النص المفهرس

صفحات 901-920

والثاني : أن يخبر الواحد ، ويدعي على النبي مع الم أنه سمعه منه ، فلا
ينكره ، فيدل على أنه حق ، فيصدق؛ لأن النبي عَ ائله لا يقر على الكذب .
الثالث : أن يخبر النبي [عَ لَّه] وهو واحد ، فيقطع بصدقه ؛ لأن الدليل
قد دل على عصمته وصدق لهجته صلى الله عليه [ وسلم] .
الرابع : أن يخبر الواحد ، ويدعي على عدد كثير أنهم سمعوه منه ، فلا
ينكر منهم أحد ، فيدل على أنه صدق ؛ لأنه لو كان كذباً ، لم تتفق
دواعيهم على السكوت عن تكذيبه ؛ لأن الله تعالى خالف بين الطباع
وبَّايَن بين الهمم .
والعلم الواقع عن ذلك كله مكتسب ؛ لأنه واقع عن نظر واستدلال .
وقال إبراهيم النظام (١) : خبر الواحد يجوز أن يوجب العلم الضروري
إذا قارنه أمارة (٢).
دليلنا :
أن خبر الواحد لو كان موجباً للعلم ؛ لأوجبه على أي صفة وجد ،
من المسلم والكافر ، والعدل والفاسق ، والحر والعبد ، والصغير
والكبير ، كما أن خبر المتواتر لما أوجب العلم ، لم يختلف باختلاف صفات
المخبرين ، بل استوى في ذلك الكفار والمسلمون ، والصغار والكبار ،
والعدول والفساق ، فلما ثبت أن خبر الكافر والفاسق والصغير غير موجب
(١) هو : إبراهيم بن سيار بن هاني النظام أبو إسحاق البصري المعتزلي . ابن أخت أبي
الهذيل العلاف . له آراء شاذة عرف بها ، وتبعه فيها ناس ، فسموا بالنظامية . كان
ذكياً فصيحاً قيل : انه كان لا يكتب ولا يقرأ .
له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (٦٧/٦)، و((فضل الاعتزال)) و((طبقات المعتزلة))
ص (٢٦٤)، و ((اللباب)) (٣١٦/٣)، و((النجوم الزاهرة)) (٢٣٤/٢).
(٢) هكذا نقل عنه أبو الحسين البصري في كتابه ((المعتمد في أصول الفقه)) (٥٦٦/٢).
٩٠١

للعلم ، دل أن هذا من النوع الذي لا يوجب العلم .
ولأنه لو كان موجباً للعلم لكان الأنبياء إذا أخبروا ببعثهم وقع العلم بما
يخبرون به ، واستغنوا عن إظهار المعجزات والأدلة على صدقهم ، ولكان
لا يحتاج في الشهادات إلى عدد ، بل كان الشاهد الواحد إذا أخبر الحاكم
بشيء ، وقع للحاكم علم ذلك ومعرفته ، ولكان المدعي على غيره عند
الحاكم حقاً أن يصدقه ؛ لأن العام يقع بقوله ، وفي كون الأمر بخلاف ذلك
دليل (١) على أن خبر الواحد لا يوجب العلم .
فإن قيل: إنما لم يوجب العلم ها هنا [١٣٥/ب]؛ لأنه ليس من الشرعيات
وإنما نقول : إنه يوجب العلم فيما كان شرعاً لنا .
قيل : فالشهادة شرع ؛ لأن على الشاهد أن يشهد بما عنده ، قال الله
تعالى: ( وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ) (٢)، وعلى المشهود عنده: العمل
بذلك ، ومع هذا شهادة الشاهدين لا توجب العلم .
وأيضاً : لو كان خبر الواحد يوجب العلم ، لوجب أن لا يشكك
نفسه عنده ، كما لا يشككها عند خبر التواتر ، فلما ثبت أنه يشكك نفسه
عنده ، ويجوز عليه الصدق والكذب ، ثبت أنه لا يوجب العلم .
ولأنه لو كان يوجب العلم لوجب أن لا ينكر عليه قريش حين
أخبرهم : أن الله تعالى قد أسرى به إلى بيت المقدس في ليلة واحدة ، وأنه
عرج به إلى السماء ؛ لأن العلم قد وقع لهم بما أخبرهم به ، فلما أنكروا
عليه ، وردوا قوله ، حتى أتى أبو بكر فأخبروه بما يقول ، فقال لهم : إن
كان قد قال هذا ، فقد صدق . ثبت : أن خبر الواحد لا يوجب العلم .
والمعتزلة : تنكر حديث المعراج ، وتقول : إنه منام ، ولو كان على ما
(١) في الاصل: ( دليلاً ).
(٢) (٢٨٣) سورة البقرة .
٩٠٢

قالوه، لما أنكروا عليه أنه رأى في المنام هذا، ولأن(١) كل أحد يرى في منامه
أعظم من هذا ، فلما أنكروا عليه، ثبت: أنه إنما قال لهم ذلك في اليقظة .
وأيضاً : فإن الواحد يجوز أن يكذب لغرض له أو شهوة ، أو يخطىء .
فيخبر به ، وهذا التجوز يمنع وقوع العلم بصدقه ؛ لأنه لا يجتمع التجويز
لكذبه [ لغرض ] أو شهوة ، والقطع على صدقه .
واحتج المخالف :
بقوله تعالى : ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (٢)، دل على
أنه لا يقفو ما ليس بعلم ، فلما ثبت أنه يقفو خبر الواحد ، ثبت أنه متعلق
بما هو علم .
وهكذا قال: (إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٣)
ومعلوم أن اللّه تعالى تعبدنا بنقل خبر الواحد ، وتعبدنا بالعمل به إذا ورد ،
فلما لزم نقله ، ولزم العمل به ، ثبت : أنه أوجب العلم .
والجواب عن الآية أن التعلق بها من دليل الخطاب ، وهذا لا يوجب
العلم ، على أنا تحملها على العلم الظاهر ، أو على مسائل الأصول بدليل
ما ذكرنا .
وأما قولهم : لما أوجب على السامع نقله ، وعلى المنقول إليه العمل به ،
ثبت أنه يوجب العلم ، فهو باطل بالشهادة ، فإنها على هذا الوصف ، ومع
هذا فلا توجب العلم .
واحتج : بأن الشريعة محفوظة بقوله تعالى : ( إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
(١) في الأصل : ( وأن ) .
(٢) (٣٦) سورة الإسراء.
(٣) (٨٦) سورة الزخرف .
٩٠٣

الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(١)، وهذا يمنع من دخول الكذب والسهو
فيها .
والجواب : أن هذا إشارة إلى القرآن ، وذلك مقطوع على صحته .
فأما غيره من الأخبار الشرعية فلا ، يدل على ذلك قول النبي عَ لّهِ: (من
كذب عليّ متعمداً، فليتبوأ مقعده [١٣٦/أ] من النار) (٢)، فلو لا خوفه من
دخول الكذب ، لم يتوعد عليه .
واحتج: بما روي عن علي أنه قال: (( ما حدثني أحد بحديث إلا
استحلفته ، إلا أبا بكر، وصدق أبو بكر)) (٣) . فقد قَطَع على صدقه وهو
واحد .
والجواب : أن الخبر حجة على هذا القائل ؛ لأن عنده أن أبا بكر
(١) (٩) سورة الحجر.
(٢) هذا الحديث قد تعددت طرقه حتى بلغ حد التواتر ، وقد أخرجه البخاري في عدة
مواضع ، منها ما أخرجه في كتاب العلم ، باب إثم من كذب على النبي صلى الله
عليه وسلم (٣٧/١ - ٣٨).
وأخرجه مسلم في عدة مواضع أيضاً ، منها ما أخرجه في كتاب الإيمان ، باب
تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم (٩/١ - ١٠).
وأخرجه أبو داود في كتاب العلم ، باب التشديد في الكذب على رسول الله صلى
الله عليه وسلم (٢٨٧/٢ ).
وأخرجه الترمذي في كتاب العلم ، باب ما جاء في تعظيم الكذب على رسول الله
صلى الله عليه وسلم (٣٥/٥ - ٣٦).
وأخرجه ابن ماجه في مقدمة (( سننه))، باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله
صلى اللّه عليه وسلم (١٣/١ - ١٤).
وأخرجه الدارمي في مقدمة (( سننه))، باب اتقاء الحديث عن النبي صلى الله عليه
وسلم والتثبت فيه (٦٦/١ - ٦٨ ).
(٣) مضى تخريج هذا الحديث عن علي رضي الله عنه ص (٨٦٨) .
٩٠٤

وسائر الصحابة سواء في قبول قولهم ، وقد أخبر أنه كان يستحلفه ، فلو
كان العلم يقع به لقول الواحد ، لم يستحلفه .
وأما قوله: ((وصدق أبو بكر))، فإنما فرق بينه وبين غيره ؛ لأن
جنبته أقوى ؛ لأن صدقه منصوص عليه ، فإنه سمي صديقاً .
واحتج النظام : بأنه قد يخبر الرجل بموت أمه وأبيه أو بعض أهله
فيقع العلم بصدقه . وقد تخبر القابلة بولادة امرأته ، فيقع له العلم بصدقها .
وقد يخبر الإنسان بموت زيد ، وهناك أسباب تقتضي مثل ذلك ، مثل
رؤية المغتسل والجنازة على باب الدار ، فيقع العلم بذلك ، كما يقع بخبر
الجماعة الكثيرة (١) .
والجواب : أنا لا نسلم ذلك ؛ لأنه قد يخبر الواحد بذلك على سبيل
اللّعب والمجون والمبايعة على عوض، وقد وجد ذلك بالبصرة وبخوارزم (٢)
مع بعض الحكام ، وفعله رجل باليمن ، لدفع أذية السلطان .
وكذلك الولادة مثل ذلك ؛ لأن المرأة قد تستغير الولد وتلتقطه وتدعيه ،
رغبةً في الزوج وفي ماله ، يبين صحة هذا : أنه لو شككنا فيه مشكك ،
وقفنا في ذلك .
واحتج : بأنه لو لم يقع العلم بخبر الواحد ، لم يقع العلم به وإن انظم
إليه غيره من الجماعة الكثيرة ؛ لأن ما يجوز على الأول من الغلط والكذب
(١) دليل أبي إسحاق النظام هذا، ذكره أبو الحسين البصري في كتابه ((المعتمد))
( ٥٦٦/٢ ) باختصار.
(٢) ((خوارزم)) اسم لناحية كبيرة ، قصبتها الجرجانية ، وهي ولاية عظيمة ، متصلة
القرى ، كثيرة العمارة ، تقدر مساحتها بثمانين فرسخاً في مثلها . وقد فتحها
المسلمون بقيادة قتيبة بن مسلم الباهلي .
انظر: ((اللباب)) (٤٦٦/١)، و«مراصد الاطلاع)) (٤٨٧/١).
٩٠٥

والسهو ، يجوز على الثاