النص المفهرس

صفحات 1321-1340

الجمع، ولو أنهما افترقا في معنى الحكم لامتنع القياس.
واحتج: بأن القياس حمل الشيء على غيره في بعض أحكامه بضرب من
الشبه، ولیس یخلو:
إما أن يعلموا ذلك بالنص أو بالقياس.
فإن قلتموه نصاً، صار حكم الفرع منصوصاً عليه.
وإن قلتموه قياساً، فقد أثبتم قياساً بقياس.
والجواب: أن هذا يلزمهم في نفي القول بالقياس؛ فإنه لا نص لهم دال
عليه، ولا يجوز أن يقولوا ذلك قياساً.
على أننا علمنا وجوب ذلك بالأصول التي دلت عليه من الكتاب والإجماع،
حسب ما بَيَّنَّا.
واحتج: بأنه لا يخلو: إما أن يكون المعنى المستنبط مماثلاً له، أو أنقص منه،
أو أزيد.
ولا يجوز أن يكون مثله؛ لأن ذلك يوجب تساويهما، ولا يكون في القياس
فائدة.
وباطل أن يكون أنقص؛ لأنه يفضي إلى تخصيص الأصل وإسقاط بعض
حکمه.
وباطل أن يكون أعم؛ لأن المدلول لا يكون أعم من الدليل.
فإذا بطلت هذه الأقسام، بطل القياس.
والجواب: أن الأقسام الثلاثة كلها جائزة في القياس، ولا يفضي إلى ما
ذكروه، فإنه قد يكون المعنى مماثلاً للفظ، كقوله في الرضاع: (يحرم من.
الرضاع ما يحرم من النسب)، وتكون فائدة القياس معرفة معنى النص، والفرق
بينه وبين المنصوص الذي لا يعرف معناه.
وقد يكون المعنى أخص من اللفظ، مثل قوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوْاْ
١٣٢١

1
أَيْدِيَهُمَا)(١) والمعنى فيه: أن يسرق نصاباً من حِرْز مثله، لا شبهة له فيه.
ولا يكون هذا تخصيص اللفظ؛ لأنا لا نخصه بهذا القياس، فإنه مماثل في
حكمه، وإنما نخصه بلفظ آخر.
وقد يكون [٢٠٢/أ] المعنى أعم من اللفظ، مثل المعنى المستنبط في مثل
خبر عبادة بن الصامت في علة الربا(٢)، فإن الأصل البُر، وحكمه مقصور
عليه لفظاً، وفزعه أعم من لفظه، فإن معناه مكيل، فاكتفى به كل مكيل
لأنا عقلنا الحكم بمعناه، ومعناه أعم من لفظه.
وقد يكون المدلول أعم من الدليل، كما روي عن النبي عَ لله أنه سُئل عن
بيع الرطب بالتمر، فقال: (أينقصُ الرطبُ إذا يَيِس؟ قالوا: نعم، فنهى عنه).
وهذه العلة موجودة في سائر ما ينقص من الرطب وغيره.
واحتج: بأن تجويز القياس يفضي إلى أن يكون الشيء فرعاً لأصل، ويكون
أصلاً لغيره، فإنه قد يقاس غيره عليه.
والجواب: أن هذا غير ممتنع، وهو موجود في المشاهدة، فإن النخلة(٣) قد
تكون فرعاً لنخلة أخرى وأصلاً لغيرها، والمكيال قد يكون فرعاً لمكيال وأصلاً
مکیال.
وهذا في العقليات، وفي الشرعيات يجوز أن يكون الشيء أصلاً لغيره في
حكمه، وفرعا لغيره في حكم آخر، فأما في حكم واحد فلا يتصور.
(١) آية (٣٨) من سورة المائدة.
أخرج هذا الخبر مسلم في صحيحه (١٢١٠/٣) بلفظ: ( .... إني سمعت رسول
(٢)
الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة،
والبُر بالبُر، والشعير بالشعير والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواءً بسواءٍ، عيناً بعينٍ،
فمن زاد أو ازداد فقد أربى ... ).
(٣) في الأصل: (النخل).
١٣٢٢
أ
٢

1
واحتج: بأن العلل الشرعية لو كانت دالة(١) على الحكم وموجبة له
لکانت تطَّرد وتنعكس، فلا توجد إلا والحكم موجود معها، ولا يوجد حكمها
إلا عند وجودها، كالعلل العقلية.
والجواب: أن هذه العلل ليست عملاً في الحقيقة، ولا موجبة الأحكام، وإنما
هي أمارات وعلامات نصبها الله تعالى لهذه الأحكام أدلة عليها، فهي تجري
مجرى الأساس، فتدل على الحكم في الموضع الذي نُصب دون غيره.
وجواب آخر، وهو: أنه لا يمتنع أن تكون بهذه الصفة، وإن لم تطَّرد
وتنعكس، لأن العلل العقلية على ضربين: تطَّرد وتنعكس، كالحركة في التحرك،
وعلة لا تنعكس، وإنما يوجد الحكم عند وجودها فحسب، كقول الرجل:
اضرب [من] في الحبس، واضرب من هو خارج من الحبس، وإذا كان الرجل
في الحبس ضرب لكونه في الحبس، وإذا كان خارجاً ضرب لكونه خارجاً.
وكذلك الجواب عن قولهم: لو كانت علة في الحقيقة لما اختصت بزمان
دون زمان، كالعلة العقلية، يتعلق الحكم بها قبل الشرع وبعده، وذلك أنَّا نقول:
ليست بعلة في الحقيقة موجبة للأحكام، وإنما هي أمارة عليها(٢) كالأسماء.
ثم نقول: لا فرق بينهما، وذلك أن سبب تلك العلل العقل، والعقل لا
يختص بزمان دون زمان، بل هو عام في جميع الزمان، فكان علته أيضاً عامة
فيها.
والعلة الشرعية سببها الشرع، والشرع يختص ببعض الأزمنة دون بعض.
واحتج: [٢٠٢/ب] بأنه لو كان دليلاً على بعض الأحكام لكان دليلاً في
جمیعھا.
(١) في الأصل: (دلالة).
(٢) في الأصل: (عليه).
١٣٢٣

!
والجواب: أن القياس يحتاج إلى شرائط، وليس توجد تلك الشرائط في سائر
الأحكام حتى يصح استعمال القياس فيها، على أن الأحكام قد تختلف في أدلتها،
فيكون الشيء دليلاً في بعضها دون بعض، كخبر الواحد، يدل على ثبوت
الأحكام في الفروع ولا يدل على إثبات الأصول(١).
واحتج: بأن أهل اللغة لايستعملون القياس في كلامهم، فإن القائل لو قال
لوكيله: اشتر لي سَلَنْجَيِيناً فإنه يصلح للصفراء، لم يصح أن يشتري له رمَّاناً،
وإن كان يصلح للصفراء.
والجواب: أن السَّلَنْجَبِين يختص بمعانٍ لا توجد في الرُّمان، فلذلك لم يجز
أن یشتريه.
وقد ورد عن أهل اللغة ما يوجب القول بالقياس، فإن رجلاً لو كان له
ابنان، فضرب أحدهما، فقيل له: لم ضربته؟ قال: لأنه ضرب أمه. وكان الآخر
قد ضرب أمه، فإن يصلح أن يَرِد عليه، فنقول: والآخر ضرب أمه أيضاً،
فلم لم تضربه؟ !.
وكذا لو قال: لا تعط فلاناً إبرة لكي لا يعتدي بها، فلا يصلح أن يعطيه
سكيناً؛ لأن معناهما واحد، فثبت أنهم يقولون بالقياس، ويعملون عليه.
على أنَّا نقول بالقياس في المواضع التي دل الدليل الشرعي عليه وكلِّفنا إياه
وفي تلك المواضع لم يدل الدليل الشرعي عليه، فلم يجب القول به.
(١) وذلك لأنه ظني، والأصول لا تثبت بالظن.
هذا رأي فريق من الأصوليين.
والذي يبدو لي أن خبر الواحد إذا ثبتت صحته سنداً، واستقام أمره متناً أنه تثبت
به الأحكام في الفروع والأصول، وبخاصة ما تلقته الأمة بالقبول كأحاديث
الصحيحين. والله أعلم.
١٣٢٤
٠٠٠٠٠٠٠
:
ا

فصل
[ أقسام القياس ]
وإذا ثبت الأصل في القياس، فالكلام في أقسامه(١).
وجملته: أن القياس على ضربين:
واضح، وخفي.
فالواضح: ما وُجد معنى الأصل في الفرع بكماله(٢)، كعلة الربا، نصَّ
النبي عَّ ◌ُلِّ على الربا في البُر، فحملنا الأرز عليه؛ لأن فيه معنى البُر (٣) من
الکیل والجنس.
وقد استعمل أحمد - رحمه الله - هذا القياس في رواية ابن القاسم فقال:
((لايجوز الحديد والرصاص متفاضلاً، قياساً على الذهب والفضة)) (٤).
والثاني: القياس الخفي: وهو قياس غلبة الشبه(٥)، وصورته: أن يتجاذب
الحادثةَ أصلان، حاظر ومبيح، ولكل واحد من الأصلين أوصاف خمسة،
(١) راجع هذا الفصل في: روضة الناظر مع شرحها (٢٥٤/٢) والمسوَّدة ص(٣٧٤)
والمعتمد (٨٤٢/٢) فقد أفاد المؤلف منه.
(٢) وقد سماه أبو الحسين في كتابه المعتمد (٨٤٣/٢): قياس المعنى، وعرَّفه بقوله: (أن
يكون شبهُ فرعه بأصله لا يعارضه شَبه آخر). وهو معنى ما قاله المؤلف.
(٣) هذا إشارة إلى حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - وقد سبق تخريجه
بلفظ: (الذهب بالذهب .. ) الحديث.
وقد ورد ذلك من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - وقد مضى
تخريجه بلفظ: (ينهى عن بيع الذهب بالذهب .. ) الحديث.
(٤) قد مضى الكلام على مقتضى هذه الرواية ص (١٢٨١)
(٥) وقد عرَّفه أبو الحسين البصري في كتابه المعتمد (٨٤٣/٢) بقوله: (أن يكون الشَّبه
أقوى من شبه آخر، فهو أولى بأن يتعلق الحكم به لقوة أمارته).
١٣٢٥

والحادثة لا تجمع أوصاف واحد منهما، غير أنها بأحد الأصلين أكثر شبهاً،
مثل أن كانت بالإِباحة أشبه بأربعة أوصاف، وبالحظر بثلاثة أوصاف، ففي
هذا روایتان:
إحداهما: ليس هذا بقياس أصلاً، والقياس ما وُجد في الفرع أوصاف الأصل
بكمالها، فإذا وجد بعضها في الفرع، لم يكن قياساً.
نصَّ عليه أحمد - رضي الله عنه - في رواية أحمد بن الحسين بن حسان
فقال: ((القياس أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله،
[٢٠٣/أ] فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال، فأردتَ أن تقيس عليه،
فهذا خطأ، قد خالفه في بعض أحواله ووافقه في بعض، فإذا كان مثله في
كل أحواله فأقبلتَ به وأدبرتَ به، فليس في نفسي منه شيءٍ))(١).
والرواية الثانية: أنه قياس صحيح، وتلحق الحادثة بأكثرهما، ولا يؤخّر(٢)
حكمها .
وقد نبه أحمد - رحمه الله - على هذا في رواية حرب في يهودي قذف
يهودية يتلاعنا؟
قال: ((ليس لهذا وجه؛ لأنه ليس عدلاً، واللِّعان إنما هو شهادة، وليس بعدل
فتجوز شهادته)). كأنه لم ير بينهما اللِّعان(٣).
(١) هذه الرواية موجودة بنصها في: التمهيد (٥/٤).
(٢)
في الأصل: (لوحد) بدون إعجام لكلا الحرفين.
(٣) هذه إحدى الروايتين عن الإِمام أحمد - رحمه الله - واختارها الخِرَقي.
والرواية الثانية: أن اللِّعان يمين، وهو المذهب. وقدمه في الرعايتين. واختاره ابن
قدامة في المغني وانتصر له. وهو الراجح إن شاء الله.
انظر: المغني (٣٩٢/٧)، والكافي (٢٧٧/٣) والمقنع (٢٥٦/٣)، والروض المربع
(٢٠٠/٣) والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف .. (٢٣٩/٩).
١٣٢٦
٠

i
فقد قاس اللِّعان على الشهادة في امتناعه من الكافر، مع قلة شَبَهِه بالشهادة
وكثرة(١) شَبَهِه بالأيمان.
فدلَّ هذا من قوله على جوازه مع كثرة الشَّبه.
وقد نقل ابن منصور عنه الفرق بينهما فقال: ((لو كان معناه معنى الشهادة،
فقذفها وهو فاسق، لم يلاعن. ولو كان معناه معنى اليمين(٢) لكان يشهد هو،
وتشهد هي)).
فإن قلنا: إنه ليس بقياس صحيح. وقد حُكي ذلك عن أصحاب أبي
حنيفة(٣).
فوجهه: أنه إذا كانت علة الأصل ذات أوصاف ثلاثة، وعلة (٤) الفرع
ذات وصفين، لم يوجد في الفرع معنى الأصل بكماله، فلا يكون علة.
ولو كان الوصفان علة لكان الحكم يتعلق بها، فلما لم يكن علة ثبت أنه
لا يجوز تعليق الحكم بها.
وإذا قلنا: إنه قياس صحيح، وهو قول أصحاب الشافعي(٥)، فوجهه: ان
الحادثة لا بدّ لها من حكم، فإذا لم يدل على حكمها كتاب ولا سنة ولا
(١) في الأصل: (ذگر) . .
(٢) في الأصل: (الشهادة).
(٣) انظر: تيسير التحرير (٥٣/٤) ومسلَّم الثبوت (٣٠١/٢).
(٤) في الأصل: (وعدد).
(٥) وهو ما صرح به الإِمام الشافعي في الرسالة ص (٤٧٩) حيث قال: (والقياس
من وجهين: أحدهما: أن يكون الشيء في معنى الأصل، فلا يختلف القياس فيه.
وأن يكون الشيء له في الأصول أشباه، فيلحق بأولاها به وأكثرها شبهاً فيه، وقد
يختلف القائسون في هذا).
وانظر: البرهان (٨٦٨/٢) والمعتمد (٨٤٢/٢) والمحصول (٢٧٧/٥) والمستصفى
(٣١٠/٢) والإِحكام للآمدي (٢٧١/٣).
١٣٢٧

إجماع وجب الاجتهاد في طلب حكمها بالقياس على الأصول، فإذا لم يكن
لها شبه إلا بهذين الأصلين، انقطع حكمها عن سواها، ولم يجز أن يعلق حكم
الأصلين معاً بها؛ لأنها متناقضة. فلم يكن بُدّ من إلحاقها بأحدهما، فكان
إلحاقها(١) بالأشبه أولى؛ لأنها به أشبه، فغلبنا حكم الأكثر؛ لأن الأصول على
هذا، قال الله تعالى: (فَأَمَّا مَن تَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ، وَأَمَّا مَنْ
حَقَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ)(٢) فغَلَّب الأكثر.
وكذلك قلنا في الماء المطلق، إذا خالطه مائع طاهر، كالورد، ونحوه: إن
كان الغالب الماء، فالحكم له، وإن كان الغالب الورد، فالحكم له.
وكذلك قلنا في الشهادات: إن كان الغالب الطاعات، فهو عدل مقبول
الشهادة، وإن كان الأغلب المعاصي، فهو فاسق مردود الشهادة.
وقد قال أحمد - رضي الله عنه - في رواية أحمد بن أبي عبدة في الرجل
يكذب: ((إن كثُر كذبُه لم يُصلَّ خلفه))(٣).
فأما قولهم: إذا لم يوجد في الفرع أوصاف الأصل بكماله، فليس هناك
[علة].
والجواب: أنه كذلك، ولكن ألحقنا حكم الحادثة بهذا الأصل، من حيث
إنه به أشبه.
فأما أن نقول [٢٠٣/ب]: الوصفان في (٤) الفرع علة، فلا نقول هذا.
فإن قيل: فيحكم في الحادثة بغير دليل؟
قيل: يحكم بغير قياس، ولكن بأنه أشبه بهذا الأصل من سائر الأصول.
إذا تقرر هذا، وأن قياس غلبة الشَّبَه حجة، فهو على ضربين:
(١) في الأصل (الحاقه).
(٢) الآيات (٦ - ٩) من سورة القارعة.
(٣) قد سبق ذكر هذه الرواية وترجمة ناقلها (٩٢٧/٣).
(٤) في الأصل: (من).
١٣٢٨
١
:
:

أحدهما: أن يكون الشبه بالأوصاف.
والثاني : بالأحكام(١).
فالأوصاف: أن يتجاذبها أصلان، حاظر ومبيح، فالحاظر أسود، والمبيح
أبيض، والحادث سواد وبياض فنعتبره بهما، فبأيهما أشبه ألحقناه.
وأما الشبه بالأحكام: كالعبد أخذ شبهاً من الأحرار؛ لأنه مخاطب مكلف،
وأخذ شبهاً من الأموال؛ لأنه يُباع ويُورث، فننظر بأيهما أكثر شبهاً نلحقه به.
فصل
[ قياس الأصول ]
فأما قياس الأصول: فأن تكون الحادثة لها أصل في الحظر، وأصول في
الإِباحة، فكان ردها إلى أصول كثيرة، أولى من ردها إلى أصل واحد(٢).
مثال ذلك : - إذا أبان زوجته بطلقة، فتزوجت من أصابها وطلقها، ثم تزوجها
الأول، عادت معه على ما بقي معه من الطلاق(٣).
(١) هذا ذهاب من المؤلف إلى أن قياس غلبة الشبه حجة بضربيه، الشبه بالأوصاف
والشبه بالأحكام.
والقول بالشبه في الأحكام قال به الإِمام الشافعي.
انظر: المعتمد لأبي الحسين البصري (٨٤٣/٢).
(٢) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٢٣١/٤) وشرح الكوكب المنير ص (٧٢٤/٧)
والمسؤَّدة ص (٣٧٦) والمعتمد (٨٥١/٢).
(٣) في مسائل ابن هاني النيسابوري التي نقلها عن الإِمام أحمد (٢٣٦/١):
(قلت: تذهب إلى حديث عمر: هي على ما بقيت عنده، في الرجل يطلق امرأته
تطليقة أو تطليقتين فتتزوج. قلت لأبي عبد الله: ألها أن تتزوج؟
قال: نعم، إذا انقضت عدتها، قال عمر بن الخطاب: هي على ما بقي).
١٣٢٩
=
( العدة فى أصول الفقه - ٨٤ )

خلافاً(١) لأبي حنيفة في قوله: دخول الثاني يعدم ما بقي من الطلاق(٢)،
وذهبوا إلى أنها رجعت إليه بعد زوج وإصابة، أشبه المطلقة ثلاثاً، فقاسه على
أصل واحد، وقسناه على ثلاثة أصول، فقلنا: إصابة ليست بشرط في الإِباحة،
أشبه وطء السيد أمته، والوطء في النكاح الفاسد، ووطء زوج ثالث.
[ قياس الجنس ]
وأما قياس الجنس فهو أولى (٣)، مثل أن تكون الحادثة من الطهارة، فكان
وذكر ابن قدامة في المغني (٢٦١/٧) روايتين:
=
الأولى: ترجع إليه على ما بقي من طلاقها، كما ذكر المؤلف. ونسبه ابن قدامة إلى
أكابر الصحابة.
الثانية: أنها ترجع إليه على طلاق ثلاث، كما ذكر الحنفية. ونسبه ابن قدامة إلى
بعض الصحابة.
٠٠٠
وذهب ابن قدامة إلى الرواية الأولى، وانتصر لها.
وذكر ابن قدامة الروايتين في كتابه: الكافي (٢٣٧/٣) ولم يرجح إحداهما، غير
أنه بدأ بذكر الرواية الأولى.
وقد جزم المرداوي في كتابه: الإنصاف (١٥٩/٩): أن الرواية الأولى هي المذهب
وعليها الأصحاب، وجزم بها في الوجيز ...
ثم ذكر الرواية الثانية، وذكر أنها من نقل حنبل.
قلت: وعلى هذا ففي المسألة الفقهية روايتان، فيكون في المسألة الأصولية روايتان،
إلا أن الرواية الأولى هي المذهب في المسألتين، وهو ما اختاره المؤلف.
(١) في الأصل (خلا).
وانظر تفصيل هذا في كتاب أصول السرخسي (٢٦٤/٢) ومسلم الثبوت مع فواتح
الرحموت (٣٢٩/٢).
(٢) هذا حقيقة مذهب الحنفية أصولاً وفروعاً، وراجع في هذه المسألة كتاب البناية
في شرح الهداية للعيني (٦١٦/٤).
(٣) انظر: المسوّدة ص (٣٧٦).
١٣٣٠

ردها إلى الطهارة، أولى من ردها إلى الصلاة.
أو تكون من الصلاة، ويمكن ردها إلى الزكاة وإلى الصلاة، فكان ردها
إلى الصلاة أولى؛ لأنها من جنسها.
فصل
[ تقديم العلة لقلة أوصافها ]
فإن تقابلت علتان(١)، إحداهما ذات وصفين والأخرى ذات ثلاثة
أوصاف، لم يخلُ إما أن تكونا(٢) من أصل واحد، أو من أصلين.
فإن كان أصلهما واحداً، كعلة الربا، الفرع الأرز، والأصل البُر، فعلتنا:
مثل، مكيل، جنس(٣).
وعلة مالك: مطعوم، مقتات، جنس (٤).
(١) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٢٣٥/٤) والواضح (٨٥٣/٢) و (١٢٣٩/٣)،
والمسوَّدة ص (٣٧٩).
(٢)
في الاصل: (یکون).
(٣) ذكر المؤلف في كتابه: الروايتين والوجهين (٣١٦/١ - ٣١٧) ثلاث روايات:
إحداها: مطعوم جنس.
والثانية: العلة ذات وصفين: مكيل جنس، أو موزون جنس.
والثالثة: العلة: ما يكال أو يوزن مما يؤكل.
وقد ذكر ابن قدامة في كتابه المغني (٤/٤) هذه الروايات الثلاث، منقولة من كتاب
الروايتين والوجهين، مع تفصيل للأقوال الأخرى. فارجع إليه إن شئت.
وعلى هذا فما ذكره المؤلف هنا رواية في المذهب، ولعلها الرواية التي اختارها
المؤلف وهي الرواية المقدمة في المذهب الحنبلي.
انظر: الروض المربع بحاشية الشيخ العنقري (١٠٧/٢).
(٤) هذا رأي المالكية بإضافة وصف آخر، وهو: الادخار.
انظر: كتاب الكافي لابن عبد البر (٦٤٦/٢)، والشرح الصغير على أقرب المسالك
(٧٣/٣).
١٣٣١

وعلة الشافعي في القديم: مطعوم، مكيل، جنس(١).
فالتي قَّت أوصافها أولى من وجهين:
أحدهما: أن التي قلَّت أوصافها أكثر فروعاً، والتي كثرت أوصافها أقل
فروعاً، فكان ما كثُرت فروعها(٢) أولى.
ولأن التي قلَّت أوصافها يسهل الاجتهاد فيها ويقُرُب، والتي كثرت أوصافها
يصعب الاجتهاد فيها ويبعد.
فكانت الأقل أوصافاً أولى.
هذا إذا كانت العلتان من أصل واحد.
فأما إن كانتا(٣) من [٢٠٤/أ] أصلين، أحدهما يدل على الحظر، والآخر
يدل على الإِباحة.
وكانت علة أحد الأصلين ذات أوصاف خمسة، وعلة الأصل الآخر ذات
أوصاف أربعة، وكانت [في] كل واحد من الأصلين بكمالها موجودة في الفرع،
كان رده إلى ما كثرت الأوصاف فيه أولى؛ لأنه به أشبه.
فها هنا هما علتان، إلا أن التي هي بأحد الأصلين أكثر أوصافاً أولى.
ويفارق هذا قياس غلبة الشَّبَه؛ لأنه (٤) ليس بقياس صحيح على إحدى
الروايتين(٥)؛ لأن معنى الأصل غير موجود بكماله في الفرع، فلهذا لم يكن
علة.
(١) العلة عند الإِمام الشافعي في القديم: الطعم مع الكيل أو الطعم مع الوزن.
أما في الجديد - وهو القول الأصح عند الشافعية - فهي الطعم.
انظر: المهذب مع شرحه المجموع (٣٩٥/٩ - ٣٩٦).
(٢) في الأصل (فروعه).
(٣) في الأصل: (كانا).
(٤) في الأصل: (أنه).
(٥) سبق الكلام على قياس الشبه ص (١٣٢٥).
١٣٣٢

وها هنا أوصاف الأصل بكماله موجودة في الفرع، فلهذا كان علة.
فإذاً هذا القياس استوفى أوصاف أصله.
وقياس غلبة الشَّبَه ما استوفى أوصاف أصله.
مسألة
[ دلالة مفهوم الموافقة ]
فأما الحكم الثابت من طريق التنبيه فلا يسمى قياساً (١)، وإنما هو مفهوم
(١) هذه مسألة عقدها المؤلف للكلام عن دلالة مفهوم الموافقة هل هي لغوية أو قياسية؟
والخلاف فيها مشهور ومعروف.
وقد اختار المؤلف أن دلالته لغوية، وهو الحق إن شاء الله، وذلك لقوة أدلته التي
أورد المؤلف بعضاً منها.
ولمفهوم الموافقة تعريفات كثيرة، منها ما ذكره إمام الحرمين في كتابه البرهان
(٤٤٩/١)، حيث قال: (هو ما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه موافق للحكم
في المنطوق به من جهة الأولى)، وهو تعريف مرضٍ، إلا أن قوله (من جهة الأولى)
يفيد اشتراط الأولوية في المفهوم الموافق، بمعنى: أن يكون المسكوت عنه أوْلى
بالحكم من المنطوق به، كما مثل المؤلف بقوله تعالى: (فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفِّ) فإن
المنطوق به: تحريم التأفيف، والمسكوت عنه: تحريم الضرب ونحوه، ولاشك أن
الضرب أوْلى بالتحريم من التأفيف.
وقد اختلف الأصوليون فيما لو كان المسكوت عنه مساوياً للمنطوق به في الحكم،
هل يعد مفهوم موافقة أو لا؟ مثل قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الَْامَى
ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً).
فلو أُحرق مالُ اليتيم فإن ذلك مساوٍ للأكل في ضياع ماله.
وهو ما يشعر به كلام المؤلف عندما مثل بتنصيف حد العبد الزاني؛ لأن الله تعالى =
١٣٣٣

الخطاب وفحواه، نحو قوله تعالى: (فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٌ)(١) إن الضرب ونحوه
من الإضرار بالوالدين ممنوع [منه] بمعنى اللفظ.
وكذلك قول النبي عَّله: (أربع لا تجوز في الضّحايا، العوراءُ البَيِّن عَوَرُها،
والعرجاءُ البَيِّنُ عَرَجُها .... )(٢) فلما نصَّ على العوراء، كانت العمياء مثلها في
المعنى لمعنى اللفظ.
نص على ذلك في حد الآمة، والعبد مثلها، وليس بأولى منها.
=
انظر: تيسير التحرير (٩٤/١) والمستصفى (١٩٠/١).
(١) سورة الإسراء آية (٢٣) والآية في الأصل: (ولا ... ) والمثبت من المصحف.
(٢) هذا الحديث رواه البراء بن عازب ــ رضي الله عنه ـ مرفوعاً. أخرجه عنه أبو
داود في كتاب الضحايا، باب: ما يكره من الضحايا (٨٧/٢) ولفظه: (أربع لا
تجوز في الأضاحي: العوراء بيِّن عورُها، والمريضة بيِّن مرضُها، والعرجاء بيِّن ظلعُها،
والكَسِير التي لا تنقي).
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الأضاحي، باب: ما لا يجوز من الأضاحي
(٨٥/٤).
وقال: (حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث فَيْروز عن البراء. والعمل
على هذا الحديث عند أهل العلم).
وأخرجه عنه النَّسائي في كتاب الضحايا، باب ما نهي عنه من الأضاحي: العوراء
(١٨٨/٧).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الأضاحي، باب ما يكره أن يضحّى به
(١٠٥٠/٢).
وأخرجه الدارمي في كتاب الأضاحي، باب ما لا يجوز في الأضاحي (٤/٢).
وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده (٢٨٤/٤، ٢٨٩، ٣٠٠، ٣٠١).
وأخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب الضحايا باب ما ينهى عنه من الضحايا
ص (٢٩٨).
=
١٣٣٤

وكذلك لما نصَّ على العرجاء، كانت المقطوعة الأربع في معناها وزيادة من
طريق اللفظ.
وكذلك قوله: (الَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)(١)
ونصَّ في الإِماء على النصف(٢)، كان العبد مثلها على النصف من طريق اللفظ
لوجود المعنى(٣).
وكذلك قوله عليه السلام، (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان)،
كان الجوع والعطش ونحوهما في معناه بمعنى اللفظ لوجود معناه، وهو [ما]
يغيِّر خُلُقَه وفهمَه.
وكذلك قوله - في الفأرة تقع في السَّمن -: (إن كان جامداً فألقوها وما
حولها، وإن كان مائعاً فأريقوه).
فكانت العصفورة في معنى الفأرة، والشحم الجامد في معنى السَّمن الجامد،
وأخرجه الطحاوي في كتاب شرح معاني الآثار في كتاب الصيد والذبائح
=
والأضاحي، باب العيوب التي لا يجوز الهدايا والضحايا إذا كانت بها (٦٨/٤).
وأخرجه أبو داود الطيالسي في كتاب الهدايا والضحايا، أبواب الأضحية (٢٢٩/١)
بترتيب الساعاتي.
وابن الجارود في المنتقى باب ما جاء في الضحايا ص (٣٠٤) حديث (٩٠٧)
والحديث صحيح.
وانظر: إرواء الغليل (٣٦٠/٤) وتخريج أحاديث اللُّمع في أصول الفقه للغُماري
ص (٢٨٤).
(١) سورة النور آية (٢) وفي الأصل: (والّانِيةُ) بزيادة الواو، وهو خطأ.
(٢) إشارة إلى قوله تعالى (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى
المُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) (٢٥) النساء.
(٣) في الأصل (البعض).
١٣٣٥

والشحم الذائب كالسَّمن الذائب، وكذلك الَّيت والشَّيْرَج(١).
وكذلك قوله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَّى يَنِى إِسْرَائِيلَ)(٢).
وكذلك قول النبي عَّ ◌ُلِ: (كنتُ نهيتكم عن ادِّخار لحوم الأضاحي لأجل
الدَّافَّة، ألا فادَّخروا ما بدا لكم).
كل هذا من معنى اللفظ.
وقد أومأ إليه أحمد - رحمه الله - في رواية [ أحمد بن ] الحسين بن حسان
فقال: ((إنَّما القياس أن يقيس الرجل على أصل، فأما أن يجيء إلى أصل
فيهدمه فلا)).
فحدّ(٣) القياس بما كان على أصل مستنبط.
وكذلك قال في رواية الميموني: «سألت الشافعي عن القياس فقال: عند
الضرورة، وأعجبه ذلك)) [٢٠٤/ب].
ومعنى قوله: ((عند الضرورة)). إذا لم يجد دليلاً غيره من كتاب أو سنة،
والاحتجاج بالتنبيه يجوز مع وجود دليل غيره.
وقال في رواية الميموني: ((بر الوالدين واجب، ما لم يكن معصية، قال تعالى:
(فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍ).
فاحتج على وجوب برهما بقوله: (فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍ)(٤) فدل على أنه
مستفاد من جهة اللفظ.
(١) الشيرج على وزن زينب، معَّرب، وهو: دهن السِّمْسِمْ.
انظر: المصباح المنير. مادة (شَرِّج).
(٢) آية (٣٢) من سورة المائدة.
(٣) في الأصل (ـحد) بدون إعجام.
(٤) آية (٢٣) من سورة الإِسراء، والآية في الموضعين: (ولا) وهو خطأ.
انظر: التمهيد (٥/٤).
١٣٣٦
١
:

وهو قول أصحاب أبي حنيفة(١).
وقال أصحاب الشافعي: ذلك مستفاد من جهة القیاس، لكنه قیاس جلي
لا يحتاج إلى فكر وتأمل(٢).
وهو اختيار أبي الحسن الجزري من أصحابنا. ذكره في جزء فيه مسائل
(١) هذا العزو ليس محرراً، فإن أصحاب الإمام أبي حنيفة مختلفون في هذه المسألة،
فبعضهم قال: بأنه مفهوم من دلالة النص، وبعضهم قال: إنه مستفاد من جهة
القياس، وسموه قياساً جلياً.
انظر: ميزان الأصول للسمرقندي ص (٣٩٨) وكشف الأسرار (٧٣/١) وأصول
السرخسي (٢٤١) وأصول الشاشي ص (١٠٤).
(٢) هذا رأي الإِمام الشافعي كما في الرسالة ص (٥١٣)، وهو ما نقل عنه في جمع
الجوامع (٢٤٢/١). وقد اختاره إمام الحرمين في البرهان (م/٧٨٦)، حيث قال:
( ... وهذه مسألة لفظية، ليس وراءها فائدة معنوية، ولكن الأمر إذا رد إلى حكم
اللفظ فعدُّ ذلك من القياس أمثل، من جهة أن النص غير مشعر به من طريق وضع
اللغة وموجب اللسان).
ولكنَّ هناك رأياً ثانياً لبعض الشافعية، وهو: أن دلالته لفظية، ولهم في تفسير ذلك
اتجاهان:
الأول: أنها فهمت من ناحية اللغة، وهذا مانسبه الشيرازي في التبصرة ص (٢٢٧)
إلى بعض الشافعية، ولم يفصل.
الثاني: أنها فهمت من السياق والقرائن، وهو قول الغزالي في المستصفى (١٩٠/٢)
والآمدي في الإِحكام (٦٣/٣).
وبناءً على ما تقدم يكون عزو المؤلف عن أصحاب الشافعي أنهم يقولون بأنه
مستفاد من جهة القياس ليس محرراً، فإن ذلك قول إمامهم وبعض أصحابه، إلا
أن يكون القول الثاني لم يقل به أحد من الشافعية حتى انقضى زمن المؤلف، فيتَّجِه.
والله أعلم.
١٣٣٧

الأصول، في موضعين منه، فقال: مفهوم النص هو القياس(١).
دلیلنا:
أن القياس ما يختص بفهمه أهل النظر والاستدلال، فيفتقرون في إثبات
الحكم به إلى ضرب من النظر والاستدلال والتأمل بحال الفرع والأصل.
فأما ما دل عليه فحوى الخطاب الذي ذكرناه، فإنه يستوي فيه العالم
والعامي العاقل(٢) الذي لم يَدْرِ ما القياس، فكيف يجوز إجراءُ اسم القياس
عليه؟ !.
وأيضاً : فإن أهل اللغة لا يختلفون أن من نهي عن التأفيف لوالديه،
عقل منه تحريم الشتم والضرب، كما أن من أمر بتعظيم زيد، عقل منه ترك
الاستخفاف به.
وكما أن من وُصِف(٣) بالعجز عن حمل شىء يسير، عقل منه عجزه عن
حمله ما هو فوقه. ومن، حمل نفسه على دفع ذلك لم يكن في حدٍّ من يُناظَر.
وإذا كان هذا من اللفظ لم يجز إطلاق اسم القياس عليه.
ولأن ذلك يضاف إلى الخطاب، فيقولون: مفهوم الخطاب وفحواه وتنبيهه
يدل على ثبوته نطقاً.
ولأن ما ثبت باللفظ ليس من شرطه أن توجد صيغة اللفظ فيه، ألا ترى
أنه لو قال: اقتلوا أهل الذمة لأنهم كوافر، جاز قتل عبدة الأوثان بهذا اللفظ،
وإن لم يتناولهم اللفظ من طريق الصيغة ، لكن من طريق العلة والشَّبه،
فكذلك هاهنا.
(١) النسبة عنه موجودة في الروضة (٢٠١/٢) والقواعد والفوائد الأصولية
ص (٢٨٧).
(٢) في الأصل: (العقل).
(٣) في الأصل (صف) بإسقاط الواو.
١٣٣٨

اہے
واحتج المخالف:
أن الحكم المستفاد بالنص ما كان ثابتاً بالاسم واللفظ، وقوله: (فَلاَ تَقُل
لَّهُمَا أُفٍّ) إنما تناول لفظه المنع من التأفيف، فأما المنع من الضرب، فلم يتناوله
اللفظ، ولا استفيد منه، وإنما استفيد من (١) الاسم بمعنى، وهو أنه لما منع من
التأفيف لأجل الأذى، وكان الأذى موجوداً في الضرب وزيادة، منع منه، فثبت
أنه مستفاد بالقياس لا باللفظ.
ويوضِّحه قول(٢) النبي عَ لِ: (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان)،
لا يفهم أنه لا يقضي بينهما في حال الجوع والعطش، فإذا لم يكن هذا مستفاداً
من اللفظ ولا [٢٠٥/أ] معقولاً منه ثبت أنه مستفاد من معناه ومقيس(٣)
عليه .
والجواب: أنه وإن لم يكن الضرب منصوصاً عليه، فقد بينًا أن اللفظ قد
دل عليه، وأنه يقع في فهم السامع، كذلك تحريم الضرب والشتم، فثبت أن
اللفظ دل عليه من مفهومه وفحواه.
وإذا كان كذلك، لم يصح تسميته قياساً؛ لأن القياس يقتضي معنى آخر،
وهو أنه يختص بعلمه أهلُ النظر، ويحتاج إلى تأمل الأصل والفرع، وهذا
لا يحتاج إليه هاهنا.
ولأنَّا قد بينًا أن ما ثبت باللفظ، ليس من شرطه أن توجد صيغة اللفظ
فيه، كقوله: اقتلوا أهل الذمة لكونهم كوافر، جاز قتل عبدة الأوثان وإن لم
تتناولهم صيغة اللفظ.
(١) في الأصل: (عن).
(٢) كلمة (قول): مكررة في الأصل.
(٣) في الأصل: (مقيساً) بالنصب، وحقه الرفع عطفاً على خبر (أن).
١٣٣٩

مسألة
[ التعليل بالاسم ]
يجوز أن تجعل الأسماء عللاً للأحكام(١)، سواء في ذلك الأسماء المشتقة،
كقولك: قائم، وقاعد، وشاتم، وضارب. وأسماء الألقاب كقولك: زيد،
وعمرو، وحمار، وحائط، وماء، وتراب.
وقد نصَّ عليهما أحمد - رحمه الله - فقال في رواية الميموني: ((يجوز التوضؤ
بماء الباقلاء والحمص؛ لأنه ماء، إنما أضفته إلى شىء لم يفسده))(٢).
فقاس الماء المضاف على المطلق، وهو اسم علم ولقب.
وقال أيضاً في رواية الميموني في نصراني محصن أسلم ثم زنا بعد إسلامه:
((يرجم بذلك الإِحصان؛ لأنه زانٍ، أَرجمُه بإحصانه))(٣).
فعلَّق الحكم بالزنا والإِحصان، وهو اسم مشتق.
وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة، فيما حكاه الجرجاني (٤).
(١) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٤١/٤) والمسوَّدة ص (٣٩٣) وشرح الكوكب
المنير ص (٤٢/٤).
(٢) هذه الرواية موجودة في: التمهيد (٤١/٤)، وأشار إليها ابن قدامة في المغني (١٢/١)
حيث ذكر الميموني من جملة من نقل عن الإِمام أحمد جواز الوضوء بمثل ماء الباقلاء
والحمص.
(٣) نحو هذه الرواية روى إسحاق بن إبراهيم بن هاني النيسابوري في مسائله (٩١/٢)
عن الإِمام أحمد، ولفظه: (سألت أبا عبد الله عن رجل كانت له امرأة في دار
الحرب، فخرج إلى دار الإِسلام، فأسلم، فزنا، قال أبو عبد الله: دخل بها؟ قلت:
نعم، قال: قد أحصَنْه، عليه الرجم).
(٤) كذا ذكره السمرقندي في كتابه الميزان ص (٥٨٥) إلا أنه عقَّب عليه بقوله: (كذا
قال بعضهم). ثم علَّق على المسألة بقوله: (ولكنَّا نقول: إن عني به أنه تعلق بعين =
١٣٤٠
: