النص المفهرس
صفحات 1301-1320
! وروي عن علي أنه قال: (استشارني عمرُ في أمهات الأولاد فأجمعتُ أنا وهو على عتقهم [١٩٨/أ] ثم رأيت بعد أن أرقُّهم. فقال له عبيدة(١): رأي ذوي عدل أحب إلينا من رأي عدل وحده)(٢). وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في قصة بَرْوَع بنت واشق(٣): (أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان)(٤). ويلاحظ: أن فتوى زيد - رضي الله عنه - مختلفة في المصدرين السابقين، ففي = المصنف قال زيد: (إن اختارت نفسها فثلاث، وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة. وفي السنن قال زيد: (إن اختارت نفسها فثلاث، وان اختارت زوجها فواحدة، وهو أحق بها) وهذا موافق للفظ المؤلف. وقد نبه على ذلك محقق كتاب المصنف لابن أبي شيبة. (١) هو عبيدة السلماني، وقد سبقت ترجمته. (٢) سبق تخريج هذا الأثر. الأشجعية. صحابية. (٣) لها ترجمة في: الاستيعاب (١٧٩٥/٤). (٤) هذا الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أخرجه عنه أبو داود في كتاب النكاح باب: فيمن تزوج ولم يسمِّ صداقاً حتى مات (٤٨٨/١) ولفظه: (أن عبد الله بن مسعود أُتي في رجل، بهذا الخبر. يعني: في رجل تزوج امرأة، فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها الصداق. فاختلفوا إليه شهراً، أو قال: مرات، قال: فإني أقول فيها: إن لها صداقاً كصداق نسائها، لاوَكْس ولا شطط، وإن لها الميراث، وعليها العِدَّة فإن يك صواباً فمن الله، وإن يك خطاً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان، فقام ناس من أشجع، فيهم الجرّاح وأبو سنان، فقالوا: يا ابن مسعود نحن نشهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضاها فينا في بَرَوْعَ بنت واشق، وأن زوجها هلال = ١٣٠١ وقال عبد الله بن عباس - رضي الله [عنهما] - في ديات الأسنان لما قسَّمها عمر على اختلاف منافعها(١): (اعتبروها بالأصابع؛ عقلها سواء وإن اختلفت منافعها)(٢). وقال عبد الله بن عباس: (ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابناً،: ولا يجعل أب الأب أباً؟!)(٣). بن مُرّة الأشجعي، كما قضيتَ، قال: ففرح عبد الله بن مسعود فرحاً شديداً حين وافق قضاؤه قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ). وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده (٢٧٩/٤). وأخرجه الخطيب في كتابه الفقيه والمتفقه، باب ذكر ما روي عن الصحابة والتابعين في الحكم بالاجتهاد وطريق القياس (٢٠٢/١). وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب النكاح، باب: الذي يتزوج فلا يدخل ولا يفرض حتى يموت (٢٩٤/٦). ويظهر من هذا: أن المسألة التي حكم فيها ابن مسعود مشابهة لمسألة يُرْوَع بنت واشق، التي حكم فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليست هي، كما يفهم من ظاهر كلام المؤلف. (١) تقسيم عمر - رضي الله عنه - لديات الأسنان على اختلاف منافعها، أخرجه عنه عبد الرزاق في مصنفه كتاب العقول، باب: الأسنان (٣٤٧/٩). كما أخرجه عنه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الديات، باب: من قال: تفضل بعض الأسنان على بعض (١٩٠/٩). (٢) هذا الأثر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أخرجه عنه البيهقي في سننه في كتاب الديات، باب: الأسنان كلها سواء (٩٠/٨)، وفيه: (لو لم يعتبر ذلك إلا بالأصابع عقلها سواء). وأخرجه ابن حزم في كتابه: الإِحكام ص (١٠٠٦). وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب العقول، باب: الأسنان (٣٤٥/٩). (٣) هذا الأثر ذكره ابن عبد البر في كتابه: جامع بيان العلم وفضله (١٣١/٢)، بدون إسناد، ولفظه: (وقال ابن عباس: ليتق الله زيد، أيجعل ولد الولد بمنزلة الولد، = ١٣٠٢ وروي عن ابن عباس: (أنه كان إذا سئل عن شىء فكان في كتاب الله تعالى قال به، وإن لم يكن في كتاب الله، وحُدِّث به عن رسول الله عَ له قال به، فإن لم يكن في كتاب الله ولا حُدِّث به عن رسول الله وأُخبر به عن أبي بکر وعمر قال به، فإن لم یکن في کتاب الله ولا حُدِّث به عن رسول الله عَّله ولا أُخبر به عن أبي بكر وعمر اجتهد وقال برأيه)(١). وهذا يدل على صحة القول بالرأي والاجتهاد. فإن قيل: من حكيتم عنه القول بالقياس قد روي عنه بُطلانه. من ذلك ما روي عن أبي بكر أنه قال: (أي سماء تظلُّني، وأي أرض تقلُّني، إذا قلت في كتاب الله(٢) برأيي؟!). وعن عمر أنه قال: (إياكم وأصحابَ الرأي، فإنهم أعداء الدين، أعْيَتْهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا)(٣). = ولا يجعل أب الأب بمنزلة الأب؟! إن شاء باهَلْتُه عند الحجر الأسود). (١) هذا الأثر أخرجه الخطيب في كتابه: الفقيه والمتفقه، باب: ذكر ما روي عن الصحابة والتابعين في الحكم بالاجتهاد وطريق القياس (٢٠٣/١). وأخرجه ابن عبد البر في كتابه: جامع بيان العلم، باب: اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص (٧٢/٢). (٢) هذا الأثر أخرجه ابن عبد البر في كتابه: جامع بيان العلم وفضله (٦٤/٢)، عن أبي بكر، رضي الله عنه. كما أخرجه في الموضع نفسه عن علي، رضي الله عنه. وأخرجه الدار قطني في سننه: في كتاب النوادر (١٤٦/٤) قال أبو الطيب العظيم أبادي في تعليقه على سنن الدارقطني في الهامش: (في إسناده مُجالد، وهو ضعيف، ضعَّفه ابن معين، ووثّقه النسائي). وأخرجه ابن حزم في كتابه: الإِحكام ص (٧٧٩). (٣) هذا الأثر أخرجه الخطيب في كتابه الفقيه والمتفقه (١٨٠/١ - ١٨١). = ١٣٠٣ وروي عنه أنه قال: (إياكم والمكايَلَةَ، قيل: وما المكايَلَة؟، قال: المقايسة)(١). وروي عن شريح قال: كتب إلَّي عمر بن الخطاب وهو يومئذ من قبله: (اقض بما في كتاب الله، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فاقض بما في سنة رسول الله، فإن جاءك ما ليس في سنة رسول الله فاقض بما أجمع عليه أهل العلم، فإن لم تجد فلا عليك ألاّ تقضي)(٢). وعن علي أنه قال: (لو كان الدين قياساً لكان باطن الخُفِّ أحَّ بالمسح من ظاهره، ولكن رأيت رسول الله عَ للِ يمسح ظاهرها)(٣). وعن ابن مسعود أنه قال: (إذا قلتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيراً مما حرم =. وأخرجه ابن عبد البر في كتابه: جامع بيان العلم، باب ماجاء في ذم القول في دين الله بالرأي والظن والقياس ... (١٦٤/٢ - ١٦٥). وأخرجه ابن حزم في كتاب الإِحكام ص (٧٧٩). ولم أجد في المصادر السابقة لفظ: (أعداء الدين) كما ذكر المؤلف، وإنما وجدت: (أعداء السنن)، وهو الأنسب، والله أعلم. (١) هذا الأثر أخرجه الخطيب في المصدر (١٨٢/١) عن عمر رضي الله عنه، كما أخرجه في المصدر المذكور (١٨٣/١) عن الشعبي بلفظ: (إياكم والمقايسة). وذكره ابن عبد البر في كتابه: جامع بيان العلم (١٦٧/١) عن الشعبي أيضاً. (٢) هذا الأثر قد سبق تخريجه ص (١١٦٣) عند ذكر المؤلف له بلفظ: (إن لم تجد في السنة اجتهد رأيك). (٣) روى هذا أبو داود في سننه في كتاب الطهارة، باب: كيف المسح؟ (٣٦/١)، وفيه: (لو كان الدين بالرأي) بدل قول المؤلف: (لو كان الدين قياساً). وأخرجه الخطيب من قول عمر - رضي الله عنه - في كتابه الفقيه والمتفقه (١٨١/١). وأخرجه ابن حزم في كتابه الإِحكام ص (٣٨٠). وانظر هذا في: اعلام الموقعين (٥٨/١) والتلخيص الحبير (١٦٠/١) وفيه يقول الحافظ ابن حجر: (إسناده صحيح). ١٣٠٤ ٢ الله تعالى، وحرمتم كثيراً مما حلله الله)(١). وعن ابن عباس: (أن الله تعالى قال لنبيه: (احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ)(٢)، ولم يقل بما رأيت)(٣). وعنه أنه قال: (لو جعل لأحد أن يحكم برأيه لجعل ذلك لرسول الله عَ ليه يقول الله تعالى: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) (٤). وروي عنه أنه قال: (إياكم والمقاييس، فإنما عُبِدت الشمسُ والقمرُ بالمقاييس)(٥). وعن عبدالله بن عمر أنه قال: (السنة ما سَنَّه رسول الله عَ الم [١٩٨/ب] لا يجعل الرأيُ سنةً للمسلمين)(٦). (١) هذا الأثر أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه (١٨٢/١) عن ابن مسعود - رضي الله عنه - كما ذكر المؤلف. ذكره ابن عبد البر في كتابه: جامع بيان العلم عن الشعبي (٩٤/٢). وأخرجه ابن حزم في كتابه: الإِحكام ص (١٠٧٣) عن الشعبي أيضاً. (٢) آية (٤٩) من سورة المائدة. (٣) لم أقف على هذا الأثر في مصدر معتمد. (٤) لم أقف على هذا الأثر في مصدر معتمد. (٥) هذا الأثر سبق تخريجه ص (١٢٧٨) عند ذكر المؤلف له بلفظ: (أول من قاس إبليس). (٦) هذا الأثر أخرجه ابن عبد البر في كتابه، جامع بيان العلم (١٦٦/٢) عن عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - بلفظ: (السنة ما سنه الله ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تجعلوا خطأ الرأي سنةً للأمة). وأخرجه عنه ابن حزم في كتابه الإِحكام (٧٨٦/٦) بمثل لفظ ابن عبد البر. وذكره ابن القيِّم في كتابه: اعلام الموقعين (٥٤/١) منسوباً إلى عمر - رضي الله عنه - بمثل لفظ ابن عبد البَر. ١٣٠٥ وقال الزبرقان(١): (نهاني أبو وائل(٢) أن أجالس أضحابَ الرأي)(٣). وقال مسروق: (لا أقيس شيئاً بشىء، أخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها)(٤). قيل: أما قول أبي بكر: (أي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله برأيي)، فلا حجة فيه؛ لأنا نمنع القول في كتاب الله تعالى [بالرأي]. وقول عمر: (إياكم والرأي) فالمراد به: الرأي المخالف للحديث؛ لأنه قال: (أعيتهم الأحاديث أن يعوها). وقال: (إياك وأصحاب الرأي. فإنهم أعداء السنن) والرأي المخالف لذلك فهو ضلال وإضلال. وكذلك قول علي: (لو كان الدين بالرأي) فالمراد به مع مخالفة السنة. والدليل على ذلك: ما روي عنهم من القول بالرأي والعمل به. (١) هو الزبرقان بن عبد الله الأسدي الكوفي، أبوبكر السراج ثقة. روى عن أبي وائل وعبد الله بن معقل. وعنه يحيى بن سعيد وعبَّاد بن عوام وعمر بن علي بن مقدم وغيرهم. وثقه يحيى القطان ويحيى بن معين. له ترجمة في: كتاب الجرح والتعديل (ج أ ق ٢ ص ٦١٠). (٢) هو: شقِيق بن سلمة الأسدي الكوفي أبو وائل. روى عن عمر وعثمان وعلي وغيرهم، وعنه الأعمش ومنصور وحصين وغيرهم. وثّقه ابن معين ووكيع وابن سعد وغيرهم. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة. مات سنة (٨٢هـ). له ترجمة في: تاريخ بغداد (٢٦٨/٩) وتذكرة الحفاظ (٦٠/١)، وتقريب التهذيب (٣٥٤/١) وتهذيب التهذيب (٣٦١/٤) وطبقات الحفاظ ص (٢٠). (٣) أخرج هذا ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم (١٧٩/٢) ولفظه: (لا تُقَاعِد أصحاب أرأيت). (٤) أخرج هذا الأثر ابن عبد البر في المصدر السابق (١٦٧/٢) ولفظه: (لا أقيس شيئاً بشىء، قلت له؟ قال: أخاف أن تَزِل رجلي). ١٣٠٦ وعلى هذا كل ما روي عن الصحابة وعن أبي وائل ومسروق من ذم الرأي والقیاس. والدليل على ذلك ما رويناه من إجماع الصحابة. والطريقة الثانية في الإجماع من جهة الاستدلال: فهو أن الصحابة اختلفت في الحوادث اختلافاً متبايناً. فاختلفوا في قوله: أنتِ علَّ حرام. فقال بعضهم: يمين، ثُكفّر. ومنهم من قال: فيها كفارة يمين، وليست بيمين. ومنهم من قال: طلاق رجعي. ومنهم من قال: طلاق ثلاث. ومنهم من قال: ظهار(١). وهكذا اختلفوا في الجَدِّ: فمنهم من لم يقاسم بينه وبين الإِخوة، وقالوا: الجد أب، [وهم] عشرة من الصحابة، منهم أبوبكر وابن عباس. ومنهم من قال: يقاسمهم إلى الثلث. ومنهم من قال: إلى السدس. ومنهم من قال: إلى نصف السدس(٢). فأفَّر بعضهم بعضاً على ما ذهب، فإما أن يقولوا باجتهاد، أو بنص. فإن كان هناك نص لم يخل من ثلاثة أحوال: (١) سبق ذكر الخلاف في هذه المسألة ص (١١١٥). (٢) راجع في هذه الأقوال: السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الفرائض، جماع أبواب الجد، (٢٤٤/٦ - ٢٥١)، والمصنف لعبد الرزاق كتاب الفرائض، باب فرض الجد (٢٦١/١٠ - ٢٧٣). ١٣٠٧ إما أن يكون خَفِي عليهم. أو علموه، وتر کوه. أو علم به بعضهم دون بعض. فبطل أن يكون هناك نص خَفِي عليهم؛ لأنه يفضي أن يجمعوا على خطأ، وأن يخرج الأمر عن أيديهم. وبطل أن يقال: علموا به وتركوه؛ لأن هذا عناد. وبطل أن يقال: علم به بعضهم دون بعض؛ لأنه لو كان كذلك لأظهره الذي علمه، ورواه، وذكره. فلما لم يكن شىء من هذا ثبت أن القوم قالوا فيها باجتهادهم. ويؤيد هذا: أن القوم قاسوا الجَد على غيره، واعتبره علِّي بالبحر، والأب بالنهر، والإِخوة بالأنهار(١). واعتبره زيد بالشجرة، والأب بالغصن، والإِخوة بالأفنان(٢). (١) هذا الأثر عن علي - رضي الله عنه - لم أجده بهذا اللفظ، إنما وجدت ما أخرجه البيهقي في كتاب الفرائض، باب: من ورث الإِخوة مع الجد (٢٤٨/٦) بلفظ: (قال زيد: إلا أن علياً جعله سيلاً سال، فانشعبت منه شعبة، ثم انشعبت منه شعبتان، فقال: أرأيت لو أن ماء هذه الشعبة الوسطى يَيس، أكان يرجع إلى الشعبتين جميعاً). وبمثل هذا اللفظ: أخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الفرائض، باب: فرض الجد (٢٦٥/١٠). (٢) هذا الأثر - عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أخرجه عنه البيهقي في المصدر السابق بلفظ: ( ... فقال زيد: يا أمير المؤمنين لا تجعل شجرة نبتت فانشعب منها غصن، فانشعب في الغصن غصنان، فما جعل الأول أولى من الثاني، وقد خرج الغصنان من الغصن الأول؟!). وبمثل هذا اللفظ: أخرجه عبد الرزاق في المصدر السابق. ١٣٠٨ ثبت أن القوم أجمعوا على القياس، وعملوا به، وأقر بعضهم بعضاً على ذلك. وحُكي عن داود أنه قيل له: إذا لم يكن الدليل عندك إلا نفس كتاب أو سنة، أو قياس لا يحتمل إلا معنى واحداً (١). فلم اختلفت الصحابة؟! قال: خذل(٢) القوم(٣). وهذا أعظم (٤)، فإنه لم يكفهم منع [١٩٩/أ] القياس حتى خطَّئُوا الصحابة. وأيضاً: فإن الله تعالى كلف المجتهد معرفة أحكام الحوادث ليعمل بها لنفسه، أو ليفتي بها، أو يحكم بها بين الناس، فلابد أن ينصب هنا أدلة تعرف أحكام الحوادث بها. وذلك الدليل: إما أن يكون نصاً أو غيره؛ فبطل أن يكون نصاً؛ لأن الله تعالى ما نص علی حکم کل حادثة، ولابدَّ من معرفة حكمها، ثبت أن معرفة حكمها بالاجتهاد والاعتبار. فإن قيل: قد نص على حكم كل حادثة؛ إما نصاً أو دليل الخطاب. قيل: إذا اختلف المتبايعان، فقال كل واحد منهما: لا أدفع ما علّ حتى أقبض مالي، فليس في تقديم واحد منهما دليل من جهة النص. وكذلك: إذا اختلفا والسلعة قائمة، تحالفا، وليس في تقديم أحدهما نص ولا دليل خطاب. وكذلك قوله لزوجته: أنتِ عليَّ حرام؛ منهم من قال: طلاق. (١) في الأصل: (واحد). (٢) ضبطها في الأصل بتشديد الذال مع الكسر. (٣) لم أقف على قول داود هذا. (٤) في الأصل (عظم). ١٣٠٩ ومنهم من قال: ظهار. ومنهم من قال: يمين. وليس في هذا دليل. فإن قيل: إن لم يكن هناك نص صرنا إلى حكمها بدليل العقل. والناس في هذا على مذاهب؛ منهم من قال: الأشياء على الحظر. ومنهم من قال: على الإِباحة. ومنهم من قال: على الوقف. فيبنى حكم الحادثة على هذا. قيل: في الحوادث ما يقف قياس العقل فيها، وهو ما ذكرنا من اختلاف المتبايعين في الإِقباض، وغير ذلك. وكذلك قوله: أنتِ عليَّ حرام، ليس للعقل في هذا مجال، في تقديم بعضهم على بعض. فإن قيل: يصير في ذلك إلى استصحاب الحال. قيل: ولا يمكن أيضاً استصحاب الحال فيما حكينا من المسائل؛ لأن الحال قد زالت. فإن قيل: فبالإِجماع يقضى فيها. قيل: منها ما لم يجمعوا عليه، بل اختلفوا فيه. وعلى أنكم وإن صرتم إلى الإجماع، فالإجماع لا ينعقد على الحكم فيها إلا بدليل، وذلك الدليل ينقسم على ما قلناه في أول المسألة، فلابد لهم من نص أو اعتبار. وهذه الطريقة معتمدة في المسألة. وأيضاً: فإن الله تعالى ذكر أحكاماً ونصَّ على معانيها، فقال: (مِنْ أَجْلٍ ١٣١٠ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى يَنِي إِسْرَائِيلَ)(١). وقال