النص المفهرس

صفحات 1141-1160

فلا يجوز الاعتداد به.
فإن قيل: قد لا يختار المعصية فيما يدخل به في جملة المجمعين، وإن كان
قد يختار ذلك في غير باب الإجماع، ألا ترى أن الدلالة قد دلت على امتناع
وقوع الخطأ من الأنبياء عليهم السلام فيما هم حجة فيه، وإن كان يجوز وقوع
الخطأ الصغير منهم في غير ما يؤدونه إلينا.
قيل: فيجب أن يقبل خبر الكذاب؛ لأنه يجوز أن لا يختار الكذب فيما
يرويه، وإن كان يختار ذلك في غير باب الأخبار، ولا يشبه هذا الأنبياء؛ لأنهم
معصومون في الرسالة.
وأيضاً: فإن كونهم في جملة المجمعين يقتضي مدحهم وتعظيمهم، وكونهم
من أهل الفسق والضلال يقتضي ذمهم والاستخفاف [بهم]، فلما لم يجز أن
يكونوا استحقوا الذم والمديح في حالة واحدة، لم يجز أن يكونوا داخلين في
جملة من يعتد بهم في الإِجماع مع كونهم من أهل الفسق.
ويدل عليه قوله تعالى: (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ)(١).
وقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)(٢)
والفاسق يأمر بالمنكر، ويمنع المعروف.
ولأن من لا تقبل شهادته في حق خاص لم يعتد به فيما يلزم الجماعة.
ولأنه إخبار بأمر من أمور الدين، فلا يدخل فيه الفاسق، مثل(٣) أخبار
الآحاد.
واحتج المخالف:
بقوله عليه السلام: (أمتي لا تجتمعُ على الخطأ) فلما كان أهل الفسق
والضلال من جملة الأمة وجب أن يعتد بهم في جملة الإجماع.
والجواب: أن المراد بذلك العدول منهم، كما كان المراد به العلماء منهم.
(١) اية (١٥) من سورة لقمان.
(٢) آية (١١٠) من سورة آل عمران.
(٣) في الأصل: (مثلا).
١١٤١

واحتج: بأنهم قادرون على الصواب كقدرتهم على الخطأ، فلم يمتنع أن يدل
الدليل على أنهم لا يختارون إلا الصواب فيما يعتد به بهم في جملة المجمعين،
وإن جاز أن يختاروا مثل ذلك في غير باب الإِجماع، وقد دل الدليل على ذلك،
وهو قوله عليه السلام: (أمتي لا تَجتمعُ على الخطأ).
والجواب: أن الفاسق قادر على الصدق في خبره، ومع هذا فلا يقبل خبره.
واحتج: [ ١٧١/ب ] بأن أخبار التواتر تسمع من العدل والفاسق، كذلك
الإِجماع.
والجواب: أن ذلك يقع من كل فرقة، والإجماع يختص بفرقة.
مسألة
أهل المدينة وغيرهم في الإِجماع سواء، فإذا قالوا قولاً، ووافقهم غيرهم
عليه صار إجماعاً، وإن خالفهم غيرهم من أهل الأمصار لم يكن إجماعاً. ولا
يكون قولهم أولى من قول غيرهم(١).
وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية أبي داود: ((لا يُعجبني رأي مالك
ولا رأي أحد))(٢).
وقال - في رواية مهنا : ((لا ينبغي لرجل أن يضع كتاباً على أهل المدينة
في بعض أقاويلهم التي(٣) يذهبون إليها، ويأخذون بها عن عمر والصحابة
والتابعين)).
(١) راجع هذه المسألة في: أصول الجصاص الورقة (٢٢٨/ب) والتمهيد (٢٧٤/٣)
والمسوَّدة ص (٣٣١) وروضة الناظر مع شرحها (٣٦٣/١) وشرح الكوكب المنير
(٢٣٧/٢).
(٢) الرواية بنصها موجودة في مسائل الإِمام أحمد رواية أبي داود ص (٢٧٥).
(٣) في الأصل: (الذي).
١١٤٢

وظاهر هذا [عدم] جواز الوضع فيما انفردوا به.
وحُكِي عن مالك أنه قال: ((إذا أجمع أهل المدينة على شىء، صار إجماعاً
مقطوعاً عليه، وإن خالفهم فيه(١) غيرهم))(٢).
وقال قوم من أصحابه: إنه أراد إجماعهم(٣) فيما طريقه النقل. وهذا فرار
من المسألة.
وقال آخرون: أراد بذلك اجتماعهم في زمن الصحابة والتابعين ومن
يليهم (٤).
دلیلنا:
قوله تعالى: (ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ)(٥) وأهل المدينة ليس هم جميع
المؤمنين.
وكذلك قوله تعالى: (أُمَّةً وَسَطَاً)(٦) وذلك لا يختص بأهل المدينة؛ لأنهم
بعضنا.
(١) في الأصل: (فيهم).
(٢) وهو ما صححه ابن الحاجب في مختصره ص (٤١) إلا أنه قصره على الصحابة
والتابعين.
(٣) في الأصل: (اجتماعهم).
(٤) وقال آخرون: (أراد ترجيح اجتهادهم على اجتهاد غيرهم).
وقال آخرون: (أراد إجماع أهل المدينة على المنقولات المستمرة كالأذان والمد
والصاع).
انظر: المسوّدة ص (٣٣٢) ومختصر ابن الحاجب ص (٤١)، وسيذكر المؤلف هذه
الاحتمالات في آخر البحث، ويجيب عنها.
(٥) آية (١١٥) من سورة النساء.
(٦) آية (١٤٣) من سورة البقرة.
١١٤٣

وقوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)(١) فمن
قال: يرد إلى أهل المدينة، فقد ترك الظاهر.
وقول النبي عَِّ: (أصحابي كالتُّجُوم، بأيهم اقْتَدَيْتُم اهْتَدَيْتُم)، ولم يفصل
بين أن يكونوا بالمدينة أو بغيرها.
وقوله: (أمتي لا تجتمعُ على خَطَأ) وظاهر الخبر يفيد كل الأمة إلى يوم
القيامة، لكن علمنا أنه لم يرد ذلك، فثبت(٢) أنه أراد الأمة من كل عصر،
وليس أهل المدينة أمته في العصر.
ولأنهم بعض الأمة، والخطأ جائز عليهم كما هو جائز على غير أهل المدينة.
ولأن حكم الإجماع لا يخلو أن يعود إلى فضيلة البقاع أو فضيلة الرجال
في العلم، فإن اعتبرتم فيه فضيلة البقاع، فأهل مكة أحق به، وإن عاد إلى العلم،
فعلي بن أبي طالب وابن مسعود وثلاثمائة ونيف من الصحابة انتقلوا إلى العراق
من أهل العلم والدين، وليس من أقام بالمدينة بأعلم منهم.
ولأن ما قالوه يفضي إلى أن يكون قولهم حجة ماداموا في المدينة، فإذا
خرجوا منها وغابوا إلى الشام والكوفة وغير ذلك من البلاد لا يكون حجة،
وما أفضى إلى هذا سقط في نفسه؛ لأن الاعتبار بأقوال المجتهدين، لا بمكانهم.
ولأن ما كان حجة لله تعالى لا يختلف باختلاف الأزمان بدليل الكتاب
والسنة، وقد ثبت [١٧٢/ أ] أن إجماع أهل المدينة في هذا الوقت ليس
بحجة(٣)، فلم (٤) يجز أن يكون حجة فيما مضى.
(١) آية (٥٩) من سورة النساء.
(٢) في الأصل: (ثبت).
(٣) أي عصر المؤلف، فكيف بعصرنا الحالي.
(٤) في الأصل: (لم).
١١٤٤

واحتج المخالف:
بما روي عن النبي عَّ الِ أنه قال: (إن الإِيمان لَيَأْرِزُ (١) إلى المدينة كما تَأْرِزُ
الحية(٢) [إلى جُحْرِها])(٣).
والجواب: أن كلامه خرج على زمان الهجرة في رجوع الناس إلى المدينة
هرباً من الكفار، ومعونة لرسول الله عَ ◌ّهِ، وهذا لا ينفي كون المؤمنين بغيرها،
وجواز الخطأ على أهلها.
وجواب آخر، وهو: أنه يفضي إلى أن جميع الإِسلام إذا عاد إليها، وحصل
فيها، لم يجز خلافه.
واحتج: بقوله - عليه السلام - : (اللَّهم حبِّبْ إلينا المدينة، وبارك لنا
في صاعِها ومُدِّها)(٤).
(١) معنى (ليأرز): (ينضم إليها ويجتمع بعضه إلى بعض فيها).
النهاية مادة (أرز) (٢٤/١).
(٢) هذا الحديث رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً.
أخرجه عنه البخاري في كتاب فضائل المدينة، باب الإِيمان يأُرِزُ إلى المدينة
(٢٦/٣).
وأخرجه عنه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود
غريباً (١٣١/١).
وأخرجه عنه ابن ماجة في كتاب المناسك، باب فضل المدينة (١٠٣٨/٢).
وأخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده (٢٨٦/٢، ٤٢٢، ٤٩٦) وفي أحدها ((الإِسلام))
بدل ((الإيمان)).
(٣)
الزيادة من مراجع التخريج السابقة.
(٤) هذا الحديث روته عائشة - رضي الله عنها - مرفوعاً.
أخرجه عنها البخاري في كتاب فضائل المدينة، باب ... (٢٨/٣ - ٢٩) وفيه:
(قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة =
١١٤٥

والجواب: أن هذا لا ينفي وقوع الخطأ من أهلها كما لو دعا (١) مثل هذا
الدعاء لغيرهم(٢) لم ينف وقوع الخطأ منهم(٣)، وقد دعا لعلي ولغيره من
الصحابة، ولم يدل على أن قول كل واحد منهم بانفراده حجة.
واحتج: بما روي عن النبي عَّ له أنه قال: (الدجّال لا يدخلها، وأن على
كل باب منها ملكاً شاهراً سيفه)(٤).
والجواب: أن هذا يفيد صيانتها من دخول الدجّال، ترغيباً في المقام بها،
وهذا لا ينفي الخطأ من المقيمين بها.
= أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا، وصححها لنا، وانقل حماها إلى
الجُحْفة .... ).
وأخرجه عنها مسلم في كتاب الحج، باب الترغيب في سكنى المدينة والصبر على
لأوائها (١٠٠٣/٢) وفيه: (وبارك لنا في صاعها ومدها) مثل الرواية التي ساقها
المؤلف.
وأخرجه عنها الإِمام مالك في الموطأ في كتاب الجامع، باب ما جاء في وباء المدينة
ص (٥٥٥).
وأخرجه عنها الإِمام أحمد في مسنده (٥٦/٦، ٦٥، ٢٢٢، ٢٤٠، ٢٦٠).
(١) في الأصل: (أدعى).
(٢) في الأصل: (لغيره).
(٣) في الأصل: (منه).
(٤) هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣٧٣/٦ - ٣٧٤، ٤١٧ - ٤١٨)
عن فاطمة بنت قيس - رضي الله عنها - وفيه: ( ... إن الله حرم حرمي على
الدجال أن يدخلها، ثم حلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله الذي
لا إله إلا هو ما لها طريق ضيق ولا واسع في سهل ولا جبل إلا عليه ملك شاهر
بالسيف إلى يوم القيامة، ما يستطيع الدجال أن يدخلها على أهلها).
وأخرجه عنها ابن ماجة في كتاب الفتن، باب فتنة الدجال وخروج عيسى
ابن مريم .... (١٣٥٤/٢ - ١٣٥٥).
=
١١٤٦
:

