النص المفهرس

صفحات 1381-1400

الأصل قد استغنى بدخوله تحت الإجماع عن التعليل. ألا ترى أن جميع
الأحكام لو كانت مجمعاً عليها، أو منصوصاً عليها لم يحتج مع ذلك إلى
القیاس.
فإذا كان التعليل بما لا يتعدى الأصل لا يفيد إلا ما أفاده النص أو
الإجماع وجب أن يكون وجوده وعدمه سواء.
وقد يُعبر عن هذا بعبارة أخرى، فيقال: الأصل معلوم من طريق القطع،
فتعليله بما لا يتعدى لا يستفاد به معرفة الأصل؛ لامتناع أن يعلم بما طريقه
غلبة الظن، الأمر الذي علم من جهة القطع، وصار كمن قاس القياس الشرعي
في الأمور العقلية التي طريقها العلم، أو طلب أخبار آحاد، ليعلم بها ما علم
من طريق القطع. وإذا بطل أن يعلم بها حكم الأصل، ولم يجز أن نعرف بها
حكم فرع آخر، سقط اعتبارها.
فإن قيل: هذا يبطل بالعلة العقلية والعلة المنصوص(١) عليها، فإنها صحيحة
وإن كانت مقصورة واستغنى الأصل عنها، فإن العلة العقلية يجوز أن تكون
مقصورة، وهو قوله: ((لا تسلك طريقاً تهلك فيه إلا أن يكون لك فيه نفع
في الآخرة، كالأمر بالمعروف)»، والعامة نحو قوله في الظلم: ((لا يجوز لكونه
قبيحاً)) فهذه عامة في كل قبيح.
وكذلك العلة المنصوص عليها، يجوز أن تكون مقصورة، وهو أن يقول
الله تعالى أو رسوله: حرمت التفاضل في الدراهم والدنانير لأنها قِيَم [٢١٢/أ]
الأشياء.
قيل: لا يبطل ما ذكرنا. وذلك أن العلة العقلية يستفاد الموجب بها منها.
وهذا المعنى يحصل بالمتعدية(٢) وغيرها، فكان لطلب كل واحد من الأمرين
(١) في الأصل: (المنصوصة).
(٢) في الأصل: (بالمتعدي).
١٣٨١

:
فائدة.
فأما الشرعيات فهي علامات، ومعلوم أنها ليست بعلامة لمعرفة حكم
الأصل، وإنما علامتها السمع الوارد. فإذا لم يعلم منها فائدة كانت كعدمها.
أما العلة المنصوص عليها، فإنه يحمل الأمر فيها على أنها بيان لعلة المصلحة
التي لأجلها أبيح أو حُظِرٍ. وعِلَّلُ المصالح لا تُعلم بالاستخراج، وإنما تُعلم
بالتوقيف، وكلامنا في العلة التي تستخرج من عِلَل الأحكام، وليست بمتعدية.
وجواب آخر، وهو: أن قول أصحاب الشريعة يوجب هذا المعنى،
فيحصل(١) بالمتعدية(٢) وغيرها، تجري مجرى العلة العقلية، وهذا المعنى معدوم
في تعليلنا.
فإن قيل: فيها فائدة، وإن كانت مقصورة، و [هي] أن يُعلم معنى
الحكم (٣)، وأنه ليس مما استأثر الله بعلمه.
قيل: لا فائدة في معرفة معنى الحكم إذا لم يتعدَّ إلى غيره؛ لأنه لا يفيد
إلا ما أفاده النص. وقد بينًا هذا في التي قبلها.
فإن قيل: فيه فائدة أخرى، وهو أن نعلم علة المصلحة به.
قيل: علة المصالح لا طريق إلى معرفتها، إلا من جهة التوقيف. ألا ترى أن
موسى عليه السلام، أنكر ما حصل من صاحبه من خرق السفينة، وقتل الغلام،
وإقامة الحائط الذي أراد أن ينقضَّ، ولم يعرف وجه المصلحة في ذلك حتى
وقف عليه، فلم يكن للتعليل حظ في معرفة علة المصلحة.
وعلى أن الأصل إنما يعلل لطلب علة الحكم دون علة المصلحة؛ لأن علة
(١) في الأصل: (يحصل) بدون الفاء.
(٢) في الأصل: (بالمتعدي).
(٣) في الأصل: (وإن لم يعلم معنى الحكم) وإثبات (لم) يغير المعنى فحذفناها ليستقيم
الكلام.
١٣٨٢

الحكم فيما يكون عليه الأصل من الأوصاف، وعلة المصلحة إنما هي في المعبَّدين
دون الحكم، من حيث إن الله تعالى قد علم أنه لو لم يتعبد المكلف بما يتعبده
به فَسَد، فكانت مصلحته في التعبد.
فإن قيل: فيه فائدة أخرى، وهو أن يمنع رد غير المنصوص عليه إلى
المنصوص عليه، ويعلم أن الحكم مقصور عليه لا يتعداه.
ويفيد أن الحكم ثبت في المنصوص عليه لهذه العلة. فربما حدث ما يوجد
فيه تلك العلة فيقاس عليه.
قيل: الشرع ورد في تعليل الأصول ليقاس عليها، لا للمنع من القياس،
فلم يصح أن يقال: إن الفائدة منع رد غير المنصوص عليه إلى المنصوص عليه.
فإن قيل: إنما يعلم أن العلة متعدية أو مقصورة بعد استنباطها، وثبوتها،
وصحتها. وقبل [٢١٢/ب] ذلك لا يعلم. والخلاف في صحتها في الأصل.
وهل يجوز استنباطها وجعلها(١) علة، فكيف يجوز أن يستدل على جواز
استبناطها وجعلها علة، ما لم تثبت بعد استنباطها وثبوتها؟!
قيل: يجوز أن يطلق على العلة الفساد قبل استنباطها، للعلم بفسادها من
جهة الشرع، كما يطلق الصحة [عليها] قبل استنباطها، وكما يطلق عليها الفساد
قبل استنباطها لعدم الوصف أو الأصل، كذلك هاهنا.
فإن قيل: لا يمتنع أن تكون علة صحيحة، وإن كانت [دالة] على ما دل
عليه النص. كما أن خبر الواحد يكون دالاً على ما دل عليه نص القرآن، ويكون
صحيحاً.
قيل: نص القرآن وخبر الواحد، كل واحد منهما يدل على نفس الحكم،
وما اختلفنا فيه يدل على علته، وعلة الحكم من شأنها أن تكون متعدية مفيدة.
بدليل علة الربا، النص ورد على ستة أشياء، فلما طلبنا علةَ الحكم وجب تعدِّيها،
(١) في الأصل (وجعله) . .
١٣٨٣

فالمخالف يُعدِّيها إلى كل مطعوم. ونحن نُعدِّيها إلى كل مكيل. كذلك هاهنا.
ولهذا رجحوا علتهم بأنها أُعَمُّ فروعاً.
وجواب آخر، وهو: أن الآية مع الآية، والخبر مع الخبر، كل واحد منهما
دليل مقطوع عليه، بدليل أنه لا يسقط أحد الأجناس. فجاز أن يكون كل
واحد منهما دليلاً مع الآخر. والقياس مع الخبر بخلاف ذلك؛ لأنه غير مقطوع
عليه؛ لأنه يسقط مع الخبر، فلم يكن حجة معه.
يبين صحة هذا: أنه لو أقَرَ، ثم أقَرّ، ثبت الحق بهما جميعاً، إلا أنهما سواء
في المدَّعلى(١)، والبينة لم تسمع؛ لأن الإقرار مقطوع به، والبينة غلبة الظن،
کذلك هاهنا.
واحتج المخالف:
بأن هذه أمارة شرعية، فجاز أن تكون عامة وخاصة، كالنص، يكون عاماً
كقوله: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)، ويكون خاصاً كقوله: ((اقتلوا المرتد)).
والجواب: أنه إنما كان حجة في العموم والخصوص؛ لأنه يفيد في الموضعين
جميعاً إثبات الحكم في الموضوع المنصوص عليه. وليس كذلك في مسألتنا،
فإنها تفيد في العموم، ولا تفيد في الخصوص من الوجه الذي بيَّنَّا.
واحتج: بأن كل معنى يجوز أن يكون منطوقاً به، جاز أن يكون مستنبطاً
كالعلة المتعدية.
وبيانه: أن صاحب الشرع لو نص على العلة المقصورة جاز، كذلك
المستنبطة.
/
والجواب عن العلة المنصوص عليها ما ذكرنا، وهو أنها أفادت علة المصلحة،
وذلك لا يعلم بالاستخراج، وإنما يعلم بالتوقيف.
وكلامنا في العلل التي تستخرج من الأحكام. [٢١٣/أ].
(١) يعني: أن الإِقرارين سواء في إثبات المدعى به.
١٣٨٤

واحتج: بأن العلة الشرعية أوسع من العقلية؛ لأن الشرعية يوجد الحكم
بوجودها وليس من شرطها أن يعدم بعدمها. والعقلية تحتاج أن يوجد الحكم
بوجودها ويعدم بعدمها. فلما ثبت أن العلة العقلية يجوز أن تكون متعدية،
وتكون مقصورة، فالشرعية أولى.
والجواب عنه تقدم، وهو أن العلة العقلية يستفاد الحكم الموجب بها منها.
وهذا يحصل بالمتعدي منها وغيره.
والشرعيات علامات، والمقصورة ليست بعلامة لمعرفة حكم الأصل. وإنما
علامتها السمع، فإذا لم تُعلم بها فائدة كانت كعدمها.
واحتج: بأن القُيَّاس(١) اختلفوا في الدليل على صحة العلة:
فقال بعضهم: سلامتها على الأصول.
وقال بعضهم: التأثير والمُلاءَمة.
وكل دليل ذكرته طائفة، فهو موجود في العلة المقصورة.
والجواب: أن أحد الأدلة على صحتها، كونها مفيدة، وذلك معدوم
هاهنا (٢).
(١) يعني القائلين بحجية القياس.
(٢) ليس ذلك معدوماً، بل هناك فوائد منها:
أ ) معرفة هذه العلة القاصرة في حد ذاتها فائدة؛ لأن العلم بالشىء خير من
الجهل به.
أن النفس البشرية تتوق إلى معرفة علل الأشياء.
ب)
أن يمتنع من القياس عليها إذا عرف أنها قاصرة.
ج)
أن نَظَرَنا الآن إليها جعلها قاصرة، وربما حدث جنس آخر تتوفر فيه هذه
د)
العلة، فتكون متعدية والحالة هذه.
انظر: التمهيد لأبي الخطاب (٦٤/٤) والإِحكام للآمدي (٢٠١/٣).
وقد تبنَّى أبو الخطاب القول بصحتها، مخالفاً شيخه أبا يعلى، ولذلك تعقبه
في أكثر الأدلة وأجاب عنها.
١٣٨٥

