبان، ولا مساواة بين الحر والعبد في الطرف، لأن الرق ثابت في أجزاء الجسم، وعليه فطرف العبد معيب بخلاف طرف الحر، ومعلوم أنه لا يقطع سليم بمعيب. انظر شرح فتح القدير وشرح العناية وحاشية سعدي جلبي (٢١٥/١٠ - ٢١٧). (٣) آية (٢٢) من سورة الإِسراء. (٤) آية (٧٥) من سورة آل عمران. ١٤١٩ فصل [ الاستدلال بالقِرَان ] الاستدلال بالقِرَان يجوز(١) وهو: أن يذكر الله تعالى أشياء في لفظ واحد ويعطف بعضها على بعض. نحو قوله تعالى: (أَوْجَاءَ أُحَدٌ مِنْكُم مِّنَ الْغَائِطِ أُوْ لاَ مَسْتُمُ النِّسَاءَ) (٢)، فيكون اللمس هاهنا يوجب الوضوء؛ لأنه عطف على المجيء من الغائط. وقد استدل أحمد - رحمه الله - بالقرينة في باب التخصيص، فلولا أنها حجة له لم يخصص اللفظ بها، فقال في قوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّ هُوَ رَابِعُهُمْ)(٣): ((المراد به العلم. قال: لأنه افتتح الخبر بالعلم فقال: (أَلَمْ تَرِ(٤) أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ)، وختمه بالعلم فقال: (إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيمٌ))(٥). وقال في رواية حرب في قوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ)(٦) فإذا أَمِنه فلا بأس أن لا يشهد. انظر إلى آخر الآية (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًاً)(٧). (١) راجع هذه المسألة في: هذا الكتاب (٦١٤/٢)، والتمهيد (١٦٩/٤) والمسوَّدة ص (١٤٠) وشرح الكوكب المنير (٢٥٩/٣). (٢) أية (٤٣) من سورة النساء. (٣) آية (٧) من سورة المجادلة. (٤) في الأصل: (ألم تعلم) وهو خطأ. (٥) هذا من رواية المروذي كما ذكر المؤلف في الموضع السابق، وكما ذكر أبو الخطاب في التمهيد الموضع السابق. آية (٢٨٢) من سورة البقرة. (٦) (٧) الإشهاد في البيع عند الحنابلة مستحب لهذه الآية، ولأدلة أخرى ذكرها ابن قدامة في كتابه المغني (٢٧٣/٤). ١٤٢٠ :