النص المفهرس
صفحات 981-1000
إحداهما : لا يجوز ؛ لأنه يحكي عنه خلاف اللفظ الذي سمعه منه .
وقد نصّ على هذا في رواية حنبل فقال : إذا قال الشيخ : حدثنا قلت
حدثنا ، تتبع لفظ الشيخ ، إنما هو خبر ، ولا تقول لأخبرنا : حدثنا ، ولا
لحدثنا : أخبرنا ، على لفظ الشيخ .
وفيه رواية أخرى : يجوز ؛ لأن المعنى فيهما واحد ؛ لأن المحدث له
هو مخبر له في التحقيق ، وكذلك المخبر هو محدث في الحقيقة .
وقد نصّ على هذا فيما حدثنا به أبو محمد الحسن بن محمد (١) قال :
سمعت محمد بن رزق قال : سمعت جعفر بن هارون النحوي يقول :
سمعت عبد الله بن أحمد الكسائي قال : سمعت أحمد بن [١٤٧/ب] عبد
الجبار (٢) يقول: سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله يقول: حدثنا وأخبرنا واحد.
وهو اختيار أبي بكر الخلال ؛ لأنه لما ذكر رواية حدثنا في المنع ،
قال : قد سهل أبو عبد الله في هذا المعنى على جواز رواية الحديث على
المعنى .
فإن قال له : قد أجزت لك أن تروي هذا الحديث عنّي ، أو ما صح
عندك من حديثي ، جاز أن يقول : أجاز لي فلان ، وأخبرني فلان إجازةً
فيما صح عنده من سماعه ، ولا يقول : حدثني ولا أخبرني مطلقاً ؛ لأنه
لم يخبره ، وإنما أجازه إجازة .
وكذلك إذا ناوله كتاباً فيه حديث ، وقال له : قد أجزت لك أن
(١) الخلال . شيخ للقاضي أبي يعلى، وقد سبقت ترجمته ص (٩٦٩).
(٢) هو: أحمد بن عبد الجبار ، أبو بكر التميمي ، العطاردي . الكوفي . سمع
ابن عياش وابن ادريس وغيرهما . حدث ببغداد ، وكان يروي مغازي ابن
إسحاق. وثقه ابن حبان. مات بالكوفة سنة (٢٧٢ هـ). له ترجمة في: ((الأعلام))
(١٤٠/١)، و((تذكرة الحفاظ)) (٥٨٢/٢)، و((شذرات الذهب)) (١٦٢/٢).
٩٨١
تؤدي عني ما فيه من الحديث ، جاز أن يقول : ناولني فلان ، أو أخبرني
فلان مناولةً .
وكذلك إذا كتب إليه بحديث جاز أن يقول : كتب إليّ فلان ، أو
أخبرني فلان مكاتبةً .
وقد نصّ أحمد رحمه اللّه على هذا فقال في رواية المروذي: إذا
أعطيتك كتابي ، وقلت لك : اروه عني ، وهو من حديثي ، فلا تبال
سمعته أو لم تسمعه .
وقال أبو بكر الخلال (١) : أخبرني أبو المثنى العنبري أن أبا داود
حدثهم : أن أبا عبد الله قال: لم أسمع من أبي توبة (٢) شيئاً (٣) ، [ وإنما ]
کتب إليّ بأحاديث .
(١) هو : أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر الخلال البغدادي الحنبلي ، أحد الذين
عُنُوا بمذهب الإمام أحمد جمعاً وترتيباً . سمع الحسن بن عرفة وسعدان بن نصر
وغيرهما . حدث عنه غلامه أبو بكر عبد العزيز ومحمد بن المظفر وغيرهما .
ألف كتاب: ((السنة))، و((العلل)) و((الجامع)). مات ببغداد في شهر
ربيع الآخر من سنة ( ٣١١ هـ ) .
انظر ترجمته في: ((تاريخ بغداد)) (١١٢/٥)، و«تذكرة الحفاظ)) (٧٨٥/٣)،
و ((شذرات الذهب)) (٢٦١/٢)، و((طبقات الحفاظ)) ص (٣٢٩)، و((طبقات
الحنابلة)) (١٢/٢)، و(المنتظم)) (١٧٤/٦).
(٢) هو : الربيع بن نافع أبو توبة الحلبي الطرسوسي . ثقة حجة . روى عن ابن
عيينة وابن المبارك وغيرهما . وعنه أبو داود والدارمي وأبو حاتم وغيرهم . مات
سنة ( ٢٤١ هـ) .
له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (٤٧٢/٢)، و((الخلاصة)) ص (١١٥).
طبعة بولاق، و((شذرات الذهب)) (٩٩/٢)، و((طبقات الحفاظ)) ص (٢٠٥).
(٣) في الأصل : ( شيء).
٩٨٢
1
٧
قال أبو بكر الخلال : وكان محمد بن عوف الحمصي (١) يحدثنا
كثيراً ، فيكثر فيما نسمع منه من المسند خاصةً ، فيقول : أخبرني أبو
ثور (٢) في كتابه إليّ .
وقال عبد الله: رأيت عبد الرحمن المتطبب (٣) جاء الى أبي ، فقال:
يا أبا عبد الله أخبرني هاذين الكتابين ، فقال له : ضعهما ، فأخذهما أبي ،
فعارض بهما حرفاً حرفاً ، فلما جاء دفعهما اليه ، وقال : قد أجزت لك
هذه بهذا .
وبهذا قال أصحاب الشافعي .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف - فيما حكاه أبو سفيان عنهما - : لا
(١) هو : محمد بن عوف بن سنان أبو جعفر الطائي الحمصي . من أصحاب الإمام
أحمد . قال فيه أبو بكر الخلال : حافظ إمام في زمانه ، معروف بالتقدم في العلم
والمعرفة على أصحابه ، روى عن الإمام أحمد وأبي المغيرة وغيرهما . وعنه
أبو بكر الخلال ، والإمام أحمد فيما قيل .
انظر ترجمته في: ((طبقات الحنابلة)) (٣١٠/١).
(٢) هو : إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان أبو ثور الكلبي البغدادي . أحد الفقهاء
المشهورين . ثقة مأمون . سمع وكيعاً وابن عيينة وغيرهما . ومنه أبو داود ومسلم
وغيرهما . مات سنة ( ٢٤٠ هـ ) .
له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (٦٥/٦)، و (( تذكرة الحفاظ)) (٥١٢/٢) ،
و ((تهذيب التهذيب)) (١١٨/١)، و((شذرات الذهب)) (٩٣/٢)، و((طبقات
الحفاظ)) ص (٢٢٣)، و((ميزان الاعتدال)) (٢٩/١)، و((النجوم الزاهرة))
(٢ /٣٠١) .
(٣) أبو الفضل ، وقيل : أبو عبد الله البغدادي . من أصحاب الإمام أحمد الذين
تفقهوا عليه، و ((نقلوا عنه المسائل)). ذكره الخلال فقال: ((عنده مسائل
حسان عن أبي عبد الله . وكان يأنس به أحمد بن حنبل )) .
له ترجمة في: ((طبقات الحنابلة)) (٢٠٨/١).
٩٨٣
:
تجوز الرواية بالإجازة والمناولة والمكاتبة ، سواء قال : حدثني به إجازةً
أو مناولةً، أو مكاتبةً ، أو لم يقل ذلك .
وحكى أبو سفيان عن أبي بكر الرازي أنه قال : إن قال الراوي لرجل :
قد أجزت لك أن تروي عني جميع ما في هذا الكتاب ، فاروه عني ، فإن
كانا عَلَمَا ما فيه جاز له أن يرويّ عنه ، فيقول : حدثني فلان ، وأخبرني
فلان ، كما أن رجلاً لو كتب صكّاً ، والشهود يرونه ، ثم قال لهم :
اشهدوا عليّ بجميع ما في هذا الكتاب ، جاز لهم إقامة الشهادة عليه بما فيه .
وأما إذا لم يعلم الراوي ولا السامع ما فيه ، فإن الذي يجب على مذهبنا :
لا يجوز له أن يقول : أخبرني فلان ، كما قالوا في الصك ، إذا أشهدهم وهم
لا يعلمون ما فيه ، لم تصح الشهادة ، وكذلك إذا قال له : قد أجزت لك ما
يصح عندك من صك فيه إقراري ، فاشهد به عليّ ، لم يصح .
قال : وإن علم المكتوب إليه أن هذا كتاب فلان إليه ، جاز له أن
يقول : أخبرني [١٤٨/أ] فلان ، يعني الكاتب ، ولا يقول حدثنا .
دليلنا على جواز الرواية في الإجازة والمناولة والمكاتبة على الوجه الذي
ذكرنا :
أنه ليس فيه أكثر من أنه لم يوجد من المحدث فعل الحديث ، وهذا لا
يمنع الرواية عنه، كما لو قرىء عليه الحديث فأقر به ، فإنه لم يوجد منه فعل
الحديث ، ومع هذا فإنه تصح الرواية عنه ، كذلك ها هنا .
فإن قيل : هناك وجد منه ما هو في حكم الحديث ، وهو إقراره به .
قيل : إقراره به ليس من فعل الحديث من جهته ، وإنما هو إقراره
بأنه سماعه ، وهذا المعنى موجود ها هنا .
ولأن أمر الأخبار مبني على حسن الظن والظاهر ، ولهذا قبل فيها
٩٨٤
العبيد والنساء وقول الواحد ، والظاهر من حال الخط أنه صحيح لا يشتبه
[ فيه ] ، فجازت الرواية به .
واحتج المخالف :
بأنه لم يوجد من المحدث فعل الحديث ، ولا ما هو في حكم الحديث ؛
لأنه لم يحدث به ، ولا قرىء عليه ، فلم يجز أن يقول : حدثني ولا أخبرني .
والجواب : أنه يبطل به ، إذا قرىء عليه ، فأقرَّ به .
واحتج : بأن الشهادة على الشهادة لا تقبل في مثل هذا ؛ لأنه لو
كتب شاهدان إلى شاهدين : اشهدا على شهادتنا لم يجز ، كذلك الأخبار .
والجواب : أن الأخبار (١) أمرها مبني على حسن الظن .
فإن كانت الإجازة مطلقة لجميع من أراد ، جاز .
وقد رأيت ذلك بخط أبي حفص البرمكي ، أو بخط والده أحمد بن
إبراهيم البرمكي (٢) في حاشية الورقة الأولى من جزء خرجه أبو بكر عبد
العزيز ترجمه: ((الرد على من انتحل [ غير ] (٣) مذهب أصحاب
الحديث ))، فقال : سمعت هارون بن موسى (٤) وأجازه الشيخ معي جميع
(١) في الأصل : ( الشهادة ) ، وهو خطأ، والصواب : ما أثبتناه .
(٢) هو : أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل البرمكي . من الطبقة الثالثة . تخصص في
صحبة أبي الحسن بن بشار، ونقل كثيراً من أخباره. له ترجمة في: (( طبقات
الحنابلة)) (٧٤/٢) .
(٣) سبق للمؤلف ص (٩٨٠) أن ذكر هذا الكتاب معزواً إلى أبي بكر عبد العزيز
كما أثبتناه .
(٤) هو : هارون بن موسى بن حيان أبو موسى القزويني . حدث عن أبي حاتم
=
الرازي ، وروى عنه علي بن عمر الحربي ، وأبو بكر عبد العزيز .
٩٨٥
ما خرج عنه لجميع من أراده ، وذلك أن الراوية بالإجازة إنما تصح لما صح
عنده من حديثه ، وهذا المعنى موجود في المطلقة والمقيدة .
فإن روى حديثاً عن غيره فقال : حدثني فلان عن فلان ، حمل على
أنه سمع ذلك منه من غير واسطة ، ويكون خبراً متصلاً .
وقد قال أحمد رحمه الله في رواية أبي الحارث وعبد الله : ما رواه
الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه عن النبي مع الفرِ فهو [ثابت](١)،
وما رواه الزهري عن سالم عن أبيه ، وداود عن أشعث عن علقمة عن
عبد الله ، ثابت .
وبهذا قال أصحاب الشافعي .
ومن الناس من قال : حديث العنعنة غير صحيح ؛ لأن قول عبد
الرزاق عن مَعْمَر ، يحتمل : أن يكون غير مَعْمَر ، وهو عنه على ما
روى ، ولكن لا لأنه سمعه منه .
وهذا غلط ؛ لأن الظاهر من حال الراوي إذا قال : حدثني فلان عن
فلان ، أن كل واحد منهم سمع ذلك من [١٤٨/ب] الذي روى عنه من
غير واسطة، فإنه لو كان واسطة لذكره وما أدرجه ، فحمل الأمر على
ذلك ، ووجب العمل بالخبر .
مسألة
إذا روى صحابي عن صحابي خبراً عن النبي مع القلم ، لزمه العمل به ،
له ترجمة في: (( تاريخ بغداد)) (٣٢/١٤)، وورد ذكره في ترجمة أبي بكر
=
عبد العزيز المعروف بغلام الخلال في: ((تاريخ بغداد )) (٤٥٩/١٠)، وله أيضاً
ترجمة في ((طبقات الحنابلة)) ( ١١٩/٢ ).
(١) بياض بالأصل يقدر بكلمة والتصويب دل عليه نقل أبي البقاء الفتوحي في كتابه
((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٨٩) من الملحق .
٩٨٦
فإن لقي المروي له النبي عظائم بعد ذلك ، لم يلزمه أن يسأله عن الخبر ، بل
يقتصر على السماع الأول .
وقال بعض الناس : يلزمه أن يسأله عن ذلك .
وهذا غلط ؛ لأن النبي عالم كان يبعث العمال والسعاة والمعلمين
والحكام إلى البلاد ، وكان الناس يرجعون إلى قولهم ويتعلمون منهم ،
ويقدمون على النبي ◌َ الفلم ولا يسألونه عن شيء من ذلك ، بل يقتصرون على
ما عرفوه من جهة رسله ، فثبت : أنه لا يجب الرجوع إليه ومساءلته .
واحتج المخالف :
بأن لهم طريقاً إلى معرفة الحكم من جهة الرسول قطعاً ، ومعرفته من
جهة الصحابي غير مقطوع عليه ، فلم يجز ترك القطع والاقتصار على غلبة
الظن .
والجواب : أنه ليس يمنع مثل هذا في أحكام الشرع ، ألا ترى أن
الإنسان يجوز له ترك التوضؤ بالماء من وسط النهر ، ويتوضأ من ماء في
إناء على طرف النهر .
فصل
فيمن يقع عليه اسم الصحابي
ظاهر كلام أحمد رحمه الله : أن اسم الصحابي مطلق على من رأى
النبي عليه السلام ، وإن لم يختص به اختصاص المصحوب ، ولا روى عنه
الحديث ؛ لأنه قال في رواية عبدوس بن مالك العطار (١) : أفضل الناس
(١) أبو محمد. روى عن الإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما. وعنه عبد الله بن
الإمام أحمد وأبو العباس السراج النيسابوري وغيرهما . كان من المقربين عند =
٩٨٧
بعد أهل بدر القرن الذي بعث(١) فيهم، كل من صحبه سنةً أو شهراً أو يوماً
أو ساعةً أو رآه ، فهو من أصحابه ، له من الصحبة على قدر ما صحبه ،
فقد أطلق اسم الصحبة على من رآه ، وإن لم يختص به .
وحكى أبو سفيان عن بعض شيوخه : أن اسم الصحابي إنما يطلق على
من رأى النبي صلى اللّه عليه [ وسلم ] واختص به اختصاص الصاحب
بالمصحوب سواء روى الحديث أو لم يروه ، وأخذ العلم أو لم يأخذه ،
فاعتبر تطاول الصحبة في العادة .
وذكر أبو سفيان عن أبي سفيان عمرو بن بحر : أن هذا الاسم إنما يسمى
به من طالت صحبته للنبي ◌ّ اللّه واختلاطه به ، وأخذ العلم ، وهذا القائل
اعتبر طول الصحبة ونقل العلم .
وحكى الإسفراييني : أن الصحبة في العرف : عبارة عمن صحب
غيره ، فطالت صحبته له ومجالسته معه .
دليلنا :
أن الصحبة في اللغة : من صحب غيره قليلاً أو كثيراً ، ألا ترى أنه
يقال : صحبت فلاناً ، وصحبته ساعة ؟
ولأن ذلك الاسم مشتق من الصحبة (٢)، وذلك يقع على القليل والكثير،
[ ١٤٩/أ] كالضارب مشتق من الضرب، والمتكلم مشتق من الكلام ،
وذلك يقع على القليل والكثير ، كذلك ها هنا .
الإمام أحمد ، وممن نقلوا عنه بعض المسائل .
=
له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (١١٥/١١)، و((طبقات الحنابلة)) (٢٤١/١).
(١) في الأصل: ( بعثت )، وهو خطأ ، والصواب ما أثبتناه ، وهو الموافق لما في
طبقات الحنابلة ( ٢٤٣/١) ، في ترجمة ( عبدوس ) ؛ لأنه نقل الرواية تامة ، مع
أنها رواية طويلة .
(٢) في الأصل : ( الكلام).
٩٨٨
ولأنه ليس يحتاج في إطلاق هذا الاسم إلى من قد روى الحديث عنه
صلى الله عليه [ وسلم ] وأخفى العلم عنه ؛ لأن جماعة من الصحابة قد
امتنعوا من رواية الحديث، ولم يكن ذلك مانعاً من إجراء هذا الاسم عليهم .
يبين صحة هذا : أن دواعيهم كانت مختلفة ، وكان بعضهم لا يرى
الرواية ، وكانوا يؤثرون الاشتغال بالجهاد على الرواية .
قال السائب بن يزيد : صحبت سعد بن أبي وقاص زماناً ، فما سمعت
منه حديثاً، إلا أني سمعته ذات يوم يقول: قال رسول الله عز له: ( لا
يفرق بين مجتمع ، ولا يجمع بين متفرق ، والخليطان ما اجتمعا في الحوض
والفحل والراعي ) .
وكذلك أخذ العلم منه لا يكون شرطاً في استحقاق هذه التسمية ؛ لأن
من اختص بغيره فإنه يطلق عليه أنه صاحب فلان ، وان لم يأخذ منه العلم .
واحتج المخالف :
بأن عادة الأمة جارية بإطلاق هذا الاسم على من اختص بالنبي
[عَ لَّه]، والمنع من إطلاقه على من لم يختص به، وإن كان قد رآه وسمع
منه ، كمن ورد عليه من الوفود والرسل (١) ومن يجري مجراهم ، وإذا
كان كذلك وجب أن يكون هذا الاسم جارياً على من اختص به الاختصاص
الذي ذكرناه .
ویبین صحة هذا :أن العالم إذا كان له أصحاب يصحبونه ويلازمونه کانوا
هم أصحابه،وإن کان في البلد من يلقاه ويستفتيه، فلا يكون من أصحابه،
كذلك النبي صلى الله عليه [وسلم] أصحابه من صحبه دون من لقيه مرة .
والجواب : أن من يرد عليه من الوفود والرسل إن كانوا مؤمنين به
(١) في الأصل : ( والرسلا).
٩٨٩
انطلق عليهم الاسم ، وإن كانوا كفاراً لم ينطلق عليهم الاسم ؛ لأنهم غير
تابعین له .
وأما من صحب غيره من العلماء على وجه التبع له في العلم ينطلق عليه
الاسم وإن قل ، ويقال : فلان صاحب فلان ، وكذلك من صحب فلاناً يوماً
على وجه الخدمة ، يقال : هذا صاحب فلان ، وأما من مشى معه في الطريق
إذا استفتاه ، فلا ينطلق عليه الاسم ؛ لأنه لم يحصل تابعاً له في صحبته .
ومن كان في وقت النبي صلى الله عليه [وسلم] كان تابعاً له ، فأما من يجوز
الإخبار عنه بأنه صحابي ، فهو من يخبر عنه الصحابي .
وحكى أبو سفيان عن بعض شيوخه : أنه لا يجوز الإخبار عنه بأنه
صحابي إلا بعد أن يقع لنا العلم بذلك ، إما اضطراراً أو اكتساباً .
دليلنا :
أنه لو أخبر عن نفسه بأنه صحابي ، قبل منه باتفاق منا ومن هذا القائل ،
فإذا أخبر عن غيره ، يجب أن يقبل منه .
يبين صحة الجمع بينهما : أن [١٤٩/ب] فسقه لما كان مانعاً من قبول
خبره بذلك عن نفسه ، كان فسق غيره مانعاً من قبول خبره .
ولأنه لما وجب العمل بخبر الواحد ، كذلك جاز الحكم بخبر الواحد في
إثبات الصحبة .
وذهب المخالف إلى أنه لا يجوز لنا أن نخبر فلاناً من أن يكون الخبر
عنه كذباً ، كما لا يجوز لنا أن نخبر بالكذب ، فإذا كان كذلك وكنا لا
نأمن في الإخبار عن زيد بأنه صحابي ، أن يكون حديثاً كذباً ، وجب أن
لا يجوز لنا الإخبار بذلك عنه .
والجواب : أن هذا موجود في الرواية عن النبي عائل بخبر الواحد ،
فإنا نجوز أن يكون كاذباً فيه ، ومع هذا يجب العمل بخبره ، كذلك ها هنا ،
٩٩٠
١
1
ويلزم عليه أيضاً إخباره عن نفسه ، فإن أخبرنا عن نفسه بأنه صحابي ، جاز
قبول خبره ، كما يقبل خبر غيره .
وحكي عن بعض الناس: أنه لا يقبل خبره، وإنما يعمل على خبر غيره.
دليلنا :
أنه لما قبل خبر غيره عنه بأنه صحابي ، کذلك يجوز قبول خبره عن
نفسه بذلك .
يبين صحة هذا وتساويهما : أن العدالة معتبرة فيما يخبر غيره عنه ،
وفيما يخبر هو عن نفسه .
فإن قيل : لا يمتنع أن يقبل قول غيره له ، ولا يقبل قوله لنفسه ، كما
تقبل شهادة غيره له ، ولا يقبل إقراره لنفسه ؛ لأنه يجر إلى نفسه منفعة ،
وهذا موجود ها هنا .
قيل : هذا لا يمنع خبره لنفسه ، ألا ترى أن من روى خبراً عن النبي
مَ اتٍ قبل منه وإن كان نفعه يعود بالمخبر ؟ كذلك قوله : أنا صحابي ،
لا يمنع ، وإن عاد نفعه إليه ويفارق هذا الشهادة والدعوى ؛ لأن حصول
النفع يمنع قبول ذلك .
وأيضاً : فإن العقل لا يمنع من قبول خبره بذلك ، والسمع لم يرد
بالمنع ، فجاز قبوله .
مسألة (١)
إذا قال الصحابي : من السنة كذا ، كما قال علي بن أبي طالب
رضي الله عنه: من السنة أن لا يقتل حر بعبد (٢). اقتضى سنة النبي ◌َ ◌ّه.
(١) راجع هذه المسألة في ((المسودة)) ص (٢٩٤).
(٢) قول علي - رضي الله عنه - أخرجه عنه الدار قطني في كتاب الحدود والديات =
٩٩١
وكذلك إذا قال التابعي : من السنة كذا ، كان بمنزلة المرسل ، فيكون
حجة على الصحيح من الروايتين ، كما قال سعيد بن المسيب : من السنة إذا
أعسر الرجل بنفقة امرأته أن يفرق بينهما (١).
وكذلك إذا قال الصحابي : أمرنا بكذا ، أو نهينا عن كذا ، فإنه
يرجع إلى أمر النبي مزاتمٍ ونهيه .
وكذلك إذا قال : رخص لنا في كذا .
وقد نقل أبو النضر العجلي عن أحمد رحمه الله : في جراحات النساء
مثل جراحات الرجال . حتى تبلغ الثلث ، فإذا زاد فهو على النصف من
جراحات الرجل ، قال : هو قول [ ١٥٠/أ] زيد بن ثابت (٢)، وقول علي
= (٣ / ١٣٤ ) .
وأخرجه عنه البيهقي في (( السنن الكبرى )) في كتاب الجنايات ، باب لا يقتل حر
يعبد (٣٤/٨). والأثر ضعيف؛ لأن في إسناده عندهما ((جابراً الجعفي)) وهو
ضعيف .
راجع في هذا الأثر أيضاً: ((تلخيص الحبير)) (١٦/٤ ).
(١) هذا الأثر أخرجه الإمام الشافعي بسنده عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيب ،
وذلك في كتاب النفقات ، باب وجوب النفقة للزوجة ، وإثبات الفرقة لها إذا
تعذرت النفقة باعساره ونحوه (٤٢٠/٢ )، ولفظه: ( ... عن أبي الزناد،
قال : سألت سعيد بن المسيب عن رجل لا يجد ما ينفق على امرأته ؟ قال : يفرق
بينهما . قال أبو الزناد : قلت سُنّة ؟ فقال سعيد : سُنّة . قال الشافعي : والذي
يشبه قول سعيد: ((سنة)) أن يكون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرجه عبد الرزاق في (( مصنفه)) في كتاب الطلاق ، باب الرجل لا يجد ما ينفق
على امرأته (٩٦/٧) بسنده عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيب بمثل لفظ الشافعي .
وأخرجه بسنده عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب، ولم يقل: ((من السنة)).
وراجع في هذا الأثر. أيضاً: ((تلخيص الحبير)) ( ٨/٤).
(٢) قول زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) =
٩٩٢
كله على النصف (١) . قيل له : كيف لم تذهب إلى قول علي ؟ قال : لأن
هذا - يعني قول زيد - ليس بقياس ، قال سعيد بن المسيب : هو السنة (٢).
وهذا يقتضي أن قول التابعي : من السنة، أنها سنة النبي صلى الله عليه
[وسلم]؛ لأنه قدم قوم زيد على قول علي ؛ لأنه وافق قول سعيد: إنما هي
السنة ، وبين أنه ليس بقياس .
وقد رأيت بعض أصحابنا ، ويغلب على ظني أنه أبو حفص البرمكي (٣)
ذكره في مسائل البرزاطي (٤) ، لما روى الحديث عن ابن عمر أنه قال :
في كتاب الديات، باب ما جاء في جراح المرأة (٩٦/٨)، بإسناد منقطع .
=
راجع أيضاً: ((نصب الراية)) (٣٦٤/٤) .
(١) هذا الأثر عن علي - رضي الله عنه - أخرجه عنه البيهقي في ((السنن الكبرى))
في كتاب الديات ، باب ما جاء في جراح المرأة ( ٩٥/٨ - ٩٦ ) باستادين ،
أحدهما منقطع .
راجع أيضاً: ((نصب الراية)) (٣٦٣/٤).
(٢) أثر سعيد بن المسيب - رحمه اللّه تعالى - أخرجه عنه البيهقي في ((السنن الكبرى))
في كتاب الديات ، باب ما جاء في جراح المرأة (٩٦/٨) ولفظه : ( ... عن
ربيعة أنه سأل سعيد بن المسيب كم في أصبع المرأة ؟ قال : عشر . قال : كم في
اثنتين ؟ قال : عشرون ، قال : كم في ثلاث ؟ قال : ثلاثون . قال . كم في
أربع ؟ قال : عشرون . قال ربيعة : حين عظم جرحها ، واشتدت مصيبتها .
نقص عقلها ! قال : أعراقي أنت ؟ قال ربيعة : عالم متثبت أو جاهل متعلم . قال:
يا ابن أخي إنها السنة ) .
راجع أيضاً: ((نصب الراية)) ( ٣٦٤/٤) .
(٣) حرر هذا القائل بأنه ابن بطة، كما في ((المسودة)) ص (٢٩٥) .
(٤) هو : محمد بن أحمد أبو عبد الله البرزاطي. روى عن الحسن بن عرفة وعلي بن
حرب الطائي وغيرهما . وعنه أبو بكر بن شاذان .
انظر ترجمته في: ((تاريخ بغداد)) (٣٨٢/١)، و((اللباب)) (١٣٧/١).
٩٩٣
العدة في أصول الفقه - ٦٣
مضت السنة أن ما أدركت الصفقة حياً (١) مجموعاً فهو من مال المبتاع(٢) ،
فقال بعد هذا : صار الحديث مرفوعاً بقوله : مضت السنة ، ويدخل في
المسند (٣).
واختلف أصحاب أبي حنيفة في ذلك : فحكى أبو سفيان عن أبي بكر
الرازي : أنه لا يضيف ذلك ، وحكى عن غيره من أصحابه : أنه يضاف
إلى النبي [عَ لِّ ].
واختلف أصحاب الشافعي أيضاً : فذهب الصيرفي (٤) إلى أنه لا
يضاف إلى النبي [{لِ]، وذهب غيره : إلى أنه يضاف إليه.
دليلنا :
أن السنة المطلقة في أحكام الشرع ما سنه رسول اللّه ◌َلاتع ، فإذا أطلق
وجب رجوع ذلك إليه ؛ لأنه إذا أريد بها سنة غيره فإنها لا تطلق ، بل
تضاف إلى صاحبها .
يبين صحة هذا : أن الناس يقولون : عليكم بالقرآن والسنة ، فلا
يعقلون من ذلك إلا اتباع النبي لتٍّ .
(١) في ((المسودة)) ص (٢٩٥) بالباء الموحدة وفي ((صحيح البخاري)) (حياً ) بالمثناة
التحتية كما أثبتناه .
(٢) حديث ابن عمر رضي الله عنه ذكره البخاري معلقاً بصيغة: ( قال ) ولم يذكر
قوله : ( مضت السنة ) ، وذلك في كتاب البيوع ، باب إذا اشترى متاعاً أو
دابة ، فوضعه عند البائع ، أو مات قبل أن يقبض .
(٣) تعقب الشيخ ابنُ تيمية المؤلفَ في هذا، حيث قال في ((المسودة)) ص (٢٩٥) :
( قلت : ويغلب على ظني أن هذا الضرب لم يذكره أحمد في الحديث المسند ، فلا
يكون عنده مرفوعاً ) .
(٤) هو أبو بكر محمد بن عبد اللّه الصير في ، وقد سبقت ترجمته ص (١٠٥).
٩٩٤
٢
ولأن إطلاق الأمر في الشريعة يرجع إلى صاحب الشريعة ، ولهذا
كان أنس بن مالك يقول : أُمِرَ بلال (١) أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة (٢)
ويحدث به هكذا ، ولا يقول له أحد : من الآمر به ؟ فدل على ما قلناه .
(١) هو: بلال بن رباح الحبشي ، أبو عبد الله ، مولى أبي بكر رضي الله عنه،
ومؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم. صحابي جليل ، من أول الناس إسلاماً.
شهد بدراً والمشاهد كلها . مات بدمشق سنة (٢٠) وله من العمر ثلاث وستون
سنـة .
له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٧٨/١)، و((الإصابة)) القسم الأول ص
(٣٢٦)، طبعة دار نهضة مصر .
(٢) حديث أنس - رضي الله عنه - هذا، أخرجه عنه البخاري في كتاب الأذان،
باب بدء الأذان ( ١٤٨/١ ) .
وأخرجه عنه مسلم في كتاب الصلاة ، باب الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة
(٢٨٦/١) .
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الصلاة ، باب ما جاء في إفراد الإقامة ( ٣٦٩/١ -
٣٧٠) .
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة ، باب في الإقامة ( ١٢١/١ ) .
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الأذان ، باب تثنية الأذان (٤/٢).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الأذان ، باب إفراد الإقامة ( ٢٤١/١ ) .
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الصلاة ، باب الأذان مثنى مثنى والإقامة مرة
(١١٦/١).
وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب الصلاة ، باب حديث أبي محذورة في صفة
الأذان ( ٥٩/١ ) .
وأخرجه عنه أبو داود الطيالسي في مسنده في كتاب الصلاة ، باب صفة الأذان
والإقامة (٧٩/١) .
وأخرجه عنه الطحاوي في كتابه شرح معاني الآثار ، في كتاب الصلاة ، باب
الإقامة كيف هي (١٣٢/١).
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (١٠٥)
و ((نصب الراية)) (٢٧١/١).
٩٩٥
وكذلك عبد الله بن عمر قال : رخص للمتمتع في صيام أيام التشريق (١)
ولا يقول أحد : من رخص للمتمتع في صيامها (٢) ؟
وقد احتج بعضهم في ذلك :
بأن الأمر إنما يحسن لكون المأمور به مصلحة ، توجب أن يكون في
إضافته إلى من يعلم المصالح أولى من إضافته إلى من لا يعلم ، والرسول
[َ التٍّ] أعلم بذلك دون غيره .
واحتج المخالف :
بأن الأمر والنهي والسنة لا يختص بالنبي دون غيره ، قال تعالى :
( أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم)(٣) فأمر باتباع أمر
الولاة ، كما أمر باتباع أمره عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه [وسلم].
وقال النبي مع الله: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) .
وقال ◌َله: (من [١٥٠/ب] سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من
عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سُنّةً سيئة ، فعليه وزرها ووزر من عمل
بها إلى يوم القيامة ) ، فأثبت لغيره سنة كما أثبت ذلك لنفسه .
وكذلك روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: جلد رسول اللّه معدلالتر في
(١) هذا الحديث أخرجه البخاري بسنده عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهما في
كتاب الصيام ، باب صيام أيام التشريق (٥٣/٣ - ٥٤)، ولفظه : ( لم يرخص
في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي )) .
راجع فيه أيضاً ((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٣٥٨).
(٢) في الأصل : ( صيامهما).
(٣) (٥٩) سورة النساء.
٩٩٦
i
الخمر أربعين ، وجلد أبو بكر أربعين ، وجلد عمر ثمانين ، وكل سنة (١).
فسمى رأيهم في أيام عمر سنة .
والجواب عن قوله تعالى: ( وأولي الأمر منكم ) : يحتمل ما أخبروا
به عن الله عز وجل ورسوله [{4}] .
وكذلك قول النبي مع الله: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء ) يحتمل ما
رووه عن النبي صلى الله عليه [وسلم] ، فكأنه قال : عليكم ما سمعتموه
مني، وبما حدثكم به خلفائي عني .
وكذلك قوله : ( من سن سنة حسنة ) معناه : ما رواه عن النبي
[ صلى الله عليه وسلم ] .
وقوله : ( ومن سن سنة سيئة ) فليس شيئاً مما نحن فيه ؛ لأن خلافنا في
السنة الشرعية ، والسيئة ليست بشرعية ، فلا يتناولها الإطلاق .
وجواب آخر وهو : أن الخلاف في إطلاق السنة ، وها هنا مقيدة
منسوبة إلى الخلفاء إلى غير النبي ( صلى الله عليه وسلم ].
وأما قول علي: ((وكل سنة))، فهو أنا نحمله على سنة النبي ( صلى اللّه
عليه وسلم ] ؛ لأن الزيادة عندنا حد ، وقد ثبت الحد بالسنة ، وقال علي
ابن أبي طالب لقنبر: ما إخال أن أحداً يعلمنا السنة ، وأراد منه النبي صلى
اللّه عليه [ وسلم ] .
(١) حديث علي - رضي الله عنه - هذا أخرجه مسلم في كتاب الحدود ، باب حد
الخمر (١٣٣١/٣ - ١٣٣٢ ).
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الحدود ، باب في الحد في الخمر (٤٧٣/٢ ) .
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الحدود ، باب حد السكران ( ٨٥٨/٢ ).
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الحدود ، باب في حد الخمر ( ٩٧/٢ ).
وراجع فيه أيضاً: (( المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٦٥٦).
٩٩٧
مسألة (١)
إذا قال الصحاني أو التابعي : كانوا يفعلون كذا ، حمل ذلك على
الجماعة دون الواحد منهم . وهو قول أصحاب أبي حنيفة .
وذلك نحو قول عائشة رضي الله عنها : كانوا لا يقطعون في الشيء ،
التافه (٢) .
وقول إبراهيم النخعي : كانوا يحذفون التكبير حذفاً . فيكون هذا عن
جماعتهم ؛ لأن الصحابي والتابعي إذا قال : كانوا يفعلون كذا ، فإنما
يقول ذلك على وجه الدلالة على صحة ما فعلوا ، فإذا كان كذلك ، وكانت
الجماعة التي فعلها وقولها حجة ، هي الأمة وجب أن يكون قول القائل منهم
راجعاً إليهم .
فإن قيل : يجوز أن يكون المراد به فعل بعض الصحابة ؛ لأن فعل
بعضهم يكون حجة .
قيل : الواحد لا يقع عليه اسم الجماعة .
(١) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (٢٩٦).
(٢) هذا الأثر عن عائشة - رضي الله عنها - أخرجه عنها بالسند المتصل ابن أبي شيبة
في مصنفه، كما حكى ذلك الزيلعي في كتابه: ((نصب الراية)) (٣٦٠/٣) ،
ولفظه : ( قالت : لم تكن يد السارق تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم في الشيء التافه ، ولم تقطع في أدنى من ثمن حجفه أو ترس ). كما أخرجه
مرسلاً عن عروة .
وأخرجه عنها ابن عدي في كتابه: (( الكامل )) بالسند المتصل ، وفي إسناده عبد
الله بن قبيصة الفزاري، قال ابن عدي: (( لم يتابع عليه)) نقل ذلك الزيلعي في
كتابه المذكور آنفاً .
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب اللقطة ، باب في كم تقطع يد السارق ؟
(٢٣٤/١٠ - ٢٣٥) عن عروة مرسلاً .
٩٩٨
:
فإن قيل : فيجب أن لا يسوغ خلاف ذلك ؛ لأنه حينئذ يكون خلاف
الإجماع ، فلما ساغ ، دل على أن ذلك لم يقتض الإجماع .
قيل : إنما سوغنا الخلاف فيما هذا سبيله ؛ لأنا نعلم أنهم أجمعوا
عليه ، وإنما استدللنا عليه بخبر الواحد ، وخبر الواحد لا يوجب العلم بما
تضمنه .
مسألة
إذا قال الصحابي: [١٥١/أ] قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم ]:
كذا وكذا ، حكم بأنه سمع ذلك من رسول الله مع التع ، ويصير كما لو
قال : سمعت رسول اللّه [ صلى اللّه عليه وسلم ] ، أو حدثني رسول الله
[ صلى الله عليه وسلم ] .
وحكي عن أبي بكرا بن الباقلاني قال : لا أحكم بأنه سمع ذلك منه ،
بل يجوز أن يكون بينهما واسطة .
دليلنا :
أنه لما قال [ قال ] رسول اللّه حتماتعٍ كذا وكذا، أضاف القول إليه،
وقطع على أنه قال ، والظاهر من حال الإنسان أنه لا يقطع على الشيء ويطلقه
إلا بعد أن يتحققه ويسمعه شفاهاً من قائله ، فوجب حمل الأمر على ذلك ،
والحكم به .
واحتج المخالف :
بأنه قد يخبره بذلك العدد الكبير ، فيقطع عليه ، وإن لم يسمعه منه .
والجواب : أنه لو كان كذلك لكان بيّن الواسطة ، ولا يطلق إضافة
القول إليه ، فلما أطلق كان الظاهر سماعه منه .
٩٩٩
مسألة
إذا قال الصحابي: أمر رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بكذا ،
ونهى رسول الله ( صلى اللّه عليه وسلم ] عن كذا ، أو قال : فرض رسول
الله [ صلى الله عليه وسلم ] كذا ، أو أباح، أو حرم ، فإن الحكم يثبت
بذلك ويحكم به بالأمر والنهي .
وقد احتج أحمد رحمه الله على فرض زكاة الفطر : بقول ابن عمر :
فرض رسول الله (١) [ صلى الله عليه وسلم ].
وحكى عن القاضي أبي الحسن الجزري (٢) أنه قال: مذهب داود :
أن لا يثبت بذلك ، ولا يحكم به .
(١) حديث ابن عمر - رضي الله عنه - ، أخرجه عنه البخاري في كتاب الزكاة ،
باب فرض صدقة الفطر (١٥٣/٢)، ولفظه: ( فرض رسول الله صلى الله
عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر
والأنثى والصغير والكبير من المسلمين ، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى
الصلاة ) .
وأخرجه عنه مسلم في كتاب الزكاة ، باب زكاة الفطر (٦٧٧/٢ ).
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الزكاة ، باب ما جاء في صدقة الفطر (٥٢/٣).
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الزكاة ، باب كم يؤدى في صدقة الفطر ؟
(٣٧٣/١) .
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الزكاة ، باب كم فرض ؟ (٣٦/٥).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الزكاة ، باب صدقة الفطر ( ٥٨٤/١ ) .
وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب الزكاة ، باب ما جاء في زكاة الفطر
(٢٤٦/١) من ((بدائع المنن)).
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الزكاة ، باب في زكاة الفطر ( ٣٢٩/١) .
(٢) هو عبد العزيز بن أحمد بن الحسن أبو الحسن الجزري. كان ظاهرياً على مذهب=
١٠٠٠
١