النص المفهرس
صفحات 921-940
فقال : مرسلات سعيد .
وسأله عن مرسلات مجاهد أحب إليك أم مرسلات عطاء ؟ فقال :
مرسلات مجاهد ؛ لأن عطاء روى عمن هو دونه ، ومجاهد لم يرو عمن
هو دونه .
وقال في رواية أبي الحارث : مرسلات عطاء فيها شيء .
وقال في رواية مهنا وقد سأله عن مرسلات طاوس أحب إليك أو
مرسلات أبي إسحاق (١) ؟ قال : مرسلات طاوس .
وسأله عن مرسلات إسماعيل بن أبي خالد (٢) أحب إليك أم مرسلات
وروى عنه قتادة وعطاء وعكرمة وخلق . ولد سنة (٢١ هـ)، ومات بمكة سنة
==
(١٠٢ هـ) أو ( ١٠٣ هـ).
له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (٩٢/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٢/١٠)،
و((الخلاصة)) ص (٣١٥)، و((شذرات الذهب)) (١٢٥/١)، و((العبر))
(١٢٥/١)، و((غاية النهاية)) (٤١/٢)، و((ميزان الاعتدال)) (٤٣٥/٣).
(١) هو: عمرو بن عبد الله بن عبيد، أبو إسحاق السبيعي ، الهمداني الكوفي . ولد
لسنتين بقيتا من خلافة عثمان رضي الله عنه . روى عن علي بن أبي طالب والمغيرة
ابن شعبة رضي الله عنهما كما روى عن خلق آخرين . وروى عنه قتادة والأعمش
والثوري وغيرهم. مات سنة ( ١٠٨ هـ) .
له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (١١٤/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٦٣/٨)،
و((الخلاصة)) ص (٢٤٦)، و((شذرات الذهب)) (١٧٤/١)، و((طبقات
الحفاظ)) ص (٤٣) .
(٢) أبو عبد الله البجلي ، الأحمسي بالولاء ، الكوفي ، الحافظ . سمع من ابن أبي
أو فى وأبي جحيفة وطارق بن شهاب وآخرين . وحدث عنه شعبة والسفيانان
ويحيى القطان وغيرهم. مات سنة (١٤٦ هـ).
له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (١٥٣/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٩١/١)،
و((الخلاصة)) ص (٢٨)، و((طبقات الحفاظ)) ص (٦٦)، و((العبر)) (٢٠٣/١).
٩٢١
عمرو بن دينار ؟ فقال : إسماعيل بن أبي خالد لا يبالي (١) عمن حدث ، عن
أشعث بن سوار (٣) وعن مجاهد ، وعمرو بن دينار لا يروي إلا عن ثقة ،
مرسلات عمرو أحب إليّ .
وسأله أيما أحب إليك ، إبراهيم عن علي ، أو مجاهد عن علي ؟ قال:
إبراهيم عن علي ؛ لأن هذا كان مقيماً ، وكان مجاهد إنما تقع إليهم
الأخبار إلى الكوفة .
وقال في رواية أبي الحارث وقد سأله عن مرسلات النخعي ، قال : ما
أصلحها ليس بها بأس ، أصلح من مرسلات الحسن .
وسأله مهنا : لم كرهت مرسلات الأعمش ؟ قال : كان الأعمش لا
يبالي عمن حدث . قيل له : فإن له رجلاً ضعيفاً (٣) غير إسماعيل بن
مسلم (٤) ويزيد الرَّقاشي (٥) ؟ قال : نعم ، كان يحدث عن عتاب بن
إبراهيم .
(١) في الأصل : ( لا يبال ).
(٢) الكندي التوابيتي، الأفرق، الأثرم الثقفي بالولاء ، الكوفي . روى عن الحسن
البصري والشعبي وعكرمة وخلق . وعنه أبو إسحاق السبيعي وشعبة وخلق . وهو
راوٍ ضعيف . وقد أخرج له مسلم متابعة . مات سنة (١٣٦ هـ).
له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب)) (٣٥٢/١)، و((الخلاصة)) ص (٣٨) بولاق،
و ((المغني في الضعفاء)) (٩١/١).
(٣) في الأصل : ( رجل ضعيف ) .
(٤) أبو إسحاق ، المكي ، البصري . روى عن الشعبي والزهري وقتادة وغيرهم .
وعنه الأعمش والسفيانان وغيرهم . وهو راوٍ ضعيف عندهم ، حتى قال النسائي
فيه: ((متروك)).
له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب)) (٣٣١/١)، و((الخلاصة)) ص (٣٦) بولاق،
و («المغني في الضعفاء)) (٨٧/٢)، و ((ميزان الاعتدال)) (٢٤٨/١).
(٥) هو: يزيد بن أبان أبو عمرو الرقاشي البصري . روى عن أنس والحسن وغيرهما . =
٩٢٢
:
وسأله أيضاً عن مرسلات الأعمش ، وسليمان النخعي (١)، ويحيى
ابن أبي كثير (٢) ؟ قال : مرسلات يحيى بن أبي كثير أحب إليّ .
وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم وقد سأله عن مراسيل يحيي بن أبي
كثير ؟ فقال : لا تعجبني ؛ لأنه يروي عن رجال صغار ضعاف .
وقال في رواية أبي طالب [١٣٩/ب]، وقد سأله عن رجل ما قال
الحسن: قال رسول اللّه [عَ لّه]، وجدناه من حديث أبي هريرة وعائشة
وسَمُرة (٣)، قال: صدق .
وعنه حماد بن سلمة ومعتمر بن سليمان وجماعة . وهو راوٍ ضعيف . قال فيه
=
النسائي: ((متروك)). وقال أحمد: ((منكر الحديث)). وقال ابن عدي: ((أرجو
أنه لا بأس به )) .
له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب)) (٣١١/١١)، و((الخلاصة)) ص (٤٣٠)،
بولاق، و((المغني في الضعفاء)) (٧٤٧/٢)، و((ميزان الاعتدال)) (٤١٨/٤).
(١) هو: سليمان بن عمرو، أبو داود النخعي. قال أحمد: ((كان يضع الحديث))،
وقال البخاري: ((متروك)).
له ترجمة في: ((المغني في الضعفاء)) (٢٨٢/١)، و((ميزان الاعتدال)) (٢/
٢١٦ ) .
(٢) هو : يحيى بن أبي كثير صالح بن المتوكل"، أبو نصر اليمامي ، الطائي بالولاء .
روى عن أنس وعكرمة وغيرهم . وعنه ابنه عبد الله والأوزاعي وغيرهما . قال
فيه أحمد: ((من أثبت الناس، إنما يعد مع الزهري ويحيى بن سعيد .) مات سنة
( ١٢٩ هـ ) .
له ترجمة في: ((البداية والنهاية)) (٣٤/١٠)، و((تذكرة الحفاظ)) (١٢٨/١)،
و ((تهذيب التهذيب)) (٢٦٨/١١)، و((الخلاصة)) ص (٣٦٧)، و((طبقات
الحفاظ)) ص (٥١)، و ((العبر)) (١٦٩/١).
(٣) هو : سمرة بن جندب بن هلال بن جريج، أبو عبد الرحمن ، الفزاري صحابي
جليل . كان من الحفاظ المكثرين عن النبي صلى الله عليه وسلم . روى عنه الحسن
والشعبي وغيرهما. نزل ((البصرة))، وبها مات، سنة (٥٨ هـ).
٩٢٣
وقال في رواية مُهَنَّا، وقد سأله: هل شيء يجيء عن الحسن؟ قال:
قال رسول اللّه عَ الله؟ قال: هو صحيح، ما نكاد نجدها إلا صحيحة .
وقال في رواية أبي الحارث : مرسلات ابن سيرين صحاح حسنة
المخرج .
وقال في رواية مُهَنًا . وقد سأله عن مرسلات سفيان(١) ، فقال: كان
سفیان لا يبالي عمن روي .
وسأله عن مرسلات مالك بن أنس ، قال : هي أحب إليّ .
فصل
ولا يقبل الخبر حتى تجتمع في ناقله شرائط خمس :
أحدها : أن يكون عاقلاً ، ليعرف ما ينقل ، ويميّز خبر الرسول
[َالله] وخبر غيره .
له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (٦٥٣/٢)، و((الإصابة)) القسم الثالث ص (١٧٨)
=
طبعة دار نهضة مصر، و((تهذيب التهذيب)) (٢٣٦/٤) ). و ((الخلاصة)) ص
(١٥٦) طبعة بولاق .
(١) هو : سفيان بن سعيد بن مسروق ، أبو عبد الله ، الثوري ، الکوفي . روی عن
أبيه وجعفر الصادق وأيوب وخلق . وعنه ابن المبارك ويحيى القطان وغيرهما .
قال فيه شعبة: (( أمير المؤمنين في الحديث)). ولد سنة (٩٧ هـ)، ومات بالبصرة
سنة ( ١٦١ هـ ) .
انظر ترجمته في: ((تاريخ بغداد)) (١٥٧٩)، و«تذكرة الحفاظ)) (٢٠٣/١)،
و ((تهذيب التهذيب)) (١١١/٤)، و((الخلاصة)) ص (١٢٣)، و (( شذرات
الذهب)) (٢٥٠/١)، و((طبقات المفسرين)) للداودي (١٨٦/١)، و((غاية
النهاية)) (٣٠٨/١).
٩٢٤
والثاني : أن يكون عدلاً في الظاهر ؛ لقوله تعالى: (إِنْ جَاءَ كُمْ
فَاسِقٌِ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ) (١) الآية،
إذا لم يكن عدلاً ، لا يؤمن أن يكذب فيما ينقل ؛ لأن من ارتكب الفاحشة
ارتكب أن يكذب فيما ينقله .
وقد قال أحمد رحمه الله في رواية أحمد بن الحسين (٢) : لا يكتب
الحديث عمن يسكر .
وقال في رواية إبراهيم وسندي (٣)، واللفظ لسندي ، في الرجل يعرف
بالكذب في الشيء ، يحدث به القوم ، فليس نعرف منه الكذب في الرواية :
كيف يؤمن هذا على الرواية ، أن يكذب فيها ، إذا عرف منه الكذب في
شىء ؟ ! .
وإذا ثبت : أن العدالة شرط ، فإن كل من أتى بكبيرة ، فهو فاسق ،
حتى يتوب . وكل من أتي بصغيرة ، ليس بفاسق ، ومن تتابعت منه
الصغائر ، وكثرت ، رد خبره وشهادته .
وقد قال أحمد رحمه الله في رواية أبي الصقر (٤) في الصلاة خلف آكل
الربا : إن كان أكثر طعامه الربا ، لم تصلّ خلفه . فاعتبر الكثرة في ذلك ؛
(١) (٦) سورة الحجرات .
(٢) الترمذي ، وقد سبقت ترجمته .
(٣) أبو بكر . الخواتيمي ، البغدادي . من أصحاب الإمام أحمد ، وممن نقل عنه
مسائل صالحة .
له ترجمة في: ((الإنصاف)) (٢٨٦/١٢)، و((طبقات الحنابلة)) ((١٧٠/١).
(٤) هو : يحيى بن يزداد، أبو الصقر ، أحد أصحاب الإمام أحمد. نقل عن الإمام
أحمد جزءاً، فيه مسائل حسان ، في الحِمى والمساقاة والمزارعة والصيد واللقطة ،
وغير ذلك .
له ترجمة في: ((طبقات الحنابلة)) (٤٠٩/١) .
٩٢٥
i
لأنا لو لم نقبل إلا من محّض الطاعة ، لم يقبل أحد ؛ لأن أحداً لا يمحض
الطاعات ، حتى لا يشق بها المعصية . يدل عليه قوله تعالى: ( وعَصَى
آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (١)، وأراد بالغي: وضع الشيء في غير موضعه . قال
تعالى - في قصة داود - : ( أنَّمَا فَتَنَّهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ
رَأَكِعاً وَأَنَّابَ) (٢)، فأخطأ ، وتاب الله عليه.
وقال النبي مَظِلّهِ: ( ما من أحد إلا عصى أو هَمّ بمعصية إلا يحيى بن
زكريا ) (٣)، فثبت : أن الأنبياء لم يسلموا من الخطأ والمعاصي ، ولو قبلنا
كل عاصٍ ، لم نرد أحداً ، وقد أمرنا برد الفاسق ، وإنفاذ العدل ، فلم
يكن بد من تفصيل بينهما ، فكان الفصل بينهما ما ذكرنا .
فأما من ثبت كذبه ، فإنه يرد خبره وشهادته ، وإن لم يتكرر ذلك
منه .
(١) (١٢١) سورة طه .
(٢) (٢٤) سورة صّ .
(٣) هذا الحديث رواه ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً. أخرحه عنه الإمام أحمد في
((مسنده)) (٢٢٩٢/٤) بتحقيق الشيخ أحمد شاكر رحمه اللّه ، وتمام الحديث
عنده : ( ... وما ينبغي لأحد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى ، عليه السلام).
وقد ذكره ابن كثير في ((تفسيره)) في تفسير سورة ((مريم)) (١١٤/٣) ثم قال :
( ... وهذا أيضاً ضعيف؛ لأن ((علي بن زيد بن جدعان)) له منكرات كثيرة ).
وذكر الهيثمي في كتابه ((مجمع الزوائد)) (٢٠٩/٨)، واقتصر على لفظ المؤلف ،
مع اختلاف بسيط، ثم قال: ( ... رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، وزاد: ((فإنه
لم يهم بها، ولم يعملها)) والطبراني وفيه ((علي بن زيد))، وضعفه الجمهور ، وقد
وثق ، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح )) .
وقد خالف الشيخ أحمد شا کر ۔۔ رحمه الله - الجمهور - فوثق « علي بن زيد » في
تعليقه على ((المسند)) (٢٢٩٢/٤).
وانظر ((الدر المنثور)) (٢٦٢/٤).
٩٢٦
وهذا ظاهر كلام أحمد رحمه الله في رواية علي بن سعيد (١) في الرجل
يكذب كذبةً واحدةً : لا يكون في موضع العدالة ، الكذب شدید .
وكذلك نقل ابن منصور: أنه قال لأبي عبد اللّه [١٤٠/أ]: متى يترك
حديثه ؟ قال : إذا كان الغالب عليه الخطأ ، قال له : الكذب من قليل
وكثير ؟ قال : نعم .
ونقل أحمد بن أبي عبيدة (٢) عنه في الرجل يكذب ، فقال : إن كثر
کذبه ، لم تصل خلفه .
وظاهر هذا : أنه لا يخرج من العدالة بكذبة واحدة .
وهذا على ظاهره فيما سئل عنه من صحة إمامته [ أما ] في الخبر
والشهادة فلا ؛ لأن الحاجة في الخبر إلى صدق المخبر ومن ظهر منه ذلك
أولى بالردّ ممن جعلت (٣) أمارة رده المعاصي ، التي يسمى بها فاسقاً .
ويدل عليه ما روى إبراهيم الحربي في كتاب النهي عن الكذب
بإسناده عن موسى الجندي قال: رد النبي [{اللّه] شهادة رجل في كذبة
کذبها .
وبإسناده عن يحيى بن سالم(٤) قال: اطلع رسول اللّه [َ الْه] من وافد
(١) النسوي ، تقدمت ترجمته .
(٢) هو: أحمد بن أبي عبدة-هكذا بالتكبير - أبو جعفر الهمداني. من أصحاب الإمام
أحمد الذين أخذوا عنه، وماتوا قبله. قال فيه الإمام أحمد: (( ما عبر هذا الجسر
أنصح لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من أحمد بن أبي عبدة)). قال الخلال :
يعني : جسر النهروان .
له ترجمة في: ((طبقات الحنابلة)) (٨٤/١ ).
(٣) في الأصل : ( جمعت ) .
(٤) الكوفي. يروى عن إسرائيل. قال الدار قطني: ((ضعيف)).
=
٩٢٧
قوم على كذبة ، فقال له : ( لولا سخاء فيك ، ومدحك الله عليه ؛
لشردتك من وافد قوم ) .
ولقد نقله أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد الحلبي (١) قال : سألت
أحمد بن حنبل رحمه اللّه عن محدث كَذَب في حديث واحد ، ثم تاب
ورجع ، قال : توبته فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يكتب عنه حديث
أبداً (٢).
وسألت قاضي القضاة أبا عبد اللّه الدامغاني (٣) [ عن ذلك ] فقال:
يقبل حديثه المردود وغيره ، بخلاف الشهادة إذا ردت ، ثم تاب ، لم يقبل
ونقل ابن حجر في ((اللسان)) أن ابن حبان ذكر في كتابه (( الثقات )» رجلاً آخر
=
بهذا الاسم ، يروي عن ابن عمر ، وعنه روى الأعمش وفطر بن خليفة .
وقد ظهر لابن حجر أن الأخير غير الأول ، وعلل ذلك بقوله : ( فإن ليحيى
ابن سالم الراوي عن إسرائيل ذكراً في ترجمة أشعث بن عمر بن الحسن بن
صالح بن حي ، وهو متأخر الطبقة عمن يروى عن ابن عمر رضي الله عنهما ) .
انظر ترجمته في ((لسان الميزان)) (٢٥٧/٦)، و ((ميزان الاعتدال)) (٣٧٧/٤).
(١) من أصحاب الإمام أحمد ، سمع منه ومن عبيد الله بن عمرو الرقي . كانت عنده
مسائل كبار ، يغرب بها على أصحاب أحمد .
له ترجمة في: ((طبقات الحنابلة)) ( ١٩٧/١).
(٢) هذه الرواية ذكرها ابن أبي يعلى في ((طبقاته)) (١٩٨/١) عند ترجمته لعبد الله بن
أحمد الحلبي .
. (٣) هو : محمد بن علي بن محمد بن الحسين أبو عبد الله الدامغاني. ولد سنة (٣٩٨ هـ)
كان حنفي المذهب . تفقه على القدوري ، وسمع من الصوري وجماعة . ولِيَ
القضاء ببغداد سنة (٤٤٧ هـ)، واستمر فيه ثلاثين سنة . مات ببغداد سنة (٤٧٨ هـ) .
له ترجمة في: ((الجواهر المضيئة)) (٩٦/٢)، و((شذرات الذهب)) (٣٦٢/٤)،
و ((المنتظم)) (٢٢/٩).
٩٢٨
i
في تلك الشهادة خاصة ، قال : لأن هناك حكماً (١) من جهة الحاكم بردها ،
فلا يقبل ؛ لأن فيه نقضاً للحكم ، ورد الخبر ممن روى له ليس بحكم ؛
لأنه ليس بحاكم .
وسألت أبا بكر الشامي (٢) [ عنه ] فقال: لا يقبل خبره فيما ردّ،
ويقبل في غيره اعتباراً بالشهادة .
دليلنا :
أن من أقدم على الكذب على رسول الله صل اتهم ، استدل على زندقته ؛
لأنه لا يقدم على ذلك - مع ما فيه من الوعيد - إلا زنديق ، وتوبة الزنديق
غير مقبولة في ظاهر الحكم على الرواية المشهورة عن أحمد .
ويفارق هذا الشهادة ؛ لأن الكذب لا يدل على ذلك ؛ لأنه يجوز أن
يحمله على ذلك الرغبة في الرشوة وقضاء الحق ، فلهذا قبلت شهادته فيما لم
يرد .
وكذلك إذا ردّ خبره بغير الكذب في الإخبار عن رسول الله صلى الله
عليه [وسلم] أنه لا يدل على زندقته؛ لأنه يحتمل فعل تلك الأشياء المحظورة
رغبة في إزالتها وحصول الأغراض .
(١) في الأصل : ( حكم ) .
(٢) هو : محمد بن المظفر بن بكران أبو بكر الحموي الشامي ، كان شافعي المذهب .
ولد بحماة سنة (٤٠٥ هـ). رحل إلى بغداد ، وبها تفقه على أبي الطبيب الطبري .
وسمع من ابن بشران وابن غيلان وغيرهما .
تولى القضاء ببغداد سنة ( ٤٧٨ هـ ) ، وقد اشتهر بالعدل والزهد والورع . مات
سنة ( ٤٨٨ هـ ) .
له ترجمة في: ((شذرات الذهب)) (٣٩١/٣)، و((طبقات الشافعية)) لابن
السبكي (٢٠٢/٤)، و((العبر)) (٣٢٢/٣)، و((المنتظم)) (٩٤/٩).
٩٢٩
العدة في أصول الفقه - ٥٩
وقد روى أبو إسحاق في تعاليقه عن أبي بكر النقاش (١) عن محمد بن
سعيد (٢) عن محمد بن سهل بن عسكر (٣) سمعت أحمد بن حنبل رحمه اللّه
يقول: ((إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب أو فائدة،
فاعلم أنه خطأ ، وإذا سمعتهم يقولون : هذا حديث لا شيء ، فاعلم أنه
صحيح)) .
أما قوله: إذا قالوا: ((غريب أو فائدة))، فاعلم أنه خطأ ، فذلك
لأنهم لا يستغربون إلا الحديث الشاذ ، الذي ليس بمشهور ، ولا رواه أئمة
أصحاب الحديث ، وما هذا سبيله يجوز عليه [١٤٠/ب] الغلط والسهو.
وقوله : ((إذا سمعتهم يقولون : هذا حديث لا شيء ، فاعلم أنه
صحيح))، فذلك لأنهم يقولون هذا في الحديث المشهور ، الذي تواتر طريقه،
وعرف لفظه ، فيقولون : لا شيء ، يعني أنه ما أفادنا شيئاً ؛ لاشتهاره
(١) هو : محمد بن الحسن بن محمد بن زياد ، أبو بكر النقاش ، الموصلي. كان مقرئاً ،
عالماً بحروف القراءات ، حافظاً للتفسير ، سافر في طلب العلم إلى كثير من البلدان.
روى عن إسحاق بن سنين الختلي وأبي مسلم الكجي غيرهم . وعنه الدار قطني
وابن شاهين وابن رزقويه وغيرهم قال فيه الخطيب البغدادي : ( وفي أحاديثه
مناكير بأسانيد مشهورة) مات سنة (٣٥١ هـ).
له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (٢٠١/٢)، و((المنتظم)) (١٤/٧).
(٢) هو : محمد بن سعيد ، أبو بكر الحربي ، المعروف بابن الضرير . كان زاهداً ،
ورعاً ، ثقة . روى عن ابن رزقويه . مات سنة (٣٥١) .
له ترجمة في: ((المنتظم)) (١٥/٧).
(٣) هو : محمد بن سهل بن عسكر بن عمارة ، أبو بكر البخاري . حدث عن عبد
الرزاق وغيره . وكان من أصحاب الإمام أحمد الذين نقلوا عنه بعض المسائل .
وروى عنه إبراهيم الحربي والبغوي وابن صاعد وغيرهم . قال ابن الجوزي فيه :
(( كان ثقة)) مات سنة (٣٥١هـ).
له ترجمة في: ((طبقات الحنابلة)) (٢٩٨/١)، و((المنتظم)) (١٥/٧).
٩٣٠
1
وتكرره ومعرفتنا له ، وما هذا سبيله ينتفي عنه السهو والغلط ، فيحكم
بصحته .
فصل
ولا يقبل الجرح إلا مفسراً
وليس قول أصحاب الحديث: ((فلان ضعيف))، و ((فلان ليس
بشيء)) مما يوجب جرحه ورد خبره (١) .
وهذا ظاهر كلام أحمد (٢) رحمه الله في رواية المروذي ؛ لأنه قال
له عن يحيى بن معين (٣) : سألته عن الصائم يحتجم ، فقال : لا شيء عليه،
ليس يثبت فيها خبر (٤) ، فقال أبو عبد الله: هذا كلام مجازفة . فلم يقبل
مجرد الجرح من یحیی .
(١) من أول هذا الفصل إلىّ هنا، نقله الخطيب البغدادي بنصه في كتابه (( الكفاية )) ص
(١٧٩) ونسبه إلى القاضي أبي الطيب الطبري .
(٢) وهذا القول هو الذي ذهب إليه الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده ، مثل البخاري
ومسلم وغيرهما ، هكذا قال الخطيب البغدادي في (( المرجع السابق)) ، واختاره ،
وصرح بأنه هو الصواب .
(٣) أبو زكريا ، المري بالولاء ، البغدادي . من حفاظ الحديث ونقاده ، سمع هشيماً
وابن المبارك وإسماعيل بن مجالد وغيرهم . وعنه أحمد والبخاري ومسلم وأبو
داود وغيرهم . ولد سنة (١٥٨هـ) ومات بالمدينة سنة (٢٣٣هـ) .
له ترجمة في: ((التاريخ الكبير)) (٣٠٧/٨)، و((التاريخ الصغير)) (٣٦٢/٢)،
و((تذكرة الحفاظ)) (٤٢٩/٢)، و((الخلاصة)) ص (٣٦٨)، و ((طبقات
الحفاظ)) ص (١٨٥)، و((العبر)) (٤١٥/١).
(٤) لم يذكر المؤلف الراوي الذي جاء في الخبر ، والذي جرحه ابن معين بدون تفسير ،
كما لم يذكر لفظ الخبر ، حتى يمكن البحث في سنده .
=
٩٣١
وكذلك نقل مُهَنّاً عنه قلت لأحمد: حديث خديجة (١): كان أبو [ما]
ما يرغب أن يزوجه (٢) ، فقال أحمد رحمه الله : الحديث معروف
سمعته من غير واحد ، قلت : إن الناس ينكرون هذا ، قال : ليس هو
منكر . فلم يقبل مجرد إنكارهم .
واذا أردت الوقوف على الأحاديث التي وردت في أن الحجامة تفسد الصوم ،
والأحاديث التي وردت في عدم فساده بها ، إذا أردت ذلك فارجع إلى (( تلخيص
الخبير)) (١٩١/٢ - ١٩٤ ).
(١) هي : أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشية الأسدية .
زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأم أولاده، عدا إبراهيم كان الرسول صلى الله
عليه وسلم يحبها . ويثني عليها دائماً ماتت بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين .
لها ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٨١٧/٤)، و((الإصابة)» القسم السابع ص
(٦٠٠) طبعة دار نهضة مصر .
(٢) هذا الحديث رواه ابن عباس رضي الله عنهما. أخرجه عنه الإمام أحمد في :
((مسنده)) (٣١٢/١)، من طريق أبي كامل ، عن حماد بن سلمة ، عن عمار بن
أبي عمار عن ابن عباس فيما يحسب حماد : ( .. ان رسول الله صلى الله عليه وسلم
ذكر خديجة، وكان أبوها يرغب عن أن يزوجه فصنعت طعاماً وشراباً، فدعت أباها
وزمراً من قريش ، فطعموا ، وشربوا ، حتى ثملوا ، فقالت خديجة لأبيها : إن
محمد بن عبد الله يخطبي ، فزوجني إياه ، فزوجها إياه ، فخلعته وألبسته حلة ،
وكذلك كانوا يفعلون بالآباء ، فلما سرى عنه سكره ، نظر ، فإذا هو مخلق ،
وعليه حلة ، فقال : ما شأني ؟ ما هذا؟ ! . قالت زوجتي محمد بن عبد الله ،
قال : أنا أزوج يتيم أبي طالب ؟ ! لا ، لعمري ، فقالت خديجة : أما تستحي ؟
تريد أن تسفه نفسك عند قريش ، تخبر الناس أنك كنت سكران ، فلم تزل به
حتى رضي ) .
بعد أن ذكره الهيثمي في كتابه ((مجمع الزوائد)) (٢٢٠/٩) باللفظ المذكور قال :
( رواه أحمد والطبراني ، ورجال أحمد والطبراني رجال الصحيح) .
وذكر ابن عبد البرفي كتابه: ((الاستيعاب)) (١٨١٧/٤) أن الذي زوجها هو عمها:
((عمرو بن أسد بن عبد العزى بن قصي)). ولم يذكر غير هذا القول.
=
٩٣٢
ونقل عنه المروذي ما يدل على أنه يقبل ، فقال : قريء على أبي
عبد الله رحمه الله: حديث عائشة كانت تلبي: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا
شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك ) (١) فقال أبو عبد اللّه : كان فيه :
و ((الملك لا شريك لك))، فتركته؛ لأن الناس خالفونا، وقوله : تركت
روايته ، لأجل ترك الناس ، وإن لم يظهر العلة .
وجه الأول :
أن الناس اختلفوا فيما يفسق به ، ولا بد من ذكر سببه ؛ لينظر هل هو
فسق أم لا ، وعلى هذا لو شهد رجلان : أن هذا الماء نجس ، لم تقبل
شهادتهما ، حتى يُبَيِّنَا سبب النجاسة ؛ لأن الناس اختلفوا فيما ينجس به
الماء (٢) .
ووجه الثاني :
أن المعاني التي يختلف في تأثيرها في الخبر معروفة (٣)، فالواجب حمل
أمر المزكي على الصحة ، وأنه لا يحمل (٤) للقاضي ما يعلم أنه لو فسره ،
لم يؤثر عنده .
إذا تقرر هذا ، فإن صرح عدلان بما يوجب الجرح ، ثبت الجرح .
قلت: ولعله الصواب؛ لأن أباها قد مات قبل ذلك، كما في ((طبقات ابن سعد))
==
(١٦/٨)؛ ولأن النفس غير مرتاحة لما جاء في حديث أحمد من تزويج أبيها لها، على
تلك الصفة . والله أعلم .
(١) هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب التلبية .. (١٦٢/٢).
وأخرجه أحمد في ((مسنده)) (٣٢/٦).
وأخرجه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) في كتاب الحج ، باب ما جاء في التلبية ..
(٢١١/١ ).
(٢) من قوله : ( أن الناس اختلفو. فيما يفسق به ... ) إلى هنا نقله الخطيب البغدادي
بنصه في كتابه ((الكفاية)) ص (١٧٩)، ونسبه إلى القاضي أبي الطيب الطبري .
(٣) في الأصل : ( معروف ) .
(٤) بدون إعجام في الأصل .
٩٣٣
فإن صرح أحدهما بما يوجب الجرح ، ثبت الجرح أيضاً ، وهذا
قياس قوله في التعديل : إنه يثبت بقول الواحد ، على ما نذكره .
والوجه فيه : أن العدد ليس بشرط في قبول الخبر ، فلم يكن شرطاً
في جرح الراوي ، ويخالف الشهادة ؛ لأن العدد شرط في قبول الشهادة
والحكم بها ، فلهذا لم يقبل جرح الواحد .
فأما تعديل الواحد فيقبل ، كما يقبل جرحه .
قال في رواية الأثرم : إذا روى الحديث عبد الرحمن بن مهدي عن
رجل ، فهو حجة ، وهذا يدل على أن رواية العدل عن غيره تعديل له ،
ويدل أيضاً على : أن تعديل الواحد مقبول .
وكذلك نقل أبو زرعة قال سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله يقول :
مالك (١) بن أنس إذا روي عن رجل لا يعرف [١٤١/أ] فهو حجة.
وقد نقل مُهنًا عنه ما يدل على أن رواية العدل [ لا ] تكون
تعديلاً ، ويجب السؤال عنه ، فقال سألت أحمد رحمه الله عن
رباح بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب (٢) ؟ فقال : مدني ،
(١) في الأصل: (لمالك).
(٢) لم أجد أحداً بهذا الاسم ، وإنما الذي وجدته هو :
أ - رباح بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب العدوي. روى عن سهيل بن أبي
صالح وغيره . وعنه هشام بن يوسف. قال فيه أحمد والدارقطني: ((منكر
الحديث)). وقال ابن حبان: (( لا يجوز الاحتجاج بما تفرَّد به)) .
له ترجمة في: ((التاريخ الصغير)) (١٤٧/٢)، و((التاريخ الكبير)) (٣١٦/٣)،
و ((ميزان الاعتدال)) (٣٧/٢).
ب - عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي . روى عن أبيه
وعبد الله بن عامر بن ربيعة وغيرهما . وعنه شعبة ومالك . ضعفه يحيى ومالك
والنسائي. وقال ابن حبان: ((كثير الوهم ، فاحش الخطأ))، وقال أبو حاتم =
٩٣٤
:
روى عنه عبد الرزاق (١) . قلت : كيف هو ؟ قال : ضعيف . وظاهر
هذا أنه لم يجعل رواية العدل تعديلاً .
وهو قول أصحاب الشافعي .
فالدلالة على أن تعديل الواحد مقبول :
لأنه يقبل جرحه من الوجه الذي ذكرنا ، فقبل تعديله .
وقد نقل إسماعيل بن سعيد قال : قلت لأحمد : تعديل الرجل الواحد،
إذا كان مشهوراً بالصلاح ؟ قال : يقبل ذلك . ذكرها الخلال في كتاب
(( الشهادات)).
فظاهر هذا : [ أن ] تعديل الواحد للشاهد مقبول .
والدلالة على أن روايته تعديل له :
وأبو زرعة: ((منكر الحديث)). وقال الدارقطني: ((يترك)).
==
.له ترجمة في: ((التاريخ الصغير)) (٣١٦/١)، و((التاريخ الكبير)) (٤٨٤/٦)،
و ((ميزان الاعتدال)) (٣٥٣/٢).
وبناءً على ما سبق يظهر: أن اسم (( عاصم)) الذي أورده المؤلف زائد ، لا
محل له .
أو أن اسم ((رباح)) محرف عن اسم ((عاصم))، والله أعلم .
(١) هو : عبد الرزاق بن همام بن نافع ، أبو بكر ، الحِمْيَري بالولاء ، الصنعاني
أحد أئمة الإسلام . روى عن ابن جريح ومعمر والسفيانين والأوزاعي ومالك
وغيرهم . وعنه أحمد وإسحاق وابن المديني وغيرهم . وهو ثقة ، وكان يتشيع .
وفي حديثه بعد أن كف بصره بعد المائتين مقال مات سنة (٢١١هـ).
له ترجمة في: ((البداية والنهاية)) (٢٦٥/١٠)، و((التاريخ الصغير)) (٣٢٠/٢)،
و((تذكرة الحفاظ)) (٣٦٤/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٣١٠/٦)، و((الخلاصة))
ص (٢٠١)، و ((شذرات الذهب)) (٢٧٢/١)، و((ميزان الاعتدال)) ( ٢/
٢٠٩)، و((النجوم الزاهرة)» (٢٠٢/٢).
٩٣٥
ما تقدم في مسألة خبر المرسل ، وهو : أنه لا يجوز أن يحدث عن
فاسق لمن لا يعرفه ، ويكتم ذلك ، فيلزمه قبوله .
ولأنه لو روي عن غير ثقة كان قد قطع على رسول الله صلى الله عليه
[ وسلم ] بقول من هو كذاب عنده ، وهذا ممنوع منه .
والوجه لمن قال : لا يكون تعديلاً :
بأنه يجوز أن يروي عمن لا يعرف عدالته ، وإذا لم يحرم ذلك ، لم تكن
روايته تعديلاً ، اللهم إلا أن يروي عنه ويعدّله بقوله أو بعمل [ لا ] يحرم
فيكون تعديلاً .
فصل
ولا يقبل خبر من لم تعرف عدالته وإن عرف إسلامه
وقد قال أحمد رحمه الله في رواية الفضل بن زیاد ، وقد سأله عن أبي
حميد يروي عن مشايخ لا يعرفهم ، وأهل البلد يثنون عليهم ؟ فقال : إذا
أثنوا عليهم ، قبل ذلك منهم ، هم أعرف بهم .
وظاهر هذا : أنه لا يقبل خبره إذا لم تعرف عدالته ؛ لأنه اعتبر تعدیل
أهل البلد لهم .
وحكي عن أبي حنيفة : أنه يقبل خبر من لم تعرف عدالته ، إذا عرف
إسلامه .
دليلنا :
أن كل خبر لم يقبل من الفاسق ، كان من شرطه معرفة عدالة
المخبر ، كالشهادة ، ولا يلزم عليه الخبر المرسل أنه مقبول ، وإن لم تعرف
عدالته ؛ لأنه غير مجهول العدالة ، لما بينا : أن رواية العدل عن غيره
٩٣٦
:
تعديل له ؛ لأنه لا يجوز أن يرويَ عن فاسق .
والذي روي أن النبي عَ الِ قبل شهادة الأعرابي في رؤية الهلال لما
علم إسلامه بقوله: ((أشهد أن لا إله إلا الله)) (١) وذلك لأنه يحتمل أن
يكون النبي [َّ] عرف من حال الشاهد أنه عدل ثقة ، فلذلك حكم
بشهادته .
وليس من شرطه معرفة العدالة الباطنة ؛ لأن اعتبارها يشق . ويفارق
الشهادة ؛ لأن اعتبارها لا يشق ؛ لأن لها معتبراً ، وهو الحاكم ، والاعتبار
إليه ، وليس كل من سمع الحديث حاكماً .
(١) هذا الحديث رواه ابن عباس رضي الله عنهما . أخرجه عنه الترمذي في كتاب
الصوم ، باب ما جاء في الصوم بالشهادة (٦٥/٣ - ٦٦)، ولفظه : (جاء أعرابي
إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني رأيت الهلال، قال: ((أتشهد أن لا
إله إلا الله؟ أتشهد أن محمداً رسول الله؟)) قال: نعم. قال: (( يا بلال أذن في
الناس أن يصوموا غداً ) .
ثم قال التر مذي بعد ذلك : ( حديث ابن عباس فيه اختلاف . وروى سفيان الثوري
وغيره عن سماك عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً . وأكثر
أصحاب سماك رووا عن سماك عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً).
وأخرجه أبو داود في كتاب الصيام ، باب في شهادة الواحد على رؤية هلال
رمضان (٥٤٧/١) ، عن ابن عباس مسنداً .
كما أخرجه عن عكرمة مرسلاً . ثم قال بعد ذلك : ( رواه جماعة عن سماك عن
عكرمة مرسلاً ... ). ولفظه قريب من لفظ الترمذي.
وأخرجه النسائي عن ابن عباس رضي الله عنه مسنداً ، في كتاب الصيام ، باب
قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان ( ١٠٦/٤ - ١٠٧ )، كما
أخرجه عن عكرمة مرسلاً ، ولفظه قريب من لفظ الترمذي .
وأخرجه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنه مسنداً ، في كتاب الصيام ، باب
ما جاء في الشهادة على رؤية الهلال ( ٥٢٩/١) .
٩٣٧
فصل (١)
[١٤١/ب] وقد أطلق أحمد رحمه الله القول بالأخذ بالحديث الضعيف.
فقال مُهَنّا (٢) : قال أحمد: الناس كلهم أكفاء إلا الحائك والحجام
والكساح (٣)، فقيل له : تأخذ بحديث ( كل الناس أكفاء إلا حائكاً (٤) أو
حجاماً ) (٥) وأنت تضعفه ؟ فقال : إنما نضعف إسناده ، لكن العمل عليه.
(١) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (٢٧٣)، فإنه نقل هذا الفصل بالنص ،
مع اختلاف طفيف .
(٢) في الأصل: (بهذا)، والتصويب من ((المسودة)) ص (٢٧٣).
(٣) الكسح : الكنس ، والكساح الكناس ، ولعله المقصود هنا .
راجع مادة: (كسح) في ((تهذيب اللغة))، و((القاموس)) و((اللسان)).
(٤) في الأصل : ( إلا حائك أو حجام).
(٥) هذا الحديث رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أخرجه عنه البيهقي في
((سننه الكبرى)) في كتاب النكاح، باب اعتبار الصنعة في الكفاءة ( ١٣٤/٧ -
١٣٥) بلفظ: ( قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العرب بعضهم
أكفاء لبعض ، قبيلة بقبيلة ، ورجل برجل والموالي أكفاء لبعض قبيلة بقبيلة ،
ورجل برجل ، إلا حائك أو حجام ) .
