النص المفهرس
صفحات 1341-1360
وأصحاب الشافعي فيما حكاه الإِسفراييني(١). وحُكي عن قوم أنه لا يصح أن يكون الاسم علة، لقباً كان أو مشتقاً(٢)، وإنما تصح العلة إذا كانت صفة، مثل قولنا: شدة مطربة، ومطعوم جنس، وولادة، وتعصيب، وقرابة، وما أشبه ذلك. أو تكون حكماً، مثل قولنا: [طهارة] (٣) وكفارة، ونحو ذلك. ومنهم من قال: يصح أن يكون الاسم المشتق علة، ولا يصح أن يكون اللَّقب علة(٤). دلیلنا: أن ما جاز أن يرد به الشرع نطقاً؛ جاز أن يكون مستنبطاً، كالصفة = الاسم [فـ] لا يصح؛ لأن الاسم يثبت بوضع أرباب اللغة، ولهم أن يسموا الخمر باسم آخر. وإن عني به المعاني القائمة بالذات التي بها استحق هذا الاسم، وهو كون المائع النَّيِّء من ماء العنب، بعدما غلى واشتد وقذف بالزبد، فهذا مسلَم، ولكن حينئذ يكون هذا تعليق الحكم بالمعنى لا بالاسم). وانظر: المغني في أصول الفقه للخَّازي ص (٣٤٢). (١) ذكر الشيرازي في التبصرة ص (٤٥٤) أن الشافعية ثلاثة أقوال، ثالثها يجوز أن يجعل الاسم المشتق علة، ولا يجوز أن يجعل الاسم اللَّقب علة. ومنه يتبين أن قول الإِسفراييني فيما نقله عنه المؤلف من أن أصحاب الشافعي يقولون بالجواز ليس على إطلاقه. وانظر: المحصول (٤٢٢/٥) وجمع الجوامع (٢٣٤/٢) ونهاية السول (٢٥٤/٤) والإبهاج (٨٩/٣). (٢) وبه قال بعض الشافعية كما في التبصرة للشيرازي الموضع السابق. (٣) زدنا هذه الكلمة بدليل حرف العطف في قوله: (وكفارة) وبدليل ما يأتي في نفس المسألة. (٤) وبه قال بعض الشافعية، كما في التبصرة الموضع السابق. ١٣٤١ والحكم، ولا خلاف أنه لا يمتنع أن يجعل صاحبُ الشريعة الاسم علةً على الحكم وأمارةٌ عليه، كما يجعل الصفة والحكم علة، فيقول: حرمتُ الخمر؛ لأنها مسماة خمراً. وإن شئت قلت: ما جاز أن يكون منصوصاً عليه، جاز أن يكون مجتهداً فيه، إذ ما جاز إظهاره جاز إضماره، أو ما جاز إبداؤه جاز إخفاؤه، أو ما جاز إطلاعه جاز إبداعه. وأيضاً: فإن ما دل على صحة العلة، فإنه يدل على أنه يصح أن يكون الاسم علة، وهو التأثير، وشهادة الأصول. وإذا دل على صحة ذلك، جاز أن يكون علة، كالصفة والحكم [٢٠٥/ب]. ولأن علل الشرع علامات على الحكم، والأسامي علامات لتمييز الأعيان، بل الاسم قد يكون أدل على تعريفه من صفة من صفاته. فإذا جاز تعلق الحكم بالصفة، جاز ذلك بالاسم أولى. واحتج المخالف: بأن الأسامي لا تكون عللاً في العقليات، كذلك في الشرعيات. والجواب: أن علل العقل موجبة، والأسامي ... (١) أن لا يطلق(٢) عليه أهل اللغة فخرج الاسم عن أن يكون علة(٣). واحتج بأن الاسم سبق الحكم؛ لأن هذه الأسماء كانت موجودة قبل الحكم. فلو قلنا: تكون علة للحكم، لسبقت العلةُ الحكمَ. والجواب: أنه باطل بالصفة، فإنها سابقة للحكم؛ لأن الأشياء كانت مأكولة مكيلة قبل ثبوت الربا ، ومع هذا فهي علل، وإنما لا يصح أن تتأخر (١) بياض في الأصل يقدر بكلمة. (٢) في الأصل: (ينطلق). الكلام فيه خلل واضطراب، ولم استطع تقويمه. (٣) ١٣٤٢ ٠ العلة عن الحكم. فإذا قال: لأنه مختلف في (١)، سبق الحكم العلة، فلا يصح. فأما أن تسبق العلةُ الحكمَ، فلا يمتنع، وإنما لم يوجد الحكم بوجودها قبل الحكم؛ لأنها علل مجعولة، فلما جاز الحكم، وجعلت علة، ثبتت علة له. واحتج: بأن العلة إنما تصح من أحد وجهين؛ إما بالسّبْر والاستنباط، كالمطعوم والمأكول، أو بأن ينبه صاحب الشرع عليها، كقوله: (أينقصُ الرطبُ إذا يَبِس)؟ (وإنما فعلتُ ذلك لأجل الدَّاقَّة). فأما بالاسم فلا يصح؛ لأن حكم الاسم ثابت بالنص، ومعروف به. فقوله: إنما حرمت البُر متفاضلاً، ثابت بالنص. والجواب: أن الاسم الذي نقول إنه علة: ما ثبت بالسَّبْر والاستنباط والخبر، وأَثَر، وشهدت له الأصول. فإن قولنا: ((بول الآدمي نجس)) اختبرناه، فوجدناه يؤثر، فألحقنا به بول كل حيوان لا يؤكل لحمه. ولو قلنا: ((بول مالا يؤكل لحمه نجس))، لم يكن هذا علة؛ لأنه عرف حكمها بالنص. وإنما الخلاف في الاسم المختبر، الذي عرض على الأصول، فلم تردّه. ألا ترى أنه لو قال: ((الخارج من السبيلين نجس))، كان باطلاً بالمني. فإذا قال: بول، لم يبطل بشىء، وهو خارج من مخرج الحدث. واحتج : بأن الاسم إذا كان مشتقاً، كان تحته معنى، فإن قوله : قاتل، معناه: أنه قَتَل، فإذا صح أن يعلق الحكم على معناه كذلك صح أن يعلق به. ويفارق هذا إذا كان الاسم علماً ولقباً؛ لأنه لا يشتمل على معنى، فلهذا (١) في الأصل: (فيه). ١٣٤٣ لم يكن علة. والجواب: أنه كذلك، لكن الحكم ما علق بالمعنى الذي تضمنه، وإنما علق بنفس الاسم. فإذا صح تعليقه بالاسم الذي يتضمن معنى، فتكون العلة الاسم دون معناه، كذلك جاز [٢٠٦/أ] أن يكون اللقب علة للحكم، وإن لم يكن متضمناً للمعنى. فإذا تقرّر هذا، فكل معنى من معاني الأصل، أو صفة، مثل قولنا: شدة مطربة، وطعم في جنس(١)، وولادة، وتعصيب، وقرابة، وما أشبه ذلك. أو حكماً شرعياً، مثل قولنا: طهارة، وكفارة، ومن وجب في ماله زكاة الفطر، وجبت زكاة المال، أو من وجب العشر في ماله، وجب نصف العشر، ومن صح طلاقه، صح ظهاره، وما أشبه ذلك. ولا فرق بين أن يكون بلفظ الإِثبات، مثل قولنا: طهارة من حدث، فوجب أن يكون في شرطها النية، وما افتقر بدلُه إلى النية، افتقر مبدلُه إلى النية، كالعتق في الكفارات، وفيه شدة مطربة، فكان حراماً كالخمر، ومن صح طلاقه صح ظهاره، وما أشبه ذلك. أو كان بلفظ النفي، مثل قولنا: ليس بماء، ولا يقع عليه اسم الماء المطلق، فلا يجوز أن يتوضأ به، كسائر الأنبذة، وليس بتراب، ولا يقع عليه اسم التراب، فلا يجوز التيمم به، قياساً على الدريرة(٢) والخَرَف المدقوق، والسِّدْر، (١) في الأصل: (حبس). (٢) هذه الكلمة بدون إعجام، ولعل ما أثبتناه هو الأقرب للصواب، ولعلها أيضاً: تراب المعدن. انظر: المصباح مادة (دري). ١٣٤٤ 1 ١ والخَطْمِيّ (١) والأشنان المطحون(٢). وقد نصَّ أحمد - رحمه الله - على هذا في رواية الميموني: ((لا يتوضأ بماء الورد(٣)، هذا ليس بماء، وإنما يخرج من الورد)). وقال في رواية الميموني: ((السِّهْلاة والرماد ليس بصعيد، ويتيمم، ويصلي، ویعید»(٤). فقد جعل النفي علة، وعلَّق الحكم عليه. وكذلك قال في رواية أبي الحارث: ((ليس في العنبر واللؤلؤ والمسك شىء، فإنه ليس بركاز ولا معدن))(٥). وكذلك ما لاتجب الزكاة في ذكوره، لا تجب في إناثه، كالبغال والحمير. (١) الخطمُي مشدد الياء غسل معروف انظر: المصباح المنير مادة (خطم). (٢) الأشنان بضم الهمزة وكسرها مُعَّب، وهو الحُرُض بالعربية. انظر: المصباح المنير مادة (أشنان) ومادة (حرض) والمُطلع على أبواب المقنِع ص (٣٥). (٣) في الأصل: (بالماورد)، وما أثبتناه هو الصواب الموافق لنص الرواية عندما ساقها المؤلف (٤٦٦/٢). (٤) هذه الرواية سبق أن نقلها المؤلف (٤٦٦/٢)، وسبق بيان معنى السِّهْلاة. (٥) نحو هذه الرواية روى عبد الله في مسائله ص (١٦٤) عن أبيه أنه سمعه يقول: (ليس في الجوهر ولا اللؤلؤ زكاة إلا أن يكون للتجارة ... ). وفي مسائل الإِمام أحمد رواية أبي داود ص (٧٩) أنه سمع الإِمام أحمد وقد سئل عن العنبر واللؤلؤ يستخرجه الرجل ما فيه؟ فذكر قول ابن عباس فيه. وقول ابن عباس كما في المغني (٣٧/٣) هو: (ليس في العنبر شىءٌ: إنما هو شىءٌ ألقاه البحر). وهناك رواية أخرى: (أن فيها الزكاة؛ لأنها خارج من معدن، فأشبه الخارج من معدن البَر ... ) المغني الموضع السابق. ١٣٤٥ ( العدة فى أصول الفقه - ٨٥ ) ويجوز أن يجعل نفي الحكم علة لثبوت حكم آخر، وثبوت حكم علة لنفي حكم آخر، فيوجد الإِثبات من النفي، والنفي من الإِثبات. ويجوز أن يكون الإِثبات في حالة علةَ النفي في حالة أخرى، كقولنا: معنى: يفطر الصائم إذا تعمده، فلا يفطره إذا كان مغلوباً عليه، ولم يتعلق به كفارة، كالقيء(١). والأصل في ذلك، ما ذكرناه من أن ما جاز أن يرد الشرع به نطقاً، جاز أن يكون مستنبطاً. ولأن ما دل الدليل على أنه أمارة من طريق الباري وشهادة الأصول، وجب أن یحکم بصحته. ولأن ما كان عقلياً فجائز أن يجعله علة بلفظ النفي، كذلك الشرعي. مسألة [إثبات الأسماء بالقياس ] يجوز إثبات الأسماء بالقياس(٢)، فنسمي النبيذ خمراً، قياساً على الخمر، ونسمي النّاش سارقاً، قياساً على السارق، ونسمي اللوطي زانياً، قياساً على الزاني. أومأ إليه أحمد - رحمه الله - في رواية الأثرم، وقد ذكر له حديث: (الخمر ما خامر العقل)(٣) ((أي شىء يعني به؟ قال: ما غيَّر العقل. (١) في الأصل: (كالقن) وهو خطأ. (٢) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٤٥٤/٣) والمسؤَّدة ص (٣٩٤)، وروضة الناظر (٤/٢) والقواعد والفوائد الأصولية ص (١٢٠). (٣) هذا الأثر أخرجه البخاري في كتاب الأشربة، باب: ما جاء أن الخمر ما خامر العقل من الشراب (١٣٧/٧) بسنده إلى ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: خطب عمر على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (إنه قد نزل = ١٣٤٦ أ قيل له [٢٠٦/ب]: كل نبيذ غيَّر العقل فهو خمر؟ قال: نعم))(١). وبهذا قال أصحاب الشافعي(٢). وقال أصحاب أبي حنيفة(٣)، وأكثر المتكلمين: (٤) لا يثبت. دلیلنا: قوله تعالى: (فَاعْتَبُرُوا يَا أُوْلِى اْلأَبْصَارِ)(٥) والاعتبار رد الشىء إلى نظيره، تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل، والخمر ما خامر العقل ... ) الحديث. كما أخرجه في كتاب التفسير، تفسير سورة المائدة، باب: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان (٦٧/٦). وأخرجه مسلم في كتاب التفسير، باب: نزول تحريم الخمر (٢٣٢٢/٤) حديث رقم (٣٠٣٢). وأخرجه أبو داود في كتاب الأشربة، باب: تحريم الخمر (٧٨/٤) طبعة دار الحديث بتعليق الدعاس وزميله. وأخرجه النسائي في كتاب الأشربة، باب: ذكر أنواع الأشياء التي كانت منها الخمر حين نزول تحريمها (٢٩٥/٨) حديث رقم (٥٥٧٨). (١) هذه الرواية ذكرها أبو الخطاب في كتابه التمهيد (٤٥٤/٣) بأخصر مما هنا. ذهب إلى هذا الرأي كثير من الشافعية، وليس كلهم كما يشعر به كلام المؤلف، (٢) فقد ذهب بعضهم إلى عدم الجواز. انظر: التبصرة ص (٤٤٤). وانظر أيضاً: المنخول ص (٧١) والمستصفي (٣٣١/١) والإِحكام للآمدي (٥٣/١) والإِبهاج (٢٤/٣). (٣) هو كذلك. انظر: أصول السرخسي (١٥٦/٢) ومسلم الثبوت (١٨٥/١). (٤) ومنهم إمام الحرمين وأبو الخطاب والغزالي والآمدي. انظر: البرهان (١٧٢/١) والتمهيد (٤٤٥/٣) والمنخول ص (٧١) والإِحكام للامدي (٥٣/١). (٥) آية (٢) من سورة الحشر. ١٣٤٧ بضرب من الشبه. ومنه قيل: اعتبر الدراهم. معناه: اجعل الصَّنْجَة في كفة، والدراهم في كفة أخرى. وقولهم: اعتبر(١) السلطان الخراج على غيره، عام أول. وإذا كان هذا هو الاعتبار في إثبات الأحكام، كذلك في إثبات الأسماء. وأيضاً: فإن أهل اللغة قد استعملوا القياس في الأسماء عند وجود معنى المسمى في غيره، وأجروا على الشىء اسم الشىء، إذا وجد بعض معناه فيه، فسموا الرجل البليد حماراً، لوجود البَلَه فيه. ويقولون للرجل الشجاع: سَبُعاً: لوجود الشدة فيه. ونظائر ذلك. وعلى هذا ما روي عن عمر أنه قال: (الخمر ما خامر العقل)(٢). وعن ابن عباس أنه قال: ([كل](٣) مُخَمَّر خمر، وكل خمر حرام)(٤). فإن قيل: هذه التسمية منهم مجاز. قيل: قد ثبت عنهم أنهم فعلوا ذلك، فلا يضر أن يكون أحد الاسمين مجازاً، والآخر حقيقة. (١) غير واضحة في الأصل، والتصويب من التمهيد (٣٧٩/٣) حيث قال: (ومنه قولهم: اعتبر السلطان الخَراج في عامنا بالخَرَاج العام الماضي). (٢) هذا الأثر سبق تخريجه قريباً. (٣) الزيادة من سنن أبي داود كما سيأتي في التخريج. (٤) هذا جزء من حديث عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعاً، أخرجه عنه أبو داود في كتاب الأشربة، باب