النص المفهرس
صفحات 1241-1260
وقد أوماً إليه أحمد - رحمه الله - في رواية أبي طالب وقد سأله عن قطع النخل، قال: ((لا بأس به، لم نسمع في قطع النخل شيئاً، قيل له: فالنَّبْق قال: ليس فيه حديث صحيح، وما يعجبني قطعُه، قلت له: إذا لم يكن فيه حديث صحيح فلم لا يعجبك؟ قال: لأنه على [كل](١) حال قد جاء فيه كراهة(٢)، والنخل لم يجىء فيه شىء)). فقد استدام أحمد - رحمه الله - الإِباحة في قطع النخل؛ لأنه لم يرد شرع يحظره(٣). وهو ظاهر كلام أبي الحسن التميمي(٤)؛ لأنه نصر جواز الانتفاع قبل وجود الإِذن من الله تعالى. وبالرجوع إلى كتاب الإِحكام لابن حزم وجد غير هذا، قال (٤٧/١): ( .... وقال = آخرون: وهم جميع أهل الظاهر وطوائف من أهل أصحاب القياس: ليس لها حكم في العقل أصلاً لا بحظر ولا بإباحة، وأن كل ذلك موقوف على ما ترد به الشريعة). (١) الزيادة من المسوّدة ص(٤٧٨). قد مضى الكلام على هذه الرواية، وعلى حديث النهي عن قطع السدر. (٢) تعقبه شيخ الإسلام ابن تيمية في المسودة ص(٤٧٩) بقوله: (قلت: لاشك أنه أفتى (٣) [يعني الإِمام أحمد] بعدم البأس، لكن يجوز أن يكون للعموميات الشرعية، ويجوز أن يكون سكوت الشارع عفواً، ويجوز أن يكون استصحاباً لعدم التحريم، ويجوز أن يكون لأن الأصل إباحة عقلية، مع أن هذا من الأفعال لا من الأعيان). (٤) نقل ذلك عنه في التمهيد (٢٦٩/٤) والمسوَّدة ص(٤٧٤) وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر العاطر (١١٧/١) وشرح الطوفي على مختصر الروضة الجزء الأول الورقة (٨٢/أ) وشرح الكوكب المنير (٣٢٥/١) وقد اختاره المؤلف في مقدمة (المجرد)) كما في المسوّدة واختاره أبو الخطاب كما في التمهيد. ١٢٤١ وقال أصحاب الأشعري(١): هي على الوقف لا يقال: إنها مباحة ولا محظورة، إلا أن [١٨٦/أ] يرد الشرع بذلك. وهو قول أبي الحسن الجزري(٢) من أصحابنا، ذكره في جزء فيه مسائل، فقال: ((الأشياء قبل مجىء الشرع موقوفة على دلائلها، فما ورد النص به عمل به، وما لم يرد به النص رد إلى ما فيه النص، ومن قال: إنها على الإِباحة، فقد أخطأ))(٣). وبهذا قال جماعة من أصحاب الشافعي : الصيرفي وأبو علي الطبري(٤). والقائل بالوقف موافق لمن قال بالإِباحة في التحقيق(٥)؛ لأن من قال بالوقف يقول: لا يثاب على الامتناع منه، ولا يأثم بفعله. وإنما هو خلاف في عبارة. (١) عزاه الشيرازي في التبصرة (٥٣٢) إلى الأشعري. (٢) هو: عبد العزيز بن أحمد الجزري أو الخرزي، وقد سبقت ترجمته. (٣) نقل ذلك عنه، في: المسوَّدة ص(٤٧٤) وروضة الناظر (١١٨/١)، وشرح الطوفي الجزء الأول الورقة (٨٢/ب). (٤) هكذا نقله عنهما أبو إسحاق الشيرازي في التبصرة ص (٥٣٢) وقال: (هو قول كثير من أصحابنا)، يعني: الشافعية. (٥) وخالفه ابن عقيل حيث نقل عنه في المسوّدة ص(٤٧٤): (بل القول بالوقف أقرب إلى الحظر منه إلى الإِباحة) ثم علَّق على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: (قلتُ: كلام أبي الحسن الخرزي يوافق قول ابن عقيل؛ لأنه يحتج على الفتوى بالاقدام عليها، كما يحتج الحاظر والمبيح، يعني بالتناول). ١٢٤٢ 1 واعلم أنه لا يجوز إطلاق هذه العبارة؛ لأن من الأشياء مالا يجوز أن يقال: إنها على الحظر، كمعرفة الله تعالى، ومعرفة وحدانيته. ومنها مالا يجوز أن يقال: إنها على الإِباحة، كالكفر بالله، والجحد له، والقول بنفي التوحيد. وإنما يتكلم في الأشياء التي يجوز في العقول حظرها وإباحتها، كتحريم الخنزير، وإباحة لحم الأنعام(١). وتتصور هذه المسألة في شخص خلقه الله تعالى في بريّة، لا يعرف شيئاً من الشرعيات، وهناك فواكه وأطعمة، فهل تكون تلك الأشياء في حقه على الحظر أم على الإِباحة، حتى يرد الشرع بالدلالة؟ فالدلالة على الحظر (٢): أن جميع المخلوقات ملك الله تعالى، لأنه خلقها وأنشأها وبَرأَهَا، ولا يجوز الانتفاع بملك العبد إلا بإذنه، يدل على ذلك أن أملاك الآدميين لا يجوز لأحد منهم أن ينتفع بملك غيره بغير إذنه. فإن قيل: قولكم: لا يجوز الانتفاع بملك الغير بغير إذنه، لا يخلو: إما أن يريدوا به أنه لا يجوز من طريق العقل [أ] والشرع. فإن أردتم من طريق العقل لم يسلم لكم هذا؛ لأن العقل عندنا مما لا يحل ولا يحرم. وإن أردتم به من طريق الشرع فصحيح، إلا أنه لم يرد شرع، ولهذا توقفنا حتى يرد الشرع بحظره أو إباحته. هذا الكلام تحرير لمحل النزاع، ولو جعله المؤلف في أول المسألة لكان أحسن .. (١) (٢) اختار المؤلف هنا القول بالحظر، بينا نقل عنه الفتوحي في شرح الكوكب المنير (٣٢٥/١): أنه قال في مقدمة كتابه المجرد: بالإِباحة. قلت: والمشهور عنه هو: القول بالحظر. ١٢٤٣ وهذا دليل من قال بالوقف، والكلام يأتي عليه في أدلتهم. فإن قيل: فالآدمي إنما حُرِّم ملكُه بغير إذنه لما يلحق فيه من الضرر، ألا ترى أن مالا ضرر عليه فيه، مثل المشي في ضوئه والوقوف في ظله، وما أشبه ذلك [غير محرم]، والله تعالى لا يستضر بالانتفاع بملكه. فلم يحرم تناوله. وهذا دليل من قال بالإِباحة والكلام يأتي عليه في أدلتهم، إن شاء الله تعالى. فإن قيل: من الأملاك ما يتصرف فيها الغير بغير إذن مالكها، وهو مال الصبي والمجنون وأهل الحرب. وكذلك [١٨٦/ب] المضطر إلى مال الغير فإنه يأكل منه بغير إذن مالكه. قيل: هناك إذن من جهة العقل والشرع. ودليل آخر وهو: أن تناول ذلك واستباحته ترك للاحتياط وركوب الغرر؛ لأنه يمكن أن يكون على الإباحة فلا يأثم، ولا يحرج، ويمكن أن يكون على الحظر فيكون ملوماً في فعله مأثوماً في تناوله، فإذا أمكن هذا وهذا وجب بدليل العقل الامتناع منه لئلا يركب الحظر والغرر، كمن قيل له: هذا طريق مأمون، وهذا طريق مخوف، وجب بدليل العقل ترك المخوف، وإذا ركبه كان قبحاً في العقل، فكان الاحتياط الترك. فإن قيل: لا نسلم أن تناولها ترك الاحتياط، بل الاحتياط في الانتفاع بها؛ لأن في ذلك تلف النفس، ونحن ممنوعون من ذلك. وهذا دليل من قال بالإِباحة. والكلام يأتي عليه إن شاء الله تعالى. فإن قيل: اعتقاد الحظر فيما هو مباح لا يجوز، كما لا يجوز اعتقاد الإِباحة فيما هو محظور، فلا يكون لأحدهما في هذا الوجه على الآخر مزية، وحصل للانتفاع بها مزية من جهة أن فيه إحياء النفس. قيل: قد أجبنا عن هذا السؤال في ترجيح الأخبار بما فيه كفاية(١). (١) ص (١٠٤١) من هذا الكتاب. ١٢٤٤ وبيَّنَا أن هذا يبطل بالمتولِّد من بين ما يباح أكلُه وما لا يباح أكلُه، وما يباح نكاحُه وما لا يباح، فإنه يُغلَّب الحظر فيه، ولا يقال: إن تحريم ما يباح بمثابة إباحة ما هو حرام. فإن قيل: لا يصح حظر ما يتوهم وجوبه وحظره، وإنما يصح ذلك فيما عرف حكمه، وإن جاز الحظر لزم أن يقال : يجب على كل أحد أن يصلي طول دهره ويصوم طول أيامه قبل الشرع، لجواز أن يرد الشرع بوجوب ذلك. قيل: ولا يجوز إباحة ما يتوهم إباحته، وإنما يصح ذلك فيما عرف حكمه [فكان] استعمال الحظر أولى، لما بيّنا. ويفارق هذا ما ذكروه من الصيام، والصلاة؛ لأنه لا يعقل معناها قبل ورود الشرع، واجتناب هذه الأشياء يعقل(١) معناه، وهو تركه. وقد اعتمد من نصر هذا القول على طريقة أخرى، فقال: العقل لا ينفك من شرع؛ لأنه لو انفرد عن شرع لم يجز الإقدام على المنافع ولا الإِحجام عنها، لجواز كون كل واحد منهما مفسدة. وإذا كان انفكاك العقل من سمع يؤدي إلى هذا الفساد لم يجز أن ينفك من سمع، وإذا لم ينفك من سمع فالسمع قد حظر الانتفاع والتصرف