النص المفهرس

صفحات 1221-1240

[بم تحصل المعرفة]
وهي كسبية مختارة للعبد، وموهِبة من الله تعالى، ولا تقع ضرورة.
وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية المروذي: ((معرفة الله تعالى في القلب
تتفاضل فيه وتزيد))(١).
وهذا يدل على أنها كسبية؛ لأنها تزيد بزيادة الأدلة، ولو كانت ضرورة
لم تزد، كما لم يزد(٢) علم الضرورات.
خلافاً لمن قال: المعرفة موهِبَة، تقع ضرورة، ولا يتوصل إليها بأدلة
العقول(٣). وربما يذهب إلى هذا قوم من أصحابنا (٤).
والمذهب على ما ذكرنا(٥).
(١) ذكر المؤلف هذه الرواية في كتابه مختصر المعتمد في أصول الدين ص (٣٢)
ووجهها بقوله: (والوجه فيه: أن من الناس من يعرف مخبرات الله تعالى مفصلة،
ومنهم من يعرفها مجملة، فمن عرفها مجملة، فإذا عرف تفصيلها ازداد علمه
وتصديقه، وذلك أن الوحي كان ينزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - آية
وسورة فمن قد سبقت له المعرفة ازداد علمه، ومنه قوله تعالى: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ
سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً .. ) (١٢٤) التوبة.
(٢) في الأصل: (تزد) بالمثناة الفوقية.
(٣) ونقل ابن العربي في كتابه العواصم من القواصم ص (١٢٤) عن أبي الحسن قوله:
(معرفة الصانع ضرورة).
(٤) قال الفتوحي في شرح الكوكب المنير (٣١٠/١): (وقال جمع من أصحابنا
وغيرهم: (إنهما [أي المعرفة والنظر] يقعان ضرورة).
(٥) ذكر ابن مفلح في كتابه الفروع (١٨٦/٦) رأيين في المسألة: كسبية، أو ضرورية،
وعبر عن الرأي القائل: بأنها ضرورة بقوله: (قيل). وهذا يشعر بأن الرأي الآخر
هو الراجح في المسألة، وهو المذهب كما قال المؤلف.
١٢٢١

وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية حمدان بن علي: ((المرجئة تقول:
إذا عرف ربّه بقلبه وإن لم تعمل جوارحه. وهذا كفر إبليس، قد عرف ربه،
فقال: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي)))(١).
فقد نص على حصول(٢) المعرفة لإِبليس، ولو كانت موهبة لم تحصل
له (٣)؛ لأنه كافر معاند.
والدلالة عليه:
أن الله تعالى أجرى العادة بحصول المعرفة عند النظر والاستدلال، كما أجرى
العادة بذلك بحصول الطَّعم عقيب الذوق، والسمع عقيب الاستماع، ولم يجز
أن يقال: إن الطَّعم يحصل بغير ذوق، والسمع بغير استماع.
(١) آية (٣٩) من سورة الحجر.
ورواية حمدان بن علي هذه ذكرها ابن أبي يعلى في طبقاته في ترجمة حمدان
(٣٠٩/١).
(٢) في الأصل: (حضور).
(٣) ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في المسوَّدة ص(٤٥٧) هذه الرواية وتوجيه القاضي
لها ثم قال: (هذا الذي ذكره القاضي لا ينافي ما حكاه عن بعض أصحابنا؛ لأنه
مبني على أنها ضرورة عندهم، والضرورة لا تزيد، وكلا المقدمتين ممنوعة، فإنهم
إنما يقولون: أصل المعرفة بالله ورسوله ضرورة، وأما الزيادة الحاصلة بتدبر القرآن
ونحوه فما أظنهم يقولون: هي ضرورة، وأما الثانية، فإن القاضي يقول: إن العقل
علوم ضرورية، وهو عنده يزيد وينقص، فالزيادة في الضروريات).
ثم عقّب على استدلال القاضي برواية حمدان بن علي الورَّاق بقوله: (وأما طعن
الإِمام أحمد على المرجئة بمعرفة إبليس، فهي المعرفة الفطرية، وما المانع من أن تكون
هذه موهبة من الله؟! بل ذلك أقوم في الحجة عليه من أن تكون حاصلة بکسبه،
ولو حصلت بكسبه لا يثبت عليها، فأما المعرفة الايمانية فلم تحصل له، ومن قال:
المعرفة ضرورية. فقد أراد الفطرية، وفي إرادته لهذه نظر).
١٢٢٢

ولأن الله تعالى حث على النظر والاستدلال، فلولا أن العلم يقع به لم يكن
فيه فائدة، فقال تعالى: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ، كَيْفَ خُلِقَتْ)(١).
وقال: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِى مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَاْلأَرْضِ)(٢).
وقال: (فَلْنْظُرِ اْلإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ)(٣).
وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّنَ
تُرَابٍ)(٤) الآية.
واحتج من قال بأنها موهبة:
"بما أخبر الله سبحانه عن عيسى وقوله في المهد: (إِنِى عَبْدُ اللَّهِ اتَّانِيَ
الْكِتَابَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا)(٥)، ولم يك من أهل النظر والاستدلال.
وكذلك لما استخرج الذرية من ظهر آدم، (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أُلَسْتُ
بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) (٦) . . ولم يكونوا من أهل النظر والاستدلال.
والجواب: أن كلام عيسى في المهد كان معجزة(٧) له وبراءة لأمه.
ويحتمل أن يكون كلفه في تلك الحال، كما أنطقه في المهد صبياً بلسان
الحكمة.
وأما الذرية فإن الله تعالى كلفهم حين أوجدهم؛ لأنه أخذ إقرارهم، وإنما
يكون هذا حجةً على من كلف.
(١) آية (١٧) من سورة الغاشية.
(٢) آية (١٨٥) من سورة الأعراف.
(٣) آية (٥) من سورة الطارق.
آية (٥) من سورة الحج.
(٤)
آية (٣٠) من سورة مريم.
(٥)
(٦) آية (١٧٢) من سورة الأعراف.
(٧) في الأصل (معجزا).
١٢٢٣

فأما الدلالة التي يتوصل بها فهو: أنه رَفَع السماء بغير عمد، وأجرى فيها
الكواكب والشمس والقمر دائبين، قائمة على الهواء بغير عمد، ولا يظهر فيها
شَق ولا فُطور، قال تعالى: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىُ مِنْ فُطُورٍ)(١).
وسَطَح الأرض، وهي تراب على وجه الماء، والبناء على الماء حال(٢)
[١/١٨٣] لا يقدر عليه أحد، فلما فعل هذا اضطربت على الماء فتبتها بالجبال
الرواسي حجراً واحداً، ومعلوم أن أحداً من البشر لا يقدر عليه، ثبت أن لها
خالقاً غير البشر.
وكذلك جعل فيك دلالة عليه، فإنه خلق الإنسان من ماء مهين، وجعله نطفة
في الرحم، ثم يُغَيَّر من حال إلى حال، حتى يظهر من بطن أمه وليداً لا يعقل،
فلم يزل حتى كبر، وعقل، وفهم، وعلم، وأنت تعلم أنه لو انقطع منه شعرة لم
يمكن أحد أن يضعها كما كانت أبداً، ثبت بهذا أن له صانعاً يخالف البشر.
وإذا ثبت أن لها صانعاً، علمناه قطعاً أنه واحد لا شريك له بانتظام الأمر
على محكم الصنعة من غير تغير ولا اختلاف، ولو كان إله غيره لجاز عليهما
الاختلاف على ما نعهده في الملوك، فلما اتسعت الصنعة على وجه واحد من
غير اختلاف، علم قطعاً أن الصانع واحد لا شريك له.
[ معرفة النبوة ]
وأما معرفة النبوة فظهور المعجزات عند التحدي والحاجة إليها على يديه،
كانشقاق القمر، وكلام الضب، وحنين الجذع، والقرآن القاطع المعجز، وكاليد
البيضاء، والعصا، وإحياء الموتى، وتنزيل المائدة من السماء، فإذا ظهر على [يد]
نذير هذا عند التحدي علمنا أنه رسول الله قطعاً؛ لأن المعجزات لا تظهر
على يد الكذابين.
(١) آية (٣) من سورة الملك.
(٢) في الأصل (خال) بالخاء المعجمة.
١٢٢٤

[الفرق بين المعجزة والكرامة]
ويفارق هذا كرامات الأولياء؛ لأنها تقع اتفاقاً، ولا يمكنه إظهارها والتحدي
بها، فإذا وجد على يدي رجل، ثبت أنه نبي قطعاً، وكان قبول قوله فرضاً(١).
وفي معنى هذا مما لا يسوغ التقليد فيه: ما ثبت بخبر التواتر، كالصلوات
الخمس، وصيام شهر رمضان والزكاة والحج، كل هذا يعرف بأخبار التواتر،
فيقع العلم بها بالسمع، والعالِم والعامي في طريق ثبوتها على وجه واحد، فلهذا
لم يسغ التقليد فيه.
[ما يسوغ فيه التقليد]
وأما الذي يسوغ فيه التقليد، فهذه المسائل التي هي فروع الدين، كالنكاح،
والبيوع، والطلاق، والعتق، والتدبير، والكتابة، وسجودالسهو، فالناس فيه على
ضربين :
عالِم، وعامي.
فالعامي له أن يقلد أهل العلم، ويعمل بفتواهم، لقوله تعالى: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ
الْذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾(٢).
وقال تعالى : (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لْيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ
ولِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(٢).
وقال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَّى الَّسُوْلِ وَإِلَى أَوْلِى الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِيْنَ
(١) انظر بحث المعجزة والكرامة، والفرق بينهما، كتاب شرح الطحاوية ص (٤٤٨)
وما بعدها.
(٢) آية (٤٣) من سورة النحل.
(٣) آية (١٢٢) من سورة التوبة.
١٢٢٥

