النص المفهرس

صفحات 1061-1080

عرفة إلى آخر أيام التشريق، فقيل له: إلى أي شيء تذهب؟ قال: بالإجماع (١)
(١) الرواية موجودة بنصها في المسوّدة ص (٣١٦) وقريب منه ما في كتاب المغني
(٢٩٤/٢) وفي كتاب الكافي (٢٣٦/١) ولم يذكر فيهما من نقلها عن الإِمام أحمد.
وجاء في مسائل الإِمام أحمد رواية ابن هانيء النيسابوري (٤/١) وقد سئل عن
التكبير في أيام التشريق، فقال: (من صلاة الصبح يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق
يكبّر العصر ولا يُكبّر المغرب
وفي مسائل الامام أحمد رواية ابنه عبد الله ص (٢٤١). (يبدأ بالتكبير يوم عرفة
إلى آخر أيام التشريق، يكبر في العصر، ويقطع، وهو قول علي، وذلك في الأمصار.
وقد يقول بعض الناس: إنما يكبر الناس بمنى إذا رموا الجمرة، وإذا ترك التلبية بدأ
في الظهر من يوم النحر لا يجمع التكبير والتلبية؛ لأنه إذا رمى الجمرة يوم النحر
فقد انقطعت التلبية، فيبدأ بالتكبير في الظهر من يوم النحر).
وقريب من ذلك ما رواه أبو داود في المسائل التي نقلها عن الإِمام أحمد ص (٦١).
ويلاحظ: أن كتب المسائل الثلاثة المذكورة ليس فيها السؤال عن دليل الإِمام أحمد
فيما ذهب إليه، ولا احتجاجه بالإجماع.
وحكاية الإجماع هذه غير مسلمة للأمور الآتية:
الأول : ما نقله ابن قدامة في المغني (٣٩٣/٢) عن ابن مسعود - وهو أحد
من اعتمد عليه الإِمام في الإجماع -: أنه كان يكبر من غداة يوم عرفة
إلى العصر من يوم النحر.
ومثل ذلك نقله ابن حزم في المحلى (١٣٤/٥).
ومثله نقله ابن أبي شيبة في كتاب الصلوات، باب التكبير من أي يوم
٠
هو إلى أي ساعة (١٦٥/٢).
وأخرجه كذلك أبو يوسف في كتابه الآثار في كتاب الصلاة باب صلاة
العيدين ص (٦٠). وهذا مخالف لما ذكره الإِمام أحمد عن ابن مسعود.
ما نقله ابن قدامة - أيضاً - في كتابه المذكور عن ابن عمر: أن التكبير
من صلاة الظهر يوم النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق. والنقل .
عنه كذلك في المحلى (١٣٥/٥).
الثاني
وكذلك أخرج عنه البيهقي في سننه في كتاب صلاة العيدين باب من =
١٠٦١

عمر(١) وعلي(٢) وعبد اللَّه
ـه بن
=
قال يكبر في الأضحى خلف صلاة الظهر من يوم النحر (٣١٣/٣).
وأخرج البيهقي مثله عن زيد بن ثابت.
وأخرج الدار قطني في سننه في كتاب العيدين (٥٠/٢ - ٥١) عن
ابن عمر وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري - رضي الله عنهم - (أنهم
كانوا يكبرون في صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر من آخر أيام
التشريق، يكبرون في الصبح ولا يكبرون في الظهر).
الثالث : ما رواه أبو داود في مسائله ص (٦١) حيث قال: (سمعت أحمد مرة
أخرى سئل عن التكبير أيام التشريق؟ قال: من حين يرمون الجمرة إلى
أن يرجع الناس من منى ... ) فهذه الرواية جعلت المدة تبدأ من بعد رمي
جمرة العقبة بينما الرواية التي حكى الإجماع عليها جعلت بداية المدة غداة
يوم عرفة، ولم يفرق الإِمام أحمد بين الحاج وغيره.
فكيف يقع الإجماع مع اختلاف النقل عن ابن مسعود وابن عباس مع نقل مخالفة
ابن عمر وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري لما ذكره المؤلف. والله أعلم.
راجع في تلك الآثار أيضاً: نصب الراية (٢٢٢/٢ - ٢٢٣) وزاد المعاد (٤٤٩/١)
مع الهامش.
(١) هذا الأثر أخرجه البيهقي في سننه في كتاب صلاة العيدين، باب من استحب أن
يبتدئى بالتكبير خلف صلاة الصبح من يوم عرفة (٣١٤/٣) ولفظه (كان عمر
بن الخطاب - رضي الله عنه - يكبر بعد صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة
الظهر من آخر أيام التشريق،) ثم ساق البيهقي بعد ذلك رواية مفادها: أن عمر
يرى التكبير إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات، باب التكبير من أي
يوم هو إلى أيّ ساعة (١٦٦/٢).
وأخرجه عنه الحاكم في المستدرك في كتاب العيدين (٢٩٩/١).
(٢) هذا الأثر أخرجه البيهقي في سننه في كتاب صلاة العيدين، باب من استحب أن
يبتدئى بالتكبير خلف صلاة الصبح من يوم عرفة (٣١٤/٣) ولفظه: (كان علي =
١٠٦٢
1

مسعود(١)، وعبدالله بن عباس))(٢).
وهذا قول جماعة الفقهاء والمتكلمين(٣).
= - رضي الله عنه - يكبر بعد صلاة الفجر غداة عرفة، ثم لا يقطع حتى يصلي
الإِمام من آخر أيام التشريق، ثم يكبر بعد العصر).
كما روي عنه قبل ذلك وفيه: (إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق).
وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات، باب التكبير من أي
يوم هو إلى أي ساعة (١٦٥/٢)، ولفظه قريب من لفظ البيهقي.
وأخرجه عنه أبو يوسف في كتابه الآثار، في كتاب الصلاة، باب صلاة العيدين
ص (٦٠) وفيه: (إلى بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق)
وأخرجه عنه الحاكم في المستدرك في كتاب العيدين (٢٩٩/١).
(١) هذا الأثر أخرجه عنه الحاكم في مستدركه في كتاب العيدين (٣٠٠/١) وانظر:
إرواء الغليل للألباني (١٢٥/٣).
(٢) هذا الأثر: أخرجه عنه البيهقي في كتاب صلاة العيدين، باب من استحب أن
يبتدىء بالتكبير خلف صلاة الصبح من يوم عرفة (٣١٤/٣) بلفظ: (كان يكبر
من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق) كما أخرجه بمثله وزاد: (يكبر
في العصر ويقطع في المغرب) وبلفظ: (إلى آخر أيام التشريق) بدون ذكر (صلاة
العصر).
وأخرجه أيضاً في باب كيف التكبير؟ (٣١٥/٣) بلفظ: (يكبر من غداة عرفة
إلى آخر أيام النفر، لا يكبر في المغرب).
وأخرجه عنه الحاكم في المستدرك في كتاب العيدين (٢٩٩/١).
وذكره الحافظ ابن حجر في كتابه المطالب العالية، في كتاب الصلاة باب صلاة
العيدين (١٨٦/١).
وكلام المؤلف من أول الباب إلى هنا منقول بنصه في المسوّدة ص (٣١٥ -
٣١٦).
(٣) انظر: المعتمد لأبي الحسين البصري (٤٥٧/٢ - ٤٥٨) والبرهان لإمام الحرمين
(٦٧٠/١ - ٦٧٥).
١٠٦٣

وحُكي عن إبراهيم النَّظَّام(١): أن الإجماع ليس بحجة، وأنه يجوز اجتماع
الأمة على الخطأ(٢).
وحُكِي عن الرافضة: أن الإجماع ليس بحجة ، وأن قول الإِمام وحده
حجة(٣).
دليلنا:
قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبيَّن لَهُ الْهُدَى، وَيَتَّبَعْ غَيْرَ
سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَىَّ، وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)(٤). فوجه
الدلالَة: أن الله تعالى توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، فدل على أن اتباع
سبيلهم واجب.
فإن قيل: هذا احتجاج من دليل الخطاب، ونحن لا نقول به.
قيل: دليل الخطاب عندنا حجة، ونحن نبني فروعنا على أصولنا.
(١) هو: إبراهيم بن سيَّار بن هانيء النظام، أبو إسحاق البصري المعتزلي ابن أخت أبي
الهذيل العلاف. له آراء شاذة عرف بها، وتبعه فيها ناس، فسموا بالنظامية. كان
ذكيا فصيحاً.
له ترجمة في: تاريخ بغداد (٦٧/٦) وفضل الاعتزال ص (٢٦٤) واللباب
(٣١٦/٣) والنجوم الزاهرة (٢٣٤/٢).
(٢) حكى ذلك عنه أبو الحسين البصري في المعتمد (٤٥٨/٢).
(٣) وضح ذلك القاضي النعمان بن محمد الإسماعيلي في كتابه اختلاف أصول المذاهب
ص (٨١ - ١٣٦) وذكر كثيراً من النصوص التي استدل بها العلماء على حجية
الإِجماع، ووجهها لنصرة مذهبه.
وما ذكره المؤلف هنا ذكره أبو الحسين البصري في كتابه المعتمد
(٤٥٨/٢ - ٤٥٩) حيث قال: (وقالت الإِمامية: ذلك صواب؛ لأن الإِمام داخل
فيهم، وهو الحجة فقط).
(٤) الآية (١١٥) من سورة النساء.
١٠٦٤

وعلى أن هذا ليس بدليل الخطاب (١٥٩/ب)، وإنما هو احتجاج بتقسيم
عقلي؛ لأنه ليس بين اتباع غير سبيلهم(١) وبين اتباع سبيلهم قسم ثالث، وإذا
حرّم الله تعالى اتباع غير سبيل المؤمنين وجب اتباع سبيلهم.
فإن قيل: (سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) في الأقوال مجاز، وإنما السبيل هو: الطريق.
قيل: الأصل في الاستعمال الحقيقة، وقد استعمل فيهما، فوجب أن يكون
حقيقة فيهما(٢).
وعلى أنه لو كان مجازاً، لكان إذا كثر الاستعمال فيه، جرى مجرى الحقيقة.
(١) في الأصل: (سبيل).
(٢) ظاهر كلام ابن فارس في كتابه: معجم مقاييس اللغة (١٢٩/٣ - ١٣٠) أن
السبيل حقيقة في الحسيات حيث يقول: (سبل: السين والباء واللام أصل واحد،
يدل على إرسال شيء من علو إلى سفل، وعلى امتداد شيء، فالأول من قيلك:
أسبلت الستر .. والممتد طولاً: السبيل، وهو الطريق، سمي بذلك لامتداده .. ).
وبمراجعة كتاب تهذيب اللغة للأزهري (٤٣٦/١٢) ولسان العرب (٣٤٠/٣)
والقاموس المحيط (٣٩٢/٣) مادة ((سبل)) وجد أنهم يعبرون عن ((السبيل)) بالطريق،
ولكن عند التمثيل يطلقون ((السبيل)) على الطريق حسية أو معنوية، بدون إشارة
إلى الحقيقي والمجازي في ذلك.
وفي ذلك يقول الرازي في كتابه المحصول (٥٤/٤): (سلمنا: حظر اتباع غير
سبيلهم مطلقاً، لكن لفظ ((السبيل)) حقيقة في الطريق الذي يحصل فيه المشي، وهو
غير مراد - ها هنا - بالاتفاق، فصار الظاهر متروكاً، فلا بُدّ من صرفه إلى
المجاز، وليس البعض أولى من البعض، فتبقى الآية مجملة).
وفي ص (٧٧) يقول: (قوله السبيل: هو الطريق الذي يحصل المشي فيه، قلنا:
لا نسلم؛ لقوله تعالى: (قل هذه سبيلي) وقوله (ادع إلى سبيل ربك)
سلمناه، لكنا نعلم بالضرورة أن ذلك غير مراد - ها هنا - ولا نزاع في
أن أهل اللغة يطلقون لفظ: (السبيل)) على ما يختاره الإِنسان لنفسه في القول
والعمل. وإذا كان ذلك مجازاً ظاهراً، وجب حمل اللفظ عليه؛ لأن الأصل عدم
المجاز الآخر).
=
١٠٦٥

والاستعمال في القول مثل الاستعمال في الطريق إذا كثر، قال الله تعالى :
(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ)(١)، وقال: (مَنْ هُوَ أُهْدَى
سَبِيلاً)(٢)، (وَأَضَّلُّ سَبِيلاً) (٣)، (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
سَبِيلاً) (٤)، ويقال: سبيل المعروف، وسبيل الوقوف، وما أشبه هذا مما يكثر
وقد أورد الإِسنوي في كتابه نهاية السول (٨٦٥/٣) بعض الاعتراضات على
==
وجه الاستدلال من الآية، منها: (الرابع: لا نسلم أن ((السبيل)) هو قول أهل
الإِجماع، بل دليل الإِجماع، وبيانه: أنَّ السبيل لغة هو: الطريق الذي يُمْشَى فيه
وقد تعذرت إرادته هنا، فتعين الحمل على المجاز وهو إما قول أهل الإِجماع، أو
الدليل الذي لأجله أجمعوا والثاني أولى؛ لقوة العلاقة بينه وبين الطريق، وهو كون
كل واحد منهما موصِّلاً إلى المقصد. وأجاب المصنف بأن ((السبيل)) أيضاً يطلق
على الإجماع؛ لأن أهل اللغة يطلقونه على ما يختاره الإِنسان من قول أو فعل، ومنه
قوله تعالى: (قل هذه سبيلي) وإذا كان كذلك فحمله على الإِجماع أولى لعموم
فائدته، فإن الإِجماع يعمل به المجتهد والمقلِّد، أما الدليل فلا يعمل به سوى المجتهد).
ومن هذا العرض يتضح:
أولاً: أن ((السبيل)) يستعمل حقيقة في الطريق التي يُمْشَى فيها.
ثانياً: أن (السبيل)) يستعمل في الأقوال، فقيل على سبيل الحقيقة، وقيل على
سبيل المجاز، وهو الذي يؤيده ما نقلناه عن ابن فارس في معجم مقاييس
اللغة حيث حصر الحقيقة في أصل واحد.
ويؤيده أيضاً ما جاء في أساس البلاغة للزمخشري (٤٢٠/١ - ٤٢١)
حيث قال: (ومن المجاز ... والزم سبيل الله خير السبيل ... ).
فقد صرح أن ذلك من باب المجاز.
(١) آية (١٠٨) من سورة يوسف.
آية (٨٤) من سورة الإسراء. والآية في الأصل (من أهدى سبيلاً) بدون الضمير،
(٢)
وهو خطأ ظاهر.
آية (٧٢) من سورة الاسراء.
(٣)
(٤) آية (١٤١) من سورة النساء والآية في الأصل: (ولم) بدل (ولن)، وهو خطأ.
١٠٦٦

تعداده. وهذا بمنزلة المذهب الذي هو حقيقة في الطريق وفي القول
والاعتقاد(١).
فإن قيل: الذي تعلق بمشاقة الرسول وباتباع غير سبيل المؤمنين، فثبت أنه
لا يتعلق بأحدهما على الانفراد.
قيل: مشاقة الرسول محرمة بانفرادها، وإن لم يكن هناك مؤمن، فدلَّ على
أن التوعد على كل منهما بانفرادِه، وهذا مثل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ
مَعَ الله إلهاً آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يْنُونَ وَمَنْ
يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً)(٢)، فجمع بين هذه الأفعال في الوعيد، وكان منصرفاً إلى
كل واحد منها(٣).
(١) يقول الأزهري في تهذيب اللغة (٢٦٢/٦ - ٢٦٦). (والمَذهَب: مصدر
کالذهاب).
ويقول ابن فارس في معجم مقاييس اللغة (ط/٣٦٢): ( ... وبقي أصل آخر، وهو
ذهاب الشيء: مُضِيُّه، يقال: ذَهَبَ يَذْهَبُ ذَهَاباً وذُهوباً، وقد ذهب مَذهباً حسناً).
من هذين النصين يتبين أن المذهب، معناه: المضي في الشيء في أصل اللغة
ولكنهما لم يوسعا المدلول، غير أن صاحب القاموس (٧٠/١) يبين ذلك بصورة
أوسع، حيث يقول ( .... المَذْهَبُ: المُتَوضّأ والمُعْتَقد الذي يذهب إليه والطريقةُ
والأصلُ).
وقريب من ذلك ما قاله صاحب المصباح المنير (٣٢٣/١) ( ... وذهب مَذْهب
فلان قَصَد قصْده وطريقته، وذهب في الدين مَذْهباً: رأى فيه رأياً).
فمن هذين النصين يتبين لنا: أن ما ذهب إليه المؤلف صحيح، وأن ذلك
الاستعمال حقيقة.
إلاَّ أن الزمخشريَّ في كتابه أساس البلاغة (٣٠٧/١) يرى أن استعمال المذهب
في القول والاعتقاد من باب المجاز.
(٢) آية (٦٨) من سورة الفرقان.
(٣) في الأصل: (منهما)، وهو خطأً؛ لأن الضمير عائد على جمع.
١٠٦٧

وجواب آخر، وهو: أن(١) اتباع غير سبيل المؤمنين لو لم يكن محرماً
بانفراده لم يحرم مع مشاقة الرسول كسائر المباحات، ألا ترى أنه لا يجوز
الجمع بين القبيح والمباح في باب الوعيد، فلما جمع تعالى بين مشاقة الرسول
وبين ترك اتباع سبيل المؤمنين في الوعيد علم أن كل واحد منهما يقتضي
الوعيد.
فإن قيل: فالمؤمنون لا يعرفون بأعيانهم؛ فلا يصح الاحتجاج به.
قيل: إذا أجمع الكل دخل المؤمنون فيهم؛ لأن من أظهر الإِيمان وجب أن
يحكم بإيمانه، ولا اعتبار بما غاب عنا من اعتقاده، فإذا كان كذلك سقط
السؤال.
فإن قيل: ذكر (المُؤْمِنِينَ) بالألف واللام، فاقتضى جنس المؤمنين إلى يوم
القيامة.
قيل: لا يجوز أن يريد به جميعهم، لأن التكليف في ذلك يكون يوم القيامة
ولا تكليف في الآخرة، فعلم أن المراد به بعض المؤمنين، وإذا كان المراد به
البعضَ، فقد أجمعوا على أنه لم يرد ما زاد على أهل العصر، فكان(٢) المراد به
أهل العصر.
ولأن من [١٦٠/أ] لم يخلق لا يسمى مؤمناً، ومن خلق ومات فلا يسمى
مؤمناً حقيقة، وإنما كان مؤمناً.
جواب آخر، وهو: أن الآية أريد بها بعض المؤمنين؛ لأنه توعد من خالف
سبيلهم، فاقتضى ذلك أن يكون هناك متوعد غير الذين يخالف سبيلهم.
فإن قيل: الوعيد على ترك سبيل المؤمنين فيما صاروا به مؤمنين، وهو
(١) في الأصل (أنه) وهو خطأً؛ لأن اسم (أن) ظاهر.
(٢) في الأصل (كان) بدون الفاء.
١٠٦٨

التوحيد وفعل الإِيمان(١).
قيل: هذا تخصيص لعموم الآية بغير دليل.
وعلى أنه لا اعتبار في ذلك بالاتباع، وإنما يجب العمل فيه بموجب الدليل،
(١) وأيدوا ذلك بأمرين:
الأول : سبب نزول الآية في بشير بن أُبَيْرِق المنافق لما سرق، ثم رمى بذلك
لبيد بن سهل، ولما كشفَ أمره هرب إلى مكة، ولحق بالمشركين، فأنزل
الله الآيات (١٠٥ - ١١٦) من سورة النساء.
روى ذلك قتادة بن النعمان - رضي الله عنه - أخرجه عنه الحاكم
في المستدرك في كتاب الحدود باب حكاية سرقة متاع رفاعة ..
(٣٨٥/٤ - ٣٨٨) وقال عقبه: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم
ولم يخرجاه) وسكت عنه الذهبي.
وأخرجه عنه الترمذي في سننه في كتاب التفسير (٢٤٤/٥ -
٢٤٧) ثم قال: (هذا حديث غريب، لا نعلم أحداً أسنده غير محمد
ابن سلمة الحرّاني، وروى يونس بن بكير وغير واحد هذا الحديث عن
محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلاً، لم يذكروا فيه
عن أبيه عن جده).
لكن كلام الترمذي غير مسلّم؛ لأن الحاكم أخرجه في الموضع السابق
عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة
عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان مسنداً.
راجع في ذلك: أسباب النزول للواحدي ص (١٧٢) وأسباب النزول
للسيوطي ص (٦٤) والدر المنثور للسيوطي (٢١٤/٢ - ٢١٧)
وتفسير ابن الجوزي (١٩٠/٢) وتفسير الطبري (١٧٧/٩ - ١٨٩)
مع هامش ص (١٨١ - ١٨٢) فإن للشيخ أحمد شاكر كلاماً جيداً
في ذلك.
الثاني : مجىء قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ
لِمَنْ يَشَاءُ) بعد الآية المستدل بها، والشرك هو المقابل للتوحيد.
١٠٦٩

فوجب حمله على غيره من أحكام الشرع.
فإن قيل: اتباع سبيل المؤمنين: أن ينظر، ويجتهد، ويثبت الحكم من الطريق
الذي أثبتوه، وإذا كان كذلك فتكون الآية حجة عليكم.
قيل: النظر المؤدي إلى قولهم لا يمنع منه، وإنما يمنع من النظر المؤدي إلى
خلاف قولهم؛ لأن من فعل ذلك يكون تاركاً لسبيلهم ومخالفاً لهم.
وكذلك من دخل مصراً من أمصار المسلمين جاز له أن يجتهدٍ، فإذا أدى
اجتهاده إلى صحة محاريبهم(١) صلى إليها، ولا يجوز مخالفتها.
فإن قيل: الوعيد إنما هو على اتباع غير سبيل المؤمنين، وأنتم تطلقون الوعيد
لترك السبيل.
قيل: إذا لحقه الوعيد باتباع غيرهم والعدول عنهم، ثبت أنه قد ترك واجباً،
فلحقه الوعيد بالعدول عنه(٢).
وطريقة أخرى: قوله تعالى: (وَكَذْلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطَاً لَّتَكُونُوا شُهَدَاءَ
عَلَى الْنَّاسِ)(٣) والوَسَطُ: العَدْلُ الخِيَارِ(٤).
(١) المحاريب جمع محراب، والمراد: مقام الإِمام من المسجد. القاموس مادة (حرب)
(٥٣/١).
(٢) اعتمد المؤلف - رحمه الله تعالى - في معظم هذه الاعتراضات والرد عليها على
لورقة (٢١٧) وعلى كتاب المعتمد لأبي الحسين
البصري (٤٦٢/٢ - ٤٦٩) وقد أطنب الفخر الرازي في ذكر الاعتراضات
وردها، وذلك في كتابه المحصول (٤٦/٢ - ٨٩).
(٣) (١٤٣) سورة البقرة.
(٤) ذكر الزمخشري - عند تفسيره لهذه الآية (٣١٧/١) - معنيين للوسط: الأول:
(وسطاً): ((خياراً)، ... وقيل للخيار: وسط؛ لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل
والإِعوار، والأوساط محمية محوطة .. ).
١٠٧٠
١
=

وهذا كما قال في آية أخرى(١) (قَالَ أُوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل
أَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ)(٢) يعني: أعدلهم وخيرهم (٣)
الثاني: (وسطاً) ((عدلاً))؛ لأن الوسط عدل بين الأطراف، ليس إلى بعضها أقرب
=
من بعض).
ويفسر ابن منظور (الوسط)) في كتابه اللسان مادة ((وسط)) (٣٠٦/٩) بالعدل.
ويعلل أبو السعود في تفسيره (١٧٢/١) وصفهم بذلك؛ لأنهم يتصفون بالصفات
الحميدة، لا تفريط ولا إفراط، خياراً عدولاً مزكين بالعلم والعمل.
ويرى الشوكاني في تفسيره فتح القدير (١٣٠/١) أنه قد ثبت عن النبي -
صلى الله عليه وسلم - تفسير ((الوسط)) في الآية بالعدل، وساق الروايات المرفوعة
في ذلك، فارجع إلیه إن شئت.
ويقول ابن جرير الطبري في تفسيره (١٤٢/٢) بتحقيق الشيخ أحمد شاكر:
(إن الوسط في هذا الموضع: هو ((الوسط)) الذي بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين،
مثل ((وسط الدار)) ... وأرى أن الله تعالى ذكره: وصفهم بأنهم: ((وسط)) لتوسطهم
في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، غلو النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في
عيسى ما قالوه فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله
وقتلوا أنبياءهم و كذبوا على ربهم وكفروا به ... ).
قلت: ولا منافاة بين ما ذكره المفسرون هنا، فهم خيار عدول، وكل صفة
من صفاتهم الحميدة تصح أن تكون سبباً في وصفهم بأنهم ((وسط)) والله أعلم.
(١) في الأصل: (في روامه) وبعدها موضع كلمة مطموسة. والتصويب دل عليه
السياق، كما دل عليه قول أبي الخطاب في كتابه التمهيد (٢٥٤/٣): (وهو حجة،
لنا قوله تعالى (وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) والوسط: الخيار العدل، بدليل قوله تعالى: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ
أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ) معناه: أعدلهم).
(٢) آية (٢٨) من سورة القلم.
(٣) وبهذا فسره الزمخشري في الكشاف (١٤٥/٤).
١٠٧١
٠٠

وكما قال الشاعر:
إِذَا نَزَلَتْ إِحْدَى اللََّالِي بِمُعْظَمٍ (٢)
هم وَسَط يَرْضى الإِله(١) بِحُكْمِھم
ويقال: مِیَزان وَسَط، إذا لم يكن فيه میل.
وإذا أخبر الله تعالى أن الأمة عدل، لم يجز عليهم الضلالة؛ لأنه لا عدالة مع
الضلالة، وجعلهم شهداء على الناس، كما جعل الرسول شهيداً عليهم، فلما كان
قول الرسول عَ له حجة، كذلك قول الأمة.
فإن قيل: إنما جعلتم شهداء عليهم في الآخرة.
يبين صحة هذا: قوله(٣): (شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) ولا يمكن شهادتهم على الجميع
إلا في الآخرة.
= ويرى أبو السعود في تفسيره (١٦/٩): ((قال أوسطهم): رأياً أو سناً).
(١) هكذا في الأصل: (يرضى الإِله) وفي هامش الأصل: (الإمام) محرفة عن (الأنام)،
والأنام هو الصواب الموافق لمراجع التخريج الآتية.
(٢) البيت من معلقة زهير بن أبي سلمى، ذكره النحاس في شرحه للقصائد التسع
(٣٣٢/١) هكذا:
لِحَِّي حِلاَلٍ يَعْصِمُ الناسَ أمُرُهم إذا طَرَقَت إحدى الليَالِي بِمُعْظَم
والبيت أنشده الجاحظ في كتابه: البيان والتبيين (٢٢٥/٣) غير منسوب، إلا أنه
قال: (إذا طرقت) بدل (إذا نزلت).
وفي تفسير الطبري (١٤٢/٣) وتفسير الشوكاني (١٣٠/١) منسوب إلى زهير
بمثل الرواية التي أثبتناها.
راجع بالإضافة إلى ما ذكر: هامش تفسير الطبري للشيخ أحمد شاكر وأخيه
الأستاذ محمود.
(٣) في الأصل: (أن قوله)، و(أن) هنا لا يستقيم المعنى بوجودها ولذلك حذفناها.
١٠٧٢
١

قيل: هذا خرج مخرج المدح لهم في الدنيا، فلو كانوا شهداء في الآخرة لم يكن
مدحاً لهم في الدنيا. وعلى أنه جعلهم شهداء على الناس كما جعل الرسول، فلما
كان المراد شهادة النبي في الدنيا، كذلك في الأمة(١).
فإن قيل: [١٦٠/ب] كونهم شهداء لا يمنع وقوع الخطأ منهم، كما لا يمنع
وقوع ذلك من الشاهِدَیْن.
قيل: لأن الله تعالى لم ينص على شاهدين بأعيانهما حتى [يكون] ذلك مانعاً
من وقوع الخطأ والكذب منهما، ولو نص على شاهدين لامتنع ذلك منهما
كالأمة(٢).
وطريقة أخرى، وهو: ما روي عن النبي عّلِّ قال: (لاَ تَجْتَمِعُ أُمَتي
عَلَى ضَلاَلة).
(١) التحقيق: أن الشهادة في الآية تكون في الدنيا، وتكون في الآخرة، وقد جاءت
النصوص بذلك، وأورد الإمام الطبري في تفسيره (١٤٥/٢ - ١٥٤) بتحقيق
الشيخ أحمد شاكر وأخيه كثيراً من الأحاديث في ذلك، كما ذكر الإِمام الشوكاني
في تفسيره (١٣١/١ - ١٣٢) بعض ذلك، فارجع إليهما إن شئت.
(٢) الرد هنا غير واضح، وقد بينه العلامة الجصاص في أصوله الورقة (٢١٦/أ - ب)
حيث قال: (قيل له: لا يجب ذلك؛ لأن الله لم ينص على قبول شهادة شاهدين
بأعيانهما، فلم يحكم لهما بالعدالة، وإنما أمرنا في الجملة بقبول شهادة عدول عندنا،
ومن في غالب ظننا أنهم عدول، والظن قد يخطىء ويصيب، فلذلك لم يجز لنا
القطع على عينهما .. فلو كان الله شهد لشاهديْن بأعيانهما بالعدالة وصحة الشهادة
لقطعنا على عينهما، وحكمنا بصدقهما، وأما الأمة فقد حكم الله لها بالعدالة وصحة
الشهادة على من بعدها، على معنى أنها تشتمل على من هذه صفته، فمتى وجدناها
مجمعة على شىء حكمنا بأنه حكم الله تعالى؛ لأن العدول في الدين حكم الله بصحة
شهادتهم، فقد قالت ذلك، وقولها صدق ... ).
١٠٧٣
( العدة فى أصول الفقه - ٦٨ )

وروي: (عَلَى خَطَأْ)(١).
(١) هذا الحديث رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً، أخرجه عنه الترمذي
في سننه في كتاب الفتن، باب لزوم الجماعة (٤٦٦/٤) ولفظه: (إن الله لا يجمع
أمتي، أو قال: أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على ضلالة، ويد الله مع
الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار)، ثم قال بعد ذلك: (هذا حديث غريب من هذا
الوجه ... )
وأخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب العلم (١١٥/١ - ١١٦) وذكر أن
الحديث مختلف فيه على المعتمر بن سليمان من سبعة أوجه، ثم ذكرها. ثم عقب
عليها بقوله: (فقد استقر الخلاف في إسناد هذا الحديث على المعتمر بن سليمان،
وهو أحد أركان الحديث من سبعة أوجه، لا يسعنا أن نحكم أن كلها محمولة الخطأ
بحكم الصواب لقول من قال عن المعتمر عن سليمان بن سفيان المدني عن عبد
الله بن دينار، ونحن إذا قلنا هذا القول نسبنا الراوي إلى الجهالة فوهّنا به الحديث،
ولكن نقول: إن المعتمر بن سليمان أحد أئمة الحديث، وقد روي عنه هذا الحديث
بأسانيد يصح بمثلها الحديث، فلابد أن يكون له أصل بأحد هذه الأسانيد، ثم
وجدنا للحديث شواهد من غير حديث المعتمر، لا أدعي صحتها، ولا أحكم
بتوهيتها، بل يلزمني ذكرها لإجماع أهل السنة على هذه القاعدة من قواعد الإسلام)
ثم ذكر الشواهد بعد ذلك.
قال الشيخ الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح (٦١/١): (قلت: وعلته
سليمان المدني، وهو ابن سفيان، وهو ضعيف، ولكن الجملة الأولى من الحديث
صحیحة [وهي قوله ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)]، لها شاهد من حديث ابن عباس،
أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما بسند صحيح، ومن حديث أسامة بن شريك عند
ابن قانع في المعجم).
ورواه أيضاً أبو مالك الأشعري - رضي الله عنه - مرفوعاً أخرجه عنه أبو
داود في كتاب الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها (٤١٤/٢) ولفظه:
(إن الله أجاركم من ثلاث خلال) وذكر منها: (وأن لا تجتمعوا على ضلالة) وقد
حكم عليه الشيخ الألباني بالضعف.
=
١٠٧٤
1

انظر ضعيف الجامع الصغير وزياداته (٦٧/٢).
=
وأخرجه عنه ابن أبي عاصم في كتابه السنة (٤٣٤/٢) وقد صححه الشيخ
الألباني في تعليقه على الحديث.
وأخرجه عنه الطبراني، حكى ذلك العجلوني في كشف الخفاء (٤٨٨/٢) کما
حكاه السخاوي في المقاصد ص (٤٦٠).
ورواه أيضاً: أنس بن مالك - رضي الله عنه ـ مرفوعاً أخرجه عنه ابن ماجة
في سننه في كتاب الفتن، باب السواد الأعظم (١٣٠٣/٢)، ولفظه: (إن أمتي لا
تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم. وفي إسناده ((أبو
خلف الأعمى)) وهو ضعيف كما قال صاحب مجمع الزوائد.
وأخرجه عنه الحاكم في المستدرك في الموضع السابق (١١٦/١ - ١١٧) بلفظ:
(عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سأل ربه أربعاً، سأل ربه أن لا يموت
جوعاً، فأعطي ذلك، وسأل ربه أن لا يجتمعوا على ضلالة، فأعطي ذلك ... )
الحديث وفي إسناده ((مبارك بن سُحَيم)) قال عنه الحاكم بعد ذلك: (فإنه مما لا يمشي
في هذا الكتاب، لكني ذكرته اضطراراً).
ورواه عمرو بن قيس - رضي الله عنه - مرفوعاً أخرجه عنه الدارمي في
سننه في المقدمة، باب ما أعطي النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفضل
(٣٢/١)، جزء من حديث فيه ( ... وإن الله وعدني في أمتي وأجارهم من ثلاث:
لا يعمهم بسنة، ولا يستأصلهم عدو، ولا يجمعهم على ضلالة)
ورواه ابن عباس - رضي الله عنهما - أخرجه عنه الحاكم في مستدركه في الموضع
السابق. بلفظ: (لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبداً، ويد الله على الجماعة)
قال الذهبي: (وإبراهيم، يعني: ((إبراهيم بن ميمون العَدَني)) عدّله عبد الرزاق، ووثقه
ابن معين) وعلى هذا فالحديث صحيح. وهو ما عناه الشيخ الألباني في كلامه
السابق.
قال السخاوي في المقاصد الحسنة ص (٤٦٠): ((وبالجملة فهو حديث مشهور
المتن، ذو أسانيد كثيرة، وشواهد متعددة في المرفوع وغيره، فمن الأول: (أنتم
شهداء الله في الأرض)، ومن الثاني قول ابن مسعود: (إذا سئل أحدكم فلينظر في =
١٠٧٥

وروي: (ما رآه المسلمون حسناً، فهو عندَ الله حَسَنٌ، وما رآه المسلمون
قبيحاً، فهو عندَ الله قبيحٌ)(١).
كتاب الله، فإن لم يجده ففي سنة رسول الله، فإن لم يجده فيها فلينظر فيما اجتمع
=
عليه المسلمون، وإلا فليجتهد).
وقد نقل العجلوني هذا الكلام بنصه في كتابه كشف الخفاء (٤٨٨/٢).
وعلق الحافظ العراقي على الحديث بعد أن ذكر بعض طرقه في تخريجه لأحاديث
مختصر المنهاج ص (٢٩٨) من مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي الصادرة
عن مركز البحث العلمي في كلية الشريعة في مكة المكرمة - بقوله: (وفي كلها
نظر، وقد حسن الترمذي حديث ابن عمر).
قلتُ: ولم أجد تحسيناً للترمذي لحديث ابن عمر، فلعل الحافظ العراقي اطلع
على نسخة أخرى من نسخ الكتاب غير النسخة التي طبع عليها الكتاب؛ لأن الشيخ
أحمد شاكر لاحظ مثل ذلك في تحقيقه للجزء الأول والثاني من الكتاب.
ولمزيد من الاطلاع انظر: مجمع الزوائد (١٧٧/١) و (٢١٧/٥)، والفتح الكبير
(٣١٨/١) و(٣٧٥)، والفقيه والمتفقه (١٦١/١).
(١) هذا جزء من حديث موقوف على ابن مسعود - رضي الله عنه - أخرجه عنه
الامام أحمد في مسنده (٣٧٩/١) بلفظ: (إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب
محمد - صلى الله عليه وسلم - خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته،
ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد
فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً، فهو عند الله
حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيء).
وأخرجه عنه الحاكم - موقوفاً أيضاً - في كتاب معرفة الصحابة، باب فضائل
أبي بكر - رضي الله عنه - (٧٨/٣ - ٧٩) بسند الإِمام أحمد، ولفظه : (ما
رأى المسلمون.) الحديث، وزاد في آخره: (وقد رأى الصحابة جميعاً أن يستخلفوا
أبا بكر - رضي الله عنه -) ثم قال بعد ذلك: (حديث صحيح الإسناد، ولم
يخر جاه).
وقال الذهبي: صحيح.
١٠٧٦
١
=
أ

وروي : ( من فارق الجماعة(١) قِيدَ شِبْر، فقد خَلَع
= وأخرجه عنه البزار بسنده في باب الإجماع من كتاب كشف الأستار عن زوائد
البزار للهيثمي (٨٨/١).
وأخرجه ابن حزم بسنده إلى ابن مسعود موقوفاً في كتابه الإحكام في أصول
الأحكام (٧٥٩/٦) قال: (فذكر كلاماً - يعني ابن مسعود - فيه: ((فما رآه
المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)).
وقد قال ابن حزم قبل إيراد السند: (وهذا لا نعلمه بسند إلى رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - من وجه أصلاً، وأما الذي لا شك فيه فإنه لا يوجد
البتة في مسند صحيح، وإنما نعرفه عن ابن مسعود).
قال الزيلعي في نصب الراية (١٣٣/٤): (قلت: غريب مرفوعاً، ولم أجده إلا
موقوفاً على ابن مسعود، وله طرق) ثم ذكر بعد ذلك تلك الطرق.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٧٧/١ - ١٧٨) (رواه أحمد والبزار والطبراني
في الكبير، ورجاله موثقون).
وقال السخاوي في كتابه المقاصد الحسنة ص (٣٦٧): (وهو موقوف حسن).
وقال العلائيّ - فيما نقله عنه السيوطي في الأشباه والنظائر ص (٩٩) وابن
نجيم في الأشباه والنظائر أيضاً ص (٩٣): (لم أجده مرفوعاً في شىء من كتب
الحديث أصلاً، ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال، وإنما
هو من قول عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - موقوفاً عليه).
وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٣٦٠١/٥) (إسناده صحيح،
وهو موقوف عى ابن مسعود).
والحديث روي مرفوعاً من حديث أنس - رضي الله عنه - نقل العجلوني
في كتابه كشف الخفاء (٢٦٣/٢) رقم (٢٢١٤) عن ابن عبد الهادي قوله: (روي
مرفوعاً من حديث أنس بإسناد ساقط والأصح: وقفه على ابن مسعود).
والخلاصة: أن الحديث لا يثبت رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -
وإنما هو موقوف على ابن مسعود - رضي الله عنه - بسند صحيح.
(١) الجماعة: أهل الفقه والعلم والحديث، كما يقول الترمذي في سننه (٤٦٧/٤). والمراد
بهم: أهل الحل والعقد، فلا يجوز الخروج عما أجمعوا عليه في الإِمامة وغيرها . =
١٠٧٧

رِبْقة(١) الإِسلام من عُنِه)(٢).
ويقول الشيخ عبد الرزاق عفيفي في تعليقه على كتاب الإحكام للآمدي
=
(٢١٩/١): (المراد بالجماعة: أهل الحق المتبعون للكتاب والسنة، قلوا أو كثروا).
والمراد بالمفارقة هنا - كما يقول ابن أبي جمرة فيما نقله صاحب الفتح (٧/١٣):
(السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير، ولو بأدنى شىء).
(١) الربقة - كما يقول ابن الأثير في كتابه النهاية (٦٢/٢) مادة (ربق) : (في الأصل:
عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها فاستعارها للإِسلام، يعني:
ما يشد به المسلم نفسه من عرى الإسلام أي: حدوده وأحكامه وأوامره
ونواهيه ... ).
(٢) هذا الحديث رواه أبو ذر - رضي الله عنه - مرفوعاً، أخرجه عنه أبو داود في
سننه في كتاب السنة، باب قتل الخوارج (٥٤٢/٢) بمثل لفظ المؤلف، وسكت
عنه.
وأخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده (١٨٠/٥)، كما أخرجه عن الحارث
الأشعري - رضي الله عنه - مرفوعاً (١٣٠/٤، ٢٠٢) من حديث طويل، وفيه
( .. فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن
يرجع .. ).
كما أخرجه مرفوعاً عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -
أراه أبا مالك الأشعري (٣٤٤/٥). ولفظ الشاهد قريب من اللفظ السابق.
وأخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب الصوم (٤٢١/١ - ٤٢٢) جزء من
حديث عن الحارث الأشعري - رضي الله عنه - ولفظه كلفظ الإِمام أحمد
السابق ذكره، ثم عقب عليه بقوله: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه) ووافقه الذهبي على ذلك.
والحاصل: أن الحديث الذي رواه أبو ذر، وأخرجه عنه أبو داود وأحمد - كما
سبق بيانه - في سنده ((خالد بن وهبان)) وهو مجهول، ولكن الحديث صحيح
للشواهد الكثيرة، منها: عن الحارث الأشعري فيما أخرجه الإمام أحمد والحاكم كما
سبق بيانه أيضًا.
انظر: تعليق الشيخ الألباني على مشكاة المصابيح (٦٥/١)، وفتح الباري
(٧/١٣).
١٠٧٨

(ومن فَارَقَ الجماعةَ ماتَ مِيتَةً جَاهليةٍ)(١).
(١) هذا الحديث رواه ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعاً. أخرجه عنه البخاري
في كتاب الفتن باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - سترون بعدي أموراً
تنكرونها .. (٥٩/٩) ولفظه (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه؛ فإن
من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية).
كما أخرجه في كتاب الأحكام باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية
(٧٨/٩).
وأخرجه عنه مسلم في كتاب الإمارة باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين.
(١٤٧٥/٣).
وأخرجه عنه الدارمى في سننه في كتاب السير باب في لزوم الطاعة والجماعة
(١٥٨/٢).
وأخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده (٢٩٧/١).
وأخرجه النسائي عن أبي هريرة - رضي الله عنه ـ مرفوعاً في كتاب تحريم
الدم، باب التغليظ فيمن قاتل تحت راية عمية (١١٢/٧) ضمن حديث جاء فيه
(من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية .. ).
وأخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده (٢٩٦/٢)، (٣٠٦)، (٤٨٨).
ورواه عامر بن ربيعة - رضي الله عنه ـ مرفوعاً أخرجه عنه الإِمام أحمد
في مسنده (٤٤٥/٣).
ورواه ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً أخرجه عنه الإِمام أحمد في
مسنده (١٣٣/٢).
والتشبيه في قوله - صلى الله عليه وسلم - (مات ميتة جاهلية) إما أن يكون
مراداً أولا:
فإن كان غير مراد فيكون المعنى:
يموت موت أهل الجاهلية على ضلال، وليس له إمام مطاع، لأن الجاهليين
لا يعرفون ذلك، وعلى هذا يموت عاصياً لا كافراً.
وإن كان التشبيه مهراداً، فيكون المعنى:
١٠٧٩
=

وروي: (عليكم بالسَّواد(١) الأعظم)(٢).
وروي: (ثلاث لا يغل(٣) عليهن(٤) قلب مؤمن(٥): إخلاص العمل الله
والمناصحة لولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين)(٦).
أنه يموت مثل موت الجاهلي، وإن لم يكن جاهلياً.
أو أن ذلك ورد مورد الزجر، وظاهره غیر مراد .
انتهى ملخصاً من فتح الباري (٧/١٣).
(١) المراد بالسواد الأعظم - كما يقول ابن الأثير في كتابه النهاية (١٩١/٢) مادة
((سود): (جملة الناس ومعظمهم الذين يجتمعون على طاعة السلطان وسلوك النهج
المستقيم).
(٢) هذا جزء من حديث رواه أنس بن مالك - رضي الله عنه - مرفوعاً ضمن
حديث: (لا تجتمع أمتي على ضلالة .... ) وقد مضى تخريجه قريباً.
(٣)
کلمة «یغل) وردت بثلاث روايات:
الأولى: ((يُغِلّ)) بضم الياء، من الإغلال، الذي هو الخيانة في كل شيء.
الثانية: ((يَغِلّ ((بفتح الياء، من الغل، وهو الحقد.
الثالثة: (يَغِلُ)) بفتح الياء والتخفيف من الوغول، وهو الدخول في الشيء.
والمعنى: أن هذه الخصال الثلاث، يستصلح بها قلب العبد المؤمن، فمن تمسك
بها طهر' قلبه من الخيانة.
انظر: النهاية في غريب الحديث (١٦٨/٣) مادة ((غلل)).
(٤) في الأصل: (عليهم)، وهو خطأ.
(٥) عند الإمام أحمد من رواية جبير بن مطعم (قلب المؤمن)، وعند الترمذي من رواية
ابن مسعود (قلب مسلم) وهو كذلك عند أحمد من رواية زيد بن ثابت، وعند
أحمد من رواية أنس (صدر مسلم) والمعنى لا يختلف.
(٦) هذا جزء من حديث رواه ابن مسعود - رضي الله عنه ـ مرفوعاً، أخرجه عنه
الترمذي في سننه في كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع
(٣٤/٥ - ٣٥).
١٠٨٠
١