النص المفهرس

صفحات 961-980

[ قال ](١) ابن جريج: لقيت الزهري وسألته [ عنه ] (٢) ؟ فقال : لا
أعرفه .
وكذلك نقل حرب عنه : أنه سئل عن حديث الولي ، فقال : لا يصح ؛
لأن الزهري سئل عنه فأنكره .
فالدلالة على وجوب العمل به :
أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن (٣) روي عن سهيل بن أبي صالح (٤) عن
أبيه(٥) عن أبي هريرة عن النبي مَ لقٍّ: (أنه قضى باليمين مع الشاهد)(٦)، ثم
(١) ما بين القوسين المعقوفين زيادة من ((المسودة)) ص (٢٧٨).
(٢) ما بين القوسين المعقوفين زيادة من ((المسودة)) ص (٢٧٨).
(٣) اسم أبيه: فروخ ، وكنيته: أبو عبد الرحمن المدني. مولى آل المنكدر : المعروف
بربيعة الرأي . أحد التابعين . ثقة مشهور . روى عن أنس بن مالك والأعرج
ومكحول وآخرين . وعنه السفيانان وشعبة وخلق . كان أحد المفتين بالمدينة .
مات سنة (١٣٦ هـ) ، بالمدينة ، وقيل : بالأنبار .
انظر ترجمته في: ((تاريخ بغداد)) (٤٢٠/٨)، و((تذكرة الحفاظ)) (١٥٧/١)،
و ((تهذيب الأسماء واللغات)) (١٨٩/١)، و((الخلاصة)) ص (٩٩)، و((شذرات
الذهب)) (١٩٤/١)، و((طبقات الحفاظ)) ص (٦٨)، و((ميزان الاعتدال))
(٢ /٤٤) .
(٤) هو : سهيل بن أبي صالح ذكوان السمان أبو يزيد المدني . اختلف فيه ، فوثقه
بعضهم ، وضعفه بعضهم . روى عن أبيه وسعيد بن المسيب وغيرهما . وعنه
ربيعة الرأي وشعبة ومالك وآخرون . مات في خلافة المنصور .
له ترجمة في: ((الخلاصة)) ص (١٥٨)، طبعة بولاق، و ((المغني في الضعفاء))
(٢٨٩/١)، و ((ميزان الاعتدال)) (٢٤٣/٢).
(٥) هو : ذكوان أبو صالح السمان المدني . ثقة . روى عن أبي هريرة وأبي الدر داء
وعائشة وخلق . وعنه بنوه سهيل وعبد الله وصالح والأعمش وآخرون . مات
سنة (١٠١ هـ) .
له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ (((٨٩/١)، و((الخلاصة)) ص (١١٢)، طبعة
بولاق، و ((طبقات الحفاظ)) ص (٣٣).
(٦) سبق تخريجه ص (٨١٥).
٩٦١
العدة في أصول الفقه - ٦١

نسيه سهيل ، فكان يقول : حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي هريرة عن
النبي ◌َّ اته ، ويروي هكذا ، ولا ينكره أحد من التابعين ، ولا يخالفه
مخالف منهم ، فدل على جوازه .
ولأن المروي عنه غير عالم ببطلان روايته ، والراوي عنده ثقة ، فوجب
تصديقه والعمل بخبره ، كما يجب على سائر الناس ، إذا لم ينس المروي
عنه ، فيكون المروي عنه في هذه الحالة بمنزلة سائر الناس .
ولأن النسيان الطاريء عليه لم يقدح في عدالته حال روايته ، ولا أثر
فيها ، فلم يوجب رد خبره ، وإن خرج عن كونه ذاكراً له ، كما لو طرأ
عليه جنون أو مرض .
واحتج المخالف :
بأنه لو شهد شاهدان على شهادة شاهدين ، فقال شاهدا الأصل : لا
نذكر ولا نحفظه، لم يجز للحاكم أن [١٤٤/أ] يحكم بشهادتهما. وكذلك
الخبر .
وكذلك الحاكم إذا ادعى رجل أنه قضي له بحق على فلان ، ولم يذكر
القاضي ، فأحضر المدعي بينة على حكمه ، لم يرجع إليها ، كذلك ها هنا .
والجواب : أنا لا نسلم هذا في القاضي ، بل نقول : يرجع .
وأما شهود الفرع ، فإنما لم تسمع شهادتهم ؛ لما ذكرنا من أن الشهادة
أغلظ حكماً ، وأضيق طريقاً من الخبر ، وقد بينته فيما مضى .
واحتج : بما روي أن عماراً (١) قال لعمر بن الخطاب في باب جواز
(١) هو : عمار بن ياسر بن مالك أبو اليقظان العنسي المخزومي بالولاء صحابي
جليل . شهد بدراً والمشاهد كلها ، كما شهد اليمامة ، وفيها قطعت أذنه . مات
مقتولاً في موقعة صفين سنة (٣٧ هـ) وله من العمر نيف وتسعون سنة .
=
٩٦٢

التيمم للجنب : أما تذكرأنا كنا في الإبل، فأجْنَبْت، فَتَمَعّكْت بالتراب،
ثم سألت النبي ◌ِّ اللّمِ فقال: ( إنما يكفيك أن تضرب بيديك) (١) فلم يقبل
عمر من عمار ، مع كونه عدلاً ثقة .
والجواب : أن عمر قبل قول الهرمزان أنه أمنه ، لما شهد له بذلك أنس
وغيره (٢) .
نقل من كتاب ((الإيمان)) تصنيف الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله
قال عبد الله: سمعت أبي يقول : سمعت حماداً (٣) يقول: عمير بن
له ترجمة في: الاستيعاب (١١٣٥/٣)، و((الإصابة)» القسم الرابع ص
=
(٥٧٥)، طبعة دار نهضة مصر. و((الخلاصة)) ص (٢٧٩)، طبعة بولاق ،
و ((شذرات الذهب)) (٤٥/١).
(١) حديث عمار رضي الله عنه، أخرجه عنه البخاري في كتاب التيمم ، باب التيمم
ضربة ( ٩١/١ - ٩٢ ) .
وأخرجه عنه مسلم في كتاب الحيض ، باب التيمم ( ٢٨٠/١ - ٢٨١ ).
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الطهارة ، باب ما جاء في التيمم (٢٦٨/١).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة ، باب ما جاء في التيمم ضربة واحدة
(١٨٨/١).
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الطهارة ، باب تيمم الجنب ( ١٣٩/١). وراجع
في هذا الحديث أيضاً: ((تيسير الوصول)) (٣٢٤/٢)، وذخائر المواريث))
(٣٤/٣)، و ((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٧٧) .
(٢) قصة تأمين عمر للهرمزان ، وشهادة أنس بذلك أوردها ابن كثير في كتابه :
((البداية والنهاية)) ( ٨٥/٧ - ٨٦) طبعة مكتبة المعارف، بيروت والنصر
بالرياض .
(٣) هو : حماد بن زيد بن درهم أبو إسماعيل الأزدي الجهضمي البصري . أحد
الأئمة المشهورين . روى عن ثابت البناني ومحمد بن سيرين وغيرهما . وعنه
الثوري وابن عيينة ، وخلائق. ولد سنة (٩٨ هـ)، ومات بالبصرة سنة (١٧٩ هـ).
له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (٢٢٨/١)، و((تهذيب الأسماء)) (١٦٧/١)،=
٩٦٣
:

يزيد (١) ليس فيه عن أبيه، فقلت : إنك حدثتني عن أبيه عن جده، فقال:
أحسب أنه عن أبيه ، وهذا يدل على أنه رجع إلى رواية أبيه عنه .
وجملة ما ذكرناه مما رد به الخبر ، فهو لأجل المخبر ، وهو أن ينقله
ثقة عن ثقة ، فإنه يرد بأحد خمسة أشياء :
أحدها : أن يخالف موجبات العقول ، كقوله : إن الله خلق نفسه .
الثاني : أن يخالف نص كتاب اللّه أو سنة متواترة ، فإنه يرد ؛ لأنه
دليل مقطوع به ، فلا يعارضه ما هو غير مقطوع به .
الثالث : أن يكون بخلاف الإجماع ؛ لأن الإجماع دليل مقطوع
[ به ]؛ ولأنه إذا خالف الإجماع كان دليلاً على نسخه ؛ لأنه لو كان
ثابتاً لما خرج عن الأمة .
الرابع : أن يروي ما يجب على الكافة علمه ، مثل أن يروي أن النبي
يَّ اتِ عهد إلى أبي بكر أو إلى عمر أو إلى عثمان أو إلى علي ، فإذا انفرد
الواحد بنقل مثل هذا كان مردوداً .
= و((الخلاصة)) ص (٨٧)، و((شذرات الذهب)) (٢٩٢/١)، و((طبقات
الحفاظ )) ص (٩٦).
(١) في الأصل: ( عمير بن حبيب )، وهو خطأ ، والصواب ما أثبتناه ؛ لأن عمير
ابن حبيب صحابي، ممن بايع تحت الشجرة، كما في: ((الاستيعاب)) (١٢١٣/٣)،
و((التاريخ الكبير)) (٥٣١/٣ ق ٢). و ((الجرح والتعديل)) (٣٧٥/٣).
وأما حفيده فهو : عمير بن يزيد بن عمير بن حبيب أبو جعفر الخطمي. روى
عن أسعد بن سهل وابن المسيب ، وعنه هشام الدستوائي وشعبة . حكى الدارمي عن
ابن معين توثيقه .
له ترجمة في: ((التاريخ الكبير)) و ((الجرح والتعديل))، كما سبقت الإشارة
إلى ذلك في ترجمة جده، و((الخلاصة)) ص (٢٩٧)، طبعة بولاق .
٩٦٤

فإن قيل : أليس ما يعمّ به البلوى يفتقر إليه كل أحد، ومع هذا يثبت
بخبر الواحد ؟
قيل : كل أحد مفتقر إلى العمل به ، لا إلى علمه ، فلهذا ثبت
بخبر الواحد ، وليس كذلك ثبوت الخلافة والعهد إلى واحد ؛ لأن على كل
واحد أن يعرفه ويعلمه نطقاً ، فلهذا لم يثبت بخبر الواحد .
الخامس : أن ينفرد بما جرت العادة في نقله بالتواتر ، مثل أن ينفرد
بنقل أن الخطيب سقط يوم الجمعة من المنبر ، فالعادة جرت بأن الواحد لا
ينفرد بنقله ، فإذا انفرد هو به عَلِمْناه بخلاف العادة ، فرددناه .
وهذا في العلل التي رد لها خبر الواحد .
فأما الأسباب المهمة التي لا يرد لأجلها خبر الواحد :
منها : أن تلحقه غفلة في وقت، فإن خبره لا يرد؛ لأن [١٤٤/ب]
أحداً لا ينفك عن أن تلحقه غفلة (١) في وقت ، بل إن روى خبراً في حال
غفلته ، لم يثبت خبره .
وقد قال عبد الله : قلت لأبي : إن بشر بن عمر (٢) زعم أنه سأل
مالكاً عن صالح مولى التّوْأَمة (٣)، فقال: ليس بثقة . قال أبي : مالك أدرك
(١) في الأصل : ( عقله ).
(٢) هو : بشر بن عمر بن الحكم بن عقبة ، أبو محمد الزهراني البصري . ثقة صدوق .
روى عن مالك وشعبة وحماد بن سلمة وغيرهم . وعنه إسحاق بن
راهويه والذهلي وعباس العنبري وغيرهم . مات سنة (٢٠٦ هـ) أو (٢٠٧ هـ).
له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (٣٣٧/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٥٥/١)،
و ((الخلاصة)) ص (٤٢)، و((طبقات الحفاظ)) ص (١٤١).
(٣) هو : صالح بن نبهان مولى التوأمة ، وهي ابنة أمية بن خلف . روى عن أبي
هريرة وابن عباس وغيرهما. وعنه ابن أبي ذئب والثوري وغيرهما . وثقه =
٩٦٥

صالحاً وقد اختلط ، وهو كبير ، ما أعلم به بأساً ، من سمع منه قديماً ، قد
روى عنه أكابر أهل المدينة ، نقلت ذلك من كتاب أبي بشر محمد بن أحمد
الدُّولابي (١) .
ومنها : أن يضطرب بعض حديثه ، فلا يرد خبره ؛ لأن كل أحد لا
يقدر على ضبط ما سمعه كله ، بل يكون ببعضه أضبط من بعض .
ومنها : أن ينفرد (٢) بنقل حديث واحد ، لا يروي غيره ، فلا يرد
حديثه ، لجواز ، أن ينفرد به عن كل واحد ، كأنه حدثت له حادثة ،
فسأل رسول اللّه عَّاتٍ فأجابه عنها.
ومنها : أن لا تعرف له مجالسة مع النبي ◌َّ المِ ، فلا يرد خبره ؛ لأنه
قد يجالسه ، فلا يعرف ذلك منه ، وقد يأخذ الحديث عنه من غير مجالسة .
ومنها: أن يروي حديثاً، وفعل رسول الله صلى الله عليه [وسلم] يخالفه، مثل
قوله ◌َ الِ: (لاَ يَنْكِح المحرم ولا يُنْكِّحِ)(٣) ثم يروي عنه ابن عباس: أنه
ابن معين وغيره . وقال ابن عدي : لا بأس برواية القدماء عنه . وقال مالك
=
ويحيى القطان ليس بثقة . وقال الذهبى: صدوق، لكنه عُمّر واختلط . مات
سنة (١٢٥ هـ) .
انظر ترجمته في: ((الخلاصة)) ص (١٧٢)، طبعة بولاق، و((المغني في
الضعفاء)) (٣٠٥/١)، و ((ميزان الاعتدال)) (٣٠٢/٢).
(١) هو : محمد بن أحمد بن سعيد بن مسلمة أبو بشر الدولابي الأنصاري الرازي .
مختلف في توثيقه ، روى عن بندار وهارون بن سعيد الأيلي وغيرهما . وعنه
ابن عدي والطبراني وغيرهما. مات سنة (٢٢٤ هـ).
له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (٧٥٩/٢)، و((شذرات الذهب)) (٢٦٠/٢)،
و ((طبقات الحفاظ)) ص (٣١٩ هـ) و((ميزان الاعتدال)) (٤٥٩/٣).
(٢) في الأصل : ( يرد).
(٣) سبق تخريجه ص (٤٣٨).
٩٦٦

نكح ميمونة ، وهو محرم (١) ، فلا يرد به خبره ، لأن النبي [عِلْمٍ]، قد
يفعل ما هو خاص له دون أمته ، فلا يستدل به على رد خبره .
ومنها : أن يروي حديثاً يخالفه فيه أكثر الصحابة ، فلا يرد لذلك ،
لجواز أن يخفي عليهم ما عرفه ، فيكون الحق معه دونهم .
ومنها : أن يكون معروفاً باللقب ، وقد اختلف اسمه ، كالحذا (٢)
(١) حديث ابن عباس - رضى الله عنه - هذا أخرجه عنه البخاري في كتاب الحج ،
باب تزويج المحرم ( ١٨/٣ ).
وأخرجه عنه مسلم في كتاب النكاح ، باب تحريم نكاح المحرم وكراهية خطبته
(٢ /١٠٣١) .
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الرخصة في ذلك (١٩٢/٣).
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الحج ، باب الرخصة في النكاح للمحرم
(٥ / ١٥٠).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب النكاح ، باب المحرم يتزوج (٦٣٢/١).
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب مناسك الحج ، باب في تزويج المحرم (٣٦٨/١).
وأخرجه عنه الطيالسي في كتاب الحج ، باب في نكاح المحرم ( ٢١٣/١).
وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب الحج ، باب ما جاء في نكاح المحرم
وانكاحه (١٩/٢).
وأخرجه عنه الطحاوي في كتابه (( شرح معاني الآثار )) ، في كتاب مناسك الحج ،
باب نكاح المحرم ( ٢٦٩/٢ ).
راجع في هذا الحديث أيضاً: ((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٣٨٧).
و ((نصب الراية)) ( ١٧١/٣ - ١٧٢ ).
(٢) وهو : خالد بن مهران الحذاء أبو المنازل البصري . ثقة مشهور . روى عن
الحسن البصري وابن سيرين وآخرين . وعنه شعبة وابن المبارك وغيرهما . مات
سنة ( ١٤١ هـ ) .
ح
٩٦٧
:

ونحو ذلك ، فلا يرد خبره ؛ لأنه متفق عليه ، وإنما وقع الاختلاف فيما لا
یکون به مجهولاً .
ومنها : أن ينسى بعض حديثه ، فذُكِّرِ فعاد إليه ، فلا يرد حديثه
لذلك ؛ لأن الإنسان قد ینسی الشيء ، ثم إذا ذُ كر تذکر ، بلى إن روى
حديثاً ، لا أصل له ، وقال : نقلته على بصيرة مني بذلك ، فهو مردود
الحديث لأنه قد أخبر عن نفسه بالكذب على رسول اللّه [عد النّه ].
فإن روى حديثاً ، لا أصل له ، وقال : سهوت فيه ، أو أخطأت ، قبل
خبره ؛ لأنه قد يجوز عليه السهو والغلط .
وقد نص أحمد رحمه الله على هذا في رواية حرب : في الرجل إذا
سها في الإسناد ، فأخطأ فيه ، ولا يتعمد ذلك : أرجو أن لا يكون به بأس .
مسألة (١)
[ رواية الحديث بالمعنى]
والمستحب رواية الحديث بألفاظه ، فإن نقله على المعنى ، وأبدل اللفظ
بغيره بما يقوم مقامه ، من غير شبهة ولا لبس على سامعه ، جاز ، إذا كان
عارفاً بالمعنى ، كالحسن ونحوه ، مثل أن يقول بدل قول النبي معت اللّهِ: ( صبوا
له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (١٤٩/١)، و((الخلاصة)) ص (٨٨)،
=
و ((شذرات الذهب)) (٢١٠/١)، و((طبقات الحفاظ)) ص (٦٤)، و((ميزان
الاعتدال )) (٦٤٢/١) .
(١) راجع هذه المسألة في ((المسودة)) ص (٢٨١). فإنه نقل كثيراً عن المؤلف في
هذه المسألة، وراجع أيضاً: ((روضة الناطر)) مع شرحها ((نزهة الخاطر))
(٣١٨/١- ٣٢٣) .
٩٦٨
٠

عليه ذنوباً من ماء) (١): أريقوا عليه ذنوباً (٢) من ماء.
وقد نصّ أحمد رحمه الله على هذا في رواية حرب والميموني والفضل
ابن زياد [١٤٥/أ] وأبي الحارث ومُهَنّا، كل عنه: تجوز الرواية على المعنى
وقال : ما زال الحفاظ يحدثون بالمعنى .
وحكي عن ابن سيرين وجماعة من السلف : أنه يجب نقل اللفظ على
صورته، وحكاه أبو سفيان عن أبي بكر الرازي .
دليلنا :
ما حدثنا أبو محمد الخلال (٣) بإسناده عن ابن مسعود قال : سأل رجل
النبي عَّ الله فقال: يا رسول اللّه إنك تحدثنا حديثاً، لا نقدر أن نسوقه،
كما نسمعه ، فقال : (إذا أصاب أحدكم المعنى فليحدث)(٤) ، وهذا نص.
(١) هذا الحديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه: أخرجه عنه البخاري في كتاب
الوضوء باب صب الماء على البول في المسجد (٦٣/١ ).
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الطهارة ، باب ما جاء في البول يصيب الأرض
(١ / ٢٧٥ ) .
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الطهارة، باب الأرض يصيبها البول (٩٠/١).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة ، باب الأرض يصيبها البول كيف
تغسل (١ / ١٧).
(٢) في ((المسودة)) ص (٢٨٢): ( دلواً من ماء)، وهو الأولى .
(٣) هو: الحسن بن محمد بن الحسن بن علي أبو محمد الخلال ولد سنة (٣٥٢ هـ).
ثقة . سمع القطيعي وابن المظفر وغيرهما . ومنه القاضي أبو يعلى والخطيب
البغدادي . مات ببغداد في شهر جمادى الأولى من عام (٤٣٩ هـ).
له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (١١٠٩/٣)، و((شذرات الذهب)) (٢٦٢/٣)،
و ((طبقات الحفاظ)) ص (٤٢٦)، و ((العبر)) (١٨٩/٣) و((المنتظم)) (١٣٢/٨).
(٤) هذا الحديث أخرجه الخطيب البغدادي في كتابه: (( الكفاية في علم الرواية)) ص
(٣٠٢) .
٩٦٩

ورأيت بخط عتيق: أنبأنا مسند (١) عن مكحول (٢) قال : دخلنا
على واثلة بن الأسقع (٣) فقلنا : حدثنا حديثاً ليس فيه تقديم وتأخير ،
فغضب ، وقال : لا بأس إذا قدمت أو أخرت ، إذا أصبت المعنى (٤).
ولأن المقصود من السنة حكمها دون لفظها ، فإذا أتى بمعناها جاز
الإخلال باللفظ ، فلو سمع إقرار رجل بالفارسية جاز له أن ينقل إقراره إلى
الحاكم بالعربية ، وكذلك المترجم بالمعنى .
(١) لم أجده . وإنما وجدت أن الذي رواه عن مكحول هو : العلاء بن الحارث .
أنظر : المراجع الآتية في تخريج الأثر .
(٢) هو : مكحول بن أبي مسلم شهراب بن شاذل أبو عبد الله الدمشقي . المحدث
الفقیه . روى عن واثلة وأنس وثوبان وغيرهم . وعنه الزهري وأبو حنيفة وحميد
الطويل وخلق . مات سنة (١١٢ هـ) .
أنظر ترجمته في: ((تذكرة الحفاظ (١٠٧/١)، و(تهذيب التهذيب)) (٢٨٩/١٠)،
و((الخلاصة)) ص (٣١١)، و((شذرات الذهب)) (١٤٦/١)، و((طبقات
الحفاظ)) ص (٤٣)، و((النجوم الزاهرة)) (٢٧٢/١).
(٣) هو : واثلة بن الأسقع بن عبد العزى الليثي أبو الأسقع ، وقيل : أبو محمد .
أسلم والنبي صلى الله عليه وسلم يتجهز لغزوة تبوك . وكان من أهل الصفة .
نزل البصرة على ما قيل ، ثم سكن الشام ، وشهد المغازي بدمشق وحمص .
مات ببيت المقدس ، وقيل : بدمشق سنة خمس أو ست وثمانين هجرية ،
وله من العمر ثمان وتسعون سنة .
له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٥٦٣/٤)، و((الإصابة)» القسم السادس ص
(٥٩١) طبعة دار نهضة مصر، و((الخلاصة)) ص (٤١٩)، طبعة بولاق.
(٤) هذا الأثر أخرجه الخطيب البغدادي في كتابه: ((الكفاية)) ص (٣٠٨) وأخرجه
الرامهرمزي في كتابه (( المحدث الفاصل)) ص (٥٣٣) وأخرجه ابن عبد البر في
كتابه: ((جامع بيان العلم وفضله)) (٩٤/١ - ٩٦ )، وأخرجه الدارمي في
مقدمة (( سنته)) باب من رخص في الحديث إذا أصاب المعنى (٧٩/١ ).
ويلاحظ : أن هناك اختلافاً في ألفاظ الأثر . ولكن المعنى واحد .
٩٧٠

فإن قيل : إنما جاز ذلك ؛ لأن الحاكم يمكنه أن يتثبت ذلك ، ويتعرف
ما نقله إليه الشاهد والمترجم [و] لا يمكن ذلك في خبر النبي ◌ُ التٍّ .
قيل : فيجب أن يخبر الرواة على المعنى في خبرهم (١) للنبي [عَلَّه]؛
لأنه يتوصل إلى معرفة ذلك ، وعندك لا يجوز .
وأيضاً : لما كان نقل الحديث من غير النبي [عَ لّ] بلفظ آخر، كذلك
في الرواية عن النبي [عَ الَّه]، ألا ترى أنهما اتفقا في منع الرواية على وجه لا
يأمن المخبر أن يكون كاذباً فيه ؟
فإن قيل : الكذب على النبي [{اللّ] يعظم ما لا يعظم على غيره.
قيل : إن اختلفا من هذا الوجه ، فلم يختلفا في قبح الكذب عليهما ،
واختلافهما في عظم المأثم لا يوجب اختلافهما في الجواز ، كما أن المعصية
الصغيرة والكبيرة لا يختلفان في المنع ، وإن اختلفا فيما يستحق عليهما من
العقاب .
واحتج المخالف :
بما روي عن النبي معَ الله قال: (رحم الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها،
وأدّاها كما سمعها ) (٢).
(١) في الأصل : ( خبره ) .
(٢) هذا الحديث صحيح رواه جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم . فرواه زيد بن
ثابت أخرجه عنه أبو داود في كتاب العلم ، باب فضل نشر العلم ( ٢٨٩/٢ ).
وأخرجه عنه ابن ماجه في مقدمة (( سننه)) باب من بلغ علماً ( ٨٤/١ - ٨٦)،
كما أخرجه عن جماعة من الصحابة بطرق متعددة .
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب العلم ، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع
(٣٣/٥ - ٣٤)، وقال: ((حديث حسن)) كما أخرجه عن ابن مسعود ،
وقال: ((حديث حسن صحيح )) .
٩٧١

والجواب : أن المقصود به الاستحباب .
واحتج : بأنه لما كان لفظ القرآن والأذان في التشهد شرطاً ، كذلك
لفظ الحديث .
والجواب : أن القرآن لفظه مقصود لما فيه من الإعجاز ، ولما يستحق في
قراءته من الثواب ، فكذلك لم يجز الإخلال به ، وكذلك الأذان ، القصدُ منه
الإعلام. [ و] إذا أخلّ بلفظه، لم يحصل المقصود وإن قاسوا عليه، إذا لم
يكن الراوي ضابطاً ، فالمعنى فيه أنه ربما غير الحكم . [ ١٤٥/ب]
فصل (١)
نقلت من خط أبي حفص البرمكي (٢) تعليقاً مما كان على مسائل صالح
وأخرجه عنه الرامهرمزي في كتاب ((المحدث الفاصل)) ص (١٦٤)، كما
=
أخرجه من طرق ابن مسعود وأبي سعيد وابن عباس رضي الله عنهم ( ١٦٤ -
١٦٦ ) .
وأخرجه ابن عبد البر في كتابه (( جامع بيان العلم وفضله باب دعاء رسول الله
صلى الله عليه وسلم لمستمع العلم وحافظه ومبلغه (٤٦/١ - ٥٠)، كما أخرجه
من طرق عن زيد بن ثابت وابن مسعود وأبي بكرة وجبير بن مطعم وأنس بن
مالك رضي الله عنهم .
ويلاحظ : أن الحديث في جميع طرقه ورد بلفظ : ( نضر ) ، بدل لفظ (رحم) ،
التي أتى بها المؤلف .
وراجع في الحديث أيضاً: ((تيسير الوصول)) (٥/٣ - ٦)، و ((ذخائر
المواريث)) (٢١٥/١)، و((مجمع الزوائد)) (١٣٧/١).
(١) راجع هذا الفصل في ((المسودة)) ص (٢٨٢).
(٢) هو: عمر بن أحمد بن إبراهيم أبو حفص البرمكي . كان ذا عبادة وزهد كما
كان من الفقهاء المشهورين . حدث عن ابن الصواف والخطبي وغيرهما . صحب=
٩٧٢
1

سمعت عمر المغازلي (١) يقول : قال أحمد بن حنبل : قال رسول الله
[َّه]. وقال النبي [عْظَلّ] واحد، فألزمه بعض أصحابنا حديث البَرّاء
ابن عازب (٢): ( ورسولك الذي أرسلت ، قال : لا ، ونبيك الذي
أرسلت) (٣) قال: هذا لا يلزم؛ لأنه كان نبياً ثم أرسل، فقال: ((ونبيك
الذي أرسلت))، ولم يقل: ((وبرسولك الذي أرسلت))، لأنه لا تكون
رسالة بعد رسالة ، وإنما أراد رسالة بعد نبوة ، فقد [ أجاز ] (٤) عمر بن
= أبا بكر عبد العزيز غلام الخلال وعمر بن بدر المغازلي ، مات ببغداد في شهر
جمادى الأولى سنة ( ٣٨٧ هـ ) .
انظر ترجمته في: ((طبقات الحنابلة)) (١٥٣/٢).
(١) هو: عمر بن بدر أبو حفص المغازلي، سبقت ترجمته ص (٨٩٨).
(٢) هو : البراء بن عازب بن حارث بن عدي أبو عمارة الأنصاري الحارثي الخزرجي
صحابي ، أول غزوة شهدها هى غزوة الخندق . كان يحارب في صف علي بن
أبي طالب رضي الله عنه ، وبعد ذلك نزل الكوفة ، ومات بها سنة إحدى أو
اثنتين وسبعين هجرية .
له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٥٥/١)، و((الإصابة)) القسم الأول ص
(٢٧٨)، طبعة دار نهضة مصر، و((الخلاصة)) ص (٤٦)، طبعة بولاق .
(٣) حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - هذا أخرجه عنه البخاري في كتاب
الوضوء ، باب فضل من بات على وضوء ( ٦٨/١ ).
وأخرجه عنه مسلم في كتاب الذكر والدعاء ، باب ما يقول عند النوم وأخذ
المضجع (٤ /٢٠٨١).
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الأدب ، باب ما يقول عند النوم (٦٠٦/٢).
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الدعوات ، باب ما جاء في الدعاء إذا أوى إلى
فراشه ( ٥ / ٤٦٨ ).
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((تيسير الوصول)) (١٨/٢)، و((ذخائر المواريث))
(٩٨/١)، و ((المحدث الفاصل)) ص (٥٣١)، و(( الكفاية في علوم الرواية))
ص (٣٠٦) .
(٤) في الأصل : ( ن ).
٩٧٣

بدر (١): أن التابعي إذا سمع رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه [ وسلم] يقول:
قال رسول اللّه [ عَلّه] وروي عنه قال: قال النبي [ عَلَّ] ، أو سمعه يقول:
قال النبي [عَ لَّه]، فقال: قال رسول اللّه [يَاللّه] أن ذلك جائز؛ لأن القصد
من الرواية أن يعلم أن هذا الخبر مرفوع عن النبي [عَلَّه]، وهذا المعنى
يحصل بكل واحد من اللفظين ، والرسول والنبي في هذا المعنى واحد .
ويبين صحة جواز رواية الخبر على المعنى ، وهذا موجود ها هنا ، وقد
أجاب(٢) عمر بن بدر عن الحديث المروي عن النبي [عَ لَه] (آمنت بكتابك
الذي أنزلت ، ونبيك الذي أرسلت ) وأنه لا يجعل مكان نبيك رسولك ؛
لأن المعنى يختلف ، وذلك أن الرسالة تطرأ على النبوة ، ولا تطرأ رسالة على
رسالة ، فلهذا لم يجعل موضع النبي : الرسول .
مسألة (٣)
إذا وجد سماعه في كتاب ، ولم يذكر أنه سمعه ، جاز روايته .
أومأ إليه الإمام أحمد رحمه الله في مواضع :
فقال في رواية مُهَنّا : إذا كان يحفظ الشيء ، وفي الكتاب شيء
فالكتاب أحب إليّ .
فقد اعتبر ما في الكتاب ، وإن كان حفظ غيره .
وكذلك في رواية الحسين بن حسان في الرجل يكون له السماع مع
الرجل ، فلا بأس أن يأخذه بعد سنين ، إذا عرف الخط .
وكذلك نقل الحسين بن محمد بن الحارث عنه : إذا عرف خطه فلا
(١) هو عمر بن بدر، أبو حفص المغازلي، وقد سبقت ترجمته ص (٨٩٨).
(٢) في الأصل : ( أجاز) .
(٣) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٢٧٩) .
٩٧٤

يشهد عليه إلا ما يحفظه ، إلا أن يكون منسوخاً عنده في حرزه ، فكأنه
إذا كان عنده مكتوباً في حرزه ، شهد به وإن لم يحفظه ، ثم قال : كتاب
العلم أيسر (١) ، يعني يشهد عليه، قيل له (٢): إذا أعار (٣) كتاب العلم،
فقال : [ لا ] بدّ من أن يفعل ذلك، إذا أعاره من يثق به ، قيل له :
فإن لم يثق به : كل ذلك أرجو أن لا يحدث فيه ، فإن الزيادة في الحديث ليس
تكاد تخفي ، وكأنه رأى ذلك أوسع من الشهادة .
وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد (٤).
وقال أبو حنيفة : لا يجوز أن يرويه ، إذا لم يذكر سماعه .
دليلنا :
[١٤٦/أ]: أن الأخبار مبني أمرها على حسن الظن والمسامحة
ومراعاة الظاهر من الحال ، ألا ترى أنه لا يشترط فيها العدالة في الباطن
ويقبل فيها قول العبيد والنساء وحديث العنعنة ، والظاهر من حال السماع
الموجود الصحة ، فجاز العمل عليه .
(١) في الأصل: (أليس) والتصويب من ((المسودّة)) ص (٢٨٠).
(٢) في الأصل : ( قيل به ) .
(٣) في الأصل: (إذا غاب) والتصويب من ((المسودّة)) ص (٢٨٠).
(٤) هو: محمد بن الحسن بن فرقد ، أبو عبد الله الشيباني . صاحب الإمام أبي حنيفة .
روى عن الإمام مالك بن أنس . لَيّنه النسائي من قِبَل حفظه . وقال فيه الذهبي :
وكان من بحور العلم والفقه، قوياً في مالك. له كتب كثيرة، منها : ((الجامع
الكبير))، و((الجامع الصغير)) و((السير الكبير)) و((السير الصغير)).
مات بالري ، سنة (١٨٧ هـ) وله من العمر ثمان وخمسون سنة .
له ترجمة في: ((الجواهر المضيئة)) (٤٢/٢)، و((شذرات الذهب)) (٣٢١/١)،
و((المغني في الضعفاء)) (٥٦٧/٢)، و((ميزان الاعتدال)) (٥١٣/٣ ).
٩٧٥

وأيضاً : رجوع الصحابة إلى كتب النبي عَ له والعمل عليها من أدل
الدليل على الرجوع إلى الخط والكتاب .
واحتج المخالف :
بأنه لما لم يجز أن يؤديَ الشهادة معتمداً على خطه من غير ذكره ، كذلك
الحديث ، والمعنى فيه : أن الشاهد يحتاج إلى ذكر المشهود به ، كما أن
المخبر يحتاج إلى ذكر المخبر به .
والجواب : أن الشهادة مبنى أمرها على التأكيد والتغليظ ، فكذلك إذا
وجد خطه ، ولم يذكر، لم يشهد به . على أن الحسين بن محمد بن الحارث
نقل عنه : أنه أجاز الشهادة ، إذا عرف الخط ، ولم يخرج عن يده ، ولكن
المذهب المشهور عنه : أنه لا يجوز ، لما بينّاً .
واحتج : بأن الإخبار بما لا نأمن المخبر أن يكون كاذباً فيه ، يجري
مجرى الإخبار بالكذب في القبح ، فإذا لم يذكر أنه سمعه يحدث به ، لم
نأمن أن يكون كاذباً ، وجب أن لا يجوز أن يحدث به ، كما لا يجوز له
ذلك لو علم أنه كاذب فيه .
والجواب : أن هذا يوجب أن لا يجوز خبر الضرير فيما سمع ؛ لأنه
لا يأمن أن يكون كاذباً فيه؛ لأن الصوت قد يشبه الصوت ، فيخبر عن رجل لم
يسمع منه ، وأنه شبه له صوته ، وكذلك السماع من وراء حجاب ، وقد
أجازوا رواية الضرير، كذلك ها هنا، وقد نصّ أحمد رحمه اللّه على
جواز رواية الضرير ، وحكيناه فيما تقدم .
فإن قيل : هناك يمكنه أن يشترط ما يأمنان الكذب فيه ، بأن يخبرا عن
ظنهما ، فلا يقطعان على ما يحدثان به عن فلان .
قيل : فاشترط مثل هذا في مسألتنا .
٩٧٦

فصل
في كيفية رواية الحديث بعد سماعه
إذا قرأ المحدث عليه ، قال : سمعته ، وحدثني ، وأخبرني ، وقرأ
عليّ ؛ لأنه قد أخبره وحدثه وسمع منه وقرأ عليه ، ولا فرق بين أن يقول
له بعد ذلك : إروه عني ، أو لا يقول .
وكذلك إن أملى عليه المحدث ، فالحكم فيه على ما مضى ، ويزيد أملى
عليّ .
وقد نصّ على هذا رحمه الله فيما رأيته في آخر جزء فيه السنة لحرب ،
فقال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن معدان قال : حدثنا أحمد بن حنبل
حدثنا عبد الرزاق قال : حدثنا معمر ، فقيل له : يا أبا عبد الله إن عبد
الرزاق كان لا يقول : حدثنا ، فقال [١٤٦/ب] أحمد : حدثنا وأخبرنا
عندنا واحد ، إن كان سماعاً من الشيخ .
وإن قرأ هو على المحدث فلم يسمع ، أو قرأ عليه فأقرَّ به ، قال :
قُرِىء على فلان ، أو قَرأْتُ على فلان ، ولا يجوز أن يقول : سمعتُ
فلاناً ، ولا أملى عليّ .
وهل يجوز أن يقول : حدثني وأخبرني أو لا ؟ فيه روايتان :
إحدهما : لا يجوز ، نص عليه في رواية إسحاق بن إبراهيم قال :
سألته ، وأنا أقرأ عليه شيئاً من الأحاديث أقول : حدثني أحمد ؟
فقال : إن قال ، فما أرى به بأساً ، ولكن يقول : قرأت عليه ،
أحب إليّ ، أريد به الصدق . فقد نصّ على جوازه ، واختار أن يحكي
الحال كما جرت .
وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي .
٩٧٧
العدة في أصول الفقه - ٦٢

وفيه رواية أخرى : لا يجوز أن يقول : أخبرني ولا حدثني ، ولكن
يقول قُرِىء عليه، أو قَرَأتُ عليه، نصّ عليه رحمه الله في رواية
حنبل : وقيل له : سأل عوف الحسن فقال له : أقرأ عليك فأقول : حدثنا
الحسن ؟ قال : نعم ، قال حنبل : سألت أحمد عن ذلك ، فقال : لا ،
ولكن يقول : قرأتُ . وبهذا قال بعضهم .
ولا فرق بين أن يقول : هو كما قرأته عليك؟ فيقر به ، وبين أن يقول:
أرويه عنك؟ فيقول : أروه عني وأنه على الخلاف الذي حكينا .
وذكر أبو إسحاق (١) في تعاليقه في كتاب (( العلل)): سمعت أبا محمد
عبد الخالق بن الحسن بن محمد بن نصر السقطي (٢) يقول : سألت ابن
منيع (٣) فيما يقرأه على الناس ، ويقرأ عليه ، فقال لي : سألت أحمد
ابن حنبل عما سألتني عنه ، فقال لي : إذا قرأ عليك ، فقل : حدثنا ، وإذا
قرىء عليه [ فقل ] : حدثنا فلان قراءةً عليه .
وظاهر هذا يقتضي جواز القول فيما قُرِىء عليه ، لكن بشرط أن يقرر
قراءة عليه .
(١) هو : إبراهيم بن أحمد بن عمر بن شاقلا ، وقد سبقت ترجمته .
(٢) سمع الباغندي . روى عنه ابن رزقويه . قال ابن الجوزي . ( وكان ثقة ، أحد
الشهود المعدلين ، وكان البرقاني يثني عليه ويوثقه ). مات سنة (٣٥٦ هـ).
له ترجمة في: ((شذرات الذهب)) (١٩/٣)، و((المنتظم)) (٤٠/٧).
(٣) هو : أحمد بن منيع بن عبد الرحمن ، أبو جعفر الأصم ، المروزي . سمع عبد
العزيز بن أبي حازم ، وهشيم بن بشير وسفيان بن عيينة وغيرهم ومنه البخاري
ومسلم وأبو داود وغيرهم . وثقه النسائي. مات سنة (٢٤٤ هـ) ، وعمره ثمان
وثمانون سنة .
له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (١٦٠/٥)، و«شذرات الذهب)) (١٠٥/٢)،
و ((طبقات الحنابلة)) (١ /٧٦).
٩٧٨

وذكر أبو عبد الله محمد بن مخلد بن حفص العطار في جزء صنفه في
الإجازة والمناولة والقراءة فقال : حدثنا سليمان بن الأشعث أبو داود قال :
سمعت أحمد - يعني ابن محمد حنبل - يقول : أرجو أن يكون العرض لا
بأس به ، يعني قراءة الحديث على المحدث ، قيل لأحمد : فكيف يعجبك أن
يقول ؟ قال : يعجبني أن يقول كما يفعل: إن قَرأَ يقول: قرأتُ (١).
قال : وسمعت أبا داود سليمان بن الأشعث يقول : قلت لأحمد
يعني ابن حنبل: كأن ((أخبرنا)) أسهل من ((حدثنا))؟ قال: نعم، ((حدثنا))
شديد (٢) .
فإذا قلت : أيجوز أن يقول : أنبأنا وحدثنا ؟ فتوجيهه أن إقراره بما
قرىء عليه جواب عن الاستفهام، والجواب في الاستفهام ((بنعم))،
يقوم مقام خبره به ، ألا ترى أن الحاكم إذا سأل المدعى عليه عن دعوي
المدعي : هل عليك الحق الذي ادعاه عليك ؟ فقال المدعى عليه : نعم ،
جاز للقاضي أن [١٤٧/أ] يقول: أقرَّ فلان عندي بكذا، فيكون قوله :
(( نعم )) مقام إقراره بالحق الذي ادعى عليه .
وكذلك إن قرأ الشاهد الكتاب على المشهود عليه ، ثم قال له : أشهد
عليك بما في هذا الكتاب ؟ فقال المشهود عليه : نعم ، جاز للشاهد أن
يقول : أشهدني فلان على نفسه بكذا ، فإذا كان كذلك ، وثبت أن يكون
قول المقروء عليه الحديث : نعم ، بمنزلة إخباره (٣) بما قرىء عليه
وحدث به .
(١) هذه الرواية موجودة بنصها في: ((مسائل الإمام أحمد))، رواية أبي داود ص
(٢٨١ - ٢٨٢ ) .
(٢) هذه الرواية موجودة بنصها في: ((مسائل الإمام أحمد))، رواية أبي داود ص
( ٢٨٢ ) .
(٣) في الأصل ( إخبار) .
٩٧٩

ورأيت بخط أبي حفص البرمكي تعليقاً على ظهر جزء، فيه ((الرد
على من انتحل غير مذهب أصحاب الحديث )) ، قال عبد العزيز : فقال :
قراءتك على العالم ، وقراءة العالم عليك سواء .
واحتج من قال لا يجوز ذلك :
بأن قول حدثني وأخبرني ، ينبغي أن يكون المقروء عليه قد فعل
الحديث والإخبار ، وإذا لم يوجد منه ذلك ، لم يجز للقارىء أن يقول :
حدثني وأخبرني .
والجواب: أنا قد بينا أن قوله: ((نعم))، بمنزلة فعله الإخبار والحديث
في الأصول .
واحتج : بأن جوابه في الاستئذان لأن يحدث عنه بنعم ، أمر له
بالحديث عنه ، والأمر لا يكون خبراً عن المأمور به .
والجواب : أنه لا فرق عند هذا القائل بين أن يكون جوابه في الرواية
عنه ، وبين أن يكون جواباً في الاستفهام عن صحة ما قرىء عليه .
وقد بينا أن الجواب في الاستفهام بنعم ، يقوم مقام الخبر به ، إذا
ثبت في أحد الموضعين أنه خبر وليس بأمر ، ثبت في الموضع الآخر ، لأن
أحداً ما فرق بينهما .
فإن قرأ عليه وهو ساكت لم يقرّ به ، فالظاهر أنه إقرار ؛ لأن سكوته
مع سماع القراءة رضى منه بما قرأه وأمضاه ، فجاز أن يقول : أخبرني
وحدثني ، كما لو أقر به ، والأحوط أن يقول له : هو كما قرأته عليك ،
أو قرىء عليك ؟ فإذا قال : نعم ، حَدّث به عنه .
فإن قال المحدث : أخبرنا فلان ، فهل يجوز للمستمع أن يروي عنه
فيقول : قال حدثنا فلان ، فيجعل مكان أخبرنا حدثنا ، ومكان حدثنا
أخبرنا ؟ فيه روايتان :
٩٨٠