يَسْتَنِطُونَهُ مِنْهُمْ)(١).
ولأنه لا خلاف أن طلب الفقه من فرائض الكفايات، فلو كلف الكل
لكان من فرائض الأعيان.
ولأن كل أحد لا يتمكن أن يعرف ذلك؛ لأنه يتشاغل [١٨٣/ب] عن
عمارة الدنيا بالزرع والمعاش والكسب به، فلما كان فيه قطع لعمارة الدنيا
لم يكن واجباً على الكل.
[للعامِيِّ أن يقلد من شاء من المجتهدين]
وإذا ثبت أن له التقليد، فليس عليه أن يجتهد في أعيان المقلَّدين، بل يقلد
من شاء، لأنه لما لم يكن عليه الاجتهاد في طلب الحكم كذلك في المقلَّد.
وهذا ظاهر كلام أحمد - رحمه الله - فيما رواه الحسين(٢) بن بشار
المخرمي(٣) قال: ((سألت أحمد - رحمه الله - عن مسألة في الطلاق، فقال:
إن فعل كذا حنث. فقلت له: فإن أفتاني إنسان: لا أحنث، فقال: تعرف حلقة
المدنيين؟ قلت: فإن أفتوني أدخل(٤)؟ قال: نعم)).
فلم يكله الإِمام أحمد - رضي الله عنه - إلى اجتهاده في المستفتى، وإنما
(١) آية (٨٣) من سورة النساء. والآية في الأصل (ولوردوه إلى الله والرسول) ولفظ
الجلالة غير موجود في الآية.
(٢) في الأصل (أبو الحسين) وهو خطأ.
(٣) من أصحاب الإِمام الذين نقلوا عنه بعض المسائل.
انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة (١٤٢/١).
وهذه الرواية موجودة بنصها مع اختلاف يسير في طبقات الحنابلة في ترجمة الحسين
ابن بشار المخرمي المذكور.
(٤) هكذا في الأصل، وفي طبقات الحنابلة: (فإن افتوني يدخل؟ قال نعم):
=
١٢٢٦

أفتاه بقوله، وأرشده إلى غيره.
[إذا استفتى المقلد عالمين]
وإن استفتى عالمين: فإن اتفقا على الجواب عمل بما قالاه، وإن اختلفا، فقال
أحدهما: مباح، والآخر محظور.
مثل إن استفتاه في صريح الطلاق إذا نواه ثلاثاً، فقال له حنبلي: طلقت
واحدة.
وقال(١) له شافعي: طلقت ثلاثاً، فإنه يقلد من شاء منهما، ولا يلزمه أن
يأخذ بقول من غلَّظ عليه.
وهذا ظاهر ما رواه الحسين(٢) بن بشار عن أحمد؛ لأنه استفتاه في مسألة
الطلاق، فقال له أحمد - رضي الله عنه -: ((إن فعل حنث، وقال: إن إفتاك
مدنى: لا تحنث، فافعل)).
فقد سوَّغ له الأخذ بقول المدني بالإِباحة، ولم يلزمه الأخذ
بالحظر .
فإن قيل : هلاَّ قلتم : يلزمه أن يأخذ بقول من غلَّظ، كما قلتم :
إذا تقابل في الحادثة دليلان: أحدهما حاظر والآخر مبيح: إنه يقدم الحظر على
الإباحة.
وفي المسوّدة ص (٤٦٣: (فإن افتوني به حلّ؟ قال: نعم) وسيعيد المؤلف ذكر
=
هذه الرواية بلفظ آخر في المسألة الآتية.
(١) في الأصل: (فقال).
(٢) في الأصل (الحسن) مكبراً، وهو خطأ.
١٢٢٧

قيل : الفرق بينهما: أن ذلك من الأصول مبناه على التأكيد، ولهذا طريق
ثبوته دليل مقطوع عليه.
وهذا من الفروع مبناه على التخفيف، ولهذا يثبت بغلبة الظن.
[يكفي في الفتوى مترجم واحد]
فإن كان المقلِّد يعرف لسان المفتي سمع منه، وعمل بقوله عليه. وإن كان
لا يعرف لسانه أجزأه مترجم واحد؛ لأنه نقل خبر إليه، وخبر الواحد يوجب
العمل.
ويفارق هذا الترجمة عن الشاهد؛ لأنها(١) إثبات شهادة، فلهذا افتقرت
الترجمة إلى عدد.
(على العامي أن يستفتي في كل حادثة تقع]
وإن استفتى عامي عالماً في حكم وأفتاه، ثم حدث حكم آخر مثل ذلك،
فعليه أن يكرر الاستفتاء، ولا يقتصر على الأول.
وكذلك الحاكم إذا اجتهد في حادثة فقضى بها، ثم حدثت ثانياً، فإنه يحدث
لها اجتهاداً.
وكذلك إذا اجتهد فصلى إلى جهة، ثم حضرت صلاة أخرى أحدث لها
اجتهاداً؛ لأن الاجتهاد الأول غير مقطوع [١٨٤/أ] عليه، وإنما هو غلبة ظن
فهذا حكم العامي.
(١) في الأصل: (لأنه) والضمير يعود إلى الترجمة.
١٢٢٨
/

فصل
[تقليد العالم لعالم مثله]
وأما العالِم فلا يجوز أن يقلد عالماً مثله، سواء كان الزمان واسعاً
أو ضيقاً(١).
وهذا ظاهر كلام أحمد - رحمه الله - في رواية أبي الحارث والفضل بن
زياد: ((لا تقلد أمرك واحداً منهم، وعليك بالأثر))(٢).
وذكر ابن بطة(٣) في مسألة أفردها: أن الخلوة تكمل الصداق، بإسناده
عن الفضل بن زياد قال: قال أحمد - رحمه الله -: ((يا أبا العباس لا تقلد
(١) راجع في هذا الفصل: أصول الجصاص الورقة (٣٠٥/ب) والتمهيد (٤٠٨/٤)
والمسؤَّدة ص(٤٦٨).
(٢) روى أبو داود في مسائله ص(٢٧٧) عن الإِمام أحمد قوله - وقد سأله -:
((الأوزاعي هو أتبع من مالك؟ قال: لا تقلد دينك واحداً من هؤلاء، ما جاء عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فخذ به، ثم التابعين بعد الرجل فيه مخير)).
والرواية التي نقلها المؤلف ذكرها أبو الخطاب في كتابه التمهيد كما ذكرت في المسوّدة
في الموضعين السابقين.
(٣) هو: عبد الله بن محمد بن محمد بن حمدان، أبو عبدالله، العكبري، المعروف بابن
بطة سمع عبد الله بن محمد البغوي وإسماعيل بن العباس الوراق وأبا بكر النيسابوري
وغيرهم، وسمعه جماعة، منهم: أبو عبدالله بن حامد وأبو حفص العكبري، وأبو
حفص البرمكي. كان عالماً زاهداً ورعاً. له مؤلفات كثيرة، منها: الإِبانة الكبرى،
والإِبانة الصغرى، والسنن، والمناسك. مات سنة (٣٨٧هـ).
له ترجمة في: شذرات الذهب (١٢٢/٣) وطبقات الحنابلة (١٤٤/٢) والمنهج
الأحمد (٦٩/٢).
١٢٢٩

دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا))(١).
فقد مَنَعَ من التقليد، وندب إلى الأخذ بالأثر. وإنما يكون هذا فيمن له
معرفة بالأثر والاجتهاد.
وبهذا قال الشافعي(٢) وأبو يوسف(٣).
(١) هذه الرواية ذكرها أبو الخطاب في التمهيد الموضع السابق، وذكرت في المسوّدة
الموضع السابق أيضاً.
(٢) المنقول عن الإِمام الشافعي في القديم كما في الاحكام للآمدي (١٧٧/٤) والمحصول
(١١٠/٦) أنه يقول: (يجوز لمن بعد الصحابة تقليد الصحابة، ولا يجوز تقليد
غيرهم).
ونقل ابن القيم في كتابه اعلام الموقعين (٢٣٩/٢) مذهب من قال بجواز التقليد،
ومن ضمن ما استدلوا به قول الشافعي في غير موضع: (قلته تقليداً لعمر، وقلته
تقليداً لعثمان، وقلته تقليداً لعطاء).
كما نقل عنه في (٢٤١/٢): (رأي الصحابة لنا خير من رأينا لأنفسنا .. ).
فخلاصة مذهب الشافعي: أنه لا يجيز تقليد العالم للعالم إلا الصحابة فيجوز لمن
بعدهم تقليدهم.
إلا أن النص الأول الذي نقله ابن القيم يشعر بأن التابعين في ذلك كالصحابة،
فيجوز تقليدهم.
وأشار إلى ذلك ابن الحاجب في المنتهى ص (١٦١) حيث قال: (وقال الشافعي
والجبَّائي: يجوز أن يقلد صحابياً خاصة أرجح من غيره، فإن استووا تخير. وقيل:
وتابعیاً).
والمشهور من مذهب الشافعية: عدم الجواز مطلقاً.
انظر التبصرة ص (٤٠٣).
وذكر الرازي في المحصول (١١٥/٦): أنه مذهب أكثر الشافعية.
(٣) نقل ذلك عنه الحصاص في أصوله الورقة (٣٠٥/ب).
١٢٣٠

وقال أبو حنيفة(١) ومحمد(٢): يجوز للعالم تقليد العالم، حكاه أبو سفيان
عنه في مسائله، ولم يفرق بين أن يكون الزمان واسعاً أو ضيقاً.
وذهب ابن سريج إلى جواز ذلك مع ضيق الوقت(٣).
والدلالة على أبي حنيفة:
قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللَّهِ والرَّسُولِ)(٤) ولم يقل إلى
عالم مثلك.
وقال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيْهِ مِنْ شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)(٥) وهذا يدل
على أنه لا يقلد غيره.
وأيضاً: فإن معه آلة يتوصل بها إلى المطلوب، فوجب أن لا يجوز له التقليد
فیه.
(١) حكى ذلك الجصاص في المرجع السابق حيث قال: (قال أبوبكر: ولا فرق عندنا
في قول أبي حنيفة في جوازه تقليده لغيره، بين أن يقلده ليأخذ به في شىء ابتلي
به في أمر نفسه، وبين أن يفتي به غيره، يجوز له أن يفعل ذلك في الأمرين جميعاً).
ولكن صاحب مسلم الثبوت مع الشارح (٢٩٣/٢) ذكرا أن هناك روايتين عن
الإِمام أبي حنيفة، إحداهما: يجوز، والأخرى: لا.
(٢) في المرجع السابق: (وعن محمد: يقلد من هو أعلم منه، وهو ضرب من الاجتهاد).
ولكن الجصاص في المرجع السابق نقل بواسطة أبي الحسن: (أن محمداً لا يجِّوز
ذلك).
(٣) نقل ذلك عنه الشيرازي في التبصرة ص (٤١٢) والرازي في المحصول (١٦/٦)
ولكن قيد الرازي في المحصول بأن ابن سريح يجوز للمجتهد التقليد فيما يخصه،
بحيث لو اشتغل بالاجتهاد في المسألة لفات الوقت.
وهناك أقوال أخرى في المسألة: ارجع إليها في المحصول والإِحكام للآمدي في
المواضع السابقة.
(٤) آية (٥٩) من سورة النساء.
(٥) آية (١٠) من سورة الشورى والآية في الأصل (فحكمه إلى الله والرسول) وهو
خطأ، فإن الآية ليس فيها ذكر الرسول.
١٢٣١

أصله: التقليد في التوحيد.
وهذا نكتة المسألة.
ولا يلزم عليه قول الصحابي؛ لأن الرجوع إليه ليس بتقليد؛ لأنه حجة كقول
النبي.
فإن قيل: الأمور العقلية طريقها العلم، وتقليد الغير أكثر أحواله أن يوجب
غلبة الظن، فلم يجز له تقليده، وأمور الشرع طريقها الاجتهاد، وتقليده لمن
هو أعلم منه وأقوى اجتهاداً ضرب من الاجتهاد، فوجب أن يكون ذلك دلالة.
قيل: ليس هذا ضرباً من الاجتهاد ولا دلالة، وإنما هو اجتهاد من التقليد،
وكلامنا في اجتهاده ليعلم ذلك بعلمه، ويقف على دليله.
ولأنه لا يجوز للإنسان أن يتبع قول غيره إلا بصفة تختص به، لا يشاركه
فيها أحد، مثل الرسول اختص بالعصمة(١) وكذلك الأمة.
وكذلك قول الصحابي اختص بمشاهدة التنزيل وحضور التأويل.
والعالم مع العامي اختص بالاجتهاد.
فأما إذا لم يكن لأحدهما مزية لم يكن له اختصاص بصفة فلم يجز للآخر
اتباعه في قول.
واحتج المخالف:
بقوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَّى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الأَمْرِ مِنْهُمْ)(٢).
والجواب [١٨٤/ب]: أن المراد به العامة، يدل عليه قوله تعالى: (لَعَلِمَهُ
الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) عُلِم أنه أراد المقلد؛ لأنه إذا كان عالماً فهو من أهل
الاستنباط.
(١) في الأصل (الصمة).
(٢) آية (٨٣) من سورة النساء.
١٢٣٢

واحتج: بما روي أن عبد الرحمن بن عوف لما تردد بين عثمان وعلي، قال
لعثمان: (هل أنت متابعي(١) على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين؟.
فقال: الَّلهم نعم، فبايعه)(٢).
وإنما دعاه عبد الرحمن إلى اتباع أبي بكر وعمر لاعتقادهما(٣) أن أبابكر
وعمر كانا أعلم من عثمان.
وروي عن عمر أنه قال: (إني رأيت في الجد رأياً، فاتبعوني، فقال له عثمان:
إن نتبع رأيك فرأيك رشيد، وإن نتبع رأي من قبلك فنعم ذو الرأي كان)(٤).
وروي (أن امرأة ذُكِرت عند عمر بالفاحشة، فوجه إليها، فأجهضت ذا
بطنها من الفزع، فاستشار الصحابة، فقال عثمان وعبد الرحمن: إنك مؤدب،
ولا شىء عليك، وعلّ ساكت، فقال له عمر: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال:
إن كانا قد اجتهدا فقد أخطئا، وإن لم يجتهدا فقد غشَّاك، عليك الدية، فقال
عمر: عزمت عليك لتقسمنها على قومك)(٥).
(١) هكذا في الأصل في هذا الموضع، والمواضيع الأخرى الآتية، والذي يظهر لي
- وهو ما أثبته الشيرازي في التبصرة ص (٤٠٧) - أنه (مبايعي).
(٢) سبق تخريج الأثر.
(٣) أي عبد الرحمن وعثمان.
(٤) هذا الأثر أخرجه الدارمي في سنته في كتاب الفرائض، باب: قول عمر في الجد
(٢٥٦/٢) حديث (٢٩١٩).
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الفرائض، باب فرض الجد (٢٦٣/٨)
حديث (١٩٠٥١).
(٥) هذا الأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب العقول، باب من أفزعه السلطان
(٤٥٨/٩)، ونصه: ( ... عن الحسن قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى امرأة مَغيبة
كان يُدخل عليها، فأنكر ذلك، فأرسل إليها، فقيل لها: أجيبي عمر، فقالت: يا
ويلها ما لها ولعمر قال: فبينا هي في الطريق فزعت، فضربها الطّلْق، فدخلت داراً =
١٢٣٣
( العدة فى أصول الفقه - ٧٨ )

فقلد علياً.
والجواب عن قول عبد الرحمن لعثمان: هل أنت متابعي على سيرة الشيخين
من وجوه:
أحدهما: أنا نحمل ذلك على السيرة في حماية البيضة. والقيام بالمصالح، والتزيد
في بلاد الإسلام والفتوح والنكاية في العدو، ولم يُرِد في أحكام الفقه.
. يدل على صحة هذا: أن أحكامهما(١) مختلفة في كثير من المسائل، فكيف
يجوز اتباعهما؟.
فإن قيل: لو كان المراد به السيرة لم يمتنع علّ من ذلك.
قيل(٢).
وجواب ثان، وهو: أنه يجوز أن يكون عثمان أجابه إلى ذلك؛ لأنه سمع
النبي عَ ◌ّمِ يقول: (اقتدوا باللَّذَيْن من بعدي أبي بكر وعمر) فحمله على
عمومه.
وجواب ثالث، وهو: أن علي بن أبي طالب خالفهما في ذلك، فقال لعبد
الرحمن لما قال له: (هل أنت متابعي على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة
فألقت ولدها، فصاح الصبي صيحتين، ثم مات، فاستشار عمر أصحاب النبي
=
- صلى الله عليه وسلم - فأشار عليه بعضهم أن ليس عليك شىء إنما أنت وال
ومؤدب، قال: وصمت علّ، فأقبل عليه، فقال: ما تقول؟ قال إن كانوا قالوا
برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كان قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، أرى أن ديته
عليك، فإنك أنت أفزعتها، وألقت ولدها في سببك، قال: فأمر علياً أن يقسم
عقله على قريش، يعني يأخذ عقله من قريش؛ لأنه خطأ).
وقد آثرت نقل الأثر بنصه، لما فيه من الفقه والعظة والنصح، والعظمة القيادية.
(١) في الأصل: (احكامه).
(٢) هكذا في الأصل، ذكر الاعتراض، ولم يجب عنه، واكتفى بقوله: قيل.
١٢٣٤

الشيخين؟ فقال له علي: لا، إلاَّ على جهدي وطاقتي). فخالفهما في ذلك.
فإن قيل: ليس هذا بخلاف؛ لأنه يجوز أن يكون عنده أنه أعلم منهما، فلهذا
لم يتبعهما؛ وكان عند عثمان أنهما أعلم منه، فأجاب إلى اتباعهما.
قيل: الخلاف قد ظهر منهما، وما ذكره المخالف من هذا الاحتمال يحتاج
إلی دلیل.
وأما قول عمر: (إني رأيت في الجد رأياً فاتبعوني)، فلا حجة فيه؛ لأنه إنما
يصح التعلق به إذا ثبت أن عمر دعاهم إلى اتباعه؛ لاعتقاده أنه أعلم منهم.
وهذا المعنى ليس في الخبر [١٨٥/ أ]
وعلى أن معناه: اتبعوني بالدليل الذي قام عندي.
وقول عثمان: (إن نتبع رأيك فرأيك رشيد)، أي: [له] وجه في الأصول
وتَعَلُّق بها (وإن نتبع رأي من قبلك، فنعم ذو (١) الرأي)، لما دلّ عليه من
الدليل، فإذا احتمل هذا لم يجز حمله على التقليد.
وأما قول عمر لعلي: (عزمت عليك لتقسمنها على قومك). إنما قاله؛ لأن
اجتهاده أدى إلى صحة ما قاله، فكان ذلك قولاً بالدليل.
واحتج: بأن العالم إذا رأى اجتهاد غيره أقوى من اجتهاد نفسه كان تقليده
إياه ضرباً من الاجتهاد، فلما كان له أن يحكم في الحادثة بما يؤديه إليه اجتهاده،
كذلك يجوز له أن يقلد غيره فيها (٢) إذا كان اجتهاده أوثق عنده من اجتهاد
نفسه.
والجواب: أنه لو كان جواز تقليده بما ذكرته من أن اجتهاد غيره أقوى
لوجب أن لا يجوز له أن يترك تقليده، ولا يعمل على اجتهاد نفسه، كما أنه
(١) في الأصل: (ذي).
(٢) في الأصل: (فيهما).
١٢٣٥