مسألة
[ تخصيص العلة الشرعية ]
لا يجوز تخصيص العلة الشرعية(١). وتخصيصُها نقضُها(٢).
وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية [ أحمد بن ] الحسين بن حسان
((القياس: أن يقاس على الشىء إذا كان مثله في كل أحواله. فأما إذا أشبهه
في حال، وخالفه في حال، فهذا خطأ))(٣).
(١) راجع هذه المسألة في: المسائل الأصولية من كتاب الروايتين والوجهين للمؤلف
ص (٧١)، والتمهيد لأبي الخطاب (٦٩/٤) وروضة الناظر (٣٢١/٢)، والمسوَّدة
ص (٤١٠، ٤١٢).
(٢) هذا الذي جزم به المؤلف هنا، ولكن في المسائل الأصولية من كتاب الروايتين
ص (٧١) ذكر رأيين للحنابلة، الجواز وعدمه، ثم قال:
(إن القول بالجواز هو المذهب الصحيح، ومسائل أصحابنا تدل عليه).
وفي المسؤَّدة ص (٤١٣): (قلتُ: وقد ذكر القاضي في مقدمة المجرد أن القول
بجواز تخصيصها هو ظاهر كلام أحمد في كثير من المواضيع.
قلت: فصارت على روايتين منصوصتين، ولفظه: هي صحيحة حجة فيما عدا
المخصوص).
وكان الأولى أن يحرر المؤلف محل النزاع؛
لأن العلة قسمان: منصوصة، ومستنبطة.
وقد حرر محل النزاع أبو الخطاب في التمهيد، فذكر أن العلة المستنبطة فيها قولان،
وبكل واحد قال فريق من الحنابلة، وأن كلام الإمام أحمد يحتمل القولين.
ثم ذكر المنصوصة، وقال: من يقول بتخصيص العلة يقول بتخصيصها، ومن منع
من تخصيص المستنبطة اختلفوا في ذلك فقال بعضهم بالجواز، وقال بعضهم بعدمه.
وسيأتي في استدلال المؤلف ومناقشته ما يشير إلى ذلك.
(٣) هذه الرواية ترددت كثيراً، وقد سبق توثيقها.
١٣٨٦

٢
وهذا الكلام يمنع تخصيصها عنده.
وذكر أبو إسحاق(١) في جزء وقع إلَّ من شرح الخِرَقي فقال: أصحابنا
علی وجھین:
منهم من يرى تخصيص العلة.
ومنهم من لا يرى ذلك(٢).
وقد ذكر أبو الحسن الجزري(٣) في جزء فيه مسائل من الأصول قال: لا
يجوز تخصيصها.
وهو قول الشافعي(٤)، وجماعة من المتكلمين (٥).
(١) هو: ابن شاقلا، وقد سبقت ترجمته.
(٢) وهو ما صَرَّح به أبو الخطاب في التمهيد (٦٩/٤ - ٧٠) وقال: (وكلام أحمد
- رضي الله عنه - يحتمل القولين معاً).
وذكر ذلك في المسوَّدةِ ص (٤١٢)، والروضة (٣٢١/٢).
والقول بعدم الجواز اختاره القاضي هنا، ونسبه إلى شيخه أبي عبد الله الحسن بن
حامد في المسائل الأصولية ص (٧١).
ونسبه هنا وفي المسوّدة إلى أبي الحسن الجزري.
والقول بالجواز اختاره أبو الخطاب في التمهيد، وانتصر له.
(٣) هو: عبد العزيز بن أحمد بن الحسن أبو الحسن الخرزي، أو الجزري وقد سبقت
ترجمته ص (١٠٠٠).
(٤) هكذا جاءت النسبة في جمع الجوامع (٢٩٥/٢).
والآمدي في الإِحكام (٢٠٢/٣) ذكرها منسوبة إلى الإِمام الشافعي بصيغة ((قيل)).
ولكن الغزالي في شفاء الغليل ص (٤٦٠) صرح بأنه لم يُنْقل عن أبي حنيفة أو
الشافعي تصريح بجواز التخصيص أو منعه.
(٥) انظر: التبصرة ص (٤٦٦) والمعتمد (٨٢٢/٢)، والمحصول (٣٢٣/٥)، والإِحكام
للآمدي الموضع السابق، والإِبهاج (٩٣/٣).
١٣٨٧

وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز تخصيصها(١).
وحكي ذلك عن مالك(٢).
وقال أحمد - رحمه الله - في القياس: يقتضي أن لا يجوز شرْي أرض
السواد؛ لأنه لا يجوز بيعها(٣) ليس بموجب لتخصيص العلة؛ لأن تخصيص
العلة ما مَنَع من جریانها في حكم خاص.
وما ذكره أحمد - رحمه الله - إنما هو اعتراض النص على قياس الأصول
في الحكم العام، وقد يترك قياس الأصول للخبر.
دليلنا :
أن هذه علة يجب وجود الحكم بوجودها. فوجب أن يكون تخصيصها
(١) الظاهر من كلام المؤلف أن أصحاب أبي حنيفة يقولون كلهم بالجواز، ولكن
صاحب كشف الأسرار ذكر أن الحنفية قسمان في هذه المسألة، حيث قال
(١١٥٢/٤): (واختلفوا في تخصيص العلة، فقال القاضي الإمام أبو زيد والشيخ
أبو الحسن الكرخي، وأبوبكر الرازي وأكثر أصحابنا العراقيين: إن تخصيص العلة
المستنبطة جائز ...
وذهب مشايخ ديارنا قديماً وحديثاً إلى أنه لا يجوز ...
هذا في العلة المستنبطة.
فأما في العلة المنصوصة فاتفق القائلون بالجواز في المستنبطة على الجواز فيها. ومن
لم يجوز التخصيص في المستنبطة فأكثرهم جوزه في المنصوصة، وبعضهم منعه في
المنصوصة أيضاً).
وذكر في مسلَّم الثبوت (٢٧٧/٢) الرأيين عن الحنفية وأن القول بالجواز هو المختار،
وقال به الأكثر منهم.
وانظر الفصول في الأصول (١٤٤).
(٢) انظر شرح تنقيح الفصول للقرافي المالكي ص (٤٠٠)، فقد صرح بأن القول
بالجواز هو المذهب المشهور.
(٣) في الأصل (بيعه) والضمير عائد على مؤنث.
١٣٨٨

نقضاً لها، قياساً على العلة العقلية. مثل الحركة والسكون، والقدرة والعجز
والسواد والبياض، وغير ذلك مما هو علة في العقل للحكم الذي موجبه المحل
الذي توجد فيه، فإن تخصيصها [٢١٣/ب] يكون نقضاً لها.
كذلك العلة الشرعية.
فإن قيل: العلة العقلية موجبة لما توجبه بنفسها. ألا ترى أنه لا يجوز وجودها
في وقت من الأوقات غير موجبة لما توجبه. والشرعية أمارة للحكم بدلالة
وجودها قبل الشرع، من غير أن يتعلق بها حكم.
قالوا: يبين صحة هذا: أنه يجوز أن ينص الله تعالى على أن العلة الشرعية
هي علة للحكم في موضع دون موضع، ولا يجوز أن ينص على أن العلة العقلية
[هي علة] لما توجبه في بعض المواضع دون بعض.
قيل: الشرعية بعد جعلها علة، قد صارت بمنزلة العقلية في اقتضائها للحكم
وإيجابها له، ووجوب وجوده بوجودها، وكونها موجبة في زمان دون زمان
لا يدل على كونها علة في مكان دون مكان؛ لأنه يجوز أن لا تكون علة ثم
تصير (١) علة، فلا يجوز أن تكون علة في مكان ولا تكون علة في مثله؛ لأن
وجودها مع زوال الحكم يدل على أنه نقض للعلة، وأنها مقيدة بصفة زائدة
تخص ذلك الموضع الذي هي علة فيه، فبان الفرق بين الزمانين والمكانين.
وقد قيل في جواب هذا: إن العلة العقلية سبب كونها علة العقلُ، وذلك
السبب يوجد على الاتصال في جميع الأوقات، فلا يخرج عن كونها علة مع
وجود سببها.
والعلة الشرعية سببها الشرع. وذلك السبب يختص ببعض الأوقات دون
بعض فكانت علة في بعض الأزمنة دون بعض.
(١) في الأصل: (يصير) بالمثناة التحتية فيهما.
١٣٨٩

ونحن إنما اعتبرنا إحداهما بالأخرى، مع وجود سببها، وهما متساويان في
هذه الحالة، وإن اختلفا في غيرها.
واعترض المخالف على هذا وقال: العلل العقلية لم تصر عللاً بالعقل، وإنما
هي علل بأنفسها.
ألا ترى أنها قد كانت عللاً، وإن لم يكن هناك ذو عقل.
وهذا غير صحيح؛ لأنه لا يصح وجود العلة العقلية قبل وجود العقل،
لأنها به صارت عامة. وإنما يصح وجودها مع عدم ذي عقل؛ لأن ذلك ليس
بعلة لها، وإنما علتها (١) العقل، وهو موجود.
فإن قيل: العلل الشرعية، لما لم تكن موجبة لهذه الأحكام قبل ورود الشرع
لم يجز أن يرد الشرع بكونها موجبة. والعلل العقلية لما كانت موجبة لم يجز
أن يرد الشرع بكونها غير موجبة.
قيل: لما كانت هذه العلل قبل ورود الشرع غير أمارات للأحكام، ثم لم
يمتنع أن يرد الشرع بكونها أمارات [٢١٤/أ] لم يمتنع أيضاً أن تكون غير موجبة
قبل الشرع ثم يرد الشرع بكونها موجبة لما تعلق بها من الأحكام.
وقد قيل: إن القول بتخصيص العلة يقتضي سد باب الاستدلال على صحة
العلة. فإنه لا تثبت العلة إلا بأمارة تدل على صحتها فإن وجد الحكم لوجودها،
دلَّت الأمارة على صحتها. وإن لم يوجد الحكم لوجودها لم تكن تلك الأمارة
دلالة على صحتها، فتكون علة تارة، ولا تكون علة أخرى، وتكون بعض العلة،
فيجب ضم وصف آخر إليها حتى لا تنتقض.
فثبت أنها لم تكن علة مع عدم الوصف الزائد.
وقد قيل في المسألة: إن تخصيص العلة يؤدي إلى تكافئ الأدلة؛ لأن من
(١) في الأصل: (علبها) بالموحدة التحتية، وهو خطأ.
١٣٩٠
١