النهي عن المسكر (٨٦/٤)، ولفظ الشاهد فيه: (كل مُخَمَّر خمر، وكل خمر حرام) الحديث. وقد سکت عنه أبو داود. ويظهر من صنيع المؤلف: أن هذا الحديث من كلام ابن عباس، وليس من كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - . ١٣٤٨ أ ٠ على أنهم إنما سموا الأَبْلَه حماراً مجازاً، لوجود بعض معانيه، فلما لم توجد فيه كل معانيه كان مجازاً. وأما النبيذ، فتوجد فيه معاني الخمر كلها. وكذلك اللواط، توجد فيه معاني الزنا كلها. وكذلك النَّبَّاش(١). فلهذا كان حقيقة. فإن قيل: فالعرب قد منعت أن يسمى النبيذ خمراً. ومنه قول [أبي] الأسود (٢): فإن لا يَكُنْهَا أَو تَكُنْهُ فإنَّه أخوها غَذَّتْه أمُّه يِلِبَانِها(٣) يعني إن لم يكن النبيذ هو الخمر أو الخمر هو النبيذ، فإن النبيذ أخوها، فنفى أن يكون النبيذ خمراً، وأثبت أنه أخوها. قيل: هذا حجة لنا؛ لأن الشاعر توقف فيما ذكره، فلم يعلم هل النبيذ خمر أم لا؟ فلما أشكل عليه الأمر قال: فإن لم يكن النبيذ خمراً، فإنه أخوها. (١) يعني: توجد فيه معاني السرقة كلها. (٢) هو: أبو الأسود الدِّيلي، ويقال: الدُّؤلي البصري القاضي، الشاعر. اختلف في اسمه واسم أبيه؛ فقيل: ظالم. وقيل: ابن عمرو بن سفيان. وقيل عمرو بن عثمان وقيل: عثمان بن عمرو. روى عن عمر وعلي ومعاذ وغيرهم. وعنه ابنه أبو حرب وعبد الله بن بريدة ويحيى بن يعمر. وثّقه ابن معين وابن سعد وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة (٦٩). انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب (١٠/١٢). (٣) البيت منسوب للشاعر المذكور في كتاب سيبويه (٤٦/١) وفي اللسان: مادة (لَن) وفي خزانة الأدب (٤٢٦/٢). واللِّبان بالكسر: اللبن للآدميين خاصة. وانظر: تعليق الأستاذ عبد السلام هارون في هامش كتاب سيبويه. ١٣٤٩ فبطل أن يكون مانعاً من الاسم. ولأنهم سموا أعياناً شاهدوها إنساناً، وفرساً، وأسداً، وغير ذلك من الأعيان المسماة بأسمائها، وقالوا: قائم، وقاعد، وآكل، وشارب، وواهب، وضارب، وحاضر، وغائب، ثم انقرضت تلك الأعيان وانقرض الذين(١). وضعوا الأسماء، وحدثت أمثالها من الأعيان، فاتفق الناس على تسميتها بأسمائها. ولا يجوز أن يكون ذلك إلا بالقياس عليها، لوجود معانيها فيها. فإن قيل: إنما وضعوا هذه [٢٠٧/أ] الأسماء لها، ولما يولد منها من أمثالها. ونعلم ذلك ضرورة. قيل: هذا لم يسمع منهم، ولم ينقل عنهم أنهم نطقوا به، فلم يكن طريق تسمية الأعيان الحادثة(٢)، إلا من طريق القياس. ولا تصح دعوى العلم به ضرورة؛ لأنه لو كان كذلك، لشار كناهم في العلم به. ولما لم نعلم ذلك ضرورة، بطل ما قالوه. وأيضاً: فإن كل فاعل مرفوع، وكل مفعول منصوب. ولم يسمع ذلك من أهل اللغة. وإنما استدلوا باستقراء كلامهم ومخارجه على قصدهم، أنهم قصدوا بالنصب كونه مفعولاً، وبالرفع كونه فاعلاً، وقاسوا ذلك على كل فاعل مفعول، لم يسمع من العرب النطق به. وكذلك صغَّروا الاسم الذي بُني على ثلاثة أحرف، فقالوا(٣): فُعَيْل، مثل: جُمَيْل، وعُدَيْل، وما أشبه ذلك. وأجمعوا على أن كل اسم بُني على ثلاثة أحرف لم ينطقوا به، يكون تصغيره (١) في الأصل: (القرض الذي). (٢) مكررة في الأصل. (٣) في الأصل: (فقال). ١٣٥٠ هكذا، قياساً على المسموع منه. فدل على جواز القياس. واحتج المخالف: بقوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ اْلأُسْمَاءَ كُلَّهَا)(١). فلم يبق اسم يثبت بالقياس. والجواب: أنه ليس فيه أنه علمه جميع ذلك نصاً. بل يجوز أن يكون علم البعض نصاً، والبعض استنباطاً وقياساً. وعلى أن الآية اقتضت أنه علم آدم الأسماء كلها، وليس فيها أنه علمنا ذلك. ونحن إنما نثبت الأسماء قياساً فيما بيننا. ويجوز أن يكون آدم عرف ذلك نصاً، وعرفناه قياساً. واحتج: بأن ما من شيء إلا وله في اللغة اسم، فلا يجوز أن يثبت له اسم آخر من ناحية القياس، فيكون