النص المفهرس
صفحات 1181-1200
ما يعجبني قطعه؛ لأنه على حال قد جاء فيه كراهة))(١). وإن لم يكن مع قول الصحابي قياس: ففيه روايتان: - إحداهما: أنه حجة، مقدم على القياس؛ ويجب تقليده. وقد أوماً أحمد - رحمه الله - إلى هذا في مواضع من مسائله: فقال في رواية أبي طالب ((في أموال المسلمين إذا أخذها الكفار، ثم ظهر عليه المسلمون، فأدركه صاحبه فهو أحق به، وإن أدركه وقد قُسِم فلا حق له(٢)، كذا قال عمر (٣)، ولو كان القياس كان له. ولكن كذا قال عمر)». قال الهيثمي: (وفيه الحسن بن عنبسة، ضعفه ابن قانع). = وقد روى ابن هانىء في المسائل التي رواها عن الإِمام أحمد (١٨١/٢) قوله: (سألته عن السدرة تكون في الدار فتؤذي، أتقطع؟ قال: لا تقطع من أصلها، ولا بأس أن تقطع شاخاتها). والشاخات: جمع شاخة، وهي المعتدل من أغصانها. (١) في الأصل: (كرأيه). (٢) ونقل أبو داود في مسائله ص(٢٤٣) عن الإِمام أحمد مثل الرواية، ولفظه: ( ... سمعت أحمد يقول: ما أحرزه العدو، ثم أدركه صاحبه قبل أن يقسم فهو أحق به، وإن قسم فلا شىء له. قال أحمد: وزعم قوم أن شىء الرجل له، حتى يبيع أو يهدي أو يتصدق، وهو قول متعد، ليس سُنَّة المغازي مثل هذا، كل من قال، قال بغير هذا، عمر وغيره، وأما من قال: أحق هو بالقيمة، وهو قول ضعيف عن مجاهد). فقول الإِمام أحمد: ليس سنة المغازي مثل هذا يدل على أن ذلك خلاف القياس؛ لأن القياس أن يأخذ متاعه؛ لأنه لم يبعه، ولم يهده، ولم يتصدق به. (٣) هذا الأثر عن عمر - رضي الله عنه - أخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الجهاد باب المتاع يصيبه العدو ثم يجده صاحبه (١٩٥/٥) وفي آخره: ( .... وإن جرت عليه سهام المسلمين، فلا سبيل إليه إلا بالقيمة). ١١٨١ ٠ وكذلك قال في رواية المروذي: ((أكره شراء أرض الخراج. فقيل له: كيف أشتري في السواد ولا أبيع؟! فقال: الشراء خلاف البيع. فقيل له: كيف أشتري ممن لا يملك؟! فقال: القياس كما تقول، وليس هو قياساً، وإنما هو استحسان . واحتج: أن أصحاب رسول الله عَّه رَخَّصُوا في شراء المصاحف ، وكَرِهُوا بيعَها))(١). - وكذلك نقل أبو الحارث عنه: «ترك الصلاة بين التراويح، واحتج: بما روي عن عبادة وأبي الدرداء. فقيل له: فعن سعيد والحسن: أنهما كانا يريان الصلاة بين التراويح(٢). فقال: أقول لك: أصحاب النبي، وتقول: التابعون)). وكذلك نقل أبو طالب عنه في رجل يصوم شهرين من كفارة، فتسحر بعد طلوع الفجر وهو لا يعلم، ثم علم: ((يقضي يوماً مكانه، وإن أكل ناسياً بالنهار، فليس عليه شىء. فقيل: فإذا لم يعلم، فهو كالناسي؟. (١) أخرج عبد الرزاق في مصنفه في كتاب البيوع، باب بيع المصاحف (١١٢/٨) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال في بيع المصاحف: اشترها ولا تبعها. كما أخرج عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مثل ذلك. وأخرج البيهقي في سننه في كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع المصاحف (١٦/٦) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - (قال: اشتر المصحف ولا تبعه). كما أخرج عن سعيد بن جبير مثله. وقد أخرج عبد الرزاق بسنده في الموضع السابق ص(١١١ - ١١٢) عن شريح ومسروق وعبد الله بن يزيد الخطمي وعلقمة وسعيد بن جبير وسالم بن عبد الله، كلهم ذهب إلى عدم جواز بيع المصاحف. كما أخرج عن الحسن والشعبي أنهما رخصا في بيع المصاحف. وكذلك أخرج البيهقي عنهما في المرجع السابق (١٧/٦). (٢) سبق تخريج هذا الأثر. ص (١١٥٣). ١١٨٢ فقال: كذا في القياس، ولكن عمر(١) أكل في آخر النهار يظن أنه ليل، قال: اقض يوماً مكانه))(٢). وكذلك نقل أبو طالب عنه: ((لا يجوز هبة المرأة، حتى يأتي عليها في بيت زوجها سنة أو تلد، مثل قول عمر))(٣). وهذا كتب(٤) في مسائله. وفي رواية أخرى: القیاس مقدم عليه. أومأ إليه - رحمه الله - في مواضع من مسائله فقال ـــ في رواية أبي داود -: (( ليس أحد إلا آخذ برأيه وأترك ما خلا النبي))(٥). وكذلك نقل المروذي عنه: ((ابن عمر يقول: على قاذف أم الولد الحد(٦). (١) في الأصل: (عمن) وهو خطأ، والتصويب من التمهيد (٣٣٣/٣) ومن مرجع تخريج الأثر الآتي. (٢) هذا الأثر عن عمر - رضي الله عنه - أخرجه عنه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصيام، باب ما قالوا في الرجل يرى أن الشمس قد غربت (٢٣/٣-٢٤)، ولفظه: ( ... عن علي بن حنظلة عن أبيه قال: شهدت عمر بن الخطاب في رمضان وقرب إليه شراب، فشرب بعض القوم، وهم يرون أن الشمس قد غربت، ثم ارتقى المؤذن فقال: يا أمير المؤمنين والله للشمس طالعة لم تغرب، فقال عمر: منعنا الله من شرِّك مرتين أو ثلاثاً، يا هؤلاء من كان أفطر فليصم يوماً مكان يوم، ومن لم يكن أفطر فليتم حتى تغرب الشمس). (٣) هذا الأثر عن عمر - رضي الله عنه - أخرجه عنه ابن حزم بعدة طرق في كتابه المحلى كتاب الحجر (٢٢٤/٩) مسألة رقم (١٣٩٦). (٤) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: (وهذا كثير ... ). (٥) هذه الرواية ذكرها أبو داود في مسائله ص(٢٧٦). (٦) هذا الأثر عن ابن عمر - رضي الله عنه - أخرجه عنه عبد الرزاق في مصنفه في باب الفرية على أم الولد (٤٣٩/٧). ١١٨٣ وأنا لا أجترئ على ذلك، إنما هي أمة، أحكامها أحكام الإِماء)). وكذلك نقل الميموني: و[قد] قيل: إن قوماً يحتجون في النخل بفعل أبي بكر وقوله جربته. فقال: ((هذا فعل ورأي من أبي بكر [١٧٦/ب] ليس هذا عن النبي)). وهذا صريح من كلامه في أن أقواله ليست بحجة. وكذلك نقل مهنَّا عنه فيمن ركب دابة، فأصابت إنساناً: ((فعلى الراكب الضمان. فقيل له: علّي يقول: إذا قال: الطريقَ، فَأَسْمَعَ، فلا ضمان(١). فقال: أرأيت إذا قال: الطريقَ، فكان الذي يقال له أصم؟)). وكذلك نقل الميموني عنه و[قد] سأله: يمسح على القلنسوة؟ فقال ليس فيه عن النبي شىء، وهو قول أبي موسى(٢)، وأنا أتوقاه))(٣). وكذلك نقل ابن القاسم عنه: ((يروى عن ابن عمر من غير وجه - يعني في حد البلوغ - وهو صحيح، ولكن لا أرى هذا يستوي في الغلمان، قد يكون منهم الطويل، وبعضهم أكثر من بعض، ولا ينضبط، والحد عندي في البلوغ الثلاثة)). (١) لم أجد هذا الأثر بهذا النص، وإنما وجدت ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢٥٩/٩) في كتاب الديات، باب السائق والقائد ما عليه؟ بسنده إلى علي- رضي الله عنه - أنه كان يُضَمِّن القائد والسائق والراكب. كما نقل عنه بسند آخر أنه قال: إذا كان الطريق واسعاً فلا ضمان عليه. (٢) يعني: أبا موسى الأشعري وهذا القول المنسوب إليه هنا، ذكره ابن حزم في المحلى في كتاب الطهارة. (٨٤/٨) بقوله: (وعن أبي موسى الأشعري: أنه خرج من حدث فمسح على خفيه وقلنسوته). والقول بالمسح على القلنسوة مروي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - كما في المصنف لعبد الرزاق كتاب الطهارة، باب المسح على القلنسوة (١٩٠/١). (٣) ونقل ابن هانىء هذا في مسائله (١٩/١). ١١٨٤ ١ واختلف أصحاب أبي حنيفة، فذهب البَرْدَعي(١) والرازي(٢) والجرجاني: إلى أنه حجة، يترك له القياس. وحكى الرازي(٣) عن الكرخي أنه قال: ((أما أنا فلا يعجبني هذا المذهب))، وكان لا يرى قول الصحابي فيما يسوغ فيه الاجتهاد حجة. واختلف أصحاب(٤) الشافعي، فقال في القديم: هو حجة. وقال في الجديد: ليس بحجة(٥). وبه قال عامة المتكلمين من المعتزلة والأشعرية(٦). فالدلالة على أنه حجة، يُترك له القياس: قوله عليه السلام: (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم)، فأخبر أن (١) هو: أحمد بن الحسين، أبو سعيد، البردعي، نسبة إلى بردعة وهي بلدة من أقصى بلاد أذربيجان، الحنفي. أخذ العلم عن أبي علي الدقَّق وموسى بن نصر، أخذ عنه أبو الحسن الكرخي وأبو طاهر الدباس وغيرهما، درّس ببغداد مدة طويلة. خرج إلى الحج فقتل في موقعه القرامطة مع الحجاج سنة (٣١٧هـ). له ترجمة في: تاريخ بغداد (٩٩/٤) والجواهر المضيّة (٦٦/١)، والفوائد البهية ص(١٩) والطبقات السنية (٣٩٤/١) واللباب (١٣٥/١) والنجوم الزاهرة (٢٢٦/٣). وما ذكره المؤلف هنا عن البَرْدَعي نسبه إليه الرازي في كتابه الفصول في أصول الفقه الورقة (٢٣٦/أ). (٢) ما نقله المؤلف عنه هنا هو ما صرح به الرازي في كتابه الفصول في أصول الفقه الورقة (٢٣٦أ). (٣) في كتابه في أصول الفقه الورقة (٢٣٥/ب - ٢٣٦/أ). (٤) كلمة (أصحاب) هنا لا معنى لها؛ لأن الآتي بعد ذلك هو قول الشافعي، لا أصحاب الشافعي، فلو عبر بقوله: (واختلف قول الشافعي) لكان أولى. (٥) حكى القولين الشيرازي في كتابه التبصرة ص(٣٩٥). (٦) حكى ذلك أيضاً الآمدي في كتابه الإِحكام (١٣٠/٤). ١١٨٥ ( العدة فى أصول الفقه - ٧٥ ) الاقتداء بهم. وقوله عليه السلام: (اقتدوا باللَّذَين من بعدي، أبي بكر وعمر). وقوله عليه السلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)(١) وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب. فإن قيل: هذا محمول على الاقتداء بهم فيما يروونه عن النبي عَ اله. قيل: هذا عام في الرواية والفُتيا. وعلى أن هذا يُسقط فائدة التخصيص بالصحابة؛ لأن رواية التابعين ومن بعدهم يجب الاقتداء بها. فإن قيل: المراد به العامة دون أهل العلم. بدليل: أنه خَيَّر في الاقتداء بأيهم شاؤًا. وهذا حكم العامة إذا اختلفت أقاويلهم، فأما العالم فإنه لا يخير في هذا الموضع. قيل: قوله: (بأيهم اقتديتم اهتديتم) المراد حال الانفراد من كل واحد منهم بالقول، وليس المراد: (بأيهم اقتديتم) إذا اختلفوا في الحادثة، ويكون فائدة ذلك: أن الاقتداء لا يتخصص بقول بعضهم دون بعض، فزال(٢) الإِشكال، فإنه ربما ظن ظان أن الاقتداء يجب بقول الأئمة دون غيرهم، فلما قال: (بأيهم اقتديتم اهتديتم) دل على أن كل واحد منهم إذا انفرد كان قوله حجة. وأيضاً: من جاز أن يقدم قوله على القياس الصحيح إذا كان معه قياس ضعيف جاز أن يقدم عليه وإن لم يكن معه [١٧٧/أ] قياس. أصله: قول النبي عَلِّ(٣). (١) سبق تخريجه. (٢) في الأصل: (يزيل). (٣) يعني: أن قوله - صلى الله عليه وسلم - مقدم على القياس، فكذلك قول الصحابي. ١١٨٦ 1 i وأيضاً : فإن قول الصحابي لا يخلو إما أن يكون توقيفاً أو اجتهاداً، فإن کان توقیفاً وجب اتباعه. وإن كان اجتهاداً فاجتهاده أولى من اجتهاد غيره؛ لأنه شاهد الرسول وسمع كلامه، والسامع أعرف بالمقاصد ومعاني الكلام. ولأنه منصوص عليه بقوله: (عليكم بسنتي). وإذا كان كذلك كان أولى من غيره كخبر الواحد مع القياس. فإن قيل: لا يجوز أن يكون توقيفاً؛ إذ لو كان توقيفاً لكان يظهر على ممر الأيام واختلاف الأحوال، ولكان لا يدعه من أن ينسبه إلى النبي عَ ◌ّه ويرويه عنه، ولكان يجب علينا اتباعه على أنه توقيف؛ لأنه إذا لم يخبر به عنه، ولم يسنده إلى النبي عَ ◌ّه لم يجب علينا فرضُه. وأما الاجتهاد فلا يوجب اتباعه ؛ لأجل أن مشاهدةَ الرسول وسماعَه لا يوجب عصمته من الخطأ في الاجتهاد، وإنما يحصل حسنُ الظن وكونُه أقربَ إلى الصواب، وذلك لا يوجب اتباعه، كالعالم لا يجوز له اتباع من هو أعلم منه، وإن كان اجتهاد الأعلم أقرب إلى الصواب. ولأن هذا يقتضي أن يكون قول الصحابي إذا طالت صحبته أولى من غيره، وكبارُ الصحابة أولى من صغارهم. ولأن هذا يصح إذا علم أنه قاس على ما سمعه واضطر إلى قصده، فإنه ليس كل سامع للكلام يجب أن يضطر إلى قصد المتكلم، وإنما هو على حسب قيام دلالة الحال. قيل: أما قولكم: إنه لو كان توقيفاً لظهر ونقل، فلا يصح لوجهين: أحدهما: أنه لا يلزم الصحابي الروايةُ، بل هو مخير في ذكرها وتركها، وإنما يتعين عليه الفتيا، فهو كالمفتي مخير بين أن يذكر الدليل أو يذكر الحكم. ١١٨٧ والثاني: أنه يحتمل أن لا يرويه تورعاً؛ لأنه لم يقم على حفظ اللفظ فأفتى بمعناه. وقولهم: إنه لا يجب علينا اتباعه إذا لم يخبر به، لا يصح أيضاً؛ لأن الصحابي إذا قال قولاً مخالفاً للقياس، فالظاهر أنه لا يقوله إلا عن توقيف، فتكون فتياه أمارة على الخبر عن النبي فوجب العمل به، كما وجب العمل بخبر الواحد، وإن لم يقطع على صدقه؛ لأن الظاهر صدق الراوي. وقولهم: إن مشاهدة الرسول لا توجب عصمته لعمري(١)، إلا أنه يوجب له مَزِيَّة من الوجه الذي ذكرنا، فوجب تقديمه، كما وجب تقديم خبر الواحد على القياس وإن لم يكن مقطوعاً به. وقولهم: إن العالم لا يجب عليه اتباع من هو أعلم منه، وكذلك صغار الصحابة لا يلزمهم اتباع أكابرهم، فلا يصح، لأن العالِمَيْن تساويا في طريق الاجتهاد. وكذلك الصحابة تساووا في مشاهدة التنزيل وحضور التأويل والنص عليهم، فمزيَّة أحدهما (٢) [١٧٧ /ب] على الآخر في الحكم المشترك لا توجب التقديم، كالبينتين إذا تعارضتا وأحدهما أعدل وأدين وأزهد، فإنه لا يرجح بها المساواة الأخرى لها في العدالة، كذلك ها هنا. واحتج المخالف: بقوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)(٣) وقد وجد التنازع فوجب الرد إلى الكتاب والسنة. (١) هكذا في الأصل، والعبارة وردت في الاعتراض: ( .... من الخطأ في الاجتهاد). (٢) هنا وقع تقديم وتأخير لبعض الصفحات من فِعْل من جَلَّد المخطوطة، وقد رتبناها على الوضع الصحيح، ورقمناها كذلك. (٣) آية (٥٩) من سورة النساء. ١١٨٨ 1 والجواب: أن معناه إلى كتاب الله وسنة رسوله، وفي سنة رسول الله ما يقتضي الاقتداء بالصحابي من الوجه الذي بينًا. واحتج بقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ)(١). والجواب: أن الرجوع إلى قول الصحابي - وفي المعلوم أن اجتهاده أولى من اجتهادنا ــ ضرب من الاعتبار والنظر. واحتج: بما جاء في القرآن من ذم التقليد واتباع الأهواء في الكفر والأمر المذموم. و[الجواب: أن] هذا محمول على غير مسألتنا. واحتج: بأنه لو كان حجة لم يكن لأهل عصره خلافُه. وقد روي أن أبا سلمة بن عبد الرحمن خالف ابن عباس في عدة المتوفى عنها، وأقره ابن عباس على ذلك(٢). وكذلك أصحاب عبدالله(٣) قالوا: (ما كان يمنعنا أن نردَّ على ابن عباس إلا أَنَّا على طعامه)، فدل هذا على جواز مخالفته. والجواب عنه : ما تقدم في التابعي إذا أدرك عصر الصحابة هل يعتد بخلافه؟(٤). وبينًا أن عائشة أنكرت على أبي سلمة بن عبد الرحمن(٥). وأن علياً نقض حكم شريح في ابني عم (٦). (١) آية (٢) من سورة الحشر . (٢) سبق تخريج هذا (١١٦٥) (٣) يعني: ابن مسعود رضي الله عنه. (٤) تقدم ص(١١٥٢). تقدم ص (١١٦٨). (٥) (٦) في الأصل: (ابن عم). وقد سبق تخريج هذا الأثز عن علي - رضي الله عنه - ص - (١١٦٧) ١١٨٩ 1 على أن هذا مذهب لأبي سلمة ولأصحاب عبدالله، والخلاف معهم کاخلاف معکم. واحتج: بأنه عَلَم (١) على الحكم، فوجب أن يكون مقدماً على قول الصحابي قياساً على عموم القرآن ونص خبر الواحد. والجواب: أنا نخص به عموم القرآن ، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم(٢). وأما نص الخبر فإنما قدم عليه؛ لأن مَزِيَّة الصحابة حصلت بمشاهدة النبي، فلا يجوز أن تقدم عليه، وليس كذلك القياس؛ لأن طريقه الاجتهاد وغلبة الظن . وكذلك قول الصحابة ومعه مَزِيَّة من الوجه الذي بينًّا، فكان أولى. وعلى أنه ليس إذا لم يقدم على الخبر لم يكن حجة في نفسه، كالقياس لا يقدم على الخبر، وهو حجة. واحتج: بأن الصحابي يجوز عليه الخطأ في الاجتهاد، والاقرار عليه، فوجب أن لا يكون قوله حجة. أصله: قول كل واحد من أهل العلم. والجواب: أن تجويز الخطأ لا يمنع الاحتجاج به، كخبر الواحد والقياس. ولأنه لا مزية لقول بعضهم على بعض، وهذا بخلافه. واحتج : بأن الصحابي وكل عالم من العلماء يشتر كان في آلة الاجتهاد، فلا يجوز لأحدهما تقليد الآخر. أصله: العالمان من [١٧٨/ أ] غير الصحابة. والجواب: أنهما متساويان في الاجتهاد، وكذلك الصحابي مع غيره؛ لأن له مزية من الوجه الذي ذكرنا. واحتج: بأن الصحابي لم يدعُ الناس إلى تقليده فيما يقول: ألا ترى إلى ما روي عن عمر: أنه سئل عن مسألة، فأجاب فيها، فقال له رجل: أصبت (١) أي أن القياس (العلة) أمارة على الحكم. (٢) (٥٥٩/٢). ١١٩٠ i الحق، أو كلاما نحو هذا، فقال عمر: (والله ما يدري عمر أصاب أم أخطأ، ولكن لم آلُ(١) عن الحق)(٢). وقال زيد بن ثابت في قضية قضى بها في الجد: (ليس رأيي حقاً على المسلمين)(٣) أو كلاماً نحو هذا. والجواب: أن هذا لا يمنع تقليده ـ كالعامي -، وإن لم يدعه الصحابي إلى قوله. وعلى أن عبد الرحمن بن عوف دعا عثمان إلى متابعة سنة الإِمامين، فقال له - لما عرض البيعة عليه -: (على أن يحكم بكتاب الله وسنة رسول الله وسنة الخليفتين بعده)(٤)، فقبل ذلك بمحضر الصحابة من غير خلاف. والذي روي عن الصحابة من النهي عن التقليد: فهو محمول على النهي عن التقليد فيما كانوا يختلفون فيه، ولم يثبت عنهم أنهم منعوا تقليد الواحد منهم فيما قاله. واحتج: بأنه لا يجوز للإنسان أن يتبع قول غيره إلا بصفة يختص بها لا يشاركه فيها أحد. مثل: النبي الذي اختص بالعصمة. وكذلك الأمَّة اختصت بالعصمة. والعالم مع العامي: اختص بآلة الاجتهاد ومعرفة الطريق. (١) أي: لم أقصر. (٢) لم أجده بهذا اللفظ، وإنما وجدت: أن عمر قال: (إني قضيت في الجد قضيّات مختلفات، لم آلُ فيها عن الحق) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الفرائض، باب: فرض الجد (٢٦٢/١٠). وأخرجه البيهقي في سنته في كتاب الفرائض، باب: التشديد في الكلام في مسألة الجد مع الأخوة .. (٢٤٥/٦). ٠ (٣) لم أجده. (٤) ذكر هذا في قصة مبايعة عثمان - رضي الله عنه - الطبري في تأريخه (٢٤٨/٤). ١١٩١ فأما إذا لم يكن لأحدهما على الآخر مزية، لم يجز للآخر اتباعه. والجواب: أنا قد بينًّا مَزِيَّة الصحابي على غيره. فإن قيل: فيجب إذا استدل الصحابي بدلالة على حكم أن لا يستدل عليه بدلالة أخرى. قيل: إن اتفقوا على أن لا دليل لله تعالى غيره، لم يجز أن يستدل عليه بدلالة أخرى، وإن لم يتفقوا على ذلك جاز؛ لأنه يجوز أن يخفى عليهم دليل؛ لأن عبادتهم القول بحكم الله تعالى، فأما أن يعلموا كلّ دليل لله تعالى في ذلك أو يظهروه، فإن ذلك غير واجب، وكان تعلق علمهم بالحق ببعض الأدلة يسقط عنهم فرض الاستدلال بكل دليل. ومن الناس من قال: لا يجوز أن يستدل عليه بدلالة أخرى؛ لأنه(١) دليل الصحابة، فمن طلب دليلاً آخر عليه، فهو كمن طلب المقايسة في مسائل الإجماع وأخبار الآحاد مما هو مقطوع به من العقول، وهذا غير ممتنع على وجه من الترجيح من غير أن يقصد إلى بيان الحكم به بعد ثبوته، لما بينًا. فإن قيل: فما تقولون إذا ثبت الحكم لعلة، فهل يجوز للصحابة تعليله بعلة أخرى؟ قيل: يجوز ذلك؛ لأنه يجوز تعليل الأصل بعلتين، كما يستدل على شىء بدليلين، وهذا في علتين إذا كان [١٧٨/ب] موجبهما واحداً، فأما إذا تنافت فلا يجوز ذلك. ومن الناس من منع ذلك؛ لأن تعليله بأخرى يبطل فائدة تعليق الحكم بالأولى (٢)، فلا يجوز، كما لا يجوز ذلك في العقليات، وأنه لا يكون حكم(٢) العقل معللاً بعلتين. (١) في الأصل: (لأن). (٢) في الأصل: (الأول). (٣) في الأصل: (الحكم). ١١٩٢ : فصل إذ قال الصحابي قولاً مخالفاً للقياس(١). كما روي عن عمر: (أنه قضى في عين الدابة بربع قيمتها)(٢). وروي عنه فيمن فقاً عين نفسه: (تحمله عاقلته له)(٣). وروي عن عثمان: (أنه قضى فيمن ضرب رجلاً فأحدث: بثلث الدية)(٤). وعن ابن عباس (فيمن نذر ذبح ولده: شاة)(٥). (١) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٣٣١/٣) والمسوّدة ص(٣٣٨). (٢) هذا الأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب العقول، باب عين الدابة (٧٦/١٠ - ٧٨) عن عمر - رضي الله عنه - بعدة طرق. كما أخرج مثله عن علي - رضي الله عنه -. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الديات، باب في عين الدابة (٢٧٥/٤ - ٢٧٦) عن عمر - رضي الله عنه - بعدة طرق. وأخرجه ابن حزم في كتابه الإيصال ملحق بكتاب المحلى، باب ديات الجراحة والأعضاء (١٥٣/١٢) مسألة رقم (٢٠٣٥). (٣) هذا الأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب العقول، باب الرجل يصيب نفسه (٤١٢/٩) عن عمر - رضي الله عنه -. (٤) هذا الأثر عن عثمان - رضي الله عنه - أخرجه عنه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب العقول، باب هل يضمن الرجل من عنت في منزله (٢٤/١٠ - ٢٥). وأخرجه عنه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الديات، باب الرجل يضرب الرجل حتى يحدث (٣٣٨/٩). وأخرجه ابن حزم في كتاب الإيصال، ملحق بكتاب المحلى في باب ديات الجراحة والأعضاء (٢٠٨/١٢) مسألة رقم (٢٠٧١). (٥) هذا الأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الأيمان والنذور، باب من نذر لينحرنَّ نفسه (٤٦٠/٨). وأخرجه البيهقي في سننه في كتاب الأيمان، باب ما جاء فيمن نذر أن يذبح ابنه أو نفسه (٧٣/١٠). وانظر: المحلى لابن حزم، كتاب النذور (٣٥٤/٨) مسألة رقم (١١١٤). ١١٩٣ وقول عائشة: ( أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله)(١). (١) هذا الأثر أخرجه الإمام أحمد في مسنده، كما ذكر ذلك صاحب التعليق المغني على سنن الدارقطني (٥٣/٣). وأخرجه الدارقطني في سننه في كتاب البيوع (٥٣/٣) رقم (٢١٢) بسنده إلى أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة - رضي الله عنها ــ فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم الأنصاري وامرأة أخرى، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: يا أم المؤمنين إني بعت غلاماً من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة، وإني ابتعته بستمائة درهم نقداً، فقالت لها عائشة: بئسما شريت، وبئسما اشتريت، إن جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بطل إلا أن يتوب. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب البيوع، باب الرجل يبيع السلعة ثم يريد شراءها بنقد (١٨٤/٨ - ١٨٥) بطريقين: الأولى: معمر والثوري عن أبي إسحاق عن امرأته أنها دخلت على عائشة في نسوة، فسألتها امرأة فقالت: (يا أم المؤمنين كانت لي جارية فبعتها على زيد ... وفي آخره قالت المرأة لعائشة: أرأيت إن أخذتُ رأسَ مالي ورددتُ عليه الفضل؟ قالت: ((مَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَّبِّهِ فَانْتَهَى)) أو قالت: (إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أُمْوَالِكُمْ))). الثانية: عن الثوري عن أبي إسحاق عن امرأته قالت: (سمعت امرأة أبي السفر تقول: سألت عائشة، فقلتُ: بعتُ زيد بن أرقم جارية ... ). وأخرجه البيهقي في كتاب البيوع، باب الرجل يبيع الشىء إلى أجل، ثم يشتريه (٣٣٠/٥ - ٣٣١) بعدة طرق: الأولى: بسنده إلى شعبة عن أبي إسحاق قال: دخلت امرأتي على عائشة وأم ولد لزيد بن أرقم، ثم عقّب عليه بقوله: (كذا جاء به شعبة عن طريق الإِرسال) الثانية: بسنده إلى أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن العالية، قالت: (كنت قاعدة عند عائشة - رضي الله عنها - فأتتها أم حبيبة، فقالت لها: ياأم المؤمنين .. ) الثالثة: بسنده إلى سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن امرأته العالية: (أن امرأة أبي السفر باعت جارية ... ). الرابعة: بسنده إلى يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية بنت أنفع، قالت: = (خرجت أنا وأم حبيبة إلى مكة، فدخلنا على عائشة)، ثم ذكرت الخبر. ١١٩٤ ٠ ٠٠٠٠. = وأخرجه ابن حزم في كتابه المُحلَّى في كتاب البيوع، (٦٨٨/٩ - ٦٩٣) مسألة رقم (١٥٥٩). وقد ذهب ابن حزم إلى أن هذا الأثر كذب وموضوع، ودلَّل على ذلك بأربعة أمور: الأول: أن امرأة أبي إسحاق مجهولة الحال، فلم يرو عنها إلا زوجها وابنها يونس، ويونس ضعيف جداً. الثاني: أنه مدلس، وأن امرأة أبي إسحاق لم تسمعه من أم المؤمنين، وإنما سمعته من امرأة أبي السفر. الثالث: أن عائشة - رضي الله عنها - لا يمكن أن تقول بإبطال جهاد زيد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لم يتب، فقد شهد الغزوات كلها ما عدا بدراً وأحداً، وأنفق قبل الفتح وقاتل، وشهد بيعة الرضوان تحت الشجرة، وشهد الله له بالصدق والجنة. الرابع: أن زيداً لو ارتكب الربا الصريح، وهو لا يعلم بحرمته، فإن له أجراً على اجتهاده، غير آثم. شأنه في ذلك شأن ابن عباس القائل بجواز ربا الصرف. ثم قال: وعلى فرض صحته، فهو مردود أيضاً، وذكر ستة أمور. وكلام ابن حزم غير مسئَّم: فامرأة أبي إسحاق واسمها: العالية بنت أنفع بن شراحيل ليست مجهولة الحال. قال ابن الجوزي: هي امرأة معروفة جليلة القدر. ذكرها ابن سعد في الطبقات فقال: العالية بنت أنفع بن شراحيل، امرأة أبي إسحاق السبيعي سمعت من عائشة. انظر: التعليق المغني على سنن الدار قطني (٥٣/٣). وابنها يونس ليس ضعيفاً جداً، كما يقول ابن حزم. فقد وثقه ابن معين. وقال النسائي: (لا بأس به) وقال الذهبي: (قلت: بل هو صدوق، ما به بأس، ما هو في قوة مسعر ولا شعبة). وقال ابن حجر: (صدوق، يهم قليلاً). انظر: تقريب التهذيب (٣٨٤/٢) رقم (٤٧١) وميزان الاعتدال (٤٨٢/٤ - ٤٨٣) رقم (٩٩١٤). ودعوى التدليس ليست بصحيحة، فقد ثبت سماع امرأة أبي إسحاق من عائشة = ١١٩٥ 1 فإنما يحمل ذلك على أنه قاله على جهة التوقيف(١). وهو قول أصحاب أبي حنيفة(٢). وقال أصحاب الشافعي: لا يحمل على التوقيف، وإنما هو اجتهاده(٣). دلیلنا: أن هذه الأشياء لما لم يكن لها وجه في القياس، وقد أثبتها الصحابي، وكان طريقها الاتفاق أو التوقيف علمنا أنه لم يثبت ذلك الأمر إلا من جهة التوقيف. فإن قيل: يحتمل أن يكون ذهب في إثباتها إلى قياس فاسد. قيل: يجب أن يحسن الظن فيه، ويحمل قوله على الصواب، لما قد ثبت له من المزية وهو مشاهدته للتنزيل، وحضور التأويل، ونص النبي عليه. فإن قيل: لو وجب أن يحمل ذلك على التوقيف، لوجب إذا خالفه صحابي آخر، وقال قولاً يطابق القياس أن لا يعتدَّ بخلافه. قيل: هكذا نقول؛ لأنه إذا طابق قوله القياس احتمل أن يكون توقيفاً، واحتمل أن يكون قياساً، وقول من خالف القياس ليس له وجه إلا التوقيف كما تقدم ذكره. = وعليه فإسناده جيد، كما قال صاحب التنقيح. انظر: التعليق المغني على سنن الدارقطني، الموضع السابق. أما الرد الثالث والرابع، فهو مما تختلف فيه أنظار العلماء، والمسألة خلافية، كما بينها المؤلف. والله أعلم. قال في المسوّدة ص(٣٣٨): (ويجعل في حكم التوقيف المرفوع، بحيث يعمل به، (١) وإن خالفه قوله صحابي آخر، نصَّ عليه في مواضع). انظر في ذلك: أصول السرخسي (١٠٥/٢)، وكشف الأسرار (٢١٧/٢)، وفواتح (٢) الرحموت (١٨٧/٢). (٣) انظر: التبصرة للشيرازي ص(٣٩٩). ١١٩٦ 1 فلا يعارض التوقيف بقول صحابي. فإن قيل: لو وجب أن يحمل قوله على التوقيف، لوجب إذا عارضه خبر متصل عن النبي مخالف له في الحكم أن يتعارضا، كما يتعارض الخبران المتصلان، فلا يقدم المتصل عليه. قيل: إنما قلنا: إن قول الصحابي توقيف من طريق غلبة الظن والظاهر، والمتصل أقوى في الظن في الاتصال، فجاز تقديمه عليه، كما قلنا في الخبرين إذا تعارضا وأحدهما أكثر رواة: إنه يقدم؛ لأنه يغلب على الظن صحته. وقد يخرج على هذا إذا قال بعض الصحابة بظاهر آية، وقال الآخر بخلاف ظاهرها، فقول التارك للظاهر أولى إذا لم يعين لنا أصلاً قاس عليه؛ لعلمنا أنه إنما تركه لتوقيف. ويحتمل أن يقدم قول من معه الظاهر؛ لأن جَنْبتَه أقوى [١٧٩/ أ]. ١١٩٧ مسألة [إجماع الأئمة الأربعة] لا يعتدُّ بإجماع الأئمة الأربعة إذا خالفهم غيرهم من الصحابة(١) في إحدى الروايتين. وهو ظاهر كلام أحمد - رحمه الله - في رواية المروذي عنه قال: ((إذا اختلفت أصحاب رسول الله عَ لَه لم يجز للرجل أن يأخذ بقول بعضهم إلا على اختيار، ينظر أقرب القول إلى الكتاب والسنة))(٢). وظاهر هذا أنه لم يقدم قول الأئمة على غيرهم من الصحابة(٣). وهو اختيار الجرجاني. وفيه رواية أخرى يعتد به (٤). وهو ظاهر كلام أحمد - رحمه الله - في رواية إسماعيل بن سعيد، وقد سأل أحمد - رضي الله عنه - عمن زعم أنه لا يجوز أن يخرج من قول الخلفاء إلى من بعدهم من الصحابة؛ لأن رسول الله عَ لّم قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين). (١) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٢٨٠/٣)، والمسوَّدة ص(٣٤٠)، وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر العاطر (٣٦٥/١)، وشرح الكوكب المنير (٢٣٩/٢). (٢) هذه الرواية موجودة في التمهيد الموضع السابق. (٣) وهو قول الجمهور، كما قال ابن بدران في شرح الروضة (٣٦٥/١). وقال في المسوّدة ص(٣٤٠): (وبه قال أكثر الفقهاء) وقال في التمهيد: (وبه قال أكثرهم). (٤) وبها قال ابن البنا الحنبلي، كما في شرح الكوكب المنير (٢٣٩/٢) ونزهة الخاطر العاطر (٣٦٦/١). ١١٩٨ أ 1 ! قال: فناظرني في بعض ما قال الصحابة، ثم رأيته قد قَنِع بهذا القول، وقال: ((ما أبعد هذا القول أن يكون كذلك))(١). وهو اختيار أبي حازم(٢) من أصحاب أبي حنيفة، و[لأجل هذا المذهب](٣) لم يعتد(٤) بخلاف زيد بن ثابت في توريث ذوي الأرحام(٥)، وحكم برد الأموال التي حصلت في بيت مال المعتضد، وجعل ذوي الأرحام أولى من بيت المال، فقبل ذلك منه المعتضد(٦)، وأمر بردها على ذوي الأرحام، وكتب (١) وهناك رواية ثالثة: أنه حجة لا إجماع. انظر: المسودة ص (٣٤٠). وقال ابن بدران: (إن هذا [يعني أنه حجة لا إجماع] القول الحق). انظر: نزهة الخاطر العاطر (٣٦٦/١). (٢) هو: القاضي عبد الحميد بن عبد العزيز، أبو حازم بالحاء المهملة، أو بالخاء المعجمة، كان ورعاً عالماً بمذهب أبي حنيفة. ولي قضاء الشام والكوفة والكرخ من بغداد. له كتاب المحاضر والسجلات، وكتاب أدب القاضي، وكتاب الفرائض. توفي سنة (٢٩٢)هـ. له ترجمة في: تاج التراجم ص (٣٣)، والجواهر المضيَّة (٢٩٦/١)، وشذرات الذهب (٢١٠/٢)، وطبقات الفقهاء ص (١٤١)، والفوائد البهية ص (٨٦). (٣) الزيادة من كتاب أصول الجصاص الورقة (١٢٦/ب). (٤) أي: أبو حازم. (٥) زيد بن ثابت - رضي الله عنه - لا يرى توريث ذوي الأرحام، أخرج ذلك عنه سعيد بن منصور في سننه في باب العمة والخالة (٩٢/١) ولفظه: ( ... قال [أي زيد بن ثابت]: لا يرث ابن أخت، ولا ابنة أخ، ولا بنت عم، ولا خال، . ولا عمة، ولا خالة). (٦) هو: أحمد بن طلحة بن المتوكل، أبو العباس، المعتضد بالله. أحد ابني العباس. كان وافر العقل شجاعاً. سكنت الفتنة في أيامه، وانتصر العدل، وعمَّ الرخاء. مات سنة (٢٨٩ هـ). له ترجمة في: شذرات الذهب (١٩٩/٢) وفوات الوفيات (٨٣/١). ١١٩٩ بذلك إلى الآفاق(١). وجه الرواية الأوَّلة: ما روي عن النبي عَّ الِ أنه قال: (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم)، فجعل الاقتداء بكل واحد منهم هدى، كما أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين من بعده. فإن قيل: يحمل هذا على ما إذا قال كل واحد منهم قولاً، ولم يخالفه غيره فیه. قيل: إذا لم يخالفه(٢) غيره صار إجماعاً منهم، والخبر يقتضي الأخذ بقول الواحد منهم. فإن قيل: نحمله إذا اختلفوا، فإنه يجوز الاقتداء بكل واحد منهم. قيل: إذا كان هناك اختلاف، فالاقتداء يحصل بالدليل؛ لأنه يجتهد في أحد القولين من طريق الدليل. ولأن الإمامة لا تأثير لها في تقديم القول، كما لا تأثير لكون الواحد من الأمراء أو رسله. ولأن الأربعة يجوز الخطأ في قولهم، كما يجوز في حق كل أربعة. (١) ذكر هذه القصة الجصاص في أصوله الورقة (١٢٦/أ - ب) عن بعض شيوخه ممن كان يجالس القاضي أبا حازم؛ ويأخذ عنه. ثم قال بعد ذلك (وبلغني أن أبا سعيد البَّرْدَعي كان أنكر ذلك عليه، وقال هذا فيه خلاف بين الصحابة، فقال أبو حازم: لا أعدُّ زيداً خلافاً على الخلفاء الأربعة، وإذا لم أعده خلافاً فقد حكمت برد هذا المال إلى ذوي الأرحام، فقد نفذ قضائي به، ولا يجوز لأحد أن يتعقبه بالفسخ). كما ذكر هذه القصة صاحب تيسير التحرير (٢٤٢/٣). (٢) في الأصل: (يخالف). ١٢٠٠