النص المفهرس

صفحات 1101-1120

ويدل عليه أن النبي عّ لّم إذا قال قولاً: أعتبر انقراضه عليه ؛ لأنه قد يرجع
عنه، ويتركه، فإذا جاز هذا في حق النبي عَّهِ، فبأن يجوز في حق المجمعين
أولى.
فإن قيل: الرسول لا يرجع عما كان عليه؛ لأنه لا يتبين له الخطأ، وإنما
يرجع بأن يقول: كنت على صواب، ولكن قد نسخ عني ذلك، وأمرت بغيره،
فلهذا جاز أن يرجع عما كان عليه، وليس كذلك المجمعون؛ لأنهم لا يرجعون
عما كانوا عليه؛ لأنه قد يبين لهم الخطأ فيما كانوا عليه.
قيل: هذا تعليل بجواز الرجوع عما كان عليه بعد صحة الجمع بينهما فلا
يضر الفرق(١).
ثانياً : - وأن جابر بن عبد الله وابن عباس وابن الزبير قد خالفوا وقالوا بجواز
=
بيع أمهات الأولاد.
ثالثاً : - وقول عبيدة السلماني: (فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلينا من
رأيك وحدك) فالمراد بالجماعة: وقت اجتماع المسلمين في خلافة الثلاثة، لما في ذلك
من الألفة والالتئام، ورأيه في ذلك الوقت خير من رأيه وقت الفتنة والفرقة، يؤيد
هذا ما جاء في رواية عبد الرزاق (٢٩١/٧ - ٢٩٢) عن عبيدة السلماني قال:
( ... أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة - أو قال في الفتنة - فضحك علّ).
أو أن عبيدة السلماني أطلق الجماعة على الأكثر، مريداً جماعة، وليس قول كل
جماعة إجماعاً.
انظر: التمهيد لأبي الخطاب (٣٥٣/٣) والمحصول للرازي (٢١٢/٤) والإِحكام
للآمدي (٢٣٥/١).
(١) الحقيقة أن الفرق هنا ضار، يقول أبو الخطاب: في كتابه التمهيد (٣٥٤/٣) (إن
هذا غلط؛ لأنّ قوله عليه السلام حجة في حياته، لا تجوز مخالفتها، وإنما يجوز ورود
النسخ عليه مادام حياً، فأما إن مات، أين ورد النسخ؟! فأما أن يكون قوله ليس
بحجة حتى يموت - كما تقولون في الإجماع - فلا).
١١٠١

وأيضاً: فإن كل واحد من المجمعين إنما قال ما قاله عن دليل صحيح عنده
من قياس أو اجتهاد واستدلال، وهو يُجوِّز على نفسه الخطأ فيما أفتى به، فإذا
صح له الفساد لدليله، لزمه الرجوع عن قوله واعتقاد غيره، فإذا لزمه الرجوع
عما كان عليه لفساد دليله عنده بطل الإِجماع.
فإن قيل: لا يسوغ رجوعه؛ لأنه كان مصيباً في القول، مخطئاً في الدليل.
قيل : إنّما كان على الصواب في قوله؛ لأجل دليله. ألا ترى أنه لو لم
[١٦٤/أ] يكن من أهل الأدلة والاجتهاد لم يعتدّ بقوله، فإذا فسد عنده الدليل
بطل قوله عن ذلك الدليل.
وأيضاً: فإن الصحابة إذا اختلفت على قولين، فقد أجمعت على تسويغ
الخلاف وجواز القول بكل واحد من القولين، وانعقد الإِجماع على ذلك، ثم
إذا رجعت إحدى الطائفتين إلى قول الأخرى صارت المسألة إجماعاً، وزال
ما أجمعوا عليه من تسويغ الخلاف، فلو كان الإِجماع قد انعقد بنفسه من غير
اعتبار انقراض العصر، لما جاز رجوعهم عما أجمعوا عليه من تسويغ الخلاف.
وهذه طريقة مفيدة.
فإن قيل: إنما جاز الإِجماع بعد الخلاف؛ لأن التابعين لو أجمعوا على أحد
القولين صارت المسألة إجماعاً.
قيل: لا يصير إجماعاً عندنا.
واحتج المخالف:
بقوله تعالى: (وَيَتَّبَعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ)(١) ولم يشترط انقراض العصر.
وقول النبي عَ ◌ِّ: (لا تَجْتمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَاَلَة) و(لا تجتمعُ عَلَّى خطأ).
والجواب عن قوله: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) فهو: أنه إذا رجع واحد
(١) آية (١١٥) من سورة النساء.
١١٠٢
1
i

منهم صار سبيل بعض المؤمنين.
وقول النبي عَّله: (لا تجتمعُ أمَّتِي عَلَى خَطَأ) فلا نسلم أن الإجماع يستقر
حكمه ويلزم إلا بعد انقراض العصر، فلا يتناوله الاسم.
وليس الاعتبار بالإجماع الّغوي، الذي طريقه الاجتماع، وإنما الاعتبار
بالإجماع الشرعي، الذي هو: القطع والعزيمة. وهذا لا يكون إلا بعد انقراض
العصر. وإذا لم يتناول الاسم، لم نسلم أنه متبع غير سبيل المؤمنين ولا مخالف
الإِجماع.
واحتج: بأن التابعين احتجوا بإجماع الصحابة في عصر الصحابة:
فروي [عن] الحسن البصري أنه احتج بإجماع الصحابة، وأنس بن مالك
[حي](١)، فلو كان انقراض العصر شرطاً ما احتج بذلك قبل انقراضه.
والجواب: أنا لا نعرف هذا عن التابعين، وما ذكروه عن الحسن، فيجب
أن ينقل لفظه، حتى ينظر كيف وقع ذلك منه.
وعلى أنه لو كان منقولاً لم يكن فيه حجة؛ لأن من الناس من قال: قول
الصحابي وحده حجة. وهو الصحيح من الروايتين لنا، فإذا كان كذلك احتمل
أن يكون الحسن احتج بقول الواحد منهم، لا بإجماعهم(٢).
واحتج: بأن قول النبي حجة بوجوده، ولا يقف على انقراضه، كذلك
قول المجمعين.
(١) الزيادة في الموضعين من المسوّدة ص (٣٢١)، ولم أقف على مصدر ينقل هذا عن
الحسن البصري.
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المسوّدة ص (٣٢٢): (هذا جواب ضعيف، فإنَّا
إذا اشترطنا انقراض العصر في المجمعين، فلأن نشترطه في الواحد أولى، فإن قوله
بعد رجوعه عنه لا يكون حجة وفاقاً، وإذا كان الاحتجاج بهذا الواحد في حياته
مع أن رجوعه يبطل اتباعه، فلأن يحتج بقول الجماعة في حياتهم أولى ... ).
١١٠٣

والجواب: أنا قد جعلناه حجة لنا، وقد بينا أنه يعتبر في ذلك انقراضه،
لأنه قد یرجع عنه، ویتر که.
على أن قوله لا يقف العمل به على انقراضه؛ لأنه بالنسخ لا يبين الخطأ
فیما کان علیه، بل يرجع عما كان عليه مع کونه صواباً في ذلك الوقت، وليس
كذلك رجوع المجمعين [١٦٤/ب]؛ لأنه عن خطأ يبين لهم.
واحتج: بأنه يؤدي إلى أنه لا يوجد إجماع؛ لأن اتفاقهم لو لم يكن إجماعاً
حتى ينقرضوا، لوجب إذا حدث قوم معهم من أهل الاجتهاد: أن يعتبر اتفاقهم
معهم وانقراضهم، ولو وجب هذا لم يحصل الإجماع أبداً؛ لأن كل عصر
مندرج في عصر بعده، ويحدث فيه أهل الاجتهاد من أهل العصر الثاني قبل
انقراض العصر الذي قبله، ويدخلون معهم في الاجتهاد، ويجب اعتبار رضاهم
بقول من قلتم وموافقتهم لهم فيه، وهذا يمنع وجود الإجماع أبداً.
والجواب: أن هذا مبني على أصل: أن(١) التابعي إذا أدرك عصر الصحابة
هل يعتّد بخلافه ووفاقه؟ فيه روايتان:
إحداهما: لا يعّد، وإذا لم يعتدّ به لم يفض إلى ما قالوه من أنه: لا يحصل
الإجماع.
والرواية الثانية: يعتد به، فعلى هذا لا يفضي إلى ما قالوه أيضاً؛ لأن الصحابة
إذا كانت على قول، فحدث تابعي، وصار من أهل الاجتهاد، فهو وهم من
أهل الاجتهاد في ذلك العصر، فإذا انقرضت الصحابة، وبقي ذلك التابعي،
فحدث تابعي، وصار من أهل الاجتهاد، لم يسغ له الخلاف؛ لأنه ما عاصر
الصحابة، وإنما عاصر من عاصرهم، وإنما يسوغ الخلاف لمن عاصرهم، فأما
من عاصر من عاصرهم فلا، وإذا كان كذلك لم يفض إلى ما قالوه.
(١) في الأصل: (وأن) والواو هنا لا معنى لها.
١١٠٤
i

واحتج: بأنه لو جاز أن يجمعوا على حكم لم يرجعوا عنه كان إجماعاً على
خطأ، والأمة لا تجتمع على خطأ.
والجواب: أن الأمة لا تجتمع على خطأ، إذا انقرض عصرهم عليه، فأما
قبل انقراضه، فإنهم يجمعون على الخطأ، ويتبين لهم الصواب فيصيرون إليه.
فإن قيل: الذي يعتبر: انقراض العصر في انعقاد الإِجماع، وليس ذلك قولاً
ولا فعلاً.
قيل: هو وإن لم يكن قولاً ولا فعلاً، فإنه يستقر به حكم القول والفعل
فجاز اعتباره.
مسألة
إذا اختلف الصحابة على قولين، ثم أجمع التابعون على أحد القولين لم يرتفع
الخلاف، وجاز الرجوع إلى القول الآخر والأخذ به(١).
وهذا ظاهر كلام أحمد - رحمه الله - في رواية يوسف بن موسى: ((ما
اختلف فيه علي وزيد ينظر أشبهه بالكتاب والسنة، يختار)).
وكذلك نقل المروذي عنه: ((إذا اختلف [الصحابة](٢) ينظر إلى أقرب
القولين(٣) إلى الكتاب والسنة)).
وكذلك نقل أبو الحارث: (([ينظر](٤) إلى أقرب الأقوال(٥) وأشبهها
بالكتاب والسنة)).
(١) راجع هذه المسألة في: التمهيد (٢٩٧/٣) والمسوّدة ص (٣٢٦) وروضة الناظر مع
شرحها نزهة الخاطر (٣٧٦/١) وشرح الكوكب المنير (٢٧٢/٢).
(٢) الزيادة من المسوَّدة ص (٣٢٥).
(٣) في الأصل: (القول) والتصويب من المسوَّدة ص (٣٢٥).
(٤) الزيادة من المسوَّدة ص (٣٢٥).
(٥) في المسوّدة (الأمور).
١١٠٥
( العدة فى أصول الفقه - ٧٠ )

وظاهر هذا: أنه رجع في ذلك إلى موافقة الدليل، ولم يرجع إلى إجماع
التابعين على أحد القولين(١). [١٦٥/أ].
وبهذا قال أبو الحسن الأشعري.
وقال أصحاب أبي حنيفة(٢) - فيما حكاه أبو سفيان - والمعتزلة(٣):
يرتفع الخلاف و[لا] يجوز الرجوع إلى القول [الآخر].
وإنما قال هذا إذا كان إجماع التابعين على أحد القولين بعد انقراض أهل
أحد القولين.
واختلف أصحاب الشافعي:
فمنهم من قال مثل قولنا (٤).
ومنهم من قال مثل قولهم(٥).
دلیلنا:
قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فُرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)(٦).
وظاهر هذا: يقتضي أنه إذا تنازع [أهل] العصر الذي بعد التابعين المجمعين
(١) الذي يظهر لي - والله أعلم -: أن كلام الإِمام أحمد لا يدل على ما ظهر للمؤلف؛
لأن الإِمام أحمد لم يذكر في هذه النصوص إجماع التابعين، بل نص على أن الصحابة
إذا اختلفوا أخذ بقول من يعضد قوله الكتاب والسنة.
(٢) صرح بهذا أبو بكر الجصاص في كتابه أصول الفقه الورقة (١٣٢/أ).
(٣)
انظر: المعتمد لأبي الحسين البصري (٥١٧/٢).
قال الشيرازي في التبصرة ص (٣٧٨): (وهو قول عامة أصحابنا) يعني: الشافعية.
(٤)
(٥) وإليه مال الإِمام الشافعي، كما ذكر ذلك إمام الحرمين في كتابه البرهان (٧١٠/١).
وبه قال ابن خيرون وأبوبكر القفال من الشافعية، حكى ذلك الشيرازي في المرجع
السابق.
(٦) آية (٥٩) من سورة النساء.
١١٠٦
٠

على أحد القولين في شىء أن يردوه إلى الله ورسوله، وعلى قولهم يلزمهم رده
إلى ما أجمع عليه التابعون.
وإلى هذا المعنى أشار أحمد بقوله: ((إذا اختلف الصحابة، رجع إلى الكتاب.
والسنة)).
يدل عليه أيضاً: ما روى أبو بكر محمد بن الحسين الآجري(١) في كتاب
الشريعة(٢) بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله عَ له: (أصحابي مثل
النجوم، فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم)(٣).
وظاهر هذا يقتضي: الرد إلى كل واحد من الصحابة بكل حال، مع الإجماع
على قول بعضهم، ومع الاختلاف.
فإن قيل: كيف يحتجون بهذا الحديث، وقد قال إسماعيل بن سعيد: ((سألت
أحمد ــ رضي الله عنه - عمن احتج بقول النبي عَ له: (أصحابي بمنزلة
النجوم، فبأيهم اقتديتم اهتديتم) قال: لا يصح هذا الحديث)).
قيل: قد أحتج به أحمد - رحمه الله - واعتمد عليه في فضائل الصحابة.
فقال أبو بكر الخلاَّل في كتاب السنة: ((أخبرني عبدالله بن حنبل بن
(١) هو: محمد بن الحسين بن عبدالله، أبوبكر، الآجري، الفقيه، المحدث. روى عن أبي
مسلم الكجي وأبي شعيب الحراني وغيرهما. وعنه أبو نعيم الأصبهاني وأبو الحسن
الحمامي وغيرهما. توفي بمكة المكرمة في شهر محرم سنة (٣٦٠هـ).
له ترجمة في: تذكرة الحفاظ (٩٣٦/٣)، وشذرات الذهب (٣٥/٣)، وطبقات
الحفاظ ص (٣٧٨)، وطبقات الشافعية للسبكي (١٤٩/٣).
(٢) طبع هذا الكتاب بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي في مطبعة السنة المحمدية بمصر
سنة (١٣٦٩ هـ ١٩٥٠م) عن نسخة خطية واحدة، بها خروم ونواقص.
(٣) لم أجد هذا الحديث في كتاب الشريعة المطبوع، ولعله ضمن ما فقد من الكتاب
وقد سبق تخريج الحديث.
١١٠٧

إسحاق بن حنبل قال: حدثني أبي، قال: سمعت أبا عبدالله يقول في الغلو في
ذكر أصحاب محمد لأن رسول الله عَ لّه قال: (الله الله في أصحابي، لا
تتخذوهم غرضاً)(١) وقال: (إنما هم بمنزلة النجوم بمن اقتديتم منهم اهتديتم)).
فقد احتج بهذا اللفظ، فدلّ على صحته عنده.
وأيضاً: فإن الصحابة إذا اختلفت على قولين، فقد أجمعت على تسويغ
الخلاف في المسألة، والأخذ بكل واحد من القولين، فإذا أجمع التابعون على
أحد القولين لم يجز رفع إجماع الصحابة بإجماعهم؛ لأن إجماع الصحابة أقوى
من إجماعهم، كما لو أجمعت على قول واحد، ثم أجمع التابعون على خلافه،
وهذه طريقة معتمدة.
فإن قيل: إجماعهم على تسويغ الخلاف مشروط بعدم دليل قاطع، فإذا طرأ
دليل قاطع على أحد القولين وجب اتباعه، وحرم الاجتهاد فيه. ولا يمتنع أن
يقع الإجماع بشرط، ألا ترى أنه لا يمتنع أن يجمعوا على جواز الصلاة بالتيمم
ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء بطلت صلاته [١٦٥/ب] ولا يكون ذلك مخالفاً
لما أجمعوا عليه.
(١) هذا الحديث رواه عبدالله بن مغفل - رضي الله عنه - مرفوعا.
أخرجه عنه الترمذي في سننه في كتاب المناقب (٦٩٦/٥) ولفظه: (الله الله في
أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم
ومن أبغضهم فيبغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله
ومن آذی الله فیوشك أن يأخذه) ثم قال الترمذي بعد ذلك: (هذا حديث غريب
لا نعرفه إلا من هذا الوجه).
وأخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده (٨٧/٤) و (٥٤/٥ _ ٥٥، ٥٧).
وقد حكم الشيخ الألباني على هذا الحديث بالضعف.
انظر: ضعيف الجامع الصغير (٣٥٢/١) رقم الحديث (١٢٥٩).
١١٠٨
1

قيل: إن جاز أن يقال: إِن إجماعهم على تسويغ الخلاف مشروط بعدم دليل
قاطع، جاز أن يقال: إن إجماعهم على قول واحد إذا انعقد عن قياس أنه
مشروط بعدم دليل قاطع، فإذا طرأ دليل قاطع وجب اتباعه.
وجواب آخر، وهو: أن الإجماع لا يجوز أن يقع مشروطاً؛ لأن وجود
الشرط فيه يفضي إلى أن تعرى الحادثة عن حكم الله تعالى. ولا يجوز أن يعرى
العصر عن ذلك؛ لأن الله تعالى لم يُخْلِ وقتاً من حق، وكونه مشروطاً يفضي
إلى هذا؛ لأن كل قائل من القولين يقول: الحق في قول، ما لم يجمع على خلافه،
فلا يقطع على حق فيه.
ويفارق هذا التيمم؛ لأن الشرط في الحكم المجمع عليه، لا في أصل الإِجماع،
فلا يفضي إلى ما ذكرنا.
فإن قيل: هم وإن أجمعوا على تسويغ الخلاف والقول بكل واحد من
القولين، فالتابعون أيضاً قد أجمعوا على القول بأحدهما دون الآخر.
قيل: لا نسلم أن هذا إجماع؛ لأن من شرط صحة الإِجماع: أن لا يرفع
إجماعاً قبله.
فإن قيل: فإذا كانت الصحابة على قولين، فكل واحد من أهل القولين
يجوّز على نفسه الخطأ فيما ذهب إليه.
قيل: هذا هو العلة التي بها جوزوا القول بكل واحد من القولين، وهو
تحقيق إجماعهم على تجويز القول بكل واحد من القولين.
وطريقة أخرى، وهو: أن من قال قولاً ومات، فحكم قوله باقٍ، بدليل
أن الصحابة إذا أجمعت على شىء، ثم انقرضوا، لم يصح أن يجمع التابعون
على خلافه.
وكذلك إذا كانت الصحابة على قولين، فإذا انقرض أهل أحد القولين
١١٠٩

كلهم، وبقي أهل القول الآخر، لم يزل قول المنقرضين بانقراضهم. ويكون
الخلاف باقياً، وإذا ثبت أن حكم قول الميت باقٍ ما زال، فمن أسقط حكمه،
كان كمن أسقط قولهم مع بقائهم، وهذا لا يجوز.
ولأن أعلى مراتب التابعين أن يلحقوا بعصر الصحابة، ويكونوا من أهل
الاجتهاد قبل انقراضهم. وأدنى مراتبهم أن ينقرض الصحابة قبل أن يلحقوا بهم،
فكان قولهم إذا خالفوهم دون قولهم إذا عاصروهم وخالفوهم، ثم ثبت أن
التابعين لو لحقوا بالصحابة والصحابة على قولين، وأجمعوا على أحد القولين
لم يسقط القول الآخر بما أجمعوا عليه، وقد أجمع معهم أهل القول الثاني،
فبأن لا يسقط القول الآخر بعد انقراض الصحابة أولى.
فإن قيل: إنما لم يسقط القول الثاني إذا أجمعوا مع أهل [القول] الآخر؛
، لأنهم حينئذ بعض أهل العصر، وليس كذلك إذا أجمعوا [١٦٦/أ] عليه بعد
انقراض الصحابة؛ لأنهم حينئذ كل أهل الاجتهاد في العصر.
قيل: في زمان الصحابة بعض أهل العصر، وبعد انقراض العصر بعض الأمة؛
لأن حكم القول الذي خالفوه ثابت؛ لا يزول ولا يرتفع بما بينًا. ولأن من
قال: إجماع التابعين يزيل الخلاف السابق ويصير قولهم إجماعاً، يفضي قوله
إلى أن الإِجماع ينعقد بموت واحد.
وبيانه: إذا كانت الصحابة على قولين، فانقرضوا، وبقي واحد من الصحابة،
وهو من أهل أحد القولين، ثم أجمع التابعون على قول من لم يبق منهم أحد،
لم يكن إجماعاً؛ لبقاء واحد من أهل القول الذي خالفوه، وإذا هلك هذا الواحد
صار ما أجمع عليه التابعون إجماعاً بانقراض هذا الواحد وهلاكه، وموت
الإِنسان ليس بقول ولا حجة، فكيف يكون الإِجماع منعقداً بموت واحد.
١١١٠
1
:

واحتج المخالف:
بقوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ
سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) (١) والتابعون هم المؤمنون.
وقول النبي: (أمتي لا تجتمعُ على الخطأ).
والجواب: أن الآية مشتركة الدلالة؛ لأنها إن كانت حجةً على ما أجمع عليه
التابعون، فهي حجة على ما أجمعت عليه الصحابة من تجويز القول بكل واحد
منهما.
وكذلك الجواب عن الخبر.
واحتج: بأن هذا إجماع تعقب خلافاً، فوجب أن يزيل حكم الخلاف،
كما لو اختلفت الصحابة، ثم أجمعت على أحد القولين، وقد وجد مثل هذا؛
لأنهم اختلفوا في قتال ما نعي الزكاة، ثم اتفقوا عليه.
وقول الأنصار: منا أمير ومنكم أمير(٢).
وإجماعهم على ترك قسمة السواد بعد اختلافهم فيها(٣).
والجواب: أنه إذا رجعت إحدى الطائفتين إلى قول الأخرى، فلم يبق هناك
خلاف باق [و] صارت المسألة إجماعاً، وليس كذلك إجماع التابعين على أحد
القولين؛ لأن الخلاف لم يرتفع، فلم تصر المسألة إجماعاً.
واحتج: بأن إجماعهم يقطع الخلاف فيما بعد، فوجب أن يرتفع الخلاف
(١) آية (١١٥) من سورة النساء.
(٢) قول الأنصار هذا روته عائشة - رضي الله عنها - في قصة وفاة النبي - صلى
الله عليه وسلم - أخرجه عنها البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة
(٨/٥).
ورواه عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أجرجه عنه الإِمام أحمد في
مسنده (٣٩٦/١).
(٣) انظر: نصب الراية (٤٠٠/٣ - ٤٠١).
١١١١

المتقدم. ألا ترى أن سنة النبي - عليه السلام - لما منعت الخلاف، قطعت
الخلاف، بدليل أن النبي عَّ المه لو غاب عن الصحابة، واختلفوا ــ وهو
غائب - في الحكم على قولين، ثم قدم النبي عَ لِ فأخبروه(١) بما كانوا عليه،
فأخبرهم بالحق في واحد منهما (٢)، زال الخلاف، كذلك إجماع التابعين.
والجواب: أنه يبطل بالإِجماع من إحدى الطائفتين بعد موت الطائفة
الأخرى، فإنه يقطع الخلاف في المستقبل، ولا يرفع الخلاف [١٦٦/ب]
المتقدم.
وأما الفصل بين إجماع التابعين وسنة النبي فظاهر، وذلك أن الاجتهاد في
زمن النبي عَ لّه مختلف فيه:
فمنهم من أجازه، وقال: لا يستقر.
ومنهم من قال: لا يسوغ؛ لأن النص مقدور عليه.
وإذا كان كذلك لم يثبت ما اختلفوا فيه في زمان النبي عٍَّ فإذا جاءت
سنة لم يرفع ما كان باقياً، وإنما ثبت الحق، وإجماع التابعين ها هنا يتضمن
إسقاط إجماع الصحابة.
واحتج: بأن إجماع التابعين حجة، وقول واحد من الطائفتين ليس بحجة.
والجواب: إنما يكون حجة مقطوعاً عليها، إذا لم يتقدمه اختلاف الصحابة
فأما مع تقدم ذلك، فإنه يخرج عن كونه حجة.
(١) في الأصل: (فأخبره).
(٢) في الأصل: (منها).
١١١٢

مسألة
إذا اختلفت الصحابة على قولين، لم يجز إحداث قول ثالث(١).
نصَّ عليه في رواية عبدالله وأبي الحارث: ((يلزم من قال: يخرج من أقاويلهم.
إذا اختلفوا، أن يخرج من أقاويلهم إذا أجمعوا)).
وقال أيضاً في رواية الأثرم: ((إذا اختلف أصحاب رسول الله عَ لم يختر(٣)
من أقاويلهم، ولا يخرج عن قولهم إلى من بعدهم))
وهو قول الجماعة. خلافاً لبعض الناس في قوله: ((يجوز إحداث قول
ثالث))(٣).
دلیلنا:
أن إجماعهم على قولين إجماع على بطلان ما عداهما، كما أن الإجماع على
واحد إجماع على بطلان ما عداه، ولا فرق بينهما.
واحتج المخالف:
بأن النظر والاجتهاد سائغ فيها، فهي بمنزلة ما لم يتكلم فيها.
(١) راجع هذه المسألة في: التمهيد في أصول الفقه: (٣١٠/٣)، والمسؤَّدة ص (٣٢٦)
وشرح الكوكب المنير (٢٦٤/٢)، وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر العاطر
(٣٧٧/١).
(٢) هكذا في الأصل وقد مرت كثيراً في هذا الباب بلفظ: (يختار).
(٣) وهو منسوب لبعض الحنفية وبعض أهل الظاهر. وقال أبو الخطاب: (إنه قياس
قول أحمد في الجنب: يقرأ بعض آية؛ ولا يقرأ آية، لأن الصحابة قال بعضهم:
لا ولا حرفاً وقال بعضهم: يقرأ ما شاء فقال هو: يقرأ بعض آية).
انظر: مسلم الثبوت مع شرحه (٢٣٥/٢) وتيسير التحرير (٢٥٠/٢) والإحكام
للآمدي ص (٥١٦)، والتمهيد (٣١١/٣).
١١١٣

والجواب: أن الاجتهاد يجوز في طلب الحق من القولين دون ما عداهما،
لأن بطلان ما عداهما ثابت بالإجماع، ولا يسوغ الاجتهاد في المجمع عليه، وهذا
بمنزلة ما لو ثبت بطلان ما عداهما بالنص، فيسوغ الاجتهاد في القولين دون
غیر ھما.
واحتج: بأن الصحابة إذا أثبتوا حكماً من طريقين، جاز إثباته من طريق
ثالث، كذلك ها هنا.
والجواب: أن الطريق مخالف للحكم، ألا ترى أنهم إذا أجمعوا على شىء
من نص القرآن، جاز إثباته من طريق السنة والإِجماع، وإذا أجمعوا على حكم
واحد، لم يجز إحداث قول ثانٍ؛ لأن في الخروج عن القولين مخالفة للإجماع
وليس في إثبات ما أجمعوا عليه من غير طريقهم مخالفة الإِجماع؛ لأن إثبات
الحكم من طريق لا يتضمن نفي غيره، والإِجماع على حكم يتضمن نفي غيره
ولهذا إذا أجمعوا على قول واحد، لم يجز إحداث قول ثانٍ.
واحتج: [١٦٧/أ] بأن التابعين قد خالفوا في هذا، وأحدثوا قولاً ثالثاً فيما
كانت الصحابة فيه على قولين، فأقروا التابعين على ذلك، ولم ينكروه(١).
من ذلك : أن الصحابة اختلفوا في امرأة وأبوين، وزوج وأبوين، على قولين:
ابن عباس - وحده - يقول: للأم الثلث [من] أصل المال.
والباقون قالوا: للأم ثلث ما بقي بعد نصيب الزوج والزوجة(٢).
ففرق ابن سيرين بينهما، وقال بقول ابن عباس في امرأة وأبوين، وبقول
الباقين في زوج وأبوين، فلم ينكر عليه منكر.
(١) في الأصل: (ولم ينكره).
(٢) هذا الأثر أخرجه البيهقي في سننه في كتاب الفرائض، باب: ميراث الأم
(٢٢٧/٦ - ٢٢٨) بعدة طرق فارجع إليه إن شئت.
١١١٤
٠

وكذلك اختلفت الصحابة في قوله: ((أنتِ علَّي حَرَام)»، على ستة مذاهب
فأحدث مسروق(١) قولاً سابعاً(٢)، فقال: ((لا يتعلق به حكم))، وقال: ((ما
أبالي أحَرِّمُها (٣)، أو قصعة (٤) من تريد))(٥)، فأقروه على هذا، ولم ينكروا عليه.
(١) هو: مسروق بن الأجدع، أبو عائشة، الهمداني، الكوفي. الإِمام، الفقيه، العابد.
روى عن عمر وعلي ومعاذ وغيرهم. وعنه الشعبي وأبو إسحاق وإبراهيم وغيرهم.
توفي سنة (٦٣هـ) وله من العمر (٦٣) سنة.
له ترجمة في: تاريخ بغداد (١١٩/١١) وتذكرة الحفاظ (٤٩/١)، وتهذيب
التهذيب (٨٤/٧) وشذرات الذهب (٧٨/١) وطبقات الحفاظ للسيوطي ص (١٤)
وغاية النهاية في طبقات القراء (٤٩٨/١).
(٢) المذاهب في هذه المسألة باختصار:
أولاً : قوله هذا: بمثابة يمين يكفرها بإحدى كفارات اليمين، أو بأغلظ
الكفارات، قولان.
ثانياً : طلاق إن نوى به الطلاق، وإلا فيمين.
ثالثاً : طلقة واحدة، وهي أملك لنفسها.
رابعاً : طلقة واحدة، ويملك الزوج الرجعة.
خامساً : ثلاث طلقات.
سادساً : ظهار.
سابعاً : لا شيء فيه.
انظر: المصنف لعبد الرزاق كتاب الطلاق، باب الحرام (٣٩٩/٦) -
٤٠٥)، وسنن البيهقي في كتاب الخلع والطلاق، باب: من قال لامرأته
أنت علَّ حرام (٣٥٠/٧ - ٣٥٢)، والتلخيص الحبير (٢١٥/٣)،
والمغني لابن قدامة (١٥٤/٧ - ١٥٦) طبعة المنار الثالثة.
(٣) في مرجعي التخريج الآتيين: (أُحَرَّمْتُها).
(٤) في الأصل: (نصفه) وهو خطأ، وفي مصنف عبدالرزاق (جَفْنة) والمعنى واحد.
(٥) قول مسروق هذا أخرجه عنه عبد الرزاق في مصنفه (٤٠٢/٦)، والبيهقي في سننه
(٣٥٢/٧).
١١١٥

والجواب: أنه ليس معنا أن التابعين عرفوا هذا، فأقروه عليه، ورضوا به،
فلا يثبت إجماعاً بالشك، وإذا لم يكن إجماعاً منهم، لم يؤثر إقرار بعضهم.
على أن مسروقاً عاصر الصحابة، وكان من أهل الاجتهاد قبل انقراضهم،
فكان كأحدهم، فالذي يخالف فيه يحتمل أن يكون قبل استقرار ما اختلفوا
فيه، فلا يكون هذا إحداثَ قول آخر.
مسألة(١)
وإن قالت طائفة من الصحابة في مسألتين قولين متفقين مخالفين لقول
الطائفة الأخرى، فهل يجوز لأحد أن يقول في إحدى المسألتين بقول طائفة
وفي الأخرى بقول الطائفة الأخرى؟
ينظر فيه:
فإن لم يصرحوا بالتسوية بين(٢) المسألتين جاز(٣).
وان صرحوا بالتسوية بينهما لم يجز على قول أكثرهم.
وعلى قول بعضهم يجوز(٤)؛ لأن التسوية بينهما في حكمين مختلفين، فلم
يحصل في واحد منهما إجماع.
(١) راجع هذه المسألة في: أصول الجصاص الورقة (٢٣٤/أ) والتمهيد (٣١٤/٣)
والمسؤَّدة ص(٣٢٧) وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر العاطر (٣٧٩/١)
وشرح الكوكب المنير (٢٦٧/٢).
(٢) ((بين) مكررة في الأصل.
ذكر في المسوّدة ص (٣٢٧) أن المؤلف ذكر في كتابه الكفاية في أصول الفقه:
(٣)
أن في هذه الحالة وجهين.
(٤) لأبي الخطاب تفصيل في هذه المسألة ذكره في كتابه التمهيد (٣١٥/٣) خلاصته:
أن الصحابة إذا قالت في مسألتين بقولين، ولم يفرقوا بين المسألتين نظرت: فإن
صرحوا بالتسوية لم يجز لأحد أن يفصل بينهما.
١١١٦
=

مسألة
إذا خالف الواحد أو الاثنان الجماعة لم يكن إجماعاً (١).
ويمنع(٢) خلافُ الواحد المعتد به انعقادَ الإِجماع في أصح الروايتين.
أومأ إليه - رحمه الله - في رواية المروذي: ((إذا اختلفت أصحاب رسول
الله عَّ له، لم يجز للرجل أن يأخذ بقول بعضهم على غير اختيار، ينظر أقرب
القول إلى الكتاب والسنة)).
= وإن لم يصرحوا بالتسوية، لكنهم لم يفرقوا بينهما، نظرت:
فإن كان طريق الحكم فيهما مختلفاً، مثل أن تقول طائفة: إن النية شرط في الوضوء
والصوم ليس بشرط في الاعتكاف. ويقول الباقون: العكس، فإنه يجوز التفرقة.
وهو مذهب أحمد.
وإن كان طريق الحكم فيهما متفقاً، مثل قولهم في زوج وأبوين، وإمرأة وأبوين،
ومثل إيجاب النية في الوضوء والتيمم وإسقاطها منهما، فهل تجوز التفرقة؟ خلاف
بين العلماء:
فقيل: لا يجوز ، وهو ظاهر كلام الإِمام أحمد في رواية الأثرم وأبي الحارث.
وقيل: يجوز.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في المسوّدة ص (٣٢٧): (أن القول بعدم جواز
التفرقة بين المسألتين فيما إذا كان هناك نوع شبه بين المسألتين، أما إذا لم يكن
بينهما نوع من الشبه فتجوز التفرقة بينهما).
(١) راجع هذه المسألة في: أصول الجصاص الورقة (٢٢٤/ب) وكتاب التمهيد
(٢٦٠/٣) والمسوَّدة ص(٣٢٩)، وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر العاطر
(٣٥٨/١)، وشرح الكوكب المنير (٢٢٩/٢).
(٢) في الأصل: (ويمتنع).
١١١٧

وهو قول الجماعة.
وفيه رواية أخرى: لا يعتد بخلاف الواحد، ولا يمنع انعقاد الإجماع.
أومأ إليه أحمد - رحمه الله - في رواية ابن القاسم: في المريض يُطَلِّق، وذكر
قول زيد(١)، فقال: ((زيد وحده، هذا عن أربعة من أصحاب رسول الله عَ ليه
علي بن أبي طالب، وابن عباس، وزيد، وابن عمر))(٢).
وقال في رواية الميموني: ((في فسخ الحج أحد عشر رجلاً من أصحاب النبي
يروون ما يروون، أين يقع بلال بن الحارث منهم))(٣).
وظاهر هذا: أنه لم يعتد [١٦٧/ب] بخلاف زيد في مقابلة الجماعة ولا
مخالفة بلال في مقابلة الجماعة (٤).
(١) الذي يظهر لي أن كلمة (زيد) هذه والتي بعدها في قوله: (فقال زيد) محرفة عن
كلمة الزبير، فإنه من المروي عنهم عدم توريث من طلقها زوجها في مرضه، أما
زيد فالمروي عنه هو القول بتوريثها، حيث ذكره الإِمام أحمد مع الأربعة الذين
استدل بقولهم، والإِمام أحمد يقول بالتوريث.
(٢) راجع في هذه المسألة: المحلي لابن حزم (٥٥٣/١١ - ٥٧٤) فإنه ذكر في المسألة
أقوالاً كثيرة، وساق الآثار المروية عن الصحابة في ذلك.
وانظر: المغنى (٣٢٩/٦).
(٣) سبق الكلام عن هذه الرواية (١٠٢٠/٣ - ١٠٢١).
(٤) ساق المؤلف هنا روايتين:
الأولى: رواية ابن القاسم ... ، وهذه الرواية لا دلالة فيها على ما استظهره المؤلف
من أن الإِمام أحمد يقول بانعقاد الإِجماع وإن خالف واحد، بل غاية ما فيه أنه
أخذ بقول الأكثر من الصحابة، كيف لا والمسألة لا إجماع فيها.
الثانية: رواية الميموني وهي - أيضاً - لا دلالة فيها على ما قصده المؤلف، بل
تدل على أن الخبر يرجح بكثرة رواته، وهذا ما صرح به المؤلف في بحث ترجيحات
الألفاظ (١٠١٩/٣).
١١١٨
:

وحكي ذلك عن ابن جرير الطبري(١) صاحب التاريخ(٢).
وحكاه أبو سفيان عن أبي بكر الرازي(٣).
وقال أبو عبد الله الجرجاني: إن سوغت الجماعة الاجتهاد في ذلك للواحد،
كان خلافه معتداً به، مثل خلاف ابن عباس في العول (٤)، وإن أنكرت
(١) هو: محمد بن جرير بن يزيد، أبو جعفر الطبري، المفسر، الفقيه، المؤرخ - أحد
الأعلام - ولد سنة (٢٢٤ هـ)، ومات سنة (٣١٠ هـ). له كتاب ((التفسير)) وكتاب
((تاريخ الرسل والملوك)).
له ترجمة في: تاريخ بغداد (١٦٢/٢) وتذكرة الحفاظ (٧١٠/٢) وشذرات الذهب
(١٠٦/٢) وطبقات الحفاظ للسيوطي ص (٣٧٠) وطبقات المفسرين للداودي
(٢٦٠/٢)، وقد ألف الدكتور أحمد الحوفي كتابا عنه، طَبَعَه المجلس الأعلى للشئون
الإِسلامية بمصر سنة (١٣٩٠هـ - ١٩٧٠م).
(٢) هذا الكتاب يعرف اليوم: بتاريخ الطبري، وقد طبع ثلاث مرات، طبعتان بعناية
بعض المستشرقين، وطبعة في دار المعارف بمصر بتحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل
إبراهيم،. انظر مقدمة تاريخ الطبري للمحقق المذكور (٢٨/١).
وقوله هذا حكاه عنه كثير من الأصوليين.
انظر في ذلك: التبصرة ص (٣٦١) والتمهيد (٢٦١/٣) وشرح اللمع (٧٠٤/٢)
والمعتمد (٤٨٦/٢).
(٣) انظر: كتاب ((أصول الفقه)) لأبي بكر الرازي المشهور بالجصاص الورقة
(٢٢٥/ب).
(٤) خلاف ابن عباس في العول أخرجه البيهقي في سننه في كتاب الفرائض، باب العول
في الفرائض (٢٥٣/٦) بسنده إلى عتبة بن مسعود قال: (دخلت أنا وزفر بن أوس
ابن الحدثان على ابن عباس بعد ما ذهب بصره، فتذاكرنا فرائض الميراث، فقال:
ترون الذي أحصى رمل عالج عدداً لم يحص ما في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، إذا
ذهب نصف ونصف، فأين موضع الثلث؟! فقال له زفر: يا ابن عباس من أول
من أعال الفرائض؟ قال: عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: ولم؟ قال : =
١١١٩

الجماعة على الواحد لم يعتد بخلافه، مثل قول ابن عباس في المُتْعة(١)
= لما تدافعت عليه وركب بعضها بعضاً، قال: والله ما أدري كيف أصنع بكم، والله
ما أدري أيكم قدم الله، ولا أيكم أخر، قال: وما أجد في هذا المال شيئاً أحسن
من أن أقسمه عليكم بالحصص. ثم قال ابن عباس: وأيم الله لو قدم من قدم الله
وأخر من أخر الله ما عالت فريضة، فقال له زفر: وأيهم قدم وأيهم أخر؟ فقال:
كل فريضة لا تزول إلا إلى فريضة، فتلك التي قدم الله، وتلك فريضة الزوج،
له النصف، فإن زال فإلى الربع، لا ينقص منه، والمرأة لها الربع، فإن زالت عنه
صارت إلى الثمن لا تنقص منه، والأخوات لهن الثلثان، والواحدة لها النصف،
فإن دخل عليهن البنات كان لهن ما بقي، فهؤلاء الذين أخر الله، فلو أعطى من
قدم الله فريضته كاملة، ثم قسم ما يبقى بين من أخر الله بالحصص ما عالت فريضة.
فقال له زفر: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هبته والله. قال ابن
إسحاق: فقال لي الزهري: وايم الله لولا أنه تقدمه إمام هدى كان أمره على الورع
ما اختلف على ابن عباس اثنان من أهل العلم).
وأخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب الفرائض، باب أول من أعال الفرائض عمر
(٣٦٠/٤) بأخصر مما أورده البيهقي، ثم قال: (صحيح على شرط مسلم) وأقره
الذهبي. وتعقبهما الألباني في كتابه إرواء الغليل (١٤٥/٦ - ١٤٦) بأن الحديث
ليس من قسم الصحيح، بل هو من قسم الحسن، من أجل الخلاف في ابن إسحاق
أحد رواة الأثر.
(١) أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الحيل باب الحيلة في النكاح (٣١/٩) عن
محمد بن علي: ((أن علياً - رضي الله عنه ــ قيل له: إن ابن عباس لا يرى بمُتعة
النساء بأساً، فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها يوم خيبر،
وعن لحوم الحمر الإِنسية).
وعنه أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٤٢/١) ولفظه: (أنه - يعني محمد
ابن علي - سمع أباه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال لابن عباس
وبلغه أنه رخص في متعة النساء، فقال له علي بن أبي طالب - رضي الله عنه
-: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم =
١١٢٠
1