في الفيء: (كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ اْلأُغْنِيَاءِ مِنْكُم)(٢) يعني نصصت على حكمه لهذا. وكذلك قال: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرَأَ زَوَّجْنَاكَهَا لِكَّي لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْواجِ أَدْعِيَاءِهِمْ إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَراً)(٢). وكذلك قال رسول الله عَ لِ: (إنَّما فعلتُ ذلك من أجل الدَّافَّة) (٤). وقال: (إنّما جُعِل الاستئذانُ من أُجْلِ البَصَر)(٥). فإذا نص الله ورسوله على الأحكام وذكر معانيها، ثبت أنه إنما نصَّ على (١) آية (٣٢) من سورة المائدة. (٢) آية (٧) من سورة الحشر. (٣) آية (٣٧) من سورة الأحزاب. (٤) هذا جزء من حديث، قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نهى عن ادّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام من أجل الدَّانَّة. وقد سبق تخريجه عند ذكر المؤلف له بلفظ: (كنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحي ... ). والدَّاقَّة: قوم من الأعراب يردون المِصْر، والمعنى: أن هناك قوماً قدموا المدينة في عيد الأضحى، فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تدخر لحوم الأضاحي، من أجل أن تفرق عليهم، فينتفعوا بها. انظر: النهاية في غريب الحديث (٢٦/٢)، مادة (دفف). (٥) هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب الامتشاط (٢١١/٧). وأخرجه في كتاب الاستئذان باب الاستئذان من أجل البصر (٦٦/٨) رقم الحديث كما في الفتح (٥٩٢٤، ٦٢٤١، ٦٩٠١). وأخرجه مسلم في كتاب الأدب، باب تحريم النظر في بيت غيره (١٦٩٨/٣) رقم (٢١٥٦). وأخرجه الترمذي في كتاب الاستئذان باب من اطّلع في دار قوم بغير إذنهم (٦٤/٥) رقم الحديث (٢٧٠٩). ١٣١١ المعنى حتى إذا عرف أُلْحِقَ به [١٩٩/ب] ما وجد فيه ذلك المعنى. فإن قيل: إنما نص على معنى الحكم ليعرف معناه. قيل: لا فائدة في معرفة معناه، وقد عرف معناه بالنظر. وطريقة أخرى وهو: أن القياس مفهوم كلام العرب ومعقولها، بدليل من له ابنان، ضرب كل واحد منهما زوجة نفسه، ثم إن أباهما ضرب أحدهما، فقيل له: لم ضربته؟. فقال: لأنه ضرب زوجته. وإذا قيل له: فالآخر أيضاً قد ضرب زوجته، فلم لم تضربه؟! فمتى لم يأت باعتذار في هذا سقط كلامه، وبان نقصه(١). فثبت أن القياس مأخوذ من مفهوم كلامهم. وأيضاً: فإن الاجتهاد في طلب القبلة عند الخفاء واجب، وإنما يستدل عليها بالعلامات، كالشمس والقمر والنجوم والجبال والرياح، وهذا محض القياس؛ لأنه یقیس القبلة على هذا النجم وعلى طلوع الشمس وغروبها، ويهدی إليها بها. فإن قيل: إنما لزمه الاجتهاد في طلب القبلة؛ لأن الشرع ورد بالطلب. قيل: قد سلمتم أنه ورد بالعمل على القياس. فإن قيل: القبلة واحدة، وشخص واحد کلف طلبه، فليس كذلك حكم الأرز؛ لأنه کلف حکمه، وحكمه يختلف. قيل: لا فرق بينهما وذلك أن له في الأرز حكماً طلبناه من البُر، كما أن له في الكعبة حكماً طلبناه من هذه الأدلة، فالبُر في حكم الأرز، كهذه الأدلة = وأخرجه أحمد في مسنده: (٣٣٠/٥، ٣٣٤، ٣٣٥). وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه كتاب الجامع، باب الرجل يطّلع في بيت الرجل (٣٨٣/١٠) رقم الحديث (١٩٤٣١). (١) في التمهيد (٤١٠/٣): (بَانَ نَقْضُه) بالضاد المعجمة، وهي أولى. ١٣١٢ في طلب القبلة. واحتج المخالف: بقوله تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَالَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (١). وقوله تعالى: ((وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ))(٢). والجواب: أن هذه حجة عليهم في نفيهم القياس بأمور محتملة غير مقطوع بها، ولا معلومة، فقد قالوا على الله ما لا يعلمون. على أن ذلك محمول على منع القول بما ليس بعلم، فلا يجري مجراه من القياس والاجتهاد، بدلالة قوله: (فَاعْتَبِرُواْ يَا أُولِى الأَبْصَارِ)(٣)، وحديث معاذ. وجواب آخر، وهو: أن الحكم بالقياس معلوم، ويكون ذلك بمنزلة الحكم بشهادة الشاهدين، إذا غلب على ظن الحاكم صدقُهما وعدالتُهما، والتوجه إلى القبلة إذا غلب على ظنه أنها في جهة، فإن وجوب الحكم بها وفعل الصلاة إليها معلوم، وإذا كان كذلك، فلم نَقْفُ ما ليس لنا به علم. واحتج بقوله تعالى: (إِذَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ الْحَقّ شَيْئاً)(٤). (١) آية (٣٦) من سورة الإسراء. ووجه الاستدلال: أن القياس قَفْوٌ لما لا علم لهم به. انظر: الإِحكام لابن حزم ص (١٠٥٥). (٢) آية (١٦٩) من سورة البقرة. ووجه الاستدلال من الآية: أن القول بالقياس حرام؛ لأنه قول على الله مالا نعلم، وذلك مما يأمر به إبليس: (إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ). انظر: الإِحكام لابن حزم ص (١٠٥٥). (٣) آية (٢) من سورة الحشر. (٤) آية (٢٨) من سورة النجم. " ووجه الاستدلال من الآية: أن القياس ظن، والظن لا يغني من الحق شيئاً. ١٣١٣ ( العدة فى أصول الفقه - ٨٣ ) والجواب: أن المراد به الظن الذي هو تخمين وحَذْس، لم يقع عن طريق صحيح. فأما الظن(١) الواقع عن أمارة وطريق صحيح، فهو جار مجرى العلم في وجوب العمل به، كما يقول المخالف في الحكم بقول الشاهدين، وبقول المقوِّمين، وقبول قول زوجته في حيضها وطهرها [٢٠٠/أ]، وقبول قول القَصَّاب في ذبيحته، والتوجه إلى القبلة باجتهاده. واحتج بقوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ من شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)(٢). وقال تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرّسُولِ)(٣). والجواب: أنه لم يرد به إلى ذات الله وذات رسوله، وإنما المراد إلى حكم كتاب الله وسنة رسوله، والرد إلى القياس رد إلى كتاب الله وسنة رسوله، فإنه عليهما يحمل، ومنهما (٤) تستنبط المعاني ويقاس عليها. واحتج بما روي عن النبي عَ لَّهِ أنه قال: (ستفترقُ أُمَّتَي على بِضْع وسبعين فِرْقة، أعظمُها فتنةً على أُمَّتي قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيُحرِّمون الحلالَ ويُحلِّلُون الحرامَ)(٥). (١) في الأصل: (وأما الطريق). (٢) آية (١٠) من سورة الشورى. ووجه الاستدلال من الآية: أن المختلف فيه حكمه إلى الله، وليس إلى القياس. (٣) آية (٥٩) من سورة النساء. ووجه الاستدلال: أن المتنازع فيه يجب رده إلى الله والرسول، والقول بالقياس رد إلى غير الله والرسول. (٤) في الأصل: (منها). (٥) هذا الحديث رواه عوف بن مالك - رضي الله - مرفوعاً. أخرجه عنه الطبراني في الكبير والبزار (٧٩/١٠). قال الهيثمي في مجمع الزوائد: (ورجاله رجال الصحيح) (١٧٩/١). وأخرجه ابن عبد البر بسنده في كتابه: جامع بيان العلم وفضله (١٦٣/٢) . = ١٣١٤ / والجواب: أن المراد بذلك الرأي المخالف للكتاب والسنة، ومن فعل ذلك فقد ضلَّ، ودخل تحت الوعيد(١). واحتج بأنه لو كان العمل بالقياس واجباً لم يخُ العمل بذلك من أن يكون ضرورةً أو استدلالاً، وليس يسوغ ادعاء العلم الضروري في وجوب ذلك؛ لأنا لا نجد نفوسنا مضطرة إلى العلم بذلك ولا تتعرى من الشكوك. وإن كان العلم بوجوده استدلالاً لم يخلُ إمّا أن يكون الاستدلال عقلاً أو شرعاً. والعقل لا مدخل له في إيجاب ذلك؛ لأن العلم بأصول الأشياء التي يقاس عليها لا يقع من ناحية العقول، ولا يجوز أن يفرِّق الله تعالى بين الخمر وسائر الأشربة في الحكم، فيحرم الخمر ويبيح غيرها مع تساويها(٢) في الإِسكار، والعقل یسوى بينهما. ولو كان ثبوته شرعاً لظهر، وليس في وجوب ذلك خبر. وأخرجه الخطيب في كتابه: الفقيه والمتفقه (١٨٠/١). = وأخرجه ابن حزم في كتاب الإِحكام (١٠٦٨/٨). والحديث قد ارتضاه ابن حزم كما في المرجع السابق. وكذلك الهيثمي. ولكنَّ أبا الخطاب في كتابه التمهيد (٤٠٢/٣) قال: (إنه خبر غير معروف). وقال الشيخ أحمد شاكر في هامش كتاب الإِحكام لابن حزم: (حديث ضعيف). وقد تجنب المؤلف الطعن فيه، فلعله ذهب إلى صحته. (١) هذا أحد الأجوبة، وهناك جواب ثان: بأنه حديث غير معروف، وقد سبقت الإِشارة إليه. و جواب ثالث، ذكره أبو الخطاب في کتابه السابق: (أنه خبر واحد غير مشهور، فلا يحتج به في الأصول). "(٢) في الأصل: (تساويهم). ١٣١٥ وتحرير هذه الدلالة: أن العلم بوجوبه، إذا لم يكن من ناحية المعقول، ولا شرع ورد بذلك لم يجز القضاء به. والجواب: أَنَّا نَقْلِبُ هذا الدليل فنقول: لو كان القول بالقياس باطلاً، لم يخلُ العلم ببطلانه من أن يكون ضرورةً أو استدلالاً. ولا يمكن ادعاء الضرورة لما يعترينا في بطلانه من الشك، والعقول لا مجال لها في بطلانه. ولأن نفاة القياس يجوزون أن يتعبد الله تعالى بإلحاق سائر الأشربة المسكرة بالخمر من طريق القياس، فلو بطل الحكم بالقياس لم يبطل إلا شرعاً، والشرع هو الخبر عن الله تعالى وعن رسوله، ولا خبر بذلك، فلم يجز الحكم ببطلانه. وجواب آخر: وهو أنَّا أثبتنا ذلك بالشرع، وقد ظهر ذلك بقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِى الأَبْصَارِ)(١) وبحديث معاذ، وإجماع الصحابة. فإن قيل: ما ذكرتموه من الشرع غير معلوم؛ لأنه خبر واحد، فلا يجوز إثبات مسائل الأصول بخبر الواحد. قيل [٢٠٠/ب]: لم نذكر ما يوجب العلم ويقطع العذر، وإذا لم يكن فيه دليل حالٍ ثبوته بخبر الواحد على أنا قد ذكرنا الآية، وهي مقطوع بها، والخبز الذي ذكرنا متلقى بالقبول، وإجماع الصحابة مقطوع به. واحتج: بأن القياس حمل الفرع على الأصل بعلة وشَبَه(٢)، وأجمعوا أن ذلك لا يقف على شهوة المعلِّل واقتراحه، بل يكون تابعاً للدليل، وليس يخلو الدليل من أن يكون عقلاً أو شرعاً. والعقل لا يدل على ذلك؛ إذ ليس بعض صفات المعلل أولى بذلك من بعض. (١) آية (٢) من سورة الحشر. (٢) في الأصل: (شبهة). ١٣١٦ 1 وحكم الأصل أيضاً لم يعلم عقلاً. ولأنه لا وجه يدعي الخصم أنه علة إلا وهو يجوز أن يرد الخبر بأن العلة سواه، فبطل أن يكون للعقل مجال في ذلك. ولا يجوز أن يكون العلم بالعلة قياساً على النص لوجهين: أحدهما: أن ذلك القياس لابدَّ له من علة، ولا بدَّ في تعريف تلك العلة من قياس يأتي، والكلام في ذلك كالكلام في الذي قبله، وهذا يفضي إلى ما لا نهاية له، فلم يبق إلا النص. وإذا كانت العلل منصوصاً عليها، جاز حمل غير المنصوص عليه على ما تناوله النص عند كثير من أهل الظاهر. ولا يجوز أن يكون ما تذكرونه من وجود الحكم في الأصل المعلّل عند وجود الصفة وعدمها عند عدمه، دلالة على كونها علة يجب القياس عليها لوجود الحكم في كثير من المواضع، موجود عند وجود شيء ومعدوم عند عدمه، مع اعترافنا بأنه ليس بعلة. ألا ترى أنا نجد العصير حلالاً قبل حدوث الشدة فيه لا يَكْفُر مستحله، فإذا حدثت الشدة صار حراماً يَكْفُر مستحله، ثم إذا ارتفعت الشدة عنه صار حلالاً، ولم يَكْفُر مستحله، ولم يجب من أجل ذلك أن تكون الشدة علة للتكفير؛ لأنَّا لا نكفر مستحل كل شديد. والجواب: أن القياس هو: حمل الفرع على الأصل بعلة وشبه، قد دل الدليل على صحتها، وذلك يحصل من خمسة أوجه: أحدها: لفظ صاحب الشريعة بنصه، أو تنبيهه(١)، أو إجماع الأمة، أو تأثيرها، وهو يوجد الحكم بوجود المعنى، ويعدم بعدمه أو شهادة (١) في الأصل: (أو تنبيه) ودلالة السياق تدل على ما أثبتناه. ١٣١٧ الأصول، أو قيام الدليل على بطلان ما سواها، وقد شرحنا ذلك في الخبر الذي بعده. وإذا كان كذلك، لم يلزم ما قالوه؛ لأن قولهم: ليس بعض الصفات أولى من بعض غلط؛ وذلك أنه إذا تعارض فيه أمارتان، عرضناهما على الأصول، فأيهما كان أشد اطراداً وانعكاساً وتأثيراً، كان أولى. وقولهم: إنه يجوز أن يَرِد الخبر بأن الحكم سواه، فهذا لا يتصور بعد وفاة النبي عَِّ. وأما في حياته فإنه ما من [٢٠١/أ] حكم ثبت بالنص إلا ويجوز أن یرِد نص خلافه، ثم لم يمنع ذلك کونه دليلاً. وقولهم: إن مستَحِلَّ النبيذ والنقيع لا يَكْفُر، وإن كانت علة الكفر موجودة فيه وهي الشدة غلط؛ لأن العلة في كفر مستَحِلٍ الخمر الإجماع على تحريمه، فليس العلة في كفره الشدة. وذلك الإجماع لا يوجد في غيره مما تحله الشدة، فلهذا لم تُكَفِّرْه. وقولهم: يحتاج في تعريف العلة إلى علة أخرى إلى ما لا نهاية له غلط، لأنَّا(١). واحتج: بأن القياس لا يصح إلا بثبوت علة الأصل، وأنهم يدعون علة الأصل، ولا يمكنهم إقامة الدليل عليها، فلم يصح القياس بعلة مدَّعاة لا دليل عليها. والجواب: أنا لا نقيس إلا بعد ثبوت علة الأصل، وإنما نبين فيما بعد ثبوتها، والأمارة الدالة عليها، إن شاء الله تعالى. واحتج: بأن علة الأصل إذا ثبتت لا يجب أن يتعدى الحكم إلى كل موضع توجد فيه علة الأصل، ولهذا إذا قال رجل: اعتقت عبدي؛ لأنه أسود، لا (١) بياض في الأصل يقدر بكلمتين. .١٣١٨ i يوجب ذلك أن يَعْتِق كل عبد له أسود. والجواب: أن العلة إذا ثبتت وجب الحكم بها في كل موضع وجدت؛ لأنها أمارة على الحكم، وإذا وجدت الأمارة والدلالة وجب الحكم بها. وأما قول الرجل: أعتقت عبدي؛ لأنه أسود، فإنه لا يعتق سائر عبيده السودان؛ لأن المناقضة جائزة عليه، وليس كذلك صاحب الشريعة، فإنه لا يجوز التناقض في قوله، فوجب طرد تعليله. واحتج: بأن القصد بالقياس طلب الحكم فيما لا نص فيه ولا توقيف، فليس عندنا حكم إلا وقد تناوله نص وتوقيف، فلم يكن للقياس معنى. والجواب: أَنَّا نعلم أحكاماً كثيرة لا نص فيها، من ذلك: جواز قتل الزنبور في الخِّل والحرم، وليس فيه نص، وإنما قيس على العقرب. وإذا تعمد ترك الصلاة يجب قضاؤها، وليس في ذلك نص، وإنما قيس على من نسيَها أو نام عنها(١). (١) وجوب القضاء هنا إما بالأمر الأول وإما بأمر جديد. وقد اختار المؤلف (٢٩٣/١) أن القضاء يكون بالأمر الأول، ومعنى هذا: أنه ليس في حاجة إلى القياس. والذي تميل إليه النفس: أن القضاء لا يجب إلا بأمر جديد، وليس هناك أمر جديد بوجوب القضاء على من ترك الصلاة عمداً، فاضطر القائلون بالقضاء للقياس على من نام أو نسي الصلاة، فقد ورد النص في ذلك: (من نام عن صلاة أو نسيَها فليصلِها إذا ذكرها)، وقد سبق تخريجه (٢٩٧/١). إلا أن القياس - في رأيي - غير صحيح؛ لأن النص وارد فيمن تركها لعذر، وهذا قد ترك الصلاة عمداً. ولذلك يرى بعض العلماء أن القضاء إنما وجب عليه بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (فدينُ الله أحقُّ بالقضاء). وذهب جمع من المحققين إلى أن من ترك الصلاة عمداً لا يقضي، وإنما عليه التوبة، = ١٣١٩ - وإذا ماتت فأرة في غير السَّمن(١). وإذا ماتت سنور في السَّمن(٢) وما أشبه ذلك كثير. ومن المسائل الغامضة فأكثر من أن تحصى. وجواب آخر: وهو: أنه ليس من شرط القياس أن يكون النص معدوماً، وإنما شرطه أن لا يكون مخالفاً للنص، فإذا لم يكن مخالفاً للنص صح القياس، مع وجود النص، ومع عدمه. واحتج: بأن حكم الفرع لا يخلو أن يوجد من الاسم والمعنى، أو من الاسم دون المعنى، أو من المعنى [٢٠١/ب] دون الاسم. فإن أخذ من الاسم والمعنى، فقد أخذ بالنص بلا قياس. وكذلك إن أخذ من الاسم، ثبت نصاً، ولا يجوز أن يكون متعلقاً بالمعنى؛ لأن هذا كان موجوداً فيه ولا حكم، وهو قبل معرفة أحكام الشريعة، فلم يبق إلا أن يكون باطلاً. والجواب: أن الاعتبار بالاشتراك في المعنى، إلا أنه يجوز القياس عند الأمر به، وقبل ورود الشرع لم يكن هناك أمر بالقياس، فلذلك امتنع القول به. واحتج: بأن القياس: حمل الشيء على الشيء في بعض أحكامه بضرب من الشَّبَه، وما من شىء يشبه شيئاً من وجه إلا ويفارقه من وجه آخر، كموضع الافتراق. والجواب: أن القياس إنما يجب عند اجتماعهم في معنى الحكم واشتراكهما فیه. والافتراق الذي یذ کرونه هو افتراق في غیر معنی الحكم، لا يؤثر في جواز = وبخاصة عند من حكم بكفره. والله أعلم. انظر: مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص (١٩٧). (١) والنص وارد في الفأرة في السَّمن. (٢) والنص وارد في الفأرة في السَّمن. ١٣٢٠ ١