قال: يحل شرب النبيذ؛ لأنه مائع يشتهى(١) شربه، فوجب أن يكون حلالاً،
كالماء وسائر الأشربة، وقال: قام الدليل في الخمر فخصصها، لم ينفصل ممن
قال: إنه مائع يشتهى(٢) شربه فوجب أن يكون حراماً كالخمر.
وقد قام الدليل على الماء وسائر الأشربة فخصصها.
وهذه الطريقة أصح، إذا لم يكن المعلِّل دل على صحة علته.
فأما إذا دل على صحة علته بالتأثير لم يصح القلب؛ لأن التأثير لا يوجب
العلة في الحكمين جميعاً، ولا يجوز أن يؤثر إلا في أحدهما.
وقيل أيضاً: بأنه لو جاز تخصيص العلة لم يوجد في شىء من العلل مناقضة؛
لأن كل واحد من أوصاف علته مع ارتفاع حكمها يمكنه أن يخصصها.
ولا يلزم النقض أبداً؛ إذ في اتفاقنا على أن من العلل الشرعية ما يتوجه
عليها النقض دليلٌ على امتناع جواز تخصيص العلة.
وهذا لا يلزم المخالف؛ لأنه يقول: جواز تخصيص العلة بشرائط وهي:
أن يكون مدلولاً على صحتها في الأصل.
ولا تكون مدعاة.
وأن يكون الموضع الذي خص العلة فيه من المواضع التي دلت الدلالة
على تخصيص هذه العلة منها.
ومتى أخل المستدل بشىء من هذه الشرائط، ثم أوجد العلة بجميع أوصافها
مع عدم الحكم، كان دليلاً على نقضها(٣).
ولأنه لا يخلو إما أن يجب إجراء العلة في الفروع لنفسها أو بدليله. فإن
(١) في الأصل: (شبيهاً) وما أثبتناه موافق لما في التمهيد (٨٦/٤).
(٢) في الأصل: (سها) بدون إعجام، ووما أثبتناه موافق لما في التمهيد الموضع السابق.
(٣) في الأصل: (انقضائها).
١٣٩١

وجب إجراء الحكم بها لنفسها، لم يجز تخصيصها؛ لأن نفسها موجودة فيما
امتنعت من الحكم بها فيه.
وإن احتاج إلى دليل في تعليق الحكم بها في كل فرع استغنى عن العلة،
وصار الدليل على الحكم في كل فرع دليلاً على الحكم في العلة.
واحتج [٢١٤/ب] المخالف:
بقوله تعالى: (إِنَّ لَهُ أَباًّ شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ)(١).
قالوا: وكيف يأخذ أحدهم مكانه، وأبوه أيضاً شيخ كبير، لولا جواز القول
بتخصيص العلة.
والجواب: أن مضمونه أن أباه يخاف عليه؛ لأنه مأخوذ في جناية، وهو
إذا أخذ أخوه لم يكن خائفاً(٢).
واحتج : بأن العلل الشرعية أمارة على الأحكام، وليست بموجبة لها. ألا
ترى أنها كانت موجودة قبل الشرع غير موجبة.
وإذا جاز أن تكون أمارة في حال دون حال، جاز أن تكون أمارة في موضع
دون موضع.
والجواب عنه تقدم، وهو أنه يجوز أن لا تكون علة، وتصير علة.
ولا يجوز أن تكون علة في مكان ولا تكون في مثله؛ لأن وجودها مع
زوال الحكم يدل على أنه نقض للعلة، وأنها مقيدة بصفة زائدة تختص ذلك
الموضع الذي هي علة (٣) فيه. فبان الفرق بين الزمانين والمكانين.
واحتج: بأن هذه العلل، لما كانت أمارات الأحكام، وجب أن يجوز
(١) آية (٧٨) من سورة يوسف.
(٢) في الأصل: (خائنا).
(٣) في الأصل: (علته).
١٣٩٢
١

:
تخصيصها، كما يجوز في أسماء العموم. لما كانت الأسماء أمارات لما علق بها من
الأحكام جاز تخصيصها.
يبين صحة هذا: أن العموم في الأسماء آكد حالاً وأعلا مرتبة من العلة؛
لأن رد العموم يوجب التكفير، ورد العلة المقتضية لا يوجب ذلك.
فإذا جاز تخصيص العموم، فلأنْ يجوز تخصيص العلة التي هي دونه في الرتبة
أولی.
والجواب: أن تخصيصه لا يُسقط دلالته، ولا يُسقط شرطه؛ لأنه إنما كان
دليلاً على الحكم لكونه قولاً لمن تجب طاعته، فإذا خص منه شىء كان ما
يتناوله اللفظ مما عداه داخلاً في اللفظ. فوجب إثبات حكم اللفظ فيه، وليس
كذلك في مسألتنا. فإنه إذا وجدناها مع عدم الحكم تبينا أنها ليست كمال العلة،
وأن الحكم ليس بتابع لها وإنما هو تابع لها تبع زيادة صفة يجب إضافتها إليها.
واحتج: بأن العلة المنصوص عليها، وهي علة صاحب الشرع يجوز
تخصيصها كذلك المستنبطة.
والجواب: أن العلة المنصوص عليها لا يجوز تخصيصها.
وإذا وجدناها مع عدم الحكم، تبينا أنها بعض العلة، وأن الله تعالى نص
على بعض العلة، ووكل الباقي إلى اجتهاد أهل العلم.
وإذا كان كذلك، لم يكن بين المنصوص عليها وبين المستنبطة فرق.
وقد قيل: يجب أن تكون منتقضة، ولا يقدح ذلك فيها؛ لأن الدليل على
صحتها كونها منصوصاً [٢١٥/أ] عليها، وذلك موجود.
واحتج: بأنه يجوز أن يوجد الحكم بوجود العلة، ثم تزول هذه العلة والحكم
باق بدليل آخر وعلة أخرى. فإذا صح أن يبقى الحكم ولا هذه العلة، صح
أن توجد هذه العلة ولا حكم.
والجواب: أنه إذا وجد الحكم ولا علة لم يمنع أن يجري دليل صحة العلة
١٣٩٣
( العدة فى أصول الفقه - ٨٨ )

على معلولها. فلهذا صح أن يوجد الحكم، وليس كذلك هاهنا؛ لأنا إذا وجدنا
العلة ولا حكم، منع أن يجري هاهنا؛ لأنا إذا وجدنا العلة ولا حكم، منع
أن يجري دليل صحة العلة في معلولاتها. ولأنه إذا وجد الحكم ولا علة لم
يفضٍ إلى تكافؤ الأدلة، وإيجاب الحكم وضده بعلة واحدة في مسألتنا يفضي
إلى ذلك، فبان الفرق بينهما.
فإن قيل: أليس قد قال أحمد - رحمه الله - في رواية المروذي، وقد قيل:
((كيف تشتري ممن لا يملك(١)؟ فقال: القياس كما تقول، ولكن هو
استحسان)).
واحتج: بأن أصحاب رسول الله عَ لّه رخّصوا في شري المصاحف،
وكَرِهوا بيعها(٢). وهذا يدل على تخصيص العلة.
قيل: تخصيص العلة ما يمنع من جريانها في حكم خاص.
وما ذكره أحمد - رحمه الله - إنما هو اعتراض النص على قياس الأصول
في الحكم العام، وقد يترك قياس الأصول للخبر(٣).
ولأنهم قد يعدلون في الاستحسان عن قياس، فامتنع أن يكون معناه
تخصيصاً (٤) بدليل.
(١) يعني كيف تقول بجواز شراء أرض السواد والبائع لا يملكها.
(٢) وقد سبق الكلام على توثيق هذه الرواية عن أحمد، وتخريج الأثر في ترخيص
الصحابة في شراء المصاحف ... ص(١١٨٢).
(٣) وقد تكلم الغزالي على تخصيص العلة كلاماً جيداً في كتابه شفاء الغليل ص (٤٥٨)
وابن السبكي في الإِبهاج (٩٢/٣).
(٤) في الأصل (تخصيص).
١٣٩٤
i

فصل
[ الطرد شرط في صحة العلة ]
وهذا الكلام في الطرد وأنه شرط في صحة العلة (١).
فأما العكس فليس بشرط في صحة العلة.
وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية ابن القاسم(٢)، وسندي: ((رطل
حديد برطلين، لا يجوز، قياساً على الذهب والفضة))(٣).
فقد اعتبر الطرد وإن لم ينعكس؛ لأن علتها ما لا يوزن، ومع هذا قد يجري
فيه الربا في المكيلات.
وإنما كان كذلك؛ لأن العلة إذا صحت بما تقدم ذكره من لفظ صاحب
(١) راجع في هذه المسألة: التمهيد (٣٠/٤) وروضة الناظر (٣٢١/٢)، والمسوَّدة
ص (٤٢٧).
والطرد هو: (وجود الحكم لوجود العلة).
أما العكس هنا فهو: (عدم الحكم لعدم العلة).
انظر: الحدود للباجي (ص ٧٤ - ٧٥) والتعريفات للجرجاني باب الطاء
ص (٧٤) وباب العين ص (٨٢).
والقول باشتراط الاطراد هنا متفق مع ما اختاره المؤلف من أن تخصيص العلة نقض
لها كما تقدم.
وفي اشتراط الاطراد في العلة خلاف اقتصر المؤلف على قول واحد، واستدل له.
وينبغي أن يعلم أن هناك فرقاً بين اشتراط الاطراد في العلة، وبين القول بصحتها
لأنها مطردة، فلا تلازم بين الأمرين.
انظر: التمهيد (٣٦/٤) وروضة الناظر (٢٩١/٢) وسيأتي كلام المؤلف على
هذا ص(١٤٣٦).
(٢) هو: أحمد بن القاسم، وقد سبقت ترجمته.
(٣) انظر في هذا: الروايتين والوجهين للمؤلف (٣١٨/١) والإنصاف (١٤/٥).
١٣٩٥

الشريعة، نصاً وظاهراً وتنبيهاً، ومن التأثير وشهادة الأصول، جاز أن تجتمع
علتان في حكم، فتزول إحداهما، ويبقى الحكم ببقاء العلة الأخرى، كالمُحْرِمة
إذا حاضت حرم وطؤها لحيضها ولإِحرامها، فإذا طهرت من حيضها
واغتسلت(١) لم يحل وطؤها لبقاء إحرامها.
وقد تَخْلُفُ العلةُ العلة فيبقى الحكم بالعلة التي خلفتها، كالنكاح يزول
وتخلفه العدة، فتمنعها العدة من عقد النكاح كما منعها النكاح.
وكذلك الرِّدة علة لإِباحة الدم، والزنا مع [٢١٥/ب] الإِحصان، فإذا
اجتمعا تعلقت الإِباحة بهما، وإذا أسلم من الرِّدة لم تزل الإِباحة للزنا.
فإذا كان كذلك، دل على أن ليس من شرط العلة العكس، هذا إذا كان
التعليل لغير الجنس.
فأما إذا كان التعليل للجنس وجب أن تنعكس؛ لأن تعليل جنس الحكم
يقتضي حصر الجنس، ويجري مجرى الحدود، فإذا لم ينعكس لم يكن حاصراً
للجنس، ولم يكن علة له.
ألا ترى أنه إذا قال: الرِّدة علة لجنس إباحة الدم لم يصح؛ لأن الزنا مع
الإِحصان يبيحُه، وقتل النفس بغير النفس يبيحُه. فلا تكون الِّدة علة لجنس
إباحة الدم؛ لأنها لا توجب نوعين من الإِباحة اللذين يوجبهما الزنا والقتل.
ومتى كانت العلة للجنس أوجب جميع أنواع ذلك الجنس، فانعكست،
ألا ترى إذا قلت: البلوغ والعقل علة لجنس التكليف انعكست.
(١) في الأصل: (أو اغتسلت)، والهمزة زائدة، ذلك أن الحائض إذا طهرت ولم تغتسل
لا يباح في حقها غير صوم وطلاق.
انظر: شرح منتهى الإرادات (٤٥/١) والروض المربع مع حاشية العنقري
(١٠٨/١).
١٣٩٦

مسألة
[ القياس على المخصوص من جملة القياس ]
المخصوص من جملة القياس يقاس عليه، ويقاس على غيره(١).
أما القياس عليه، فإن أحمد - رحمه الله - قال في رواية ابن منصور: ((إذا
نذر أن يذبح نفسه، يُقدي نفسه بذبح كبش))(٢).
فقاس من نَذَر ذبْح نفسه على من نَذَر ذبْح ولده. وإن كان ذلك مخصوصاً
من جملة القياس، وإنما ثبت بقول ابن عباس(٣).
(١) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٤٤٤/٣) وروضة الناظر (٣٣١/٢) والمسوَّدة
ص (٣٩٩).
وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة بَيَّن فيها أنه لا يوجد حكم شرعي مخالف
للقياس. قام بطبعها الشيخ محب الدين الخطيب.
وكذلك تكلم ابن القيم عن هذه المسألة في كتابه إعلام الموقعين (٣٨٣/١) مترسماً
خطى شيخه ابن تيمية.
(٢) هذه رواية في المذهب، ومروية عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وهناك رواية ثانية: أن عليه كفارة يمين، وهذه قاعدة في كل نذر محرم.
وهذه الرواية هي المذهب كما في حاشية المقنع (٥٩٧/٣) وهي منسوبة لابن عباس
رضي الله عنهما.
وقد ذكر ابن قدامة في الكافي (٤١٩/٤): أن هناك روايتين، الأولى كما ذكرها
المؤلف. والثانية: لا يجب عليه الكفارة؛ لأنه نذر معصية.
وفي الاختيارات لابن تيمية ص (٣٣١) إن قصد بذلك اليمين، فيمين، وإلا فنذر
معصية، فيذبح في مسألة الذبح كبشاً.
(٣) سبق تخريج هذا الأثر عن ابن عباس، رضي الله عنهما.
ويلاحظ: أن المخصوص من جملة القياس ثبتت خصوصيته بقول صحابي، هو ابن
عباس، رضي الله عنهما.
١٣٩٧

وأما قياسه على غيره، فإن أحمد - رحمه الله - قال في رواية المروذي:
(«يجوز شَرْي أرض السواد، ولا يجوز بيعها. فقيل له: كيف اشتري ممن لا
يملك؟! فقال: القياس: كما تقول، ولكن استحسان))(١).
واحتج بأن أصحاب رسول الله عَّه رخّصوا في شري المصاحف،
و کَرِهوا بيعَها.
وهذا يشبه ذلك(٢).
فقد قاس مخصوصاً من جملة القياس على مخصوص من جملة القياس.
وبهذا قال أصحاب الشافعي(٣).
وقال أصحاب أبي حنيفة: المخصوص من جملة القياس لا يقاس على غيره.
ولا يقاس غيره عليه، إلا أن يكون معلَّلاً أو مجمعاً على جواز القياس عليه(٤).
(١) قوله هنا: (ولكن استحسان) يدل على أن الإِمام أحمد يقول بالاستحسان، وهو
هنا العدول عن قياس لقياس آخر.
(٢) سبق ذكر هذه الرواية في أكثر من موضع.
وما ذكر المؤلف هنا وجه عند الحنابلة.
(٣)
وهناك وجه آخر ذكره أبو الخطاب في التمهيد (٤٤٦/٣) والمسؤَّدة ص (٤٠٠)
وهو ما حكاه المؤلف عن أصحاب أبي حنيفة، كما سيأتي.
(٤) هذا الرأي منسوب لأبي الحسن الكرخي، فإنه قال بجواز ذلك في ثلاث حالات:
أن يرِد الخبر بكونه معلَّلاً، أو كانت الأمّة مجمعة على تعليله، أو كان ذلك الحكم
موافقاً لبعض الأصول، وإن كان مخالفاً لبعضها.
أما رأي عامة الحنفية - كما عبر صاحب كشف الأسرار - منهم القاضي أبو
زيد والشيخان ومن تابعهم من المتأخرين فهو: أن الشرع إذا ورد بما يخالف في
نفسه الأصول يجوز القياس عليه إذا كان له معنى يتعداه.
وهنالك رأي ثالث لبعض الحنفية. أنه لا يجوز القياس عليه.
وهناك رأي رابع لمحمد بن شجاع الثلجي الحنفي: (أن الحكم المخالف للقياس إن
ثبت بدليل مقطوع به جاز القياس عليه وإلا فلا).
=
١٣٩٨
:
أ

