النص المفهرس

صفحات 1261-1280

طاعة ولا معصية.
وهذا كما قال أبو الحسن؛ لأن الأعيان فعْل الله تعالى وخلق له، فلا يجوز
أن ينصرف الوعيد إلى أفعاله، وإنما ينصرف ذلك إلى أفعالنا.
قال أبو الحسن: وقد يطلق ذلك في المفعول توسعاً واستعارة، فيقال العصير
حلال مباح ما لم يفسد، فإذا فسد وصار خمراً كان حراماً ومحظوراً.
والمذكَّى(١) حلال ومباح، والميتة محظورة وهي حرام، والحرير حرام، وما في
معنى ذلك.
يريدون أن شرب العصير حلال ومباح ما لم يشتد، فإذا اشتدَّ وصار خمراً
كان شربُه حراماً محظوراً، وأكل المذكَّى حلال ومباح، وأكل الميتة محظور
وحرام، فيطلقون ذلك والمراد به: أفعالهم(٣).
(١) في الأصل: (والمذكاة) والتصويب من المسوَّدة الموضع السابق.
(٢) كلام أبي الحسن هذا موجود في المسوّدة ص(٤٨١) بتصرف يسير.
ثم إن الشيخ ابن تيمية في المرجع السابق ص (٤٨٢) عقّب على كلام أبي الحسن
هذا بقوله: (والصحيح أنه حقيقة في الأعيان أيضاً).
كما تعقّبه ص(٩٣) من المرجع السابق بعد أن ذكر قوله: إن وصف الأعيان بالحِلَّ
والحظر توسع واستعارة فقال: (والصحيح في هذا الباب خلاف القولين، إن الأعيان
توصف بالحِلِّ والحظر حقيقة لغوية، كما توصف بالطهارة والنجاسة والطيب
والخبث، ولا حاجة إلى تكلف لا يقبله عقل ولا لغة ولا شرع، وحينئذٍ فيكون
العموم في لفظ التحريم).
١٢٦١

مسألة
في استصحاب الحال(١)
وهو على ضربین(٢):
أحدهما: استصحاب براءة الذمة من الوجوب حتى يدل دليل شرعي عليه.
وهذا صحيح بالإجماع من أهل العلم، والاحتجاج به سائغ.
وقد ذكره أصحاب أبي حنيفة.
(١) الاستصحاب في اللغة كما في كشف الأسرار - (١٠٩٧/٣): (طلب الصحبة).
وأصل مادة (صَحِب) تدل - كما يقول ابن فارس في معجمه (٣٣٥/٣): (على
مقارنة شىء ومقاربته، من ذلك الصاحب).
وفي المصباح المنير (٥٠٩/١): (وكل شىء لازم شيئاً فقد استصحبه ... ومن هنا
قيل: استصحبت الحال إذا تمسكت بما كان ثابتاً، كأنك جعلت تلك الحال مصاحبة
غير مفارقة).
أما في اصطلاح الأصوليين فله عدة تعاريف متقاربة المعنى، منها: تعريف البخاري
كما في كتابه كشف الأسرار الموضع السابق: (هو الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني
بناء على أنه كان ثابتاً في الزمان الأول).
راجع هذه المسألة في: التمهيد (٢٥١/٤) والمسوَّدة ص (٤٨٨)، وروضة الناظر مع
شرحها نزهة الخاطر (٣٨٩/١) وشرح الطوفي على مختصر الروضة الجزء الثاني
الورقة (٧٢/أ)، وشرح الكوكب المنير (٤٠٣/٤).
(٢) ذكر المؤلف هنا وفي الجزء الأول ص (٧٢) أن الاستصحاب على ضربين.
ولكنَّ هناك أقساماً أخرى ذكرها بعض علماء الأصول في هذا المقام، ومنهم
الزركشي؛ فقد نقل عنه الشوكاني في كتابه إرشاد الفحول ص(٣٨) أن
الاستصحاب له صور خمس، اثنتان ذكرهما المؤلف.
أما الثالثة فهي: ما دلّ العقل والشرع على ثبوته ودوامه، كدوام حل الزوجة بعد
ثبوت عقد الزوجية.
وأما الرابعة فهي: استصحاب الحكم العقلي عند المعتزلة، فالعقل عندهم يحكم في =
١٢٦٢
1
1

وسماه أبو يوسف: عدم الدليل دليل(١).
وذكره القاضي أبو الطيب الطبري(٢).
ومثال ذلك أن يُسأل حنبلي عن الوتر(٣) فيقول: ليس بواجب، فيطالب
بدليله، فيقول: لأن طريق وجوبه الشرع، وقد طلبت الدليل الموجب من جهة
الشرع [١٩١/أ] فلم أجد، فوجب أن لا يكون واجباً، وأن تكون ذمتُه بريئةً
منه كما كانت.
وكذلك إذا احتج بذلك على نفي وجوب الأضحية، ونفي وجوب زكاة
الخيل والحلي والخضروات، وما أشبه ذلك.
وإلى هذا المعنى أوماً أحمد - رحمه الله - في رواية صالح ويوسف بن
موسى: ((لا يُخمّسِ السَّلَب، ما سمعنا أن النبي عَّ ◌َلِ خمس السَّلَب)).
فجعل عدم الدليل الشرعي مبقياً(٤) على الأصل في منع التخميس ونفي
= بعض الأشياء إلى أن يَرِد السمع.
وأما الخامسة فهي: استصحاب الدليل مع احتمال المعارض، إما تخصيصاً إن كان
الدليل عاماً، أو نسخاً إن كان الدليل نصاً.
(١) انظر تفصيل رأي الحنفية في: أصول السرخسي (٢٢٣/٢) وتيسير التحرير
(١٧٦/٤) ومسلَّم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت (٣٥٩/٢).
(٢) هو: طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر، أبو الطيب الطبري. الشافعي، القاضي
كان أصولياً فقيهاً. له مؤلفات كثيرة، منها شرح المزني. ولد بآمل طبرستان سنة
(٣٤٨هـ)، ومات سنة (٤٥٠هـ).
له ترجمة في: تاريخ بغداد (٣٥٨/٩) وشذرات الذهب (٢٨٤/٣) وطبقات
الشافعية للسبكي (١٢/٥) وطبقات الفقهاء للشيرازي ص (١٠٦) ووفيات
الأعيان (١٩٥/٢).
(٣) مضى التعليق على هذه المسألة (٧٣/١).
(٤) في الأصل: (منفياً).
١٢٦٣