في ملك الغير بغير إذنه، ومن قال بالإِباحة أباح التصرف في ملك الغير بغير إذن. وهذه الطريقة إذا صحت [١٨٧/أ] حصل الاحتجاج بالشرع دون العقل. واحتج من قال بالإِباحة: بأن الله لما خلق هذه الأشياء لم تَخْلُ من ثلاثة أحوال: إما أن يكون خلقها لينتفع هو بها، أو لينتفع بها غيره، أو ليضر بها غيره. (١) في الأصل: (ويعقل). ١٢٤٥ ولا يجوز أن يكون خلقها لينتفع هو؛ لأنه تعالى غني أن تلحقه المنافع والمضار. ولا جائز أن يكون خلقها ليضر بها؛ لأن ذلك قبيح، إذ لم يكن في حال خلقه إياها من يستحق العقوبة، فلم يبق إلا أنه خلقها لينتفع عباده. والجواب: أن هذا ينقلب عليهم فيما خلقه الله تعالى وحرمه على عباده، مثل الخمر والخنزير. ونُقسِّم ذلك عليهم مثل تقسيمهم حرفاً بحرف. وعلى أنا نقول: يجوز أن يكون خلقها يمتحن عباده بالكف عنها، ويثيبهم على ذلك، وليستدلوا بها على خالقها. وهذا وجه يخرجه من حد العبث والضرر بهم، فسقط ما قالوه. واحتج: بأنه لا يقبح في العقل(١) أن ينتفع بملك الغير على وجه لا يستضر الغير به، بدليل التنفس في الهواء والانتقال في الجهات، بدليل أن له أن يمشي في ظل(٢) حائطه ويتكىء على حائطه، ويمشي معه في طريقه يأنس بكونه في صحبته، وينظر في مرآة المزين(٣) إذا علقها على وجه لا يتنفس فيها، أو كان على حائطه قرآن مكتوب، كمن كتب على حائطه آية الكرسي كان لكل أحد أن يتلقَّن ذلك منه، كذلك في بقية الأشياء؛ لأن الله تعالى [منزه] عن أن يستضَّر بشىء. والجواب: أنه إن لم يكن على المالك ضرر فعلى المتصرف ضرر؛ لأنه يجوز أن يُحظَر عليه، فيجب أن يؤثر ذلك في المنع، كارتكاب المعاصي، لا ضرر على الله تعالى بفعلها، ومع هذا فإنه يمنع العبد منها لما عليه فيها من الضرر في الآخرة. (١) في الأصل: (الفعل). (٢) في الأصل: (كل). (٣) هو الحجام، كما في لسان العرب (٦٣/١٧) مادة (زين) ويطلقه العامة على الحلاق. ١٢٤٦ ٠ وجواب آخر وهو: أنه لا يمتنع أن لا يكون عليه ضرر من ذلك ويمنع منه، لعدم الإِذن، بدليل: أن من يملك القناطر من المال لا ضرر عليه بأخذ درهم منها، ومع هذا لا يجوز إلا بإذنه. وأما التنفس في الهواء والانتقال في الجهات فينظر وقته، فإن كان لحاجة جاز؛ لأن الأول قد حصل فيه من جهة العقل، فنظيره أن يضطر إلى طعام الغير، فيباح له؛ لأن العقل لا يمتنع من هذا، كما لا يمنع الشرع من ذلك عند الحاجة، وإن لم يكن به حاجة منعناه. وأما الاستيضاء بنار غيره، والظل بحائطه، والنظر في المرآة، فهذه الأشياء ليست بملك لأحد، فلهذا جاز التصرف فيها. يبين صحة هذا: أنه يصح المنع منها بغير حاجة، وإنما يملك المنع فيها لحاجة وهو [١٨٧/ب] أن يكون محتاجاً إلى فناء حائطه. وقد قيل بأن التنفس في الهواء لا يؤدي إلى استهلاك الهواء، فلا يؤثر فيه وكذلك النظر في مرآته والاستيضاء بناره. وليس كذلك أكل الطعام وشرب الشراب، فإنهما يؤثران في الطعام والشراب، ويؤديان إلى استهلاكهما، وهما ملك للغير، فلا يجوز بغير إذنه. واحتج: بأن الأشياء كلها ملك لله تعالى، الحيوان وغيره، والأحسن إحياء الملك بالملك. ويقبح إهلاك الملك مع القدرة لما فيه من الفساد. والجواب: إنما يُبيح أن تتناول هذه الأشياء عند الحاجة وجود(١) التلف؛ لأن الإِذن قد حصل فيه من جهة العقل، فنظيره أن يضطر إلى أكل طعام الغير، فإنه يباح لهذه العلة. وعلى أن هذا يوجب أن تقول إذا أكره على القتل: أن يجوز، لينجي نفسه، (١) في الأصل: (وجوب). ١٢٤٧ ولا يُقتل به؛ لأن في ذلك إحياء الملك بالملك، وقد قلتَ: إنه لا يَقْتل، وإن قَتَل قُتِل، كذلك هاهنا. واحتج من قال بالوقف: بأنه قد ثبت من الأصلين أن العقل لا يبيح ولا يحظر، وأن المباح: ما أُعلمَ صاحبُ الشرع أنه لا ثواب في فعله، ولا عقاب في تركه. والمحظور: ما أعلم أن في فعله عقاباً، فإذا لم يرد الشرع بواحدٍ منهما، وجب أن لا يكون محظوراً ولا مباحاً، ويكون حكمه موقوفاً على ورود الشرع. والجواب: أنا إنما علمنا أن العقل لا يبيح ولا يحظر بالشرع، وكلامنا في هذه المسألة قبل ورود الشرع، ولا يمتنع أن نقول قبل ورود الشرع: إن العقل يبيحُ ويحظُرُ إلى أن ورد الشرع بمنع ذلك، إذ ليس قبل ورود الشرع ما يمنع من ذلك. وقد قيل: إنا علمنا ذلك من طريق شرعي، وهو: إلهام من الله تعالى لعباده بحظر ذلك أو إباحته(١). كما أُلَهَمَ أبابكر أن قال: الذي في بطن أم عبد جارية(٢). وكما أُلْهَمَ عمر أشياء ورد الشرع بموافقتها. واحتج: بأن كونه على الحظر أو على الإِباحة إنما يعرف على قولكم قبل ورود الشرع بالعقل، وما علم حكمه بدليل العقل لا يجوز أن يرد الشرع (١) في الأصل: (وإباحته) بدون الهمزة قبل الواو. (٢) في الأصل: (حارثه) وهو خطأ. وقصة إلهام أبي بكر - رضي الله عنه - أخرجها ابن سعد في طبقاته (١٩٥/٣) بسنده إلى عائشة - رضي الله عنها - (أن أبابكر - لما حضرته الوفاة - دعاها وطلب منها أن ترد نخلة نحلها إياها ثم قال لها بعد ذلك: (وإنما هو مال الوارث، وإنما هما أخواك وأختاك، فقالت عائشة: إنما هي أسماء فقال: وذات بطن ابنة خارجة قد ألقي في روعي أنها جارية، فاستوصي بها خيراً فولدت أم كلثوم). ١٢٤٨ ٠ بخلافه، مثل شكر المنعم، واستقباح الظلم، يجب في العقل شكر المنعم واستقباح الظلم، فلما ثبت أنه يجوز أن يرد الشرع بخلاف ما اقتضاه العقل بطل أن يكون ذلك بالعقل حاظراً أو مبيحاً. والجواب: أنه كذلك فيما يعرف ببدائه العقول وضرورات المعقول، كالتوحيد، وشكر المنعم، وقبح الظلم، فأما ما يعرف بثواني العقول استنباطاً واستدلالاً فلا يمنع أن [١٨٨/أ] يرد الشرع بخلافه؛ لأنا قلنا [هي] على الحظر، وجوزنا أن يكون على الإِباحة أو على الوقف، ولكن كان هذا عندنا أظهر، فصرنا إليه، فإذا ورد الشرع كان أولى مما(١) عرفناه استدلالاً مع تجويز غيره. يبين صحة هذا: أن ذبح الحيوان يحظره العقل، وقد ورد الشرع بإباحته. والزنا يبيحه العقل كالنكاح، والشرع قد حظره. وعلى أن ورود الشرع بالإِباحة إذن في التصرف، وحصول الإِذن في الثاني لا يمنع حظراً متقدماً، بدليل طعام الغير هو محرم عليه، وإذا أذن فيه أبيح، ولم يمنع ذلك من حظر قبله، كذلك ها هنا. واحتج بأن كونه حراماً لا يخلو إما أن يكون لعينه، أو لمعنى. فبطل أن يكون لعينه؛ لأنه لو كان ذلك لعينه لما انقلب عنه إلى غيره. وبطل أن يكون لمعنى؛ لأن الشرع يرد بإباحته، فلا يجوز أن يحظره مع بقاء معنى الإِباحة. فإذا بطل الأمران ثبت أنه لايصح أن يقال: مباح. والجواب: أنه محظور لمعنى لا لعينه، ولا يمتنع ورود الشرع بخلافه، فيزول ذلك المعنى، كما قلنا في فروع الدين واجتهاد الأنبياء، يجتهدون في الحكم، ثم(٢) (١) في الأصل: (ما). (٢) في الأصل: (لم)، وهو تحريف. ١٢٤٩ ( العدة فى أصول الفقه - ٧٩ ) يرد النص عن الله تعالى بخلافه. ويقولون في الحادثة قولاً، ثم ينسخ ذلك من بعد. فإذا صح مثل هذا في العبادات صح مثله في مسألتنا. وقد قال بعض من تكلم في هذه المسألة: إن الكلام فيها تكلف؛ لأن الأشياء قد عرف حكمها واستقرارها بالشرع. وقال آخرون: الوقت ما خلا من شرع قط؛ لأن الله تعالى لا يخلي الوقت من شرع يعمل عليه؛ لأنه أول ما خلق آدم قال له: (اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا (١) رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)(٢) فأمرهما ونهاهما عَقِيب ما خلقهما. وكذلك كل زمان، وإذا كان كذلك بطل أن يقال: ما حكمها قبل ورود الشرع؟ والشرع ما أخل بحكمها قط. فعلى هذا لا يتصور الخلاف إلا في تقدير أن الأشياء لو لم يرد بها شرع ما حكمها؟ فالحكم عندنا على الحظر. وعند قوم على الإِباحة. وعند آخرين على الوقف. وهذه الطريقة ظاهر كلام أحمد - رحمه الله - لأنه قال في رواية عبد الله فيما أخرجه في محبسه: ((الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم))(٣). (١) في الأصل: (من) وكلمة (رغداً) ساقطة، وهو خطأ. (٢) (٣٥) سورة البقرة. (٣) انظر هذه الرواية في: التمهيد (٢٧٢/٤) والمسوَّدة ص (٤٨٦) وشرح الكوكب (٣٢٤/١). ١٢٥٠ ٠ فأخبر أن كل زمان فيه قوم من أهل العلم. وهذه طريقة أبي الحسن الجزري ذكرها أمام قوله: إن الأشياء على الوقف، فقال: ((لم تخل الأمم قط من حجة تلزمهم أمر أو نهي)). واستدل عليه بقوله تعالى: (أَيحَسَبُ الإِنْسَانُ أنْ يُتْرَكَ سُدِِّى)(١) والسُّدى: الذي لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهی(٢). وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً)(٣). وقال تعالى: (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ [١٨٨/ب] إِلَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ) (٤). وأن الله تعالى لما خلق آدم أمره ونهاه في الجنة، فقال: لا تقرب هذه الشجرة. وقال قوم: هذه المسألة لا تفيد في الفقه شيئاً، وإنما ذلك كلام يقتضيه العقل. وليس كذلك؛ لأن لها فائدة في الفقه، وهو أن من حرَّم شيئاً أو أباحَه فقال: طلبتُ دليل الشرع فلم أجد، فبقيت على حكم العقل من تحريم أو إباحة هل يصح ذلك أم لا؟ وهل يلزم خصمه احتجاجه بذلك أم لا؟ وهذا مما يحتاج إليه الفقيه وإلى معرفته والوقوف على حقيقته. وحُكي أن بعض أصحاب داود احتج على إباحة استعمال أواني الذهب (١) آية (٣٦) من سورة القيامة. (٢) وبهذا الذي ذكره المؤلف فسره مجاهد والشافعي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال: السُّدِّي: (يعني: لا يبعث). واختار ابن كثير: (أن الآية تعم الحالين، أي: ليس يترك في هذه الدنيا مهملاً لا يؤمر ولا ينهى، ولا يترك في قبره سدی لا يبعث). انظر: تفسير ابن كثير (٤٥٢/٤). (٣) آية (٣٦) من سورة النحل. وفي الأصل (نذيراً) بدل (رسولاً)، وهو خطأ. (٤) آية (٢٤) من سورة فاطر. ١٢٥١ والفضة في غير الشراب(١): بأن الأصل فيها الإباحة، وقد ورد الشرع بتحريم الشرب، فوجب أن يبقى ما عداه على التحليل. فقيل له: مذهب داود: أن هذه الأشياء في العقل موقوفة على ما يَرِد به الشرع(٢). فإذا كان كذلك لم يجز إثبات إباحتها بهذا الطريق. ولا تكون إباحتها لعدم دليل شرعي أولى من حظرها. ونظرتُ في هذه المسألة لبعض شيوخ الكَرّامية، وذكر فيها كلاماً لخصته على ما أذكره، واختار أن الأشياء على الإِباحة قبل ورود الشرع وبعد وروده. واستدل(٣) على أنها على الإِباحة قبل الشرع بأشياء: منها: أن العبد محتاج إلى هذه المنافع، وله فيها نفع من غير ضرر يلحقه عاجلاً ولا آجلاً، فوجب أن يكون ذلك مباحاً له. (١) غير الشراب، يعني: بقية الاستعمالات بما فيها الأكل، وهو رأي داود، كما، نقل ذلك الشوكاني في كتابه نيل الأوطار (٨٣/١). والذي صرَّح به ابن حزم في كتابه المحلى في باب الآنية (٣٠٣/٢) أن الوضوء والغسل، والشرب، والأكل في آنية الذهب والفضة حرام. (٢) هذا رأي الظاهرية، كما نقلناه عن ابن حزم في الإِحكام في أول المسألة. ولكنه يتناقض مع ما عزاه المؤلف للظاهرية، فإنه حكى عنهم في أول المسألة: أنهم يقولون بالإِباحة. وفي اعتقادي: أن الظاهرية يقولون: إن الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع لا حكم لها أصلاً، لا إباحة ولا حظراً. ولكن بعد ورود الشرع يكون حكم العين المنتفع بها التي لم يتعرض لها دليل خاص الإِباحة. والله أعلم. (٣) يحتمل أن يكون هذا كلاماً مستأنفاً، ويحتمل أن يكون مرتبطاً بما قبله، ويكون فاعل (استدل) هو: (بعض شيوخ الكَّامية). ١٢٥٢ دليله: ما بعد الشرع .. فإن قيل: من أين لك أنه لا ضرر عليه، ولعله يَرِد الشرغ بحظر ما كان قد استباحه. قيل: ما لم يرد الشرع بالحظر فلا ضرر عليه فيه، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(١). دليل ثان: أن الله تعالى قد أُحْوَجَ العاقل إلى الانتفاع بما قد أظهره من المنافع وأحضرها إياه، ولم يمنع عنها مانع، فكانت مباحةٌ مأذوناً فيها. ألا ترى: أن من أحضر قوماً، مائدة عليها ألوان الطعام محتاجين إليها، ولم يضع هناك مانعاً من ذلك، فإن ذلك يجري مجرى الإِذن في الإباحة، كذلك هاهنا. فإن قيل: فهذا المعنى موجود في الخمر والخنزير. قيل: قد كان قبل ورود الشرع على الإِباحة، وبعد الشرع حرام؛ لورود الشرع بمنعه. دليل ثالث: أن الله تعالى خلق هذه الأشياء على وجه يمكننا الانتفاع بها، وهو سبحانه يتعالى عن الانتفاع بها، فوجب أن يكون الغرض أن ينتفع بها (٢) العبد. فإن قيل: ما أنكرت على من قال: إنه أحضر هذه الأشياء للاعتبار [١٨٩/أ] بها، لا للانتفاع بها. قيل: بل أحضرها للانتفاع بها، كما قلنا فيمن أحضر طعامه لجماعة بهم حاجة إليه، فإنه إذن وإباحة. كذلك ها هنا. وجواب آخر وهو : أنَّا نقول: خلقها للأمرين جميعاً، للانتفاع، والاعتبار بها. (١) آية (١٥) من سورة الاسراء. (٢) في الأصل (به). ١٢٥٣ وجواب ثالث وهو: أنه لو كان الغرض هذا لوجب أن يقتصر على خلق الجواهر والأعراض التي تتضمنها الأكوان والاجتماع والافتراق، دون الطعام؛ لأن الاستدلال يتم بهذه الأشياء. جواب آخر وهو: أنه إن كان الغرض منها الاستدلال، فإنه لا يمكن الاستدلال بما في هذه الجواهر من الطعوم والمجسَّمات(١) الخشنة واللينة إلا بإدراكها، وإذا أدركها فقد انتفع بها(٢). جواب آخر وهو : أنه إذا كان الغرض منها الاستدلال فلا يتم ذلك إلا بقوام أبنيتهم، ولا تقوم أبنيتُهم إلا بهذه المنافع كانت مقصودة بخلق المنافع، ولو امتنعوا عن ذلك [لأدى] إلى هلاكهم، فيكون ذلك خارجاً عما أجرى الله عليه(٣) العالَم (٤) من الغرض، وهذا لا يجوز كما لا يجوز أن يحظر عليهم التنفس في الهواء والتقلب من جانب إلى جانب. والدلالة على أنها على الإِباحة بعد الشرع: قوله تعالى: (خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأَرْضِ جَمِيعاً)(٥). وقوله: (قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخَرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطِّبَاتٍ مِنَ الرِّزْقِ)(٦) . وقوله: (قُلْ لَّ أُجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً)(٧) فثبت أن ما يحُرُم بالوحي يُحُرُم. (١) في الأصل: (المجسات). (٢) في الأصل: (به). (٣) في الأصل: (به). (٤) في الأصل (إلى العالم) (وإلى) هذه لا معنى لها. (٥) آية (٢٩) من سورة البقرة. (٦) آية (٣٢) سورة الأعراف. (٧) آية (١٤٥) من سورة الأنعام. ١٢٥٤ 1 احتج من قال: إنها على الحظر قبل الشرع: بأنها ملك للغير، ولا يجوز التصرف في ملكه بغير إذنه. والجواب: أنَّا نقول له: من أين تعلم أن التصرف في ملك الغير قبيح. وعلى أن نفس هذا القائل ملك لمالك هذه الأشياء، فله أن ينتفع بالمائع البقاء النفس. كما أن من كان عنده طعام من جهة مالك ، وعنده غلمان المالك، وفي منع الطعام عنهم هلاكهم، لم يكن له أن يمنع. واحتج: بأنه لا يأمن هذا القائل أن يكون فيما يقدم عليه سُمُّ يهلكه. والجواب: أنه قد استقر أيضاً أنه إن لم يقدم عليه يهلك. وعلى أنَّا قد نجد البهائم تقدم على ذلك ولا تهلك. واحتج: بأنه يجوز أن تكون مخلوقة لمن يأتي بعدهم، كما أن الحور العين والملائكة لا ينتفعون بها في الجنة؛ لأن الله خلقها لبني آدم. والجواب: أنه لو كان كذلك لدل عليه، فلما لم يدل عليه لم يصح هذا. واحتج: بأنه لو كان العقل يبيحه لكان الشرع وارداً بخلاف العقل. والجواب: [١٨٩/ب] أن هذا عائد عليكم في التوقف. وهذا الخلاف مع من يجوز أن يخلي الله عباده عن دلالات السمع. واحتج من قال: بأنها على الحظر بعد الشرع: بقوله تعالى: (أُمْ لَهُمْ شُرَكَاواْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ)(١) فأنكر على من أثبت حكماً، أو استحلَّ شيئاً بغير إذن الله تعالى. والجواب: أن هذا عائد عليكم، إذ(٢) قلتم بالتحريم. على أنا حملناه على الإِباحة بدليل ما ذكرنا. (١) آية (٢١) من سورة الشورى. (٢) في الأصل (إذا). ١٢٥٥ فصل والدلالة على فساد قول من قال بالوقف من وجوه: أحدها: أنَّا نقول له: هل تعلم التوقف مباح أم لا؟ فإن قال: بلى، فقد استباح شيئاً بعقله دون الشرع. وإن قال: لا أعلم استباحته، ثم قَدِم عليه. قيل له: فهلاً كان هذا حالك مع سائر المنافع؟ ونقول له: هل تعلم وجوب التوقف عليك أم لا؟ فإن قال: لا أعلم، وجب أن لا يلزمك الإقدام عليه، أعني: الإِقدام على التوقف. وإن قال: بلى. قيل له: إذا جاز أن تعلم الوجوب بعقلك، فلم لا يجوز أن تعلم الحظر والإِباحة؟ ونقول له: إذا جاز أن تعلم جواز ترك الإباحة والحظر بالعقل، فهلا يجوز 13 أن تعلم جواز الإقدام على المنافع أو جواز حظرها؟ وما الفرق بينهما؟ فإن قيل: الفرق بينهما: أنه لعله في الإِقدام عليه مفسدة. قيل: فيجب أن تقول بحظره؛ لأنه لا مفسدة فيه. وعلى أنه يجوز أن يكون في التوقف(١) مفسدة أيضاً. ويقال له: ليس تخلو الأشياء من إباحة أو حظر، فلا معنى للتوقف(١)، إذ ليس تخلو من أحد هذين القسمين. فإن قيل: هو وإن كان هذا حالها، فلا أدري أيهما حكم الله تعالى. (١) في الأصل: (التوقيف). ١٢٥٦ ٠ قيل: ولا ندري أن حكم الله تعالى الوقف. واحتج بقوله تعالى: (فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ)(١)، فأنكر على من أحل شيئاً أو حرمه بغير إذنه. والجواب: أنه إنما أنكر على من استبدَّ من ذات نفسه تحليل شىءٍ أو تحريمه وأما من أسنده إلى دليل، فلم يلحقه هذا الذم. ثم هذا يلزمكم في القول بالوقف؛ لأنه لم يَرِد أمره به. واحتج: بأن القول بالإِباحة والحظر طريقُه العقل، والعقل لا مجال له في إباحة ولا حظر. والجواب: أن هذا يلزم عليه القول بالوقف؛ لأن العقل لا يوجب ذلك وقد أثبتَّه. وعلى أنا علمنا أن العقل لا مجال له في إباحة ولا حظر بالشرع. فصل وذكر أبو الحسن [١٩٠/أ] التميمي في جزء وقع إلَّ بخطه فيما خرّجه من أصول الفقه. فقال: الأفعال قبل مجىء السمع تنقسم قسمين: فمنها حسَن. ومنها قبيح. فما كان في العقل منها قبيحاً، فهو محظور، ولا يجوز الإِقدام [عليه] كالكذب والظلم، وكفر نعمة المنعم، وما جرى مجرى ذلك؛ لأنه يكتسب بفعله الذم واللَّومِ. (١) آية (٥٩) من سورة يونس. ١٢٥٧ وأما الحسَن في العقل فينقسم إلى قسمين: منه ما يجب فعله. ومنه ما لا يجب فعله. أما الذي يجب فعله، فهو مثل: شكر نعمة المنعم، والعدل، والإِنصاف، وما جرى مجرى ذلك مما في معناه من الحسن، فإنه واجب لا يجوز الانصراف عنه. ومن الحسَن ما لا يجب فعله، وإن كان حسناً، مثل: التفضُّل، وبِّ الوالدين، وقِرى الضيف، وإطعام الطعام(١). فصل [لا يحظر السمع ما أوجبه العقل ولا يبيح ما حظره] قال(٢): ولا يجوز أن يرد السمع بحظْر ما كان في العقل واجباً، نحو شكر المنعم، والعدل، والإِنصاف، ونحوه. وكذلك لا يجوز أن يَرِد بإباحة ما كان في العقل محظوراً نحو الكذب، والظلم، وكفر نعمة المنعم، ونحوه، وإنما يَرِد بإباحة ما كان في العقل محظوراً على شرط المنفعة، نحو: إيلام بعض الحيوان - يعني بالذبح - لما فيه من المنفعة كما جاز لنا إدخال الآلام علينا بالفَصْد والحِجَامة، وشرب الأدوية الكريهة للمنفعة، وإن لم يجز ذلك لغير منفعة، وما أعطيناه من أموالنا بغير استحقاق للفقراء وغيرهم ممن يُطلبُ بدفعه إليهم الثوابُ من الله تعالى، أو الحمدُ من الناس والثناءُ الجميل؛ فإن هذا وما أشبهه من مجرى الآلام التي يطلب بها المنافع من الفَصْد، والحجامة، وشرب الأدوية. (١) كلام أبي الحسن التميمي هذا منقول بنصه في المسوّدة ص(٤٨٠) نقلاً عن المؤلف. (٢) يعني: أبا الحسن التميمي. ١٢٥٨ وقد يَرِد الشرع بحظر ما لم يكن له في العقل منزلة في القبح، نحو الأكل والشرب، والتصرف الذي لا ضرر على فاعله في فعله في ظاهر أمره، فالواجب أن تجريَ أحكامُ الأفعال على منازلها في العقل. فإما أن يكون قبيحاً في العقل، فيمتنع منه. أو يكون واجباً في العقل، فيلزم أمرُهُ، ويجب فعلُه. أو أن يكون حسناً ليس بواجب، فيكون الإِنسان مخيراً بين أن يفعله وبين أن لا يفعله، من [نحو] (١) اكتساب المنافع بالتجارات وما في معناها. فإذا ورد السمع فيما الإِنسان فيه مخير كشَفَ السمعُ عن حالِه، وبيَّن أمرَه، فإما أن يدخله في جملة الحسن الذي يجب فعلُه، أو في جملة القبيح الذي لا يجوز فعلُه(٢). وهذا من كلام أبي الحسن يقتضي أن العقل يُوجب ويُقَبِّح. وقد ذكرنا في الجزء الأول من المعتمد (٣) خلاف هذا، وحكينا [في] هذه المسألة خلاف المعتزلة. وبينًا قول أحمد - رحمه الله - في رواية عبدوس بن مالك: ((ليس [في] السُّنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، إنما هو [١٩٠/ب] الاتباع)). (١) الزيادة من المسوّدة ص (٤٨١). كلام أبي الحسن منقول بنصه في المسوّدة ص(٤٨٠ - ٤٨١). (٢) (٣) كتاب ((المعتمد)) مفقود، وإنما يوجد مختصر له، كتب عليه المعتمد، ولكن كلام المؤلف في داخل الكتاب ينص على أنه مختصر من كتاب ((المعتمد))، والمختصر مطبوع في بیروت بنشر دار المشرق بتصحیح الد کتور وديع حداد. والكلام الذي يشير إليه موجود باختصار ص(٢١). ١٢٥٩ L وقد استوفينا الكلام هناك ولكن نشير إليه فنقول: قال الله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(١). ولأنه لو كان في العقل حسَن وقبيح وواجب ومحظور لم يخلُ ذلك من أن يكون معلوماً ببدائِه العقول وأوَّل فيها؛ لأنه لو كان كذلك لوجب اشتراك العقلاء أجمع في ذلك، ولمَا جاز أن يخالف في ذلك قوم من العقلاء الذين(٢) بهم يثبت التواتر علم أنه ليس بمعلوم ضرورة. يبين صحة هذا: أن استحالة وجود الجسم الواحد في مكانين متباعدين في حالة واحدة كما كان معلوماً بضرورة العقل وأوَّل فيه، لم يجز مخالفة قوم يثبت بهم التواتر. وكذلك جميع ما يعلم بضرورة العقل وأوَّل فيه وفي العلم بخلاف أكثر العلماء في ذلك الذين ببعضهم يثبت التواتر دليلٌ على أنه ليس بمعلوم ضرورة. فصل [الحظر للأفعال دون الأعيان] وقال أبو الحسن: والحظر والإِباحة، والحلال والحرام، والحسَن والقبيح، والطاعة والمعصية، وما يجب وما لا يجب، كل ذلك راجع إلى أفعال الفاعلين دون المفعول به، فالأعيان والأجسام لا تكون محظورة ولا مباحة، ولا تكون (١) آية (١٥) من سورة الاسراء. ووجه الاستدلال من هذه الآية - كما ذكره المؤلف في كتابه مختصر المعتمد ص (٢٢) -: (فأخبر أنهم آمنون من العذاب قبل بعثة الرسل .... فإنه لم يوجب عليهم شيئاً من جهة العقل، بل أوجب عند مجيء الرسل). (٢) في الأصل: (الذي). ١٢٦٠