واحتج: بأن النبي عَ ◌ّه وصفها بحفوف الملائكة بها.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون أراد صيانة المهاجرين والأنصار، وتسكيناً
لروعهم من الكفار.
واحتج: بما روي عن النبي عَِّ أنه قال: (إن المدينة تنفي خَبَثَها كما تَنْفي
النارُ حَبَثَ الحديد)(١).
= والحديث الذي أورده المؤلف - رحمه الله - يدل على أمرين:
١ - الدجال لا يدخل المدينة.
٢ - أنها محروسة بالملائكة.
وذلك ثابت يشهد له ما رواه البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه ــ مرفوعاً
في كتاب فضائل المدينة، باب: لا يدخل الدجال المدينة (٢٦/٣ - ٢٧)
ولفظه: (قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أنقاب المدينة ملائكة،
لا يدخلها الطاعون ولا الدجال).
كما أخرج عن أنس وأبي بكرة - رضي الله عنهما - في الموضع السابق ما يدل
على ذلك.
ويؤيده ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه ـ مرفوعاً في كتاب
الحج، باب: صيانة المدينة من دخول الطاعون والدجال إليها (١٠٠٥/٢).
ويؤيده أيضاً: ما أخرجه الإمام مالك في موطئه عن أبي هريرة - رضي الله عنه
- مرفوعاً في كتاب الجامع، باب: ما جاء في وباء المدينة ص (٥٥٦).
(١) هذا الحديث رواه جابر بن عبد الله - رضي الله عنه ـ مرفوعاً.
أخرجه عنه البخاري في كتاب فضائل المدينة، باب المدينة تنفي الخبث (٢٧/٣)
وفيه: (المدينة كالكير تَنْفي خبَثَها، ويَنْصَع طيبها) كما أخرجه في الموضع السابق ص
(٢٨) عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - وفيه: (إنها تَنْفي الدجال كما تنفي
النار خَبَثَ الحديد).
وأخرجه مسلم في كتاب الحج، باب المدينة تنفي شرارها (١٠٠٥/٢) عن أبي
هريرة وجابر بن عبدالله وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - بألفاظ متقاربة.
وأخرجه الإِمام مالك في موطئه في كتاب الجامع، باب ما جاء في سكنى المدينة =
١١٤٧

والجواب: أنه أراد بذلك في زمانه، بدلالة كثرة الخبث بها بعده، ومخبره
لا يقع بخلاف ما أخبر به.
ويحتمل: أن يكون أراد بالخبث الكفر والشرك عنها ظاهراً، فأما أهل
الاجتهاد إذا خرجوا منها فلا.
واحتج: بما روي عن النبي عَّ له قال: (لا يصبرُ على لَأَوَاءٍ (١) المدينة
وشدتها أحد إلا كنتُ له شهيداً يوم القيامة)(٢).
والجواب: أنه ترغيب للمقام بها من غير أن يعتبر نفي الخطأ عنهم فيماطريقه
الشريعة.
واحتج: بما روي عن النبي عَّ اله قال: (لا يكيدُ أحدٌ أَهَلَ المدينة إلا انْمَاعَ
كما يَنْماعُ الملحُ فِي المَاءِ)(٣).
= والخروج منها ص (٥٥٣) عن جابر بن عبد الله وزيد بن ثابت - رضي الله عنهما.
وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده (٢٣٧/٢، ٢٤٧) عن أبي هريرة - رضي
الله عنه.
(١)
اللأواء: الشدة وضيق المعيشة. النهاية مادة (لأي) (٤٣/٤).
(٢) هذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب الترغيب في سكنى المدينة والصبر
على لأوائها (١٠٠٢/٢ - ١٠٠٥) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بمثل
لفظ المؤلف الا أنه قال: (شفيعاً أو شهيداً).
وأخرجه في الموضع السابق عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه.
كما أخرجه عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - بلفظ (لا يصبر أحد على
لأوائها فيموت، إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة، إذا كان مسلماً).
وأخرجه الإِمام مالك في الموطأ في كتاب الجامع، باب: ما جاء في سكنى المدينة
والخروج منها ص (٥٥٢ - ٥٥٣) عن ابن عمر - رضي الله عنه - .
(٣) هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب فضائل المدينة، باب: إثم من كاد أهل المدينة
(٢٦/٣) عن سعد - رضي الله عنه - ولفظه كلفظ المؤلف.
١١٤٨
=

والجواب: أنه مقيد بما يفعله الله تعالى بمن أراد سوءً بالمدينة، والخطأ فيما
يتفقون عليه في أمر الدين ليس من هذا في شىء، ومن ذمَّهم أوردَّ عليهم،
فإنه لا يريد سوءٌ بالمدينة.
ولا يجوز حملُه على الأهل من غير دلالة.
ولأن الفسق عبارة [١٧٢/ب] عن الفعل المذموم، ومن أنكر عليهم في
خطئهم فقد دعاهم إلى خير، وأراده منهم.
وعلى أن المكايَدَة هي المباينة بغير حق، وخلافنا في الخلاف فيما هو حق،
ويسوغ فلا يتناول الخبر موضعَ الخلاف.
وجواب آخر، وهو: أن الخبرَ حجةٌ لنا، فإنه يتناول أهل المدينة حيث كانوا
فيها أو في غيرها، فيجب إذا كانوا بالكوفة وغيرها من البلاد لا يُخالفون.
واحتج: بأن أهل المدينة شاهدوا الرسول، وحضروا التنزيل وعرفوا التأويل.
والجواب: أن الصحابة الذين هذه صفتهم قولهم حجة، وإنما الخلاف فيه:
إذا كان بعضهم بالمدينة وبعضهم خارجاً عنها، هل يكون قول البعض الذين
بالمدينة حجةً على غيرهم؟ وليس فيما ذكروه ما يدل على ذلك.
فأمَّا من قال: إن إجماع أهل المدينة حجة فيما طريقه التواتر فقد أبعد،
لأن خبر التواتر، لا يختص بطائفة، وقد يقع ذلك ببعض أهل المدينة.
ولا يجوز أن يُحمل قول مالك على تجويز الخطأ في تواتر غير أهل المدينة،
وترجيح تواتر أهل المدينة، لأنهم عرفوا أواخر فعل النبي - عليه السلام -
لأن من نقل الأخبار إلى غير أهل المدينة هم الصحابة الذين عرفوا أواخر فعله
وأخرجه مسلم في كتاب الحج، باب: من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله
=
(١٠٠٧/٢ - ١٠٠٨) عن سعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وسعد بن مالك -
رضي الله عنهم - بألفاظ متقاربة، والمعنى واحد.
١١٤٩

وأوائله(١)، فلا يختص معرفة ذلك بالمقيمين بالمدينة.
ولأن آحاد غير أهل المدينة قد يكونون(٢) أحفظ بالخبر من آحادهم. وقد
روى رافع بن خديج(٣): النهي عن المُزارعة لأهل المدينة، فرجعوا إلى
خبره(٤).
(١) في الأصل: (أوائلها).
(٢) في الأصل: (يكونوا).
(٣) هو رافع بن خديج بن رافع بن عدي، الأنصاري، الأوسي، الحارثي، أبو عبد الله
صحابي جليل. شهد أحداً وما بعدها. مات سنة (٧٤هـ) بالمدينة، وله من العمر
(٨٦) سنة.
له ترجمة في: الاستيعاب (٤٧٩/٢) والإصابة (٨٦/٢).
(٤) حديث رافع هذا أخرجه البخاري في كتاب المزارعة، باب ما كان من أصحاب
النبي - صلى الله عليه وسلم - يواسي بعضهم بعضاً في الزراعة والثمرة.
وأخرجه مسلم في كتاب البيوع، باب كراء الأرض (١١٨١/٣).
وأخرجه أبو داود في كتاب البيوع، باب التشديد في ذلك (٢٣٢/١).
وأخرجه ابن ماجة في كتاب الرهون، باب المزارعة بالثلث والربع (٨١٩/٢).
وأخرجه النسائيّ في أول كتاب المزارعة، (٤٣/٧).
وأخرجه الطيالسي في مسنده في كتاب التفليس والصلح وأحكام الجوار والمزارعة
والإِجارة، باب المزارعة (٢٧٥/١).
وأخرجه الإِمام الشافعي في كتاب الشركة والقراض، باب ما جاء في كراء الأرض
(١٩٩/٢).
وأخرجه الطحاوي في كتابه شرح معاني الآثار في كتاب المزارعة والمساقاة
(١٠٥/٤).
وراجع في هذا الحديث أيضاً: نصب الراية (١٨٠/٤) وذخائر المواريث
(٢٠٥/١).
١١٥٠

ولا يجوز أن يحمل ذلك على عمل أهل المدينة إذا ظهر، مثل نقلهم للصاع،
لأن هذا إن كان عن خبر مستفیض فلا يخفى، وإن کان عن اجتهاد فاجتهادهم
لا يلزم غيرهم.
ولا يجوز أن يحمل ذلك على تقديم اجتهاد أهل المدينة على اجتهاد غيرهم؛
لأن ذلك إن كان يجب لمشاهدتهم لأقاويل رسول الله عَ طّه، ونزول آي القرآن
فإن ذلك حصل من الصحابة الذين انتقلوا إلى البصرة والكوفة، فلا معنى
للتفريق.
ولو وجب ما ذكروه لصار قول أهل مكة أولى في المناسك، لمشاهدتهم(١)
رسول الله عَ لّهِ يفعلها عندهم، ولَوَ جَبَ(٢) على ما قالوه أن يكونوا(٣) أكثر
الأمة إجماعاً (٤)، لأنهم أعلم.
وأن يرجح قول المهاجرين لكثرة مشاهدتهم بطول صحبتهم.
وأن يرجح [قول] المهاجرين لهذا المعنى، وقول شيوخ الصحابة على
الأحداث(٥).
(١) في الأصل: (فمشاهدتهم).
(٢) في الأصل: (والواجب) ودلالة السياق تدل على ما أثبتناه.
(٣) في الأصل: (يكون).
(٤) في الأصل: (اجتماعاً).
(٥) الكلام في مسألة إجماع أهل المدينة، أو عمل أهل المدينة قد كثر، فمن العلماء
من نقله عن مالك صريحاً، ومنهم من أوَّله، وخرجه على وجه سائغ، ومنهم من
فصَّل.
وقد جعل شيخ الإسلام ابن تيمية عمل أهل المدينة أربع مراتب:
المرتبة الأولى: ما يجري مجرى النقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل =
١١٥١