الاسمان مختلفين. كما لا يجوز أن يثبت للشىء حكم بتوقيف، وحكم آخر بالقياس. والجواب: أنه ليس يمتنع أن يكون للشىء الواحد اسمان مختلفان، أحدهما ثابت بالنص، والآخر ثابت بالقياس، فإنه لا منافاة في ذلك، ولا تضاد. ولا يشبه هذا الأحكام؛ لأن الشىء الواحد لا يجوز أن يكون له حكمان متضادان. فلم يجز أن يجعل له حكم آخر بالقياس، وله حكم آخر يخالفه، ثابت بالنص؛ لأن في ذلك نصاً. ألا ترى أنه يجوز للشىء الواحد أسماء مختلفة، كلها ثابتة بالتوقيف، كالسيف، والخمر، وغير ذلك، ولا يجوز أن يكون للشىء الواحد أحكام مختلفة ثابتة من جهة التوقيف والنص. واحتج: بأنه لمَّا لم يجز إثبات الاسم الَّلقب قياساً، كذلك الاسم المشتق. (١) آية (٣١) من سورة البقرة. ١٣٥١ : والجواب: أن الاسم اللقب ليس له معنى يوجد في غيره حتى يلحق به ويجري عليه اسمه، والاسم المشتق له معنى، ويوجد في غيره، فجاز إجراء اسمه علیه. واحتج: بأن القياس [٢٠٧/ب] لا يثبت في اللغة إلا بأن يثبت أن أهل اللغة وضعوها على المعاني، وأذنوا في القياس فيها. ولم يثبت واحد منها عنهم، فلم يصح القياس. والجواب: إن لم يثبت ذلك فيه، لم يصح القياس. وإنما يصح فيما ثبت أنهم وضعوه على الشىء. وهذا كما نقول في الشرع: إن ما ثبت له موضوع على المعنى يوجب القياس عليه. فإن قيل: بأي طريق تثبت أنهم وضعوه على المعنى؟ قيل: يعلم ذلك باستقراء كلامهم والاستدلال على مقاصدهم بمخارج كلامهم، فإذا قيل رأينا الاسم أو الإِعراب تابعاً لمعنى على استقرار واطِّراد، استدللنا على أنهم جعلوه تابعاً له ومتعلقاً به، كما يستدل على قصد صاحب الشريعة بمثل ذلك. وقد حُكي عن سيبويه أنه قال: استقرأنا كلامهم، فوجدناهم يرفعون كل فاعل، وينصبون كل مفعول. فدل ذلك على أنهم اعتبروا هذين المعنيين. وإذا وجدناهم يقولون: فاعِل من فَعَل، ومنفَعِل من أفعَل. ويُصيِّرون الاسم الثلاثي (تفعيل))، على استقرار، من غير مخالفة، دلنا ذلك على قصدهم. وكذلك إذا سموا عصير العنب إذا وجدت فيه الشدة خمراً. وإذا زالت لم يسموها خمراً، وإن عادت الشدة المطربة فيها سموها بتلك، دلنا على أنهم جعلوا الاسم تابعاً لهذا المعنى، وسمينا النبيذ خمراً لوجوده. وقولهم: ((إنهم لم يأذنوا في القياس، على ما وضعوه على المعنى)) فهو أن وضعهم على المعنى إذن في القياس ؛ لأنه لا فرق عندنا بين أن يقولوا : ١٣٥٢ 1 : سميناه خمراً للشدة المطربة، وبين أن يقولوا: كل شديد مطرب خمر، وأحد اللفظين قائم مقام الآخر. ولأنه لو قال: سميناه خمراً لما فيه من الشدة المطربة، صارت الشدة المطربة علامة ودلالة على كونه خمراً. فكل موضع وجدت هذه الدلالة، يجب أن يتبعها الاسم. ولأن تسميتهم لجميع ما حدث من الأعيان بأسامي أمثالها، دلالة على أن القياس مأذون فيها. واحتج: بأنهم لم يضعوها على القياس؛ لأنهم سموا الفرس الأبيض: أشهب، ولا يسمون الحمار الأبيض: أشهب. وسموا الفرس الأسود: أدهم، ولا يسمون الحمار الأسود: أدهم، فقد شاركه في معناه. وكذلك الحموضة، إذا كانت في عصير العنب سموه خلاًّ، وإذا وجدت في اللبن وغيره لم يسموه خلاً. وقالوا للفرس: أَبْلَق، لاجتماع اللَّونين، والآدمي أبيض، وللغراب أَبْقَع، وللجلد مُلَمَّعاً. والجواب: أنهم اعتبروا الجنس مع الصفة في ذلك. فكانت العلة ذات وصفين، ولم يمكن القياس عليه؛ لعدم أحد الوصفين، وهو الجنس [٢٠٨/أ] فتكون العلة واحدة. واحتج أبو سفيان(١): بأن الأسماء اللغوية طريقها اصطلاح أهل اللغة عليها. ألا ترى أن إنساناً لو سمى الماء خبزاً، والخبز ماءً، والفرس حائطاً، والحائط فرساً، لم يصر ذلك اسماً لما سماه في اللغة، بل كان منسوباً إلى الهذيان، (١) هو: أبو سفيان السرخسي الحنفي. ١٣٥٣ ومتجاهلاً عند أهل اللسان. فلم يكن للقياس حظ في إثبات الأسماء اللغوية. والجواب: أنه إنما لم يجز القياس هاهنا؛ لأنه يخالف نص اللغة، فلهذا لم يجز. كما لم يجز القياس إذا خالف نص الكتاب والسنة. وليس كذلك فيما اختلفنا فيه؛ لأن قياس اللغة يقتضيه فجاز، كما جاز في الشرع. واحتج الجرجاني: بأن الآخفش قال: الأسماء توجد توقيفاً، وهم ينقلون هذا عن أهل اللغة. والجواب: أن هذا يعارضه ما حكينا عن أهل اللغة من حمل الاسم على غيره إذا وجد فيه معناه اعتبر ذلك. مسألة [ ضوابط رد الفرع إلى الأصل ] لا يجوز رد الفرع إلى الأصل حتى تجمعهما علة معينة تقتضى إلحاقه به(١). ٠ وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية [أحمد بن](٢) الحسين بن حسان : ((إنما يقاس الشىء على الشىء، إذا كان مثله في كل أحواله. فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فلا))(٣). - (١) راجع في هذه المسألة: التمهيد (٥/٤) والمسوَّدة ص (٣٨٩). هكذا ذكره أبو الخطاب في كتابه التمهيد (٥/٤)، عندما نقل هذه الرواية، وهو (٢) الصواب. نقل هذه الرواية - كما أسلفت - أبو الخطاب في كتابه التمهيد بأوفى مما ذكره (٣) المؤلف حيث قال نقلاً عن أحمد بن الحسين بن حسان: (القياس أن يقاس الشىء على الشىء إذا كان مثله في كل أحواله، فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال، = ١٣٥٤ 1 ٢ وحُكي عن بعض أصحاب أبي حنيفة أنه لا تعتبر في ذلك علة معينة. ويجوز الاقتصار على ضرْب من الشبه(١). وأردتَ أن تقيسَ عليه فهذا خطأ وقد خالفه في بعض أحواله ووافقه في بعض = أحواله، فإذا كان مثله في كل أحواله، فأقبلتَ به، وأُدبرتَ به فليس في نفسي منه شىء). (١) وقريب من هذا ما نقله الشيرازي في كتابه التبصرة ص (٤٥٨) عن بعض أصحاب أبي حنيفة. ونقله عن بعض الفقهاء من أهل العراق في كتابه اللمع ص (٥٩) وفي شرحه اللُّمع الذي سماه الأستاذ عبد المجيد تركي - خطأ -: الوصول إلى مسائل الأصول ص (٢٧٥) وعبارته في هذين الكتابين أوضح حيث قال: (وقال بعض الفقهاء من أهل العراق: يكفي في القياس شَبهُ الفرع بالأصل بما يغلب على الظن أنه مثله). ثم عقّب على ذلك بقوله في اللمع: (فإن كان المراد بهذا: أنه لا يحتاج إلى علة موجبة للحكم يقطع بصحتها كالعلل العقلية فلا خلاف في هذا، وإن أرادوا: أنه يجوز بضرب من الشبه على ما يقول القائلون بقياس الشَّبَه، فقد بيناه في أقسام القياس. وإن أرادوا: أنه ليس ها هنا معنى مطلوب يوجب إلحاق الفرع بالأصل فهذا خطأ؛ لأنه لو كان الأمر على هذا لما احتيج إلى الاجتهاد، بل كان يجوز رد الفرع إلى كل أصل من غير فكر، وهذا مما لا يقول به أحد، فبطل القول به). والذي يبدو لي أن المؤلف قصد أبابكر الجصاص، فإنه قال في كتابه الفصول في الأصول ص (١٣٨) من الجزء الذي طبع في الباكستان: ( ... وقال جُلُّ من يعتمد عليه من الفقهاء الناظرين: إنما الاعتبار في لحاق الحادثة بأصولها تشابهها في المعنى الذي هو علم الحكم وأمارته، يجب على الناظر طلبُه، وتتبعُه بالاستدلال عليه، فإذا ثبت المعنى بالدلالة عليه وجب إجراؤه في فروعه والحكم لها بحكمه، سواء كان ذلك المعنى شبهاً من جهة الصورة أو من جهة الحكم أو من جهة الاسم، إذا جاز عندهم أن يُرد الفرع إلى الأصل بالاسم إذا تعلق الحكم بالاسم، فيكون الاسم حينئذ علَم الحكم). ١٣٥٥ دلیلنا: قوله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إِسْرَائِيْلَ)(١). وقال: (كَّي لاَ يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ اْلأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)(٢). وقال في تحريم الخمر (وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ)(٣). فنصَّ على علة الحكم في ذلك. وكذلك قول النبي عَ ليهِ: (إِنَّما منعتُكم من أُجْلِ الدَّانَّة). وقال: (إنَّما جُعِل الاستئذانُ مِن أجْلِ البصَر). فنصَّ على العلة. وقال في بيع الرطب بالتمر: (أينقصُ الرطبُ إذا يَبس؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذاً). وقال لابن مسعود حين أتاه بحجرين ورَوْثة، فأخذهما وألقى الرّوْثة وقال: (إنَّها رِجْس)(٤). (١) آية (٣٢) من سورة المائدة. (٢) آية (٧) من سورة الحشر. آية (٩١) من سورة المائدة. (٣) (٤) هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن مسعود في كتاب الوضوء باب: الاستنجاء بالحجارة (٤٩/١) وانظر فتح الباري (٢٥٦/١) ورواية البخاري: (فإنها رِكْس) بدل: (فإنها رِجْس) وأخرجه الترمذي في كتاب الطهارة باب ماجاء في الاستنجاء بالحجرين (٢٥/١) رقم الحديث (١٧). وأخرجه النَّسائي في كتاب الطهارة باب: الرخصة في الاستطابة بحجرين (٣٦/١) وقال بعد ذلك: (الرِّكسُ طعامُ الجن). وأخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب: الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة (١١٤/١) وفيه: (هي رجس). = ١٣٥٦ ! فإن قيل: فلسنا نمنع المنصوص عليها. قيل: إذا ثبت أن الله تعالى ورسوله نصًّا على العلة، وعلقا الحكم بها، ثبت أن استنباطها، وتعليق الحكم بها شرط. = وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣٨٨/١). وأخرجه الطحاوي في كتابه: شرح معاني الآثار في كتاب الطهارة، باب الاستجمار (١٢٢/١) بلفظ: (رِكْس) إلا أن محقق الكتاب قال في الهامش: وفي نسخة: (رجس). والرِّكْس - كما يقول الحافظ في الفتح - (٢٥٨/١) بكسر الراء وإسكان الكافٍ. وقد اختلف في معناها: ١ - فقيل: لغة في رجس بالجيم، يدل عليه رواية ابن ماجه وابن خزيمة والنسخة الثانية من شرح معاني الآثار للطحاوي. وبه صرَّح الفيُّومي في المصباح حيث قال: (الركس بالكسر هو: الرجس). ٢ - وقيل: الركس: الرجيع، رُدّ من حالة الطهارة إلى حالة النجاسة، كما يقول الخطابي. أورُدّ من حالة الطعام إلى حالة الروث، كما يرى الحافظ. وقريب منه كلام ابن فارس في معجمه. ٣ - وقيل الركس: طعام الجن، كما يقول النَّسائي، وهو قول غريب كما يقول الحافظ. قلت: ولعل الذي حمل النّسائي على هذا التفسير ما جاء في الحديث: (لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن) الترمذي (٢٩/١). فإن كانت علة النهي واحدةً، وهي كونها زاد الجن فتكون رواية: (فإنها ركس) مفسَّرة بالرواية الأخرى (فإنها زاد إخوانكم من الجن)، ويكون تفسير النَّسائي وجيهاً، ولكن يعكِّر عليه عدم ورود ذلك لغة. وإن كانت علة النهي مركبة من أمرين: كونها ركس، وكونها زاد الجن أو كون كل واحد من هذين الأمرين يصلح علة لو انفرد فلا يكون لكلام = ١٣٥٧ وأيضاً: فإنه لو لم يفتقر الجمع بينهما إلى معنى معين يجمع بينهما، لما افتقر إلى تفكر، وتأمل، واجتهاد؛ لأن العامي والعالم يشتركان في رد الفرع إلى الأصل. ولأنه لا خلاف أنه لا يجمع بينهما بغير شَبَه. وإذا لم يكن بد من الشَّبه بينهما، فهو الذي نقوله، فزال الخلاف. واحتج المخالف: بأن الصحابة ما اعتبرت في إيجاب الفرع بالأصل علة معينة، وإنما اعتبرنا مجرد [٢٠٨/ب] الشبه. فقال أبوبكر: (أقولُ في الكَلالَةِ برأيي). ولم يذكر معنى. وقال عمر: (هذا ما أُرَى الله عمر)(١). وكتب إلى أبي موسى الأشعري: (قِس الأمورَ بعضَها ببعض). ولم ينص له على معنی. النَّساني وجه. = والذي يبدو لي: أن الركس: شبيه المعنى بالرجيع، كما يقول أبو عبيد، وسميت الروثة بذلك؛ لأنها ارتكست عن أن تكون طعاماً إلى غيره) كما يقول ابن فارس في معجمه. انظر: فتح الباري (٢٥٨/١)، والنهاية في غريب الحديث (١٠٠/٢) ومجمل اللغة لابن فارس (٣٩٧/٢) ومعجم مقاييس اللغة له أيضاً (٤٣٤/٢) واللسان (٤٠٤/٧) والمصباح المنير (٣٦٣/١) مادة (ركس). (١) هذا الأثر عن عمر - رضي الله عنه - لم أجده. وإنما وجدت في سنن البيهقي (١١٦/١٠): (أن عمر رأى رأياً، فكتب الكاتب هذا ما أُرَى الله أمير المؤمنين، فانتهره عمر، وقال: أكتب هذا ما رأى عمر، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأًّ فمن عمر). وهذا يدل على أن عمر - رضي الله عنه - لا يرى نسبة الرأي الصادر منه إلى الله تعالى. ١٣٥٨ والجواب: أنهم قد نصُّوا على علة معينة، وصرحوا بذلك. منه: قول عمر لأبي بكر: (رضيك رسولُ الله عَّمِ لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا)(١). ولما استشار عمر الصحابة في حد الشارب، قال علي: (إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحده حد المفتري)(٢). (١) سبق تخريج هذا الأثر، وأنه من قول علي، رضي الله عنه. (٢) هذا الأثر أخرجه مالك في موطئه في كتاب الأشربة، باب الحد من الخمر (٥٢٦/٢) عن ثور بن زيد الدِّيلي أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له على بن أبي طالب: (نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، أو كما قال، فجلد عمر في الخمر ثمانين) .. وأخرجه الشافعي عن مالك كما في بدائع المنن، أبواب حد شارب الخمر، باب: كم يضرب من ثبت عليه شرب مسكر؟ (٣٠٤/٢) حديث رقم (١٥٢١). وعقّب الحافظ في التلخيص (٧٥/٤) عليه بقوله: (وهو منقطع؛ لأن ثوراً لم يلحق عمر، بلا خلاف). وأخرجه الدار قطني في سننه موصولاً من طريق يحيى بن فُلَيْح بن سليمان عن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس في كتاب الحدود (١٦٦/٣) حديث رقم (٢٤٥). وأخرجه بالسند المذكور البيهقي في سننه في كتاب الأشربة والحد فيها، باب: ما جاء في عدد حد الخمر (٣٢٠/٨). وأخرجه بالسند المذكور أيضاً أبو الشيخ وابن مردويه كما في الكنز (٤٨٣/٥). وأخرجه بالسند المذكور الحاكم في مستدركه في كتاب الحدود، وقال: (صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. وفيه ((يحيى بن فُلَيْح)) نقل الحافظ في اللسان عن ابن حزم: أنه قال: ((هو مجهول))، وقال مرة: «ليس بالقوي)). وأخرجه البيهقي في الموضع السابق من طريق أسامة بن زيد عن الزهري أخبرني حميد بن عبد الرحمن عن ابن وَبَرَة الكلبي، قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر - رضي الله عنه - وذكر كلاماً طويلاً، وفيه قول علي رضي الله عنه . = ١٣٥٩ وقال عبد الرحمن بن عوف لعمر بن الخطاب في التي أرسل إليها عمر، وقد ذكرت عنده بسوء، فأجهضت ذا بطِنها، (إنّما أنت مؤدبٌ، ولا شىء عليك). وقال علي: (إن اجتهدوا(١) فقد أخطأوا، وإن عمدوا فقد غشوك، عليك الدية). وأخرجه الحاكم في الموضع السابق بالسند هذا، وفيه ((وَبَرَة الكلبي)) بدلاً من ((ابن = وَبَرَة)) وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن وهب وابن جرير، كما في الكنز (٤٧٨/٥). وفيه: ((وَبَرَة الكلبي)، أو ((ابن وَبَرَة الكلبي)). قال الألباني في الإِرواء (٤٧/٨): (لم أجد من وثقه) .. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه في باب: حد الخمر (٣٧٨/٧) عن عمر عن أيوب عن عكرمة أن عمر بن الخطاب استشار الناس في جلد الخمر ... ولم يذكر عبد الرزاق في سنده ابنَ عباس. وأخرجه ابن جرير عن يعقوب بن عتبة، كما في الكنز (٤٧٩/٥). وبعد أن ذكر الحافظ طرفاً من تخريجه في التلخيص (٧٥/٤) قال: (وفي صحته نظر؛ لما ثبت في الصحيحين عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبوبكر أربعين، فلما كان عمر استشار الناس، فقال: عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر. ولا يقال: يحتمل أن يكون عبد الرحمن وعلي أشارا بذلك جميعاً؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن علي في جلد الوليد بن عقبة: أنه جلد أربعين، وقال جلد رسول الله أربعين، وأبوبكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إليّ، فلو كان هو المشير بالثمانين ما أضافها إلى عمر، ولم يعمل بها (لعل صحتها: ولعمِل بها] لكن يمكن أن يقال: إنه قال لعمر باجتهاد، ثم تغير اجتهاده). وبالنظر إلى هذه الطرق المتعددة، فالأثر يبلغ درجة الحسَن والله أعلم. (١) في الأصل: (اجتهد). ١٣٦٠