النص المفهرس
صفحات 1081-1100
وروي عن النبي عَ لِ أنه نهى عن الشذوذ، وقال: (مَن شَذَّ(١) شَذَّ فِى النَّار)(٢). وهذا كله يدل على أن اتباع المجمعين فيما أجمعوا عليه واجب(٣). فإن قيل: هذه أخبار آحاد فلا يجوز الاحتجاج بها في مثل المسألة. قيل: هذه مسألة شرعية، طريقها مثل مسائل الفروع، ليس للمخالف فيها طريق تمكنه أن يقول: إنه موجب القطع. وجواب آخر، وهو: أنه تواتر في المعنى من وجهين: ورواه جبير بن مطعم ــ رضي الله عنه ـ مرفوعاً، أخرجه عنه الإِمام أحمد = في مسنده (٨٠/٤)، ولفظه قريب من لفظ المؤلف. وأخرجه عنه الدارمي في سننه في المقدمة باب الاقتداء بالعلماء (٥٦/١) بلفظ قريب من لفظ المؤلف. وأخرجه عنه ابن ماجة في سننه في كتاب المناسك، باب الخطبة يوم النحر (١٠١٥/٢) رقم الحديث (٣٠٥٦). رواه: أنس بن مالك - رضي الله عنه ـ مرفوعاً، أخرجه عنه الإِمام أحمد في مسنده (٢٢٥/٣). ورواه زيد بن ثابت - رضي الله عنه - مرفوعاً، أخرجه عنه الإِمام أحمد في مسنده (١٨٣/٥). (١) الشُّذُوذُ معناه: الانفراد والمفارقة، وشَذَّ: ندر عن الجمهور والمراد هنا: مفارقة جماعة المسلمين. انظر: معجم مقاييس اللغة (٨٠/٣)، والقاموس (٣٥٤/١) مادة (شذّ). (٢) هذا جزء من حديث رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً سبق تخريجه بلفظ: (لا تجتمعُ أمتي على ضلالة). (٣) هذا إشارة إلى وجه الاستدلال من الأحاديث التي ذكرها المؤلف. ١٠٨١ أحدهما : أن الألفاظ الكثيرة إذا وردت من طرق مختلفة، ورواة شتَّى، لم يجز أن يكون جميعها كذباً، ولم يكن بد من أن يكون بعضها صحيحاً. ألا ترى أن الجمع الكثیر إذا أخبروا بإسلامهم، وجب أن یکون فيهم صادق(١) قطعاً. ولهذا نقول: لا يجوز أن يقال: جميع ما روي عن النبي عَّ له يجوز أن يكون كذبا موضوعاً. ولهذا أثبتنا كثيراً من معجزات رسول الله، وأثبتنا وجوب العمل بخبر الواحد بما روي عن الصحابة - رضي الله عنهم - من العمل به في قضايا مختلفة. والثاني: أن هذا الخبر تلقته الأمة بالقبول، ولم ينقل عن أحد أنه رده، ولهذا نقول: إن قول النبي عَّ له (نحن معشر الأنبياء لا نُورَث، ما تركنا صدقة)(٢)، لما اتفقوا على العمل به، دل على أنه صحيح عندهم. (١) في الأصل: (صادقاً) وهو خطأ؛ لأن حقه الرفع اسم ((يكون)). (٢) هذا الحديث روته عائشة - رضي الله عنها - مرفوعاً. أخرجه عنها البخاري في صحيحه في كتاب الفرائض باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لانورث، ما تركنا صدقة) (١٨٥/٨ - ١٨٧). وأخرجه عنها مسلم في صحيحه في كتاب الجهاد والسير باب قول النبى - صلى الله عليه وسلم - (لا نورث) .. الحديث (١٣٧٩/٣ - ١٣٨٣). وأخرجه عنها أبو داود في كتاب الخراج، باب في صفايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأموال (١٢٦/٢ - ١٢٨). وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة - رضي الله عنه ـ مرفوعاً، في كتاب السير باب ماجاء في تركة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (١٥٧/٤ - ١٥٨). راجع أيضاً: تيسير الوصول إلى جامع الأصول (١٤٨/٣ - ١٤٩) والمنتقى من أحاديث الأحكام ص (٥٢٤). ١٠٨٢ i فإن قيل: نحمل قوله: (لا تجتمع أُمَّتي على الخَطَأ)(١) يعني: على كفر. قيل: هذا محمول على الأمرين جميعاً(٢). وعلى أن الخطأ إنما يعبر به عن المعاصي والآثام، دون الكفر. فإن قيل: قوله: (لا تجتمعُ على ضلالة) معناه: لا يجمعهم الله على الضلال. قيل: الخبر عام، لا يجمعهم الله ولا يجتمعون. فإن [١٦١/أ] قيل: قوله: (لا تجتمع أمتي)، وإن كان لفظه لفظ الخبر، فالمراد به: النهي، وتقديره: لا تجتمعوا على ضلال؛ لأنه لو كان خبراً لوقع بخلاف مخبره؛ لأنا نجد في الأمة اجتماعها على الضلال. قيل: قوله: (لا تجتمع على ضلالة)(٣) خبر، وقوله: ((يقع بخلاف مخبره)) غلط؛ لأنا لم نجد اجتماع الأمة على ضلالة، وإنما يوجد بعضهم، والخبر اقتضى اجتماعهم. فإن قيل: فهذه الأخبار يعارضها ما روي عن النبي عَّ له بأن (لا تقوم الساعة إلا على أشرار(٤) الناس)(٥)، وكيف يكون اجتماع الناس حجة؟ (١) الرواية التي ذكرها المؤلف فيما سبق: (لا تجتمع أمتي على خطأ) وهي المناسبة لأن يذكر بعدها قول المعترض: (يعني: على كفر). (٢) لم يذكر إلا أمراً واحداً وهو: ((الكفر)) ولكن الجواب عن الاعتراض فيما بعد يوضح الأمرین. (٣) في الأصل: (ضلال)، والحديث: (لا تجتمع على ضلالة). (٤) هكذا في الأصل: (أشرار)، وفي القاموس مادة ((شر)) (٥٧/٢): وأشُر قليلة أو رديئة. وفي هامش الأصل، ومصادر التخريج الآتي ذكرها: (شرار) بدون الألف المهموزة. (٥) هذا الحديث رواه ابن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعاً. أخرجه عنه مسلم في صحيحه في كتاب الفتن، باب قرب الساعة (٢٢٦٨/٤). وأخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده (٤٣٥/١). ١٠٨٣ قيل : أراد به الغالب، فهم الشرار، وهذا سائغ إطلاقه. وأيضاً: فإنه لا خلاف أن نصب الزكاة والمقادير الواجبة فيها ثابتة مقطوع بها، في خمس من [الإِبل] شاة، وفي عشرين [ديناراً] نصف دينار، وفي خمس وعشرين من الإِبل بنتُ مخاض(١)، وفي ثلاثين من البقر تبيع))(٢)، وأربعين مسنة(٣)، و[في] أربعين (٤) [شاةٌ] شاةٌ، وفي مائتين [من الدراهم] خمسةُ دراهم(٥). وكذلك أركان الصلاة مقطوع بها، ومعلوم: أنه ما ثبت فيها خبر تواتر، وإنما نقل فيها أخبار آحاد: ابن عمر وأنس وغيرهما، عدد معروف، فلما اتفقوا عليها، وقطعوا على ثبوتها، علمنا أن ثبوتها قطعاً من حيث الإِجماع، لا من حيث أخبار ورواه علباء السلمي - رضي الله عنه ـ مرفوعاً. أخرجه عنه الإِمام أحمد = في مسنده (٤٩٩/٣) ولفظه (لاتقوم الساعة إلا على حثالة الناس). (١) المَخَاضُ: وجع الولادة، وهو الطَّلْق أيضاً، وبنت المخاض: ما استكملت سنة، ودخلت في الثانية، والكلام على تقدير محذوف، أي: بنت ناقة مخاض، ولا يشترط مخاض أمها. انظر: تهذيب اللغة للأزهري (١٢١/٧) والمطلع على أبواب المقْنِع للبعلي ص (١٢٣). التبيع من البقر: ماله سنة، وسمي بذلك لأنه يتبع أمه، والأنثى: تبيعة. (٢) انظر: تهذيب اللغة (٢٨٣/٢)، والمطلع على أبواب المقنع (١٢٥). (٣) المسنة من البقر: مالها سنتان ودخلت في الثالثة، وهي الثنية؛ لأن البقرة تثني في السنة الثالثة. انظر: تهذيب اللغة (٢٩٩/١٢)، والمطلع على أبواب المقنع ص (١٢٥). (٤) في الأصل: (أربعون). (٥) كان الأولى أن يرتب المؤلف هذه المقادير، فيأتي بمقدار الذهب والفضة، ثم يأتي بمقدار الزكاة في الأنعام. ١٠٨٤ الآحاد، بل من ناحية أن الأمة تلقتها بالقبول، فصارت الأخبار فيها كالمتواترة. واحتج بعضهم فيها بطريق عقلي، فقال: كان سائر الأمم إذا أتفقت على باطل، وأجمعت على تغيير وتبديل، بعث الله إليهم نبياً، فردهم إلى الحق والصواب، ونبينا عَلِّ آخر الأنبياء، ولا نبَّ بعده، فجعلت أمتُه معصومةٍ، لتكون عصمتُها عوضاً عن بعثة النبي. واحتج المخالف : بقوله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ(١) الكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَىْءٍ (٢)) ثبت أنا لا نفتقر معه إلى غيره. وقال: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيْهِ مِنْ شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ)(٣) يبين أن لا حكم لغيره. وقال تعالى: (فَإِن تَنَازِعْتُم فِى شَىْءٍ فَرُدُوُّهْ إِلى اللهِ وَالرَّسُولِ)(٤). وأشباه هذه الظواهر. والجواب: عن قوله: (تَبْيَانً لِّكُلِّ شىءٍ) فهكذا نقول، فقد بين الله تعالى عن الإِجماع بقوله: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبَعْ غَيْرَ سَبِيل الْمُؤْمِنِينَ)(٥). وأما قوله: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ) وقوله: (فَرُدُوهُ إِلَى اللهِ وَالَّسُولِ) معناه: إلى كتاب الله، وكذا نقول، وفي الكتاب والسنة أن الإجماع حجة. (١) في الأصل: (وأنزلنا إليك) وهو خطأ. (٢) آية (٨٩) من سورة النحل. (٣) آية (١٠) من سورة الشورى. (٤) آية (٥٩) من سورة النساء. (٥) آية (١١٥) من سورة النساء. ١٠٨٥ واحتج: بما روي عن النبي عَ له قال لمعاذ: (بم تحكم إذا عرض لك قضاء؟ فقال: بكتاب الله قال: فإن لم تجد في كتاب الله قال: بسنة رسول الله [١٦١/ب] قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله، قال: أجتهد رأيي، ولا آلو، فقال رسول الله عَ ◌ّ: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه)(١) فذكر الأدلة، ولم يذكر فيها الإجماع. والجواب: أنه لا حجة فيه؛ لأن الإِجماع إنما يعتبر بعد النبي عَ له؛ لأنه لا يجوز أن ينعقد الإجماع في حياته دونه، وقوله بانفراده عنه لا يفتقر إلى قول غيره، فلم يكن في عصره اعتبار بالإجماع. واحتج بما روي عن النبي عَّ لله أنه قال في خطبة الوداع: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضربُ بعضكم رقابَ بعض)(٢). (١) تكملة الحديث: (لما يرضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -). وفي رواية لأحمد (٢٣٦/٥): (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) وفي رواية له (٢٤٢/٥): (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما يرضى رسوله)، وقد مضى تخريجه (٥٦٦/٢). (٢) هذا جزء من حديث رواه ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعاً أخرجه عنه البخاري في كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى (٢٠٥/٢). وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الفتن، باب: ما جاء لا ترجعوا بعدي كفاراً يَضربُ بعضُكم رقاب بعض (٤٨٦/٦)، وأخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده (٢٣٠/١). وأخرجه مسلم عن أبي بكرة ــ رضي الله عنه ـــ مرفوعاً، في كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال (١٣٠٥/٣). وأخرجه أبو داود عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً، في كتاب = ١٠٨٦٠ ٠ وروي عنه أنه قال: (لتركبنَّ سَنَن(١) من كان قبلكم، حَذْوَ القُذَّة(٢) بالقُدَّة)(٣). وهذا يدل على أن ذلك جائز على الأمة. السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصه (٥٢٣/٢ - ٥٢٤). = وأخرجه عنه النسائي في كتاب تحريم الدم، باب تحريم القتل (١١٥/٧). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض (١٣٠٠/٢). وأخرجه الدارمي في سننه عن جابر - رضي الله عنه ـ مرفوعاً، في كتاب المناسك، باب حرمة المسلم (٣٩٥/١). (١) السنة الطريقة: انظر: النهاية، والقاموس مادة (سن). (٢) القُدَّة: ريش السهم، والمعنى: لتسلكن طريقة من كان قبلكم في كل شيء، كالقذة تقدر على قدر أختها ثم تقطع. أفاده ابن الأثير في نهايته وزاد: (يضرب مثلاً للشيئين يستويان ولا يتفاوتان): انظر النهاية واللسان مادة (قذذ). (٣) هذا الحديث لم أجده بهذا اللفظ إلا في النهاية واللسان مادة (قذذ) وقد أخرجه الإِمام أحمد في مسنده (١٢٥/٤) عن شداد بن أوس - رضي الله عنه - بلفظ: (ليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خَلَوْا من قبلهم أهل الكتاب حذو القذة بالقذة). وقد أخرجه الطبراني، حكى ذلك الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٦١/٧) وقال: (ورجاله مختلف فيهم). ورواه أبو هريرة - رضي الله عنه ـ مرفوعاً أخرجه عنه الحاكم في مستدركه في كتاب الإيمان، باب اتباع هذه الأمة سنن من قبلهم (٣٧/١) ولفظه (لتتبعن سنن من قبلكم باعاً فباعاً، وذراعاً فذراعاً، وشبراً فشبراً، حتى لو دخلوا جُحر ضَب لدخلتموه معهم، قال: قيل: يارسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن إذاً؟) ثم قال الحاكم بعد ذلك: = (صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ) ووافقه الذهبي. ١٠٨٧ والجواب: أن هذا خطاب لبعض الأمة، وقوله: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) خاص في حال الإِجماع، والخاص يجب أن يُقْضَى به على العام. واحتج: بأن كل واحد من الأمة يجوز عليه الخطأ بانفراده، فإذا اجتمع مع غيره كان بمنزلة المنفرد؛ لأنه مجتهد برأيه المعرض للخطأ. والجواب أن عصمة الأمة في حال الاجتماع أثبتناه بالشرع دون العقل، ولا يمتنع أن يعلم الله تعالى: أنهم لا يختارون الخطأ في حالة الاجتماع، ولا يقع ذلك منهم، فإذا أخبر بذلك وجب المصير إليه والعمل به. وجواب آخر، وهو: أن هذا باطل بأخبار التواتر، فإنها توجب العلم عند كثرة المجتهدين، وإن كان كل واحد منهم لو انفرد لم يوجب خبره العلم، وهكذا وأخرجه البزار عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال الهيثمي في مجمع = الزوائد في الموضع السابق - بعد أن ذكره: (ورجاله ثقات). وذكر الهيثمي: أن الطبراني رواه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - بلفظ: (أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل، لتركبن طريقهم حَذْوَ القُذة بالقُذَّة، حتى لا يكون فيهم شيء إلا كان فيكم مثله، حتى إن القوم تمر عليهم المرأة، فيقوم إليها بعضهم، فيجامعها، ثم يرجع إلى أصحابه يضحك لهم ويضحكون له) ثم قال الهيثمي: (وفيه من لم أعرفه). قلت: ومعنى الحديث صحيح، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - مرفوعاً في كتاب العلم، باب: اتباع سنن اليهود والنصارى (٢٠٥٤/٤) ولفظه: (لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جُحر ضَب لاتبعتوهم قلنا: يا رسول الله: أليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) راجع في هذا الحديث أيضاً: كتاب السنة لأبي بكر عمرو بن أبي العاص الشيباني (٣٦/١) وفيض القدير (٢٦١/٥) وصحيح الجامع الصغير للألباني (١٣/٥). ١٠٨٨ الجماعة تحمل الحجر العظيم، وإن كان الواحد لو انفرد به لم يطق حمله. وكذلك الطعام إذا كثر أشبع، والماء إذا كثر روى، وإن كان اليسير منهما لا يشبع ولا یروي. واحتج: بأن الآية لا تحصر، ولا يمكن سماع أقاويلهم، وما لا سبيل إلى معرفته، فلا يجوز أن يجعله صاحب الشريعة دليلاً على شريعته. والجواب: أن الإجماع ينعقد عندنا باتفاق العلماء، وإذا اتفقوا جملة كانت العامة تابعة لهم. بـے ويمكن معرفة اتفاق أهل العلم؛ لأن من اشتغل بالعلم حتى صار من أهل الاجتهاد فيه، لم يخف أمره على أهل بلده وجيرانه، ولم يخف حضوره وغيبته، ويمكن الإِمام أن يبعث إلى البلاد، ويتعرف أقاويل الممتنع. فإن قيل: يجوز أن يكون قد أسر في الغزو رجل من أهل العلم، وهو في مطمورة(١) المشركين. قيل: لا يخفى ذلك، وإذا جرى ذلك لم ينعقد الإجماع إلا بالوقوف على مذهبه. وأجاب بعضهم عن هذا: بأنا نسمع أقاويل الحاضرين [١٦٢/أ] والخبر عن الغائبين. (١) المطمورة: حفرة تحفر تحت الأرض. قال ابن دريد: بنى فلان مطمورة إذا بنى بيتاً في الأرض. والمعنى: أن العالم يجوز أن يكون مأسورا في مكان خفي، لا يمكن الوصول إليه ليؤخذ رأيه في القضية المطروحة. انظر: المصباح المنير مادة (طمر). ١٠٨٩ ( العدة فى أصول الفقه - ٦٩ ) مسألة إجماع أهل كل عصر حجة، ولا يجوز إجماعهم على الخطأ(١). وهذا ظاهر كلام أحمد - رحمه الله - في رواية المروذي، وقد وصف أخذ العلم فقال: ((ينظر ما كان عن رسوله عَ لّه فإن لم يكن، فعن أصحابه، فإن لم يكن فعن التابعين)). وقد عَلَّق القول في رواية أبي داود فقال: ((الاتباع: أن تتبع ما جاء عن النبي الله وعن أصحابه، وهو بعد في التابعین مخير))(٢). وهذا محمول من كلامه على آحاد التابعين، لا على جماعتهم. وقد بين هذا في رواية المروذي فقال: ((إذا جاءك الشىء عن الرجل من التابعين، لا يوجد فيه عن النبي، لا يلزم الأخذ به))(٣). وبهذا قال جماعة الفقهاء(٤) والمتكلمين(٥). (١) راجع في هذه المسألة: أصول الجصاص الورقة (٢١٨/ب) والتمهيد (٢٢٤/٣)، والمسودة ص (٣١٧) وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر (٣٧٢/١) وشرح الكوكب المنير (٢١٤/٢). (٣) (٢) هذه الرواية موجودة في ((مسائل الإِمام أحمد)) التي رواها أبو داود ص (٢٧٦). هذه الرواية نقلها أبو داود عن الإِمام أحمد في ((مسائله)) ص (٢٧٦) والرواية هكذا في نسخة الظاهرية، أما نسخة المدينة ففيها: ( .... حدثنا أبو داود، قال سمعت أحمد سئل إذا جاء الشيء من التابعين لا يوجد فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم ــ يلزم الرجل أن يأخذ به؟ قال: لا، لا يكاد الشيء، إلا ويوجد فيه عر. أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ) وعلى هذه الرواية يكون تأويل المؤلف لكلام الإِمام أحمد لا دليل عليه. انظر: أصول الجصاص الورقة (٢١٨/ب)، وأصول السرخسي (٣١٣/١). (٤) انظر: البرهان لإمام الحرمين ص (٧٢٠)، والتبصرة للشيرازي ص (٣٥٩) والمعتمد (٥) لأبي الحسين البصري (٤٨٣/١). ١٠٩٠ وقال أهل الظاهر: داود وأصحابه: الإجماع: إجماع الصحابة دون غيرهم(١). ويدل عليه أيضاً: قوله: (لا تجتمع متي على ضلالة) و(على الخطأ). وقوله (ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً، فهو عند الله قبيح). وقوله: (من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية، ومن فارق الجماعة قيدَ شبر خلع رِئقة الإِسلام من عنقه). ونحو ذلك من الأخبار التي تقدم ذكرها، وهو عام في الصحابة. [ وفي غيرهم ]. فإن قيل: الأمة عبارة عن الجماعة، وحقيقة ذلك الموجود حال(٢) حصول هذا القول منه(٣) دون عصر من يوجد. قيل: هو حقيقة في الكل. ولأن غير الصحابة أكثر عدداً من الصحابة، ومنهم من أهل [١٦٢/ب] الاجتهاد أكثر منهم، فإذا وجب الرجوع إلى قول الصحابة مع قلتهم، فالرجوع إلى قول الأكثر أولى. واحتج المخالف: (١) انظر في ذلك: الإِحكام لابن حزم ص (٥٠٦) وما بعدها. وقول الظاهرية هذا ذكر أبو الخطاب في كتاب التمهيد (٢٥٦/٣) أن الإِمام أحمد أومأ إليه في رواية أبي داود: (الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه، وهو بعد في التابعين مخير). وقد حمل المؤلف هذه الرواية على آحاد التابعین، لا على جماعتهم كما سبق بيانه. (٢) في الأصل: (من حال) و ((من)) هذه زائدة. (٣) الضمير راجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. ١٠٩١ بقوله: (فإنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)(١). والجواب: أن معناه: فردوه إلى أدلة الله ورسوله، والإِجماع من أدلته، فقد رددناه إلیه. واحتج بقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِ جَثْ لِلنَّاسِ تَأُمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرٍ)(٢) وهذا خطاب مواجهة للصحابة، فلا يدخل فيهم . غيرهم(٣). وكذلك قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)(٤). والجواب : أن هذا عام في الصحابة وغيرهم من الوجه الذي بينا. وأن ذلك جار مجرى قوله: (أَقِيمُوا الصَّلاَةَ)(٥)، و(حُجُّوا)(٦) و(جَاهِدُوا)،(٧) (١) آية (٥٩) من سورة النساء. ووجه الاستدلال من الآية: أن القول بالإجماع ليس رداً إلى الله ورسوله. (٢) آية (١١٠) من سورة آل عمران. (٣) انظر المعتمد لأبي الحسين البصري (٤٨٤/١). (٤) آية (١٤٣) من سورة البقرة. ووجه الاستدلال من هذه الآية مثل وجه الاستدلال من الآية التي قبلها، ولو ذكر المؤلف الآيتين ثم جاء بوجه الاستدلال منهما بعد ذلك لكان أولى، وهو ما فعله أبو الحسين البصري في المرجع السابق. (٥) آية (٤٣) من سورة البقرة. (٦) هذا جزء من حديث رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً. أخرجه عنه مسلم في كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر (٩٧٥/٢) ولفظه: (خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجُوا ... ) الحديث. وأخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده (٥٠٨/٢). وأخرجه عنه النساني في كتاب المناسك، باب وجوب الحج (٨٣/٥). (٧) آية (٣٥) من سورة المائدة. ١٠٩٢ ! 1 وأنه على العموم. واحتج: بأنا قد علمنا من ناحية العقول: أنه لا فَصْل بين هذه الأمة وبين من تقدمها في جواز الخطأ وتعمد الباطل في الأخبار: بالكذب فيها(١)، وإنما انفصلت الصحابة ممن تقمدها من الأمم لورود الخبر بذلك، وبقي غيرهم على موجب الدليل في المنع من قولهم . والجواب: أن قولك: لا فرق بين هذه الأمة وبين من تقدمها غلط؛ لأن من تقدمها إذا كذبت في الإخبار عن نبيها وأخطأت فيما يتعلق بالدين، علم خطؤها وكذبها من جهة من يرد عليها من بعد نبيها من الأنبياء، وليس كذلك أمة نبينا؛ لأنها إذا ضَلّت وأخطأت لم يرد من بعد من يعرف من جهته ضلالتها، فحرس الله تعالى من أجل ذلك هذه الأمة من الضلالة والكذب والخطأ في الدين. وجواب آخر، وهو: أن كل دليل ورد بعصمة جميع الصحابة، فهو دليل على [عصمة] غيرهم، وعام فيهم وفي غيرهم. واحتج: بأن الصحابة لها مزية على غيرهم؛ لأن النبي عَّهِ ندب إلى اتباعهم بقوله: (أصحَابِي كالنُّجُوم، بأيهم اقتديتم اهْتَدْتُمْ)(٢). (١) في الأصل: (منها). (٢) هذا الحديث رواه جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - مرفوعاً. أخرجه عنه ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله (١١١/٢) ثم قال (هذا إسناد لا تقوم به حجة؛ لأن الحارث بن غصين مجهول). وأخرجه عنه ابن حزم في كتابه الإحكام ص (٨١٠) ثم قال بعد ذلك: (أبو سفيان - أحد رواة الحديث - ضعيف، والحارث بن غصين - أحد رواة الحديث - هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان - أحد رواة الحديث أيضاً- يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلاشك، فهذه رواية ساقطة من طريق ضعف إسنادها). ١٠٩٣ = ولأنهم مقطوع على عدالتهم، وشاهدوا التنزيل، وحضروا التأويل. والجواب: أنهم وإن خُصُّوا بهذه المزية، فلم يكن قولهم حجة لهذه المعاني، وإنما كان لأجل أنهم من أهل الاجتهاد، وهذا موجود في غيرهم كوجوده فيهم. ورواه أيضاً ابن عمر - رضي الله عنهما ــ مرفوعاً. أخرجه عنه عبد بن حميد = في مسنده وابن عدي في الكامل من رواية حمزة بن أبي حمزة عن نافع عن ابن عمر بلفظ: (بأيهم أخذتم) بدل قوله: (بأيهم اقتديتم) قال الحافظ العراقي بعد ذلك في كتابه تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص (٢٩٩) مجلة البحث العلمي والتراث الإِسلامي: (وإسناده ضعيف من أجل: حمزة، فقد اتهم بالكذب). ثم ذكر الحافظ العراقي بعد ذلك: (أن البيهقي رواه في المدخل من حديث ابن عمر وابن عباس بنحوه من وجه آخر مرسلاً، وقال: متنه مشهور وأسانيده ضعيفة، ولم يثبت في إسناد). قال ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله: (١١١/٢): (قد روى أبو شهاب الحناط عن حمزة الجذري عن نافع عن ابن عمر) وذكر الحديث، ثم عقب عليه بقوله: (وهذا إسناد لا يصح، ولا يرويه عن نافع من يحتج به). وأخرجه البزار من رواية عبد الرحيم بن زيد العمى عن أبيه عن ابن المسيب عن ابن عمر وقال: (منكر لا يصح). ذكر ذلك العراقي في المرجع السابق. ونقل ابن عبد البر في كتابه السابق ذكره عن البزار قوله: (وهذا الكلام لايصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رواه عبد الرحيم بن زيد العمى عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر، وإنما أتى ضعف هذا الحديث من قبل عبد الرحيم بن زيد؛ لأن أهل العلم سكتوا عن الرواية لحديثه، والكلام أيضاً منكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -... ). وبالجملة فالحديث لا يصح بوجه من الوجوه. ولمزيد من الفائدة ارجع إلى: كتاب سلسلة الأحاديث الضعيفة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني ص (٧٨)، وهامش كتاب تخريج أحاديث مختصر المنهاج = ١٠٩٤ مسألة انقراض العصر معتبر في صحة الإِجماع واستقراره(١). فإذا أجمعت الصحابة على حكم من الأحكام، ثم رجع بعضهم أو جميعهم انحل الإجماع. وإن أدرك بعض التابعين عصرهم - وهو من أهل الاجتهاد ــ اعتد بخلافه، إذا قلنا: إنه يعتد بخلافه معهم. وهذا ظاهر كلام أحمد - رحمه الله - في رواية عبد الله فقال: ((الحجة على من زعم أنه إذا [١٦٣/أ] كان أمراً مجمعاً عليه، ثم افترقوا، ما نقف على ما أجمعوا عليه حتى يكون إجماعاً. إن أم الولد كان حكمها حكم الأمة بإجماع، ثم أعتقهن عمر، وخالفه علّ بعد موته، ورأى(٢) أن تُسْتَرَق(٣). فكان الإِجماع في الأصل: أنها أَمة. = للحافظ العراقي لمحققه الأستاذ صبحي السامرائي ص (٢٩٩). وعلى فرض صحة الحديث، فقد أوله المزني بقوله - فيما نقله عن ابن عبد البر في كتابه: جامع بيان العلم (١١٠/٢) -: ( ... إن صح هذا الخبر فمعناه فيما نقلوا عنه وشهدوا به عليهم، فكلهم ثقة مؤتمن على ما جاء به لا يجوز عندي غير هذا، وأما ما قالوا فيه برأيهم، فلو كان عند أنفسهم كذلك ما خطأ بعضهم بعضاً، ولا أنكر بعضهم على بعض، ولا رجع منهم أحد إلى قول صاحبه، فتدبّر). (١) راجع هذه المسألة في: أصول الجصاص الورقة (٢٢٧)/أ) والتمهيد (٣٤٦/٣) والمسودة ص (٣٢٠) وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر (٣٦٦/٢) وشرح الكوكب المنير (٢٤٦/٢). والمختصر في أصول الفقه لابن اللحام ص (٧٨). (٢) في الأصل: (أبي) وهو خطأ، لدلالة السياق، ولما يأتي في مراجع تخريج الأثر. (٣) هذا الأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه باب بيع أمهات الأولاد (٢٩١/٧ - ٢٩٢) بإسناده عن عبيدة السلماني قال: (سمعت علياً يقول: اجتمع رأيي ورأي = ١٠٩٥ وحد الخمر: ضرب أبو بكر أربعين، ثم ضرب عمر ثمانين، وضرب علّ في خلافة عثمان أربعين، فقال: ضرب أبو بكر أربعين، وكملها عمر ثمانين، وكل سنة(١). والحجة عليه في الإِجماع في الضرب أربعين، ثم عمر خالفه، فزاد أربعين، ثم ضرب علّي أربعین)). وظاهر هذا : أنه اعتبر انقراض العصر ؛ لأنه اعتد بخلاف علي بعد عمر في أم الولد . وكذلك اعتد بخلاف عمر بعد أبي بكر في حد الخمر . عمر في أمهات الأولاد أن لا يُبعن، قال: ثم رأيت بعدُ أن يُبعن. قال عبيدة: فقلت = ٠ له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلىّ من رأيك وحدك في الفرقة أو قال: في الفتنة - قال فضحك علي). وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب البيوع والأقضية، باب في بيع أمهات الأولاد (٤٣٦/٦ - ٤٣٧). وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى في كتاب عتق أمهات الأولاد، باب الخلاف في أمهات الأولاد (٣٤٨/١٠). (١) هذا إشارة إلى الحديث الذي رواه حُضَيْن بن المنذر، أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الحدود، باب حد الخمر (١٣٣١/٣ - ١٣٣٢) وفيه قصة الوليد بن عقبة لما شرب الخمر، وأراد عثمان بن عفان - رضي الله عنه - إقامة الحد عليه، فقال: لعلي - رضي الله عنه - : قم فاجلده، فقال علي: قم یا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولِّ حارها من تولى قارّها، (فكأنه وجد عليه)، فقال: يا عبد الله ابن جعفر قم فاجلده، فجلده، وعلّ يعد، حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبوبكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إليّ. ١٠٩٦ i وذهب المتكلمون من المعتزلة(١) والأشعرية(٢) وأصحاب أبي حنيفة(٣) - فيما حكاه أبو سفيان - إلى أن انقراض العصر غير معتبر في صحة الإجماع. واختلف أصحاب الشافعي: فمنهم من قال مثل قولنا(٤). ومنهم من قال مثل قولهم(٥). ومنهم من قال: إن كان الإجماع مطلقاً لم يعتبر انقراض العصر عليه، وإن كان بشرط، وهو: إن قالوا: هذا قولنا، ويجوز أن يكون الحق في غيره، فإذا وضح (١) انظر: ((المعتمد)) لأبي الحسين البصري (٥٠٢/٢) ولو عبر المؤلف ببعض المعتزلة لكان أدق؛ لأنه نقل عن أبي علي الجبائي القول باشتراطه في الإجماع السکوتي دون الإجماع بالقول والفعل أو بأحدهما، حكى ذلك الشوكاني في كتابه إرشاد الفحول ص (٨٤)، وهو ما عبر به ابن أمير الحاج في كتابه ((التقرير والتحبير)) (٨٧/٣) حيث عبر عن الجبائي: ببعض المعتزلة. (٢) وبه قال القاضي أبوبكر الباقلاني، نقله عنه إمام الحرمين في كتابه: البرهان (٦٩٣/١) ولو عبر المؤلف: ببعض الأشعرية لكان أصوب؛ لأن بعض الأشعرية كإمام الحرمين له تفصيل في المسألة ذكره في كتابه المذكور آنفاً (٦٩٤/١). (٣) نصّ أبوبكر الجصاص الحنفي في أصوله الورقة (٢٢٧/أ) على أنه الصحيح عندهم. وقال السرخسي الحنفي في أصوله (٣١٥/١): (وأما عندنا فانقراض العصر ليس بشرط). (٤) وهم القلة من الشافعية، ونسبه الآمدي في كتابه الإحكام (٢٣١/١) إلى الأستاذ أبي بكر بن فورك، ونسبه ابن السبكي في جمع الجوامع (١٨٢/٢) إلى ابن فورك وإلى سليم الرازي. (٥) وهذا عليه أكثر الشافعية، وهو المعتمد عندهم. انظر: المستصفى (١٩٢/١) والإحكام للآمدي (٢٣١/١) وجمع الجوامع مع شرحه للجلال المحلي (١٨١/٢). ١٠٩٧ i صرنا إليه، لم يكن إجماعاً (١). وفائدة الخلاف: من قال: لا يعتبر انقراض العصر عليه، يقول: لا يسوغ أن يرجع الكل عما أجمعوا عليه، وإن رجع واحد منهم ساغ رجوعه، لكنه محجوج بقول الباقين. وإذا حدث من التابعين من هو من أهل الاجتهاد فخالفهم لم يكن خلافه خلافاً. ومن قال: يعتبر انقراض أهل العصر، يقول: يجوز أن يرجع الكل عن ذلك القول إلى غيره، ويرجع الواحد منهم عن القول معهم، فيكون خلافه خلافاً ويسوغ للتابعين مخالفتهم، فيكون خلافهم(٢) خلافاً. والدلالة على اعتبار انقراض العصر: قوله تعالى: (وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطَاً لْتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)(٣). فوجه الدلالة: أنه جعلهم شهداء على غيرهم، ولم يجعلهم شهداء على أنفسهم. ومن قال لا يعتبر انقراض العصر لا يجوز رجوعهم عما أجمعوا عليه، فيكون قولهم حجة على أنفسهم. فإن قيل: ليس في الآية ما يمنع كونهم شهداء على أنفسهم، وإنما فيها إثبات کونہم شهداء على غيرهم. قيل: لما غاير بينهم وبين غيرهم، فجعلهم شهداء على غيرهم، وجعل الرسول شهيداً عليهم، ثبت أن حكمهم مخالف لحكم غيرهم. (١) هذا إشارة إلى قول إمام الحرمين في هذه المسألة، حيث قسم الإجماع إلى مقطوع به وإلى حكم مطلق أسنده المجمعون إلى الظن بزعمهم، ولم يشترط انقراض العصر في الأول واشترطه في الثاني على تفصيل ذكره في كتابه البرهان (٦٩٤/١). (٢) في الأصل: (خلافه) وهو خطأ، والصواب ما أُثبتناه. أية (١٤٣) من سورة البقرة. (٣) ١٠٩٨ ٠ فإن قيل: إذا كانوا شهداء على غيرهم، فيجب أن يكونوا شهداء على أنفسهم. قيل: من كان شهيداً وحجة على غيره، فليس بحجة على نفسه، كالشاهد هو شاهد على غيره [١٦٣/ب]، ولا يكون شاهداً على نفسه، وإنما يكون مقراً، وقول النبي حجة على غيره، وليس حجة على نفسه. فإن قيل: إذا كانوا شهداء على غيرهم، فيجب أن يكونوا شهداء على أنفسهم؛ لأن الحجة لا تختص بقوم دون قوم ولا بعصر دون عصر. قيل: قد بينا اختصاص الحجة بجهة دون جهة. وعلى أن الموضع الذي نجعله حجة على غيره نجعله حجة في نفسه في الفتيا لغيره. فأما إذا رجع فليس بحجة على غيره ولا على نفسه. وأيضاً: ما احتج به أحمد من إجماع الصحابة، وذلك أنه روي عن علي أنه قال: (كان رأيي مع أمير المؤمنين عمر: أن لا تباع أمهات الأولاد، وأرى(١) الآن أن يبعن، فقال له عبيدة السَّلْمَاني(٢): رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك)(٣). فعلِيّ أظهر الخلاف بعد الإِجماع، فأقر عليه. فلو كان انقراض العصر غير معتبر ما سَاغَ له الخلاف. (١) في الأصل (أرى أن) وحرف (أن) هنا لا معنى لها، ولذلك حذفناها. (٢) هو عبيدة بن عمرو أبو مسلم، وقيل: أبو عمرو، السَّلْمَاني المرادي. أسلم قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يره. صحب علياً وابن مسعود - رضي الله عنهما - مات سنة (٧٢هـ). له ترجمة في: الاستيعاب (١٠٢٣/٣) وتاريخ بغداد (١١٧/١١) وتذكرة الحفاظ (٥٠/١) واللباب في تهذيب الأنساب (١٢٧/٢). (٣) مضى تخريج هذا الأثر ص (١٠٩٥). ١٠٩٩ فإن قيل: ما خالف الإِجماع؛ لأنه كان قوله وقول عمر على ذلك وحدهما، فخالف عمر فقط. وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: (والله ما هنَّ إلا بمنزلة بعيرٍك وشاتِك)(١). وكان عبدالله بن الزبير: يبيح بيع أمهات الأولاد(٢). فدل على أنهم لم يجمعوا. قيل: قول عبيدة له: (رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك)، يدل على(٣) أن الجماعة كانت مع عمر، ومعه علّي، أن لا يبعن(٤). (١) هذا الأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، باب بيع أمهات الأولاد (٢٩٠/٧) عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار - أظنه - عن عطاء عن ابن عباس، ثم ذكره وفيه (هي) بدل (هن) و(أوشاتك) بحرف العطف (أو) بدل الواو. (٢) أخرج هذا عبد الرزاق في مصنفه في باب بيع أمهات الأولاد (٢٩٢/٧، ٢٩٣) بسندين، أحدهما عن الثوري عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر عن نفر من أهل العراق ذكروا ذلك عن ابن الزبير. وثانيهما عن معمر عن أيوب عن نافع أن رجلاً جاء لابن عمر وذكر له ذلك عن ابن الزبير. كما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب البيوع والأقضية، باب بيع أمهات الأولاد (٤٣٧/٦، ٤٣٩) بسندين أيضاً. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب عتق أمهات الأولاد، باب الرجل يطأ أمته بالملك فتلد له، وباب الخلاف في أمهات الأولاد (٣٤٣/١٠، ٣٤٨). (٣) في الأصل: (عليه). (٤) والذي يبدو لي أنه ليس هناك إجماع لأمور: أولاً : - أن علياً قال: (كان رأيي مع رأي أمير المؤمنين عمر .. ) ومعلوم أن رأيهما لا يعد إجماعاً. = ١١٠٠ 1 ٠ أ