إذا رأى الحادثة بأحد الأصلين أشبه منها بالأصل الآخر لم يجز له أن يردها
إلى الأصل الذي هو أشبه به، فلما أجزتم له أن يمضي اجتهاد نفسه علمنا أنه
لا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين.
وجواب آخر وهو: أن قولهم: إن رجوعه إلى قول غيره ضرب من الاجتهاد
لا يصح؛ لأنه اجتهاد في التقليد، وكلامنا في اجتهاده ليعلم ذلك بعلمه ووقوفه
علی دلیله.
واحتج: بأن الأعلم لما كان يعرف مالا يعرفه الآخر كان له أن يصير إلى
من هو فوقه، مثل العامي يسمع خبراً أو آية عامة، فإن عليه الرجوع إليه(١)،
يقلده(٢) لجواز أن يكون عند العالم ما يقضي على الخبر الذي يسمعه.
كذلك اجتهاد من هو أدون منه في الفقه لما جاز أن يكون عند العالم ما
يقضي على اجتهاده لزمه المصير إلى قوله.
والجواب: أنه لو كان كالعامي لوجب الرجوع إلى قوله، ولم يجز له أن
يعمل على ما عنده، ولما جاز له العمل على ما عنده لم يصح اعتباره به.
ولأن العامي ليس معه آلة الاجتهاد، وهذا بخلافه.
(١) أي فإن على العامي أن يرجع إلى العالم فيقلده لجواز ..
(٢) في الأصل (علىد) بدون إعجام.
. ١٢٣٦
١

[لا يجوز التقليد للعالم وإن ضاق الوقت]
والدلالة على منع التقليد مع ضيق الوقت أيضاً ما تقدم.
ولأنه من أهل الاجتهاد، فلم يجز له تقليد غيره.
دليله: إذا لم يضق وقته.
ولأن اجتهاده شرط في صحة فرضه، فلا يسقط بخوف الفوت قياساً على
سائر الشروط، مثل: الطهارة وستر العورة وغير ذلك.
ولأن العامي فرضه السؤال والتقليد، والعالم فرضه في الاجتهاد، فلما لم
يسقط عن العامي فرض السؤال لخوف الوقت لم يسقط عن العالِم فرض
الاجتهاد [١٨٥/ب].
واحتج المخالف(١):
بأنه لا يمكنه أداء فرضه باجتهاده، فكان فرضه التقليد قياساً على العامي.
والجواب: أن العامي عاجز عن الاجتهاد، والعالم متمكن منه، فلم يجز اعتبار
أحدهما بالآخر، ألا ترى أنه لا يجوز اعتبار من لا يجد الماء والسترة بمن يقدر
عليهما(٢)، ولكنه يخاف فوات الوقت إن استعملهما(٣).
واحتج: بأنه لما جاز للعالم تقليد الصحابي جاز له تقليد غير الصحابي.
والجواب: أنه لما جاز له تقليد الصحابة لزمه ذلك، ولم يجز له مخالفتهم (٤)،
فجرى ذلك مجرى قول النبي عَّةٍ، وليس كذلك ها هنا، فإن العالم لا
(١) هو ابن سريج، كما سبق بيانه.
(٢) في الأصل: (عليها).
(٣) في الأصل: (استعملها).
(٤) في الأصل: (مخالفته).
١٢٣٧

يلزمه تقليد العالم، بل هو مخير عندهم في تقليده وفي تركه والعمل على ما
عنده، فبَانَ الفرق.
مسألة
[حكم الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع]
الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع اختلف الناس فيها(١).
فذكر شيخنا(٢) - رحمه الله - أنها على الحظر إلا أن يرد الشرع
بإباحتها.
وقد أوماً أحمد - رحمه الله - إلى معنى هذا في رواية صالح ويوسف
موسى(٣): ((لا يخمَّس السَّلَب، ما سمعنا أن النبي خيَّس السَّلَب))(٤).
(١) راجع في هذه المسألة: التمهيد (٢٦٩/٤) المسوّدة ص(٤٧٤) وروضة الناظر مع
شرحها نزهة الخاطر العاطر (١١٧/١) وشرح مختصر الروضة للطوفي الجزء الأول
الورقة (٨٢/أ) وشرح الكوكب المنير (٣٢٢/١) والقواعد والفوائد الأصولية
ص(١١٠).
(٢) يعني الشيخ الحسن بن حامد - رحمه الله تعالى.
(٣)
انظر هذه الرواية في المسوّدة ص (٤٧٨).
أخرج أبو داود في كتاب الجهاد، باب في السَّلَب لا يخمس (٦٦/٢) عن عوف
(٤)
ابن مالك وخالد بن الوليد - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم :- (قضي بالسَّلَب للقاتل ولم يخمس السَّلَب).
وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده (٢٦/٦): ولفظه: (لم يخمس السّلَب).
وأخرجه ابن الجارود في المنتقى باب نفل القاتل سَلَب المقتول ص (٣٦١) حديث
(١٠٧٧) ولفظه كلفظ الإِمام أحمد.
١٢٣٨
أ

وهذا يدل على أنه لم يبح تخميس السَّلَب؛ لأنه لم يرد عن النبي عَ ◌ّةِ شرع
فيه، فبقي على أصل الحظر (١).
وكذلك نقل الأثرم وابن بَدينا(٢) في الحُلِّ يوجد لقطة(٣)، قال: ((إنما جاء
الحديث في الدراهم والدنانير))(٤).
فاستدام أحمد - رحمه الله - التحريم، ومنع [الملك](٥) على الأصل؛ لأنه
(١) وقد تعقبه شيخ الإسلام ابن تيمية في المسوّدة ص (٤٧٨) بقوله: (قلت: لأن
السلب قد استحقه القاتل بالشرع، فلا يخرج بعضه عن ملكه إلا بدليل، وهذا
ليس من موارد النزاع).
(٢) هو: محمد بن الحسن بن هارون بن بدينا، أبو جعفر الموصلي. من أصحاب الإِمام
أحمد. حدث عن الإِمام أحمد وأحمد بن عبده الضَّبِّي، وروى عنه أبو بكر الخلال
وغلامه عبد العزيز. قال فيه الدارقطني: لا بأس به، ما علمت إلّ خيراً. توفي
في شهر شوال سنة (٣٠٣هـ).
له ترجمة في: طبقات الحنابلة (٢٨٨/١).
(٣) هذه الرواية موجودة بنصها في المسوّدة ص(٤٧٨).
(٤) هذه إشارة إلى حديث زيد بن خالد ــ رضي الله عنه - قال (سئل رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - عن اللقطة الذهب أو الورق، قال: (اعرف وِكَاءَها
وِفاصَها، ثم عُرِّفها سنة، فإن لم تَعْرِفْ فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء
طالبها يوماً من الدهر فأدها إليه) الحديث هذا لفظ مسلم في صحيحه أخرجه في
كتاب اللقطة (١٣٤٩/٣).
وأخرجه البخاري في كتاب اللقطة، باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها
عليه (١٥٦/٣) ولم يذكر فيه الذهب والفضة، بل قال: إن رجلاً سأل رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - عن اللقطة قال: (اعرف ... ) الحديث.
وأخرجه أبو داود في سننه كتاب اللقطة، باب التعريف باللقطة (٣٩٥/١).
(٥) الزيادة من المسوَّدة ص(٤٧٨).
١٢٣٩

لم يرد شرع في غير الدراهم(١).
وبهذا قالت المعتزلة البغداديون(٢) والإِمامية(٣) وابن أبي هريرة(٤) من
أصحاب الشافعي.
وقال البصريون من المعتزلة الجبّائي وابنه(٥): إنها على الإِباحة.
وبه قال أصحاب أبي حنيفة(٦) فيما حكاه السرخسي.
وحكي عن جماعة من أصحاب الشافعي ابن سريع [وأبي حامد](٧)
المروذي(٨).
وهو قول أهل الظاهر(٩).
(١) تعقبه شيخ الإسلام في المسوّدة الموضع السابق بقوله:
(قلتُ: لأن اللقطة لها مالك فنقلها إلى الملتقط يحتاج إلى دليل، وليس هذا من
جنس الأعيان في شيء).
(٢) انظر: المعتمد لأبي الحسين البصري (٨٦٨/٢) إلا أنه عبر بقوله: (وذهب بعض
شيوخنا).
انظر المسوّدة ص(٤٧٤).
(٣)
(٤)
نقل ذلك عنه الشيرازي في التبصرة ص(٥٣٢).
انظر: المعتمد لأبي الحسين البصري الموضع السابق.
(٥)
به قال أكثر الحنفية، كما في تيسير التحرير (١٦٨/٢).
(٦)
(٧)
الزيادة من المسوّدة ص(٤٧٤) وشرح الكوكب المنير (٣٢٥/١)، ونقله الشيرازي
عنه في التبصرة ص(٥٣٣)، يؤيد ذلك: أن ابن سريج بغدادي، وليس مروذياً.
(٨) هو: أحمد بن بشر بن عامر العامري المروذي القاضي، الشافعي. الفقيه، الأصولي،
كان عمدة الشافعية في عصره. له كتاب (الجامع) وشرح مختصر المزني توفي سنة
(٣٦٢هـ).
له ترجمة في: شذرات الذهب (٤٠/٣) وطبقات الشافعية لابن السبكي (١٢/٣)
وطبقات الشيرازي ص (٩٤) ووفيات الأعيان (٥٢/١).
(٩) هكذا حكى المؤلف عن الظاهرية القول بالإِباحة.
١٢٤٠