مسألة
في التابعي إذا أدرك عصر الصحابة، وهو من أهل الاجتهاد لم يعتدَّ بخلافه
نقلهم لمقدار الصاع والمد، وكترك صدقة الخضروات والأحباس، فهذا حجة
=
باتفاق.
المرتبة الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان بن عفان - رضي الله عنه
- فهذا حجة في مذهب مالك، والمنصوص عن الشافعي، وظاهر مذهب أحمد،
والمحكي عن أبي حنيفة.
المرتبة الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين وقياسين، جهل أيهما أرجح،
وأحدهما يعمل به أهل المدينة، فاختلف فيه:
فذهب مالك والشافعي: إلى أنه حجة، وهو أحد الوجهين لأصحاب أحمد، وقيل:
هذا المنصوص عن أحمد، ومن كلامه: ((إذا روى أهل المدينة حديثاً، وعملوا به،
فهو الغاية)). وكان يفتي على مذهب أهل المدينة، ويقدمه على مذهب أهل العراق
تقديماً كثيراً.
وذهب أبو حنيفة، وهو أحد الوجهين لأصحاب أحمد: أنه ليس بحجة.
المرتبة الرابعة: العمل المتأخر بالمدينة، فالذي عليه أئمة الناس: أنه ليس بحجة، وهو
مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وهو قول المحققين من أصحاب مالك،
كما ذكر ذلك عبد الوهاب في كتابه: أصول الفقه، وغيره.
وربما جعله أهل المغرب من أصحاب مالك حجة، وليس معهم عن الأئمة نص
ولا دليل بل هم أهل تقليد.
قال ابن تيمية بعد هذا: (ولم أر في كلام مالك ما يوجب جعل هذا حجة).
انظر: الفتاوي (٣٠٣/٢٠ - ٣١٠) والعرف وأثره في الشريعة والقانون للمحقق
ص(٧٤).
ولابن القيم تقسيم آخر، ارجع إليه في اعلام الموقعين (٣٩٤/٢).
وللدكتور أحمد بن محمد نور سيف كتاب في هذا الموضوع بعنوان: عمل أهل
المدينة بين مصطلحات مالك وآراء الأصوليين، فارجع إليه.
١١٥٢
١
:

في أصح الروايتين(١).
أوماً إليها في [١٧٣/أ] مواضع:
فقال في رواية أبي الحارث، وقد سأله: ((إلى أي شىء ذهبت في ترك
الصلاة بين التراويح(٢)؟ فقال: ضَربَ عليها عقبةُ بن عامر(٣) ونهى عنها (٤)
عبادة بن الصامت، فقيل له: يروى عن سعيد والحسن: أنهما كانا يريان الصلاة
بين التراويح(٥)، فقال: أقول لك: أصحاب رسول [الله ]، وتقول :
التابعين !)).
(١) راجع هذه المسألة في: أصول الجصاص الورقة (٢٣١/أ) والتمهيد
(٢٦٧/٣) والمسؤَّدة ص (٣٣٣) وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر العاطر
(٣٥٥/١) وشرح الكوكب المنير (٢٣٣/٢).
(٢) العادة أن الإِمام يريح المصلين في صلاة التراويح، فإذا صلى أربعاً مثلاً أراحهم مقدار
ما يقضي الإِنسان حاجته ويتوضأ، ففي هذه الفترة يقوم بعض الناس فيصلي، أو
يقرأ في الصلاة حتى ينهض الإِمام فيدخل معه.
(٣) هو عقبة بن عامر بن عبس الجهني، أبو حماد، صحابي. كان والياً على مصر. وتوفي
آخر خلافة معاوية.
له ترجمة في: الاستيعاب (١٠٧٣/٣).
(٤) نهي عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أخرجه عنه ابن أبي شيبة في مصنفه
في كتاب الصلوات، باب في الصلاة بين التراويح (٣٩٩/٢).
(٥) ما هنا موافق لما في المغني لابن قدامة (١٧٠/٢) حيث قال: (وكره أبو عبد الله
التطوع بين التراويح، وقال: فيه عن ثلاثة من أصحاب رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - عبادة وأبو الدرداء وعقبة بن عامر. فذُكر لأبي عبد الله فيه رخصة
عن بعض الصحابة؟ فقال: هذا باطل، وإنما فيه عن الحسن وسعيد بن جبير).
ونقل ابن هانىء في مسائله (٩٧/١) عن الإِمام أحمد قوله - وقد سأله عن =
١١٥٣
( العدة فى أصول الفقه - ٧٣ )

وسأله أيضاً عن عدد قتلوا رجلاً؟ ((قال: يقادون(١) به، يروى عن عمر(٢)
الصلاة بين التراويح -: (مكروه، لا يصلي بين التراويح شىء، لا تشبه بالمكتوبة،
=
كانوا يضربون عليها، يعنى: من تطوع بين التراويح).
(١) في الأصل: (يقود).
(٢) هذا الأثر عن عمر - رضي الله عنه - رواه البخاري معلقاً في كتاب الديات،
باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم (١٠/٩) ولفظه:
(وقال لي ابن بشار حدثنا يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن غلاماً
قُتِل غِيلَة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم).
وأخرجه عنه البيهقي في سننه في كتاب الجنايات، باب النفر يقتلون الرجل
(٤٠/٨ - ٤١) ولفظه: (أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قتل نفراً
خمسة أو سبعة برجل قتلوه قتل غيلة، وقال: لو تمالا عليه أهل صنعاء لقتلتُهم
جميعاً).
ثم ذكر المؤلف روايات أخرى كلها تفيد أن عمر بن الخطاب - رضي الله
عنه - كان يقتل الجماعة بالواحد.
وأخرجه مالك في الموطأ، في كتاب العقول، باب: ما جاء في الغيلة والسحر
ص (٥٤٣).
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب العقول، باب: النفر يقتلون الرجل
(٤٧٥/٩ - ٤٨٠) وساق عدة روايات في ذلك.
وأخرجه الدارقطني في سننه في كتاب الحدود والديات (٢٠٢/٣).
وأخرجه الإِمام الشافعي في كتاب القتل والجنايات، باب: ما جاء في قتل
الجماعة بالواحد ... (٢٤٩/٢).
وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الديات، باب الرجل يقتله النفر
(٣٤٧/٩ - ٣٤٨) وساق ثلاث روايات في ذلك.
وانظر: تغليق التعليق على صحيح البخاري لابن حجر (٢٥٠/٥).
١١٥٤

وعلي (١)، فقيل له: يروى عن بعض التابعين(٢): أنه لا يقتل اثنان بواحد(٣)،
(١) الأثر هذا عن علي - رضي الله عنه - أخرجه عنه البيهقي في الموضع السابق
ذكره، ولفظه: (عن سعيد بن وهب: قال: خرج قوم، وصحبهم رجل، فقدِموا
وليس معهم، فاتهمهم أهلُه، فقال شريح: شهودكم أنهم قتلوا صاحبكم، وإلا حلفوا
بالله ما قتلوه، فأتوا بهم علياً ــ رضي الله عنه - قال سعيد: وأنا عنده، ففرق
بينهم فاعترفوا، قال: فسمعت علياً - رضي الله عنه - يقول: أنا أبو حسن القرم،
فأمر بهم علي - رضي الله عنه ــ فقتلوا.).
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه في الموضع السابق (٤٧٧/٩) (أن عمر كان
يشك فيها حتى قال علي: يا أمير المؤمنين: أرأيت لو أن نفراً اشتركوا في سرقة
جزور، فأخذ هذا عضواً، وهذا عضواً أكنت قاطعهم؟ قال: نعم، قال: فذلك،
حين استمدح له الرأي).
وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في الموضع السابق (٣٤٨/٩) بمثل لفظ البيهقي.
والقول بقتل الجماعة بالواحد مروي عن ابن عباس وسفيان وقتادة والحسن وأبي
سلمة بن عبد الرحمن وعطاء.
انظر: المصنف لعبد الرزاق (٤٧٥/٩ - ٤٨٠).
وراجع في هذا الموضوع: نصب الراية (٣٥٣/٤ - ٣٥٤) والتلخيص الحبير
(٢٠/٤).
(٢) نقل ابن أبي شيبة في مصنفه - كما سيأتي - القول بقتل واحد من الجماعة عن
معاذ وابن الزبير - رضي الله عنهما -.
كما نقله عبدالرزاق في مصنفه - كما سيأتي - عن ابن الزبير - رضي الله عنه -
وفي المذهب الحنبلي: رواية ثانية: أنهم لا يقتلون بالواحد، وتجب عليهم الدية.
انظر: المغني لابن قدامة (٦٧١/٧) طبعة المنار الثالثة.
(٣) نقل ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب: الديات، باب: من كان لا يقتل منهم إلا
واحداً (٣٤٩/٩) هذا القول عن حبيب بن أبي ثابت وعبدالملك وابن الزبير وهشام
ابن محمد ومعاذ بن جبل .
١١٥٥
=

فقال : ما يُصنع بالتابعين؟)).
وكذلك نقل أبو عبدالله القَواريري(١) - كاتب أبي هاشم - قال:
((سمعت أحمد يذاكر رجلاً، فقال له الرجل: قال عطاء، فقال: أقول لك: قال
ابن عمر، تقول: قال عطاء، من عطاء، ومن أبوه؟)).
وظاهر هذا (٢): أنه لم يعتبر بقوله(٣).
وبهذا قال طائفة من أصحاب الشافعي (٤).
= ونقله عبد الرزاق في مصنفه في كتاب العقول، باب النفر يقتلون الرجل (٤٧٩/٩)
عن ابن الزبير والزهري وعبد الملك.
ونقل عن معمر قوله: (وما علمت أحداً قتلهم جميعاً إلا ما قالوا في عمر).
كما نقل عن الزهري قوله: (ثم مضت السُّنة بعد ذلك ــ أي بعد حكم عمر -
رضي الله عنه - في النفر الذين تمالؤًا على قتل واحد في صنعاء - ألا يُقتل إلا
واحد).
قلت: وهذا غير مسلم، لما ثبت عن علي - رضي الله عنه - أنه قتل جماعة
بواحد، كما سبق تخريجه قريباً.
(١) لم أقف على ترجمته.
(٢) الظاهر: أن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - قدم قول الصحابة على قول التابعين
- كما في الرواية الأولى - أو قول الصحابي على قول التابعي - كما في الرواية
الثانية - وليس فيما ذكر تقدم إجماع من الصحابة، خالفهم فيه التابعون بعد ذلك
حتى يتم الاستدلال. والله أعلم.
(٣) واختار هذه الرواية الخلال والحلواني والمؤلف - كما سترى - وإسماعيل بن عُلَيَّة.
انظر: المسوّدة ص (٣٣٣) وشرح الكوكب المنير (٢٣٣/٢).
(٤) انظر: التبصرة في أصول الفقه: ص (٣٨٤) وإرشاد الفحول ص (٨١).
١١٥٦

وفيه رواية أخرى: يُعتدُّ بخلافه (١).
أوماً إليه(٢) - رحمه الله - في رواية أبي الحسن بن هارون(٣)، قال:
((لا ينظر العبد إلى شعر مولاته، واحتج بقول سعيد)) (٤).
وكذلك نقل عبدالله عن أبيه: ((لا ينظر إلى شعر مولاته، وقال: قد روي
عن ابن عباس أنه قال: لا بأس أن ينظر العبد إلى شعر مولاته، وتأول
الآية(٥). وقال سعيد: لا تغرنكم هذه الآية التي في سورة النور: (أَوْمَا مَلَكَتْ
أَيْمَانُهُنَّ)(٦) إنما عنى بها الإِماء، لا ينبغي أن ينظر إلى شعرها))(٧).
وكذلك نقل أبو طالب عنه: ((لا ينظر إلى شعر مولاته، وذكر قول سعيد:
لا تغرنكم هذه الآية، ولم نَسمع إلا حديث السدّي عن ابن مالك(٨) عن
(١) وبه قال جمهور الأصوليين. واختاره ابن عقيل وأبو الخطاب وابن قدامة من الحنابلة
كما اختاره المؤلف في بعض كتبه.
انظر: التمهيد ونزهة الخاطر العاطر (٣٥٥/١)، والمسوَّدة ص (٣٣٣) وشرح
الكوكب المنير (٢٣٢/٢ - ٢٣٣).
(٢) كان الأولى أن يعيد الضمير مؤنثاً، فيقول: (إليها) كما صنع في الرواية الأولى، وربما
يُخَرَّج على قصد (القول).
(٣) لم أقف على ترجمته.
(٤) يعني: ابن المسيب، كما سيأتي في تخريج الأثر.
(٥) هذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب: النكاح، باب: ما قالوا في
الرجل المملوك، له أن يرى شعر مولاته؟ (٣٣٤/٤).
(٦) (٣١) سورة النور، والآية في الأصل: (أو ما ملكت أيمانكم) وهو خطأ.
(٧) أثر سعيد هذا أخرجه عنه ابن أبي شيبة في مصنفه في الموضع السابق (٣٣٥/٤)
ونقل أن مجاهداً وعطاء والضحاك كرهوا ذلك، كما نقل عن إبراهيم قوله: (تستتر
المرأة عن غلامها).
(٨) هكذا في الأصل: (ابن مالك) وهو موافق لما جاء في تهذيب الكمال للمزي في
ترجمته السدّي (١٠٤/١) مخطوطة دار الكتب المصرية.
وفي مصنف ابن أبي شيبة (٣٣٤/٤): (أبو مالك) وهو موافق لما جاء في تهذيب =
١١٥٧

ابن عباس(١)، فأما التابعون فقد نهى عنه غير واحد)).
فظاهر هذا: أنه اعتذَّ بقول سعيد خلافاً على ابن عباس.
قال أبو بكر الخلال في كتاب ((غض البصر)) من ((الجامع)) (٢): (إنما صار
أحمد - رحمه الله - إلى هذا، وترك قول ابن عباس؛ لأنه ضعيف. ومذهب
أبي عبدالله: إذا صح عنده عن أحد من أصحاب رسول الله شىء(٣)
لم يجاوزه إلى من بعده من التابعين)).
الكمال في ترجمة غزوان (١٠٨٩/٢)، وموافق لما جاء في تهذيب التهذيب
=
(٢٤٥/٨) وتقريب التهذيب (١٠٥/٢)، وتاريخ البخاري (١٠٨/٧)، والجرح
والتعديل (٥٥/٥) والإكمال (١٥/٧).
والذي يظهر لي أنه: ابن مالك، وأبو مالك، إذ لا منافاة بين الأمرين، وإن
كان اشتهر بكنيته. كما قال الحافظ في التقريب.
وهو: غزوان بن مالك، أو أبو مالك الغفاري، الكوفي. روى عن عمار بن
ياسر وابن عباس والبراء بن عازب وغيرهم. وعنه السدّي وسلمة بن كهيل
وحصين بن عبد الرحمن وغيرهم. وثقه ابن معين. وذكره ابن حبان في الثقت.
وقال ابن حجر في التقريب: (ثقة من الثالثة).
انظر ترجمته في: المراجع السابقة.
(١) هذا سند الأثر الذي روي فيه عن ابن عباس القول بجواز أن ينظر المملوك إلى
شعر جاريته. وسيأتي كلام للإِمام أحمد عن هذا السند.
(٢) هذا الكتاب يقول عنه الدكتور فؤاد سزكين في كتابه: تاريخ التراث العربي (م١
ج٣ ص٢٣٣ - ٢٣٤): (يضم مجموعة من كتب ورسائل ومسائل أحمد بن حنبل
التي تتكون من عشرين جزءً ... المتحف البريطاني الملحق ١٦٨، مخطوطات شرقية
٢٦٧٥ (١، ٢١٢ ورقة، سماع ٥٦٠هـ، ٥٧٧هـ) ... ويوجد في حوزة محمد بن
عبد الرزاق بن حمزة بمكة (جزء آخر، ٢١٢ ورقة، ٥٨٣هـ ومنه نسخة مصورة
القاهرة، ملحق ٥٣/١ رقم ٢١٨٨٨ب) وقسم آخر بعنوان: ((الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر من مسائل أحمد بن حنبل)) الظاهرية حديث ١/٢٤٥ (من ورقة
١ - ٣١، ٥٧٦ هـ.
انظر: فهرس معهد المخطوطات العربية ١٤٦،٦٢/١).
(٣) في الأصل: (شيئاً).
١١٥٨

وليس الأمر على ما ذكر أبو بكر الخلال؛ لأن أحمد - رحمه الله - لم
يترك حديث ابن عباس؛ لأنه لم يثبت عنده.
يبين صحة هذا: ما رواه الأثرم قال: ((قلت له: السُّدِّي عن ابن مالك
عن ابن عباس؟ فقال لي: نعم، قلت: أليس هو إسناداً؟!(١)، فقال: ليس به
بأس)).
وهذا يمنع ضعف الحديث عنده.
وكذلك قوله في رواية أبي طالب: ((لم أسمع إلا حديث السُّدِّى، والتابعون
غير واحد، فيرجح قول التابعين لكثرتهم لا لضعفه)).
وبهذا قال المتكلمون(٢) وأكثر الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب
الشافعي.
إلا أن أصحاب أبي حنيفة قالوا: إن كان من أهل الاجتهاد [١٧٣/ب] عند
الحادثة كان خلافه خلافاً، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد عند الحادثة لكنه
صار من أهله قبل انقراض العصر، فأظهر الخلاف، لم يكن خلافاً(٣)، على
ما حكاه أبو سفيان.
(١) في الأصل: (إسناد).
(٢) لو عبر المؤلف: (بأكثر المتكلمين) لكان أدق؛ لأن بعض المتكلمين قال بالرأي
الأول، كما سبق بيانه. وهو ما فعله ابن عبد الشكور في مسلم الثبوت (٢٢١/٢)،
والآمدي في الإِحکام (٢١٨/١).
(٣) الذي نصّ عليه الجصاص في أصوله الورقة (٢٣١/أ): (أن التابعي الذي قد صار
في عصر الصحابة من أهل الفتيا يعتد بخلافه على الصحابة، كأنه واحد منهم).
وكذلك نصّ عليه السرخسي في أصوله (١١٤/٢).
ولكون انقراض - العصر ليس بشرط عند الحنفية، فإن التابعي إذا بلغ رتبة
الاجتهاد بعد انعقاد الإجماع، فلا أثر لمخالفته وإذا بلغ رتبة الإجتهاد قبل انعقاد
الإجماع، فإنه يؤثر.
انظر: مسلَّم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت (٢٢١/٢).
١١٥٩

وأصحاب الشافعي(١) يجعلونه خلافاً إذا صار من أهل الاجتهاد قبل
انقراض عصر الصحابة.
فالدلالة على أنه لا يعتد بقوله مع الصحابة: قوله - عليه السلام -:
(اقتدوا باللَّذَيْن من بعدي: أبي بكر وعمر)(٢).
(١) لو عبر ببعض أصحاب الشافعي، لكان أدق؛ لأن بعضهم لم يعتد به مطلقاً، كما
سبق بيانه.
(٢) هذا الحديث رواه حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - مرفوعاً. أخرجه عنه
الترمذي في كتاب المناقب، باب: في مناقب أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما
- كليهما (٦٠٩/٥). قال الترمذي فيه: (حديث حسن).
قال الترمذي فيه: (حديث حسن).
كما أخرجه عن ابن مسعود - رضي الله عنه ـ مرفوعاً في باب مناقب عبد الله
ابن مسعود - رضي الله عنه - (٦٧٢/٥) وفيه زيادة: (واهتدوا بهدي عمار
وتمسكوا بعهد ابن مسعود).
ثم قال: (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود،
لا نعرفه، إلا من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل، ويحيى بن سلمة: يضعف في
الحديث ... ).
وأخرجه ابن ماجة عن حذيفة - رضي الله عنه - في مقدمة سننه، باب:
فضائل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (٣٧/١) ولفظه: (قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا
باللذين من بعدي)) وأشار إلى أبي بكر وعمر).
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده عن حذيفة - رضي الله عنه - (٣٨٢/٥)
بمثل لفظ المؤلف، وفي (٣٨٥/٥) أخرجه عنه بمثل لفظ ابن ماجة وزاد: (وتمسكوا
بعهد عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه)، وفي (٣٩٩/٥) (وأهدوا هدي
عمار، وعهد ابن أم عبد)، وفي (٤٠٢/٥) زاد: (وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه)
ولم يذكر عماراً.
وقد حكم الشيخ الألباني لحديث حذيفة وحديث ابن مسعود بالصحة.
انظر: صحيح الجامع الصغير (٣٧٢/١ - ٣٧٣).
١١٦٠