ثم قال البيهقي بعد ذلك : ( هذا منقطع بين شجاع وابن جريح حيث لم يسمع
شجاع بعض أصحابه ) .
وذكر له بعد ذلك طرقاً أخرى ، حكم عليها كلها بالضعف .
وقال ابن أبي حاتم في كتابه: ((العلل)) (٤١٢/١): (سألت أبي عنه .. فقال :
هذا كذب لا أصل له ). ونقل عن أبيه (٤٢١/١ ) قوله : ( باطل ، أنا نهيت
ابن أبي شريح أن يحدث به) .
ونقل عن أبيه مرة ثالثة (٤٢٤/١) قوله . ( .. هذا حديث منكر ، رواه هشام
الرازي، وزاد في الحديث (( إلا حائك أو حجام أو دباغ)) قال : فخرج عليه
الدباغون ، واجتمعوا ، حتى أن بعض الناس حسّن الحديث، وقال: إنما معنى =
٩٣٨
1
وكذلك قال في رواية ابن مُشَيْش (١) وقد سأله : عمن تحل له الصدقة
وإلى أي شيء يذهب في هذا؟ فقال: إلى حديث حكيم بن جبير (٢)،
فقلت : وحكيم بن جبير (٣) ثَبَت عندك في الحديث (٤) ؟ قال : ليس
هو عندي ثَبتاً في الحديث .
هذا: ((أو دباب))، إنما أراد هؤلاء الذين يتخذون الدباب) ..
=
وقال الدار قطني في هذا الحديث : لا يصح .
وقال ابن عبد البر : هذا منكر موضوع .
وقد تكلم الزيلعي عن هذا الحديث في كتابه: ((نصب الراية)) ( ١٩٧/٣ ) ،
کما تكلم عنه ابن حجر في كتابه : (( تلخيص الحبير )) (١٦٤/٣ ) فارجع إليهما
إن شئت .
(١) هو : محمد بن موسى بن مشيش البغدادي . من أصحاب الإمام أحمد المقدمين
عنده . كان جاراً للإمام أحمد ، ومكرماً لديه . نقل عنه كثيراً من المسائل .
له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (٢٤٠/٣)، و((طبقات الحنابلة)) (٣٢٣/١)،
و ((مناقب الإمام أحمد)) لابن الجوزي ص (٥١١)، و ((المنهج الأحمد)) (١/
٢٤٦ ) .
(٢) حديث (( حكيم بن جبير)) هذا ذكره الذهبي في كتابه: ((ميزان الاعتدال)) (١/
٥٨٤)، عند كلامه عن ((حكيم)) المذكور، ولفظه: ( لا تحل الصدقة لمن عنده
خمسون درهماً ) .
(٣) في الأصل: (حبير ) بالحاء المهملة ، وهو خطأ .
(٤) روی حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير وأبي جحيفة وغيرهما . وعنه شعبة وزائدة
وغيرهما. قال فيه أحمد: (( ضعيف منكر الحديث )) وقال النسائي: (( ليس
بالقوي)) وقال الدارقطني: ((متروك)) وقال الجوزجاني: ((كذاب)) وقال فيه
الذهبي : (( فيه رفض ، ضعفه غير واحد ، ومشاه بعضهم ، وحسن أمره ،
وهو مقل)).
له ترجمة في: ((المغني في الضعفاء)) (١٨٦/١)، و ((ميزان الاعتدال)) ( ١/
٥٨٣) .
٩٣٩
وكذلك قال مُهَنّا : سألت أحمد رحمه الله: عن حديث مَعْمَر
عن الزهري عن سالم (١) عن ابن عمر عن النبي عَ لمِ: أن غيلان (٢) أسلم
وعنده عشر نسوة (٣) ، قال : ليس بصحيح ، والعمل عليه ، كان عبد
الرزاق يقول : عن مَعْمَر عن الزهري مرسلاً .
(١) هو: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عمر، أو أبو عبد الله ، المدني .
أحد الفقهاء السبعة . روى عن أبيه وأبي هريرة وعائشة وغيرهم . وعنه ابنه أبو
بكر وحنظلة بن أبي سفيان وغيرهما . مات سنة (١٠٦ هـ).
له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (٨٨/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٣٦/٣ )،
و ((خلاصة تذهيب الكمال)) ص (١١١)، و((شذرات الذهب)) (١٣٣/١)،
و ((غاية النهاية في طبقات القراء)) (٣٠١/١) و((النجوم الزاهرة)) (٢٥٦/١).
(٢) هو : غيلان بن سلمة بن شرحبيل الثقفي . أسلم بعد فتح الطائف . ولم يهاجر .
كان مقدماً في قومه ، كما كان شاعراً محسناً . توفي في آخر خلافة عمر رضي
الله عنه .
له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٢٥٦/٣)، و((الإصابة)) القسم الخامس ص
(٣٣٠) .
(٣) هذا الحديث رواه ابن عمر رضى الله عنه؛ أخرجه عنه الترمذي في كتاب النكاح ،
باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة (٤٢٦/٣) ولفظه: (أن غيلان بن
سلمة الثقفي أسلم ، وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه ، فأمره النبي صلى الله
عليه وسلم أن يتخير أربعاً منهن ) .
ثم قال الترمذي بعد ذلك : (والعمل على حديث غيلان بن سلمة عند أصحابنا .. ).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب النكاح ، باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع
نسوة ، ( ٦٢٨/١ ) .
وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب النكاح ، باب أنكحة الكفار وإقرارهم
عليها .. ( ٣٤٩/٢ ) .
وأخرجه عنه الحاكم في (( المستدرك))، في كتاب النكاح ، باب قصة إسلام غيلان
الثقفي ، وتخييره ، لأربع من النساء (١٩٣/٢ ) .
=
٩٤٠
أ