أما المعلَّل كقوله عليه السلام في الهر (١): (إنَّها من الطَّوَّافين عليكم
والطَّوَّافات)(٢).
فقاسوا عليه كل ما وجدت فيه هذه العلة من ساكني البيوت، مثل الفأرة،
والحيّة، ونحو ذلك.
= انظر: أصول الجصاص ص (١١٣) كشف الأسرار (١٠٣١/٣ - ١٠٣٢)
وأصول السرخسي (١٥٣/٢).
وبهذا يتبين أن نسبة هذا القول إلى أصحاب أبي حنيفة ليس على إطلاقه، وإنما
هو قول أبي الحسن الكرخي منهم.
(١) هكذا في الأصل، والحديث وارد بلفظ (الهرة).
والهر يطلق على الذكر والأنثى، وقد يدخلون الهاء على المؤنث، كما قاله ابن الأنباري.
انظر المصباح (٩٨٥/٢) مادة (هرر).
(٢) هذا جزء من حديث رواه أبو قتادة - رضي الله عنه ـ مرفوعاً بلفظ (إنها ليست
بنجَس، إنها من الطَّوَّافين عليكم والطَّوَّافات).
أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة (١٨/١)، والترمذي في باب:
ما جاء في سؤر الهرة (١٥٣/١) وقال: (حديث حسن صحيح).
والنَّسائي في باب سؤر الهرة (٤٨/١) وابن ماجه، في باب الوضوء من سور الهرة
(١٣١/١) والدارمي في باب الهرة إذا ولغت في الإِناء (١٥٣/١).
والدار قطني في باب: سؤر الهرة (٧٠/١) والطحاوي في شرح معاني الآثار باب:
سؤر الهرة (١٨/١)، والإِمام مالك في الموطأ باب: الطهور للوضوء ص (٤٠)
وابن خزيمة في صحيحه (٥٥/١)، والحاكم في مستدركه، باب: أحكام سؤر الهرة
(١٦٠/١) وقال: (هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه، على أنهما على ما أصَّلاه في
تركه، غير أنهما قد شهدا جميعاً لمالك بن أنس أنه الحكم في حديث المدنيين، وهذا
الحديث مما صححه مالك، واحتج به في الموطأ) ووافق الذّهبي الحاكم على
تصحيحه.
وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده (٢٩٦/٥، ٣٠٣، ٣٠٩).
١٣٩٩

وأما المجمع على جواز القياس عليه، فمثل التحالف(١) في الإِجارة عند
الاختلاف على إثباته في التبايعات(٢)؛ لاتفاق الناس الذين أوجبوا التحالف(٣)
في البيع أن حكم الإِجارة حكم البيع (٤).
وما عدا ذلك لا يجوز القياس عليه، ولا قياسه على غيره.
مثل إيجاب الوضوء من [٢١٦/أ] القهقهة في الصلاة، فلا تقاس عليه
القهقهة في صلاة الجنازة، وفي سجود التلاوة؛ لأن الأثر ورد بإيجاب الوضوء
من القهقهة في صلاة لها ركوع وسجود(٥).
(١) في الأصل: (التخالف) بالخاء المعجمة، وهو خطأ بدليل ما بعده.
(٢) في الأصل: (التباعات) وهو خطأ.
(٣) في الأصل: (التخالف) بالخاء المعجمة، وهو خطأً بدليل السياق.
(٤) الاختلاف في الإِجارة يكون في الأجرة أو المدة، فقياس الأصول: أن البينة على
المدعى واليمين على من أنكر، ولكن ترك هذا إلى قياس الإِجارة على البيع إذا اختلف
المتبايعان والسلعة قائمة.
هذا ما أفاده أبو الخطاب في التمهيد (٥٥٥/٣).
ولأبي بكر الجصاص تفصيل ذكره في أصوله ص (١٢٢).
وهذا المثال الذي ذكره المؤلف على المجمع على جواز القياس عليه، ذكره صاحب
كشف الأسرار (١٠٣١/٣) مثالاً على الحالة الثالثة التي استثناها أبو الحسن
الكرخي وهي: ما إذا كان ذلك الحكم موافقاً لبعض الأصول وإن كان مخالفاً
لبعضها.
ولم يذكر على الحالة الثانية - وهي: ما إذا كانت الأمة مجمعة على التعليل - مثالاً.
وانظر في هذه المسألة: حاشية ابن عابدين (٧٥/٦).
(٥) محل الشاهد من هذا الأثر هو: (بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي
بالناس، إذ دخل رجل، فتردى في حفرة كانت في المسجد - وكان في بصره
ضرر - فضحك كثير من القوم، وهم في الصلاة، فأمر رسول الله - صلى الله =
١٤٠٠