الاستحقاق.
وكذلك نقل الأثرم وابن بَدِينا في الحُلي يوجد لُقَطَّة: ((إنما جاء الحديث
في الدراهم والدنانیر».
فمنع من تملّك الحُلي، واستدام الأصل، وهو عدم الملك في اللقطة؛ لأنه
لم يرد دليل، وإنما ورد في الدراهم والدنانير.
وحكى أبو سفيان عن بعض الفقهاء أنه يأبى هذه الطريقة في الاستدلال.
والدلالة على صحتها: أن الحكم الشرعي إنما يلزم المكلف إذا تعبده الله
تعالى به، ولا يجوز أن يتعبده الله تعالى به من غير أن يدلَّه عليه، وإذا كان
كذلك وجب أن يكون عدم الدلالة على أنه لم يتعبد به.
يُبيِّن صحة هذا: أنه لما لم يجز أن يبعث الله تعالى رسولاً دون أن يظهر
عليه الأعلام المعجزة، كان عدم ظهور ذلك على مدعي النبوة دلالة على انتفاء
ثبوته.
فإن قيل: ما ينكر أن يكون الدليل موجوداً وأنت مخطىء في الطلب، وتارك
للدليل الموجب.
قيل: لا يجب علينا أكثر من الطلب، وإذا لم نجد لزمنا تبقية الذمم على البراءة
كما كانت.
وهذا كما يستدل بعموم، فيقول الخصم (١) ما يُنْكَر أن يكون ذلك خاصاً،
وقد خفي عليك دليل التخصيص.
فيقول: طلبنا الدليل المخصص فلم نجد، فلزمنا حمله على عمومه، ومن ادعى
دليل التخصيص يجب عليه إبرازه، كذلك ها هنا، ما لم نجد دليل الإِيجاب
يجب أن تبقى الذمم على البراءة على حكم دليل العقل المقتضي لبراءة الذمم حتى
يرد الشرع.
(١) في الأصل: (الحطم).
١٢٦٤
1

الضرب الثاني: في استصحاب حكم الإجماع.
وهو: أن تجمع الأمَّة على حكم، ثم تتغير صفة المجمع عليه، ويختلف المجمِعون
فيه، فهل يجب استصحاب حكم الإجماع بعد الاختلاف حتى ينقل عنه الدليل
أم لا؟.
فذهب الجماعة من أصحاب أبي حنيفة(١) وأصحاب الشافعي(٢) إلى أن
ذلك لا يجوز، ويجب طلب الدليل في موضع الخلاف.
وهو الصحيح عندي.
وذهب داود(٣) وأصحابه والصيرفي(٤) من أصحاب الشافعي إلى أنه يجب
استصحابه كما يجب استصحاب براءة الذمم.
وهو اختيار أبي إسحاق(٥) [١٩١/ب] من أصحابنا(٦)، ذكره في الجزء
الأول من شرح الخِرَقي فقال ((أجمعوا على طهارة الماء إذا لم يشرب منه مالا
يؤكل لحمه، واختلفوا إذا شرب، فالإِجماع حجة، والاختلاف رأي، والحجة
أولی».
فقد استصحب أبو إسحاق حكم الإجماع.
ومثاله أن نقول: المتيمم إذا رأى الماء في صلاته لا تبطل؛ لأنا أجمعنا على
(١) انظر: تيسير التحرير (٧٦/٤) ومسلَّم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت
(٣٥٩/٢).
(٢) انظر التبصرة للشيرازي ص (٥٢٦).
نسبه إليه الشيرازي في المرجع السابق.
(٣)
وانظر تفصيل القول فيه: الإِحكام لابن حزم (٥٩٠/٥).
(٤) نسبه إليه الشيرازي في المرجع السابق.
هو إبراهيم بن أحمد بن عمر بن شاقلا، وقد سبقت ترجمته.
(٥)
(٦) نسبه إليه أبو الخطاب في كتابه التمهيد (٢٥٦/٤) وابن قدامة المقدسي في الروضة
(٣٩٢/١).
١٢٦٥
( العدة فى أصول الفقه - ٨٠ )

صحتها، فمن ادعى بطلانها فعليه الدليل.
وأن ملْك المسلم ثابت بالإجماع، وإذا ارتد اختلفوا في زواله، فمن ادعى
زواله فعليه الدليل.
وإذا اصصد الحلال، ثم أحرم لم يَزُل ملكُه؛ لأنا قد أجمعنا على ثبوت ملكه
قبل إحرامه، فمن ادعى زوالَه فعليه الدليل.
وإذا وقعت النجاسة في الماء ولم تغيره أجمعنا على طهارته قبل وقوعها،
فمدعي النجاسة يحتاج إلى دليل.
وفي بيع أمهات الأولاد أجمعنا على جواز بيعها قبل الاستيلاد، فمدعي المنع
بعد ذلك عليه الدليل.
وما يجري هذا المجرى من المسائل.
ودليلنا على ذلك:
أن الإجماع دلالة على الحكم كسائر الأدلة، فوجب اعتباره في الموضع الذي
تناوله، والإِجماع لم يتناول صحتها بعد(١) وجود الماء، وقد زال في الموضع
المختلف فيه، فلم يجز التمسك به في مواضع الخلاف، وصار كالنص متى تناول
موضعاً لم يجز حمله على غيره.
وقد قال بعضهم(٢): إن داود أنكر القياس ثم صار إليه من غير علته، فكأنه
أنكر القياس الصحيح، وقال بالقياس الفاسد؛ لأنه قياس بغير علة.
فإن قيل: نحن لا نستدل بالقياس، وإنما نستدل بالإِجماع في موضع الخلاف.
قيل: الاستدلال بالإِجماع لا يصح بعد زواله، وإنما يصح الاحتجاج به مع
بقائه؛ لأن الدليل إذا زال، زال الحكم المتعلق به.
وقد قرر هذا الدليل من وجه آخر، وهو: أنه إذا شرك بين الحالين في
(١) في الأصل: (قبل) والعبارة لا تستقيم إلا بما أثبتناه، مستأنسين بما جاء في شرح
اللمع (٩٨٩/٢) حيث عبر بقوله: (وكذلك إذا أجمعنا على انعقاد إحرامه وصحة
صلاته قبل رؤية الماء، فأما بعد وجود الماء فهو موضع الخلاف).
(٢) هو قول أبي الطيب الطبري، كما في شرح اللُّمع (٩٨٨/٢).
١٢٦٦

وجوب الوضوء، لاشتراكهما فيما دل على وجوب الوضوء، فليس
باستصحاب الحال، وإنما هو احتجاج بدليل دل على وجوب الوضوء وإن
اشترك بينهما في الحكم لاشترا کهما في علته، فهو قياس، وليس باستصحاب
الحال.
واحتج المخالف:
بأن قول المجمِعين حجة، كما أن قول النبي عَ له حجة، فلما وجب
استصحاب قول النبي عَّم إلا أن ينقل عنه الدليل، وجب استصحاب قول
المجمعين إلا أن يَنْقُل عنه الدليل.
والجواب: أن هذا دليل لنا؛ لأن قول النبي عَّه إذا كان خاصاً لم يجز
أن يحتج به في غيره إلا بالقياس عليه، كذلك قول المجمِعين خاص؛ لأنهم إنما
أجمعوا على صحة صلاة في [١٩٢/ أ] حال عدم الماء، ولم يجمعوا على صحتها
في حال وجوده، فكان قول النبي دليلاً على المخالف.
واحتج: بأن استصحاب حكم العقل في براءة الذمم واجب حتى يقوم
الدليل على الوجوب، كذلك ها هنا.
والجواب: أن دلالة العقل في براءة الذمم قائمة في حال الخلاف، وليس
كذلك الإِجماع فإنه زائد، فلم يجز الاحتجاج به.
واحتج: بأنه قد ثبت أن من تيقن الطهارة وشكّ في الحدث، أو تيقن
الحدث وشكّ في الطهارة، أو تيقن النكاح وشكَّ في الطلاق، أو تيقن الملك
وشكَّ في العتاق، أو شكَّ في فعل الصلاة: ((أن اليقين لا يزول بالشك)) ويكون
حُكُم اليقين السابق مستداماً في حال الشك، كذلك ها هنا.
والجواب: أن الفرق بينهما ظاهر، وذلك أن الإجماع الذي هو دليل الحكم
قد تيقن زواله، فوجب أن يزول حكمُه، والطهارة لا يتيقن زوالها، وإنما هو
مشكوك فيه، فلم يجز أن يزول اليقين بالشك، وكذلك النكاح والملك،
والصلاة، فَوِزَان مسألتنا أن يُتَيقَّن الطهارة ثم يُتَيقَّن الحدث، فلا يجوز استدامة
١٢٦٧

حكم الطهارة.
وعلى أنه يعارضه: أن المدعى عليه يحتاج إلى اليمين، ولا يكفي في إسقاط
دعوى المدعي بغير [بينة] براءة ذمة المدعى عليه، فبطل الاحتجاج به.
واعلم أن هذه الطريقة لا تسلم من أن يقدر على قائلها.
فإذا قال: قد صح دخوله في الصلاة بالتيمم بالاتفاق، فلا يزولُ عنه بغير
دليل، فيقال له: قد تيقنا ثبوتَ الفرض(١) عليه، فلا يسقط عنه إلا بدليل.
وكذلك إذا قال: قد اتفقنا على طهارة الماء اليسير قبل وقوع النجاسة فيه،
فمن ادعى نجاسته فعليه الدليل، فيقال له: قد اتفقنا على وجوب فرض الصلاة،
فمن اسقط عنه فعلها بهذه الطهارة، فعليه الدليل.
وكذلك إذا قال في بيع أمهات الأولاد: أجمعنا على بيعها قبل الإِيلاد، فمن
منع فعليه الدليل.
فيقال: أجمعنا على تحريم بيعها ما دامت حاملاً، فمن أجاز بيعها بعد وضع
الحمل فعليه الدليل.
فصل
[القول بأقل ما قيل]
فأما القول بأقل ما قيل فيه(٢).
فيجوز الاحتجاج به، ويرجع معناه إلى استصحاب حكم العقل في براءة
الذمة.
(١) في الأصل: (القرض) بالقاف.
(٢) راجع في هذه المسألة: التمهيد (٢٦٧/٤) والمسوَّدة ص(٤٩٠) وروضة الناظر مع
شرحها نزهة الخاطر العاطر (٣٨٨/١).
١٢٦٨

ومثاله: دية اليهودي والنصراني، فإنها ثلث الدية عند الشافعي(١). وإحدى
الروايتين لأحمد - رحمه الله.
والأخرى نصف الدية(٢)، وهو قول مالك(٣).
وقال أبو حنيفة: مثل دية المسلم (٤).
فكان الثلث أقل ما قيل فيه، فيجب ذلك بالإِجماع، وما زاد على ذلك
فلا يجب؛ لأن الأصل براءة الذمة منه، ووجوبه يحتاج [١٩٢/ب] إلى دليل
شرعي ولم نجد دليلاً يدل عليه، فوجب تبقية الدية على البراءة.
ومثله: أن مسح الرأس يجب مقدار ما يقع عليه اسم المسح عند
الشافعي(٥).
(١) هذا مذهب الشافعية، كما في المهذَّب لأبي إسحاق الشيرازي الشافعي مع شرحه
المجموع (٤١٤/١٧).
(٢) ظاهر المذهب أنها نصف دية المسلم.
أما الرواية الثانية: أنها ثلث دية المسلم، فإن الإِمام أحمد قد رجع عنها، كما نقله
صالح عنه.
انظر: المغني (٧٩٣/٧) طبعة المنار الثالثة.
(٣) انظر: الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإِمام مالك لأحمد الدردير
المالكي (٣٧٦/٤)، فإن ما ذكره المؤلف هو مذهب المالكية.
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني الحنفي (٤٦٦٤/١٠)، فإن ما ذكره المؤلف هو
مذهب الحنفية.
(٥) قال أبو إسحاق الشيرازي في المهذَّب مع شرحه المجموع (٣٩٩/١): (والواجب
منه أن يمسح ما يقع عليه اسم المسح وإن قلّ.
وقال أبو العباس بن القاص: أقله ثلاث شعرات، كما نقول في الحلق والإِحرام.
والمذهب: أنه لا يتقدر؛ لأن الله تعالى أمر بالمسح، وذلك يقع على القليل والكثير).
قال النووي - بعد ذلك -: (والمشهور في مذهبنا الذي تظاهرت عليه نصوص
الشافعي وقطع به جمهور الأصحاب في الطرق: أن مسح الرأس لا يتقدر وجوبه
بشىء، بل يكفي فيه ما يمكن).
١٢٦٩

وعند أبي حنيفة: الربع(١).
وعندنا - في إحدى الروايتين(٢) - وعند مالك: الجميع(٣).
فيقال: ما زاد على الاسم يحتاج إلى دليل.
ومثل ذلك في قدر الصاع وغيره.
والطريق في الجميع ما بينته(٤).
فصل
[النافى للحكم هل عليه دليل؟]
النافي للحكم عليه الدليل(٥).
ذكره أبو الحسن التميمي في مسألة أفردها.
(١) هذا قول أبي حنيفة وزُفَر.
وهناك أقوال أخرى لبعض الحنفية ..
انظر: بدائع الصنائع (٨٨/١).
(٢) القول بوجوب مسح جميع الرأس رواية عن الإِمام أحمد، كما ذكر المؤلف.
قال ابن قدامة في المغني (١٢٥/١): (وهو ظاهر كلام الخِرَقي).
وهناك رواية أخرى: أنه يجزىء مسح بعض الرأس. نقلها ابن قدامة في المرجع
السابق.
(٣) هذا مذهب المالكية.
انظر: الشرح الصغير على أقرب المسالك (١٠٨/١).
(٤) هذه الكلمة مترددة بين ما أثبتناه، وبين: (سنبينه) والأقرب ما أثبتناه؛ لأنه قد بين
بأنه لا يؤخذ بأقل ما قيل في هذه المسائل وغيرها.
(٥) راجع هذه المسألة في: أصول الجصاص الورقة (٢٤٢/ب) والتمهيد (٢٦٣/٤)
والمسوّدة ص(٤٩٤) وروضة الناظر مع شرحها (٣٩٥/١) وشرح الكوكب المنير
(٥٢٥/٤).
وكون النافي للحكم يلزمه الدليل قال به الحنفية وأكثر الشافعية وأكثر الحنابلة. ونسبه =
١٢٧٠
:

ومن الناس من قال: لا دليل عليه في العقليات والشرعيات(١).
ومنهم من قال: إن كان الحكم عقلياً فعلى النافي دليل، وإن كان شرعياً
فليس عليه دليل(٢).
دلیلنا:
أن النافي للحكم معتقد لكون ما نفاه متيقناً، كما أن المثبت للحكم معتقد
لكون ما أثبته ثابتاً. واتفقوا على أن من أثبت حكماً كان عليه الدليل. كذلك
من نفاه.
ولأن من نفى قِدَم الأجسام كان عليه الدليل، كما يكون عليه ذلك لو أثبت
قدمها، وهذا متفق عليه، كذلك في غيره.
ولأن من نفاه لا يخلو إما أن يكون نفاه بعلم مكتسب، أو علم ضروري،
إذ نفيه بغير علم جهل، وإذا كان كذلك، وكانت العلوم الضرورية والمكتسبة
لا تخلو من دليل عليها؛ لأنها إذا خلت من ذلك لم تكن علوماً، وجب أن
لا يسقط الدليل عن نفي الحكم العقلي أو الشرعي.
الباجي إلى الفقهاء والمتكلمين. واختاره.
=
انظر: أصول السرخسي (١١٧/٢) والتبصرة ص (٥٣٠) وشرح اللُّمع (٩٩٥/٢)
والمراجع السابقة، وإحكام الفصول ص (٧٠٠) والمنهاج في ترتيب الحجّاج
ص(٣٢).
نسبه الباجي في كتابيه السابقين إلى داود الظاهري ..
(١)
كما نسبه الشيرازي في كتابيه السابقين إلى بعض الشافعية.
(٢) لم يعين المؤلف النسبة هنا إلى أحد، ومثلُه أبو الخطاب في التمهيد، والمجد في المسودة،
والفتوحي في شرح الكوكب، وابن قدامة في الروضة إلا أنه عكس القول فقال:
(وقال قوم في الشرعيات كقولنا، وفي العقليات لا دليل عليه ... ). وقد ذكره
الشوكاني في كتابه إرشاد الفحول ص(٢٤٥) موافقاً لما ذكره المؤلف ثم قال:
(حكاه القاضي في التقريب وابن فورك).
١٢٧١

واحتج المخالف:
بأن من ادعى النبوة وجب عليه إقامة الدليل، ومن أنكرها ونفاها من الناس
لم يجب عليه الدليل؛ لأن المدعي للنبوة مثبت(١) والمنكر ناف.
وهكذا ورد الشرع، فإنه جعل على المدعي البينة دون المدعى عليه؛ لأن
المدعي مثبت، والمدعى عليه ناف.
والجواب: أن النافي للنبوة ينظر فيه:
فإن كان نافياً لعلمه بأن يقول: أنا لا أعلمُ صدقَه ولا كذِبَه، ويجوز أن
يكون صادقاً، ويجوز أن يكون كاذباً، فهذا لا دليل عليه؛ لأنه شاكٌ غير مدعٍ
نفياً ولا إثباتاً.
وإن كان يقطع بنفيه وتكذيبه في دعواه، وجب عليه إقامة الدليل.
وطريق الدليل فيه: أن يقول: لا يبعث الله رسولاً إلا بمعجزة تدل على
نبوته وحجة تكشف عن صدقه، فإذا لم تكن معجزة تدل على ما يدعيه دلّ
على كذبه وبطلان دعواه.
وأما المدعى عليه فإنه يقطع بالنفي وعليه الدليل، ولهذا يلزمه اليمين بالله
تعالى، إلا أن المدعى عليه معه ظاهر يدل على صدقه من براءة الذمة إن كان
المدعى عليه دَيْناً، ومن ثبوت يده وتصرفه إن كان المدعى عليه عيْناً، فجعل
[١٩٣/أ] في جنبة المدعي أقوى السببين؛ لأنه لا ظاهر معه يدل على
صدقه. ن(٢).
(١) في الأصل: (يثبت).
(٢) هكذا ذكر المؤلف في المسألة ثلاثة آراء، واستدلَّ للراجح عنده بدليلين، ولم يورد
عليهما اعتراضات المخالف، ثم احتج للرأي الثاني بدليل واحد واعترض عليه. أما
الرأي الثالث فلم يستدلّ له. وكان من المناسب أن يستدل ولو بدليل واحد ليعلم
منه منطلق أصحاب هذا القول.
إذا علمت هذا ففي المسألة أقوال كثيرة، أوصلها الشوكاني في كتابه: إرشاد
الفحول ص(٢٤٥) إلى تسعة آراء، إلا أنه لم يستدل لأكثرها.
١٢٧٢

باب الكلام في القياس
مسألة
[ حجية القياس العقلي ]
القياس العقلي(١) حجة، يجب القول به، والعمل عليه(٢).
ويجب النظر والاستدلال به بعد ورود الشرع.
ولا يجوز التقليد(٣).
وقد احتج أحمد - رحمه الله - بدلائل العقول في مواضع، فيما خرّجه
(١) سبق للمؤلف في هذا الكتاب: (١٧٤/١) أن عرّف القياس الشرعي.
أما القياس العقلى فهو - كما يقول ابن عقيل في كتابه الواضح (٦٤١/٢) -:
(هو الذي يجب بشهادة المشتبهين فيه بالحكم من جهة العقل)
وذكر في كشف الأسرار (٩٩٠/٣) أن بعضهم حدَّه بقوله: (رد غائب إلى شاهد
ليستدل به عليه).
وقد بيَّن المؤلف في كتابه المعتمد ص (٤١) أنه: (قد يستدل بالشاهد على الغائب
من وجوه أربعة، أحدها: من جهة العلة، والثاني: الحد، والثالث المصحح، والرابع:
الدليل).
(٢) راجع في هذه المسألة: التمهيد (٣٦٠/٣) والواضح (٦٤١/٢) والمسوَّدة
ص (٣٦٥).
(٣) هذا ما يراه المؤلف، وقد فصل ذلك في كتابه المعتمد (٢١) ومن ضمن ما قاله:
(وأول ما أوجب الله على خلقه العقلاء: النظر والاستدلال المؤديين إلى معرفة الله
سبحانه .. )
وهذه المسألة فيها بحث طويل ومتشعب.
استوفاه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: درء تعارض العقل والنقل الجزء السابع
والثامن.
وقد نقل كلام المؤلف وتعقَّبه (٤٤٢/٧) و(٣٤٩/٨، ٣٥٥).
١٢٧٣
=

في الرد على الزنادقة والجهمية (١)، رواية عبد الله عنه، فقال: ((إذا قلنا لم يزل
الله تعالى بصفاته كلها، إنما نَصِف إلهاً واحداً بجميع صفاته. وضربنا لهم في
ذلك مثلاً فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة، أليس لها جِذْع وكَرَب(٢) ولِيف
وسَعَف(٣) وخُوص(٤) وجُمَّار(٥) ؟! سُميت نخلة بجميع(٦) صفاتها، كذلك الله
تعالى، وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد(٧).
وقلنا للجهمية(٨): زعمتم أن الله تعالى في كل مكان، وهو نور، فلم
لا يضيء البيت المظلم من النور الذي هو فيه؟! إذ زعمتم أن الله تعالى في كل
مكان، وما بال السراج إذا دخل البيت يضيء؟!)).
وقال(٩) ((لو أن رجلاً كان في يده قَدَح من قوارير صافٍ، وفيه شىء
=
ثم قال (٨/٨): (والقران العزيز ليس فيه أن النظر أول الواجبات، ولا فيه إيجاب
النظر على كل أحد، وإنما فيه الأمر بالنظر لبعض الناس، وهذا موافق لقول من
يقول: إنه واجب على من لم يحصل له الإِيمان إلا به.
بل هو واجب على كل من لا يؤدي واجباً إلا به، وهذا أصح الأقوال).
وقد قال هذا بعد أن بين أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يَدْعُ أحداً
من الخلق إلى النظر ابتداء، ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دعاهم إليه
الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه.
(١) هذا كتاب للإِمام أحمد، مطبوع، والكلام يقع في ص (٣٧).
(٢) الكَرَب: أصول السعف التي تقطع منها: انظر: المصباح المنير مادة (كَرَبَ).
السَّعف: أغصان النخل مادامت في الخوص، انظر: المرجع السابق مادة (سَعَفَ).
(٣)
الخُوص: ورق النخيل. المرجع السابق، مادة (خَوَصَ).
(٤)
(٥)
الجُمَّار: قلب النخلة. المرجع السابق، مادة (جَمَرَ).
(٦) في الأصل: (الجميع) والتصويب من المصدر الذي نقل منه المؤلف ص (٣٧).
(٧) في الأصل: (إلهاً واحداً).
(٨) ص (٤٤) من المصدر السابق.
(٩) ص (٣٩) من المصدر السابق.
١٢٧٤

صافٍ، أن يصير(١) ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في
القدح، فالله له المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شىء
من خلقه)).
وهذا صريح من أحمد - رحمه الله - في الاحتجاج بدلائل العقول.
وإلى هذا ذهب جماعة الفقهاء والمتكلمين من أهل الإِثبات(٢).
وذهب المعتزلة إلى وجوب النظر والاستدلال بالعقل قبل ورود الشرع،
وإذا ورد الشرع كذلك كان مؤكداً له(٣).
وذهب قوم إلى أن حجج العقول باطلة، والنظر حرام، والواجب هو
التقليد (٤).
(١) هكذا في الأصل، والعبارة في المصدر الذي نقله منه المؤلف ص (٣٩): (كان بَصْرُ
ابن آدم .... ).
(٢) وهو مذهب الجماهير، كما يقول الغزالي في المنخول ص (٣٢٤) وهو مذهب
الحنابلة، كما هو واضح من كلام الإِمام أحمد، الذي نقله المؤلف هنا.
وبهذا يتبين خطأ ما قاله الغزالي في المرجع السابق، وعبد العزيز البخاري في كشف
الأسرار (٩٩٠/٣) من أن الحنابلة ردوا قياس العقل، دون الشرع.
(٣) لأنهم يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين، فهم أولى الناس بهذا القول.
انظر: المعتمد (٨٨٦/٢ - ٨٨٧)، وقد قسم الأشياء المعلومة بالدليل إلى ثلاثة
أقسام: ما يعلم بالعقل فقط، وما يعلم بالشرع فقط، وما يعلم بهما.
انظر: زيادات المعتمد (٩٩٤/٢).
وقد أورد شيخ الإِسلام كلامه في درء تعارض العقل والنقل (١٧/٨) وردًّ عليه.
(٤) ونسبه في المسؤَّدة ص (٣٦٥) إلى بعض أهل الحديث وأهل الظاهر، ونسبه عبد
العزيز البخاري في كتابه كشف الأسرار (٩٩٠/٣) إلى الإمامية وأيضاً الخوارج
إلا النجدات منهم.
وشدد ابن حزم في كتابه الفِصَل (٤٢/٣-٤٣) النكير على القائلين بوجوب النظر .=
١٢٧٥

فالدلالة على وجوب ذلك بعد السمع:
هو أن إبطال ذلك إبطال للنبوات والشرائع، وذلك أنه لا طريق لنا إلى
معرفة صدق النبي من كذب المتنبىء إلا النظر والاستدلال؛ لأن صورة الكذب
كصورة الصدق، فمتى ظهرت علامات المعجزة على النبي علمنا بالنظر فيها
أنها من قِبَل الله تعالى؛ لأن غيره لا يقدر على إظهاره، ومتى علمنا أنها من
قبل الله تعالى علمنا بالنظر أيضاً أن من ظهرت عليه هذه الأعلام صادق غير
كاذب؛ لأن الله تعالى لا يظهر الأعلام على الكذابين، ولولا النظر والاستدلال
لم يكن لنا طريق إلى معرفة شىءٍ من ذلك، فكان يؤدي إلى إبطال الشرائع،
وإفساد النبوات وترك التخيير بين الصادق [١٩٣/ب] والكاذب، والنبي
والمتنبیء.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون العلم بما ذكرتموه من قِبَل الله تعالى وقِبَل
رسوله قد وقع ضرورة لا استدلالاً ونظراً.
قيل: لو كان الأمر على ما ذكرتَ لكان يشترك في ذلك العلم جميعُ العقلاء؛
لأن العلم الضروري لا يختص به بعض العقلاء دون بعض إذا اشتركوا في
طرقه، وفي علمنا بوجود جماعات كثيرة لم يقع لهم العلم بالله تعالى وبنبوة
رسوله، مثل الملاحدة وأضرابهم من الكفار؛ لأنه لو وقع لهم العلم به ضرورة
لم يصح اجتماعهم على نفيه، كما لا يصح اجتماع الجماعات العظيمة على نفي
وقوع العلم بالبلدان وبوجود المحسوسات من الأجسام، وفي بطلان ذلك دليل
على فساد ذلك.
ولأنه لو جاز وقوع العلم بالله تعالى في حال التكليف ضرورة لكان العلم
وقد أورد شيخ الإسلام ابن تيمية قوله في كتابه: درء تعارض العقل والنقل
=
(٤٣٢/٧ - ٤٤٠) وعلق عليه، فارجع إليه، فإنه مفيد.
١٢٧٦

بنبوة الرسول - عليه السلام - أولى أن يقع ضرورة، ولو جاز ذلك لم يكن
لإظهار الأعلام معنى، بل كان(١) يكون ذلك عبثاً.
ويدل عليه أيضاً:
أننا نجد كل عاقل إذا نابته نائبة من أمور دينه ودنياه، فإنه يفزع إلى عقله
ليتحرز به من ضرر، أو ليتوصل به إلى نفع، ألا ترى أنه إذا رأى في الطريق
أثر سبع امتنع من سلوكه. وإذا رأى أثراً لماء وبه عطش أسرع في طلبه، فلولا
أن النظر والاستدلال طريق إلى العلوم العقلية لم يفزع العاقل إليها في جر المنافع
ودفع المضار، كما لا يفزع في إدراك السماع إلى آلة الشم، وفي إدراك الشم
إلى آلة البصر، وإذا كان كذلك ثبت أن النظر من طريق العقل واجب بعد
السمع.
ويدل على بطلان التقليد:
أن الذي قلده المقلد لا يخلو من أن يكون ما قلده فيه قد علمه بالاستدلال
والنظر، أو أخذه تقليداً من غيره، ولا جائز أن يكون قد علمه ضرورة كما
دللنا عليه، فإن علمه استدلالاً ونظراً فقد بطل التقليد، وإن أخبره تقليداً كان
الكلام ممن قلده إياه كالكلام فيه، فيؤدي إلى إثبات مالا نهاية له من المقلدين،
وفي بطلان ذلك دليل على بطلان القول بالتقليد.
ويدل عليه أيضاً: أن الذي قلده المقلد لا يخلو من أن يكون ممن يجوز عليه
الضلال، أو لا يجوز ذلك عليه، وبطل أن يكون ممن لا يجوز عليه ذلك؛ لأن
هذا لا يجوز أن يحكم به إلا لمن يشهد له به النبي، فإذا كان ممن يجوز عليه
الضلال لم يأمن المقلد له أن يكون مبطلاً في تقليده إياه، وإذا لم يأمن ذلك
لم يجز تقليده.
(١) هكذا في الأصل: و (كان) هنا زائدة.
١٢٧٧

فإن قيل: أليس قد جاز له تقليد النبي فيما يأمره به؟. ويجوز للعامي أن
يقلد المفتي فيما يفتيه به.
ولأن أول من قاس إبليس(١)، فكان (١٩٤/أ) قياسه كفراً.
قيل: ما يأخذه من رسول الله عَّ له لا يكون على وجه التقليد؛ لأن الله
تعالى قد دلنا على صدق رسول الله عَّ الله وعلى أنه لا يأمرنا إلا بالحق، والتقليد
المحظور هو ما يأخذه المقلد من غيره من غير أن يدل عليه عنده دلالة على
صحته، أو يعلم في الجملة أن فرضه تقليد المفتي فيما يفتيه به، فلهذا افترق
الأمران.
وقوله: [أول] من قاس إبليس، وكان كافراً، فإنه يقابل بمن قال:
أول من قاس الملائكة، وكان قياسُهم صواباً.
(١) هذا أثر أخرجه ابن جرير في تفسيره عند الكلام على قوله تعالى: (قَالَ مَا مَنَعَكَ
أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن ثَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) آية (١٢)
من سورة الأعراف (٣٢٨/١٢) أخرجه بسنده عن ابن سيرين قال (أول من قاس
إبليس، وما عُبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس).
وعن ابن سيرين أخرجه ابن عبد البر في كتابه: جامع بيان العلم وفضله (٩٣/٢)
بمثل لفظ ابن جرير.
كما أخرجه عنه ابن حزم في كتابه الإحكام (١٠٧٣/١٠) ولفظه: ( ... عن أبي
هند قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: القياس شؤم، وأول من قاس إبليس فهلك،
وإنما ◌ُبدت الشمس والقمر بالمقاييس).
وروي هذا الأثر عن الحسن، أخرجه عنه ابن جرير بسنده في الموضع السابق،
ولفظه: (قاس إبليس، وهو أول من قاس).
وأخرجه عنه ابن عبد البر بسنده في كتابه: جامع بيان العلم في الموضع السابق،
ولفظه: (أول من قاس إبليس، قال: ((خَلَقْتَنِي مِن ثَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ)) ).
ونسبه الخطيب في كتابه الفقيه والمتفقه (٢٠٥/١) إلى جعفر بن محمد.
١٢٧٨

على أنك قد صرت إلى القياس حيث حملت قياس غير إبليس على قياس
إبليس في باب الفساد.
وعلى أن خطأ القائسين إذا كان مبطلاً للقياس في الأصل عندك، فهلاً كان
خطأ بعض المقلدين دليلاً على بطلان التقليد؟!؛ لأن الله تعالى قد حكى تقليد
الكفار إياهم بقوله تعالى: (قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا ءإبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَّى ءاثارِهِم
مُهْتَدُونَ)(١).
فإن قيل: أليس قد منع أحمد - رضي الله عنه - من النظر والكلام.
فقال في رواية عبدوس بن مالك العطار: ((لا يكون صاحب الكلام -
وإن أصاب بكلامه السنة - من أهل السنة حتى يدع الجدال))(٢).
قيل: إنما نهى عن الجدال الذي هو المراء، ألا ترى أن أبابكر المروذي سأله
عن الرجل يشتغل بالصوم والصلاة ويعتزل، ويسكت عن الكلام في أهل
البدع، فقال: ((إذا صام وصلى واعتزل إنما هو لنفسه، وإذا تكلم كان له ولغيره،
يتكلم أفضل)).
وروى حنبل أنه قال لأحمد - رحمه الله - : ((إن يعقوب بن شيبة(٣)
(١) آية (٢٢) من سورة الزخرف.
(٢) هذه الرواية ذكرها ابن أبي يعلى في طبقاته في ترجمة عبدوس (٢٤٢/١)، وفي
آخرها: (حتى يدع الجدال، ويُسَلِّم، ويؤمن بالآثار).
(٣) هو: يعقوب بن شَيْبة بن الصلت بن عصفور، أبو يوسف السدوسي البصري.
سمع علي بن عاصم ويزيد بن هارون وغيرهما، ومنه حفيده محمد بن أحمد بن
يعقوب ويوسف بن يعقوب وغيرهما. وثقه الخطيب. كان من أصحاب الإِمام أحمد
الذين نقلوا عنه بعض المسائل. توفي سنة (٢٦٢) هـ.
له ترجمة في: تذكرة الحفاظ (٥٧٧/٢) وطبقات الحفاظ ص (٢٥٤) وطبقات
الحنابلة (٤١٦/١) والعبر (٢٥/٢).
١٢٧٩

وزكريا ابن عمار(١) أخبرا عنك الوقف، فقال: قد كنَّا نأمر بالسكوت، فلمَّا
دعينا إلى أمر ما كان بدّ لنا من أن ندفع ونبیِّن)).
وهذا صريح منه بالقول بالنظر.
مسألة
[ جواز التعبد بالقياس عقلاً وشرعاً ]
القياس الشرعي يجوز التعبد به، وإثبات الأحكام الشرعية من جهة العقل
والشرع(٢).
نص على(٣) هذا - رحمه الله - في رواية بكر بن محمد عن أبيه فقال:
((لا يستغني أحد عن القياس، وعلى الحاكم والإِمام يَرِد عليه الأمر أن يجمع
له(٤) الناس، ويقيس، ويشبِّه، كما كتب عمر إلى شُرَيْح: أن قس الأمور))(٥).
(١) لم أقف على ترجمته.
(٢) راجع هذه المسألة في التمهيد (٣٦٥/٣) وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر
(٢٣٤/٢) والمسؤَّدة ص (٣٦٧) وشرح الطوفي على مختصر الروضة الجزء الثاني
الورقة (٩٥/أ) وشرح الكوكب المنير (٢١١/٤).
(٣) في المسوّدة ص (٣٦٧): (نصّ عليه صريحاً في مواضيع عدة). وهذا إشارة من
المجْد إلى أن هذه هي الرواية المعوّل عليها في هذا الباب، والله أعلم.
وقد تابع أبو الخطاب شيخه في أن ذلك منصوص الإِمام - رحمه الله - .
انظر: التمهيد الموضع السابق.
(٤) في الأصل: (لها).
(٥) هذه الرواية ذكرها أيضاً أبو الخطاب في التمهيد (٣٦٥/٣).
وكتاب عمر - رضي الله عنه - إلى شُرَيْح سبق تخريجه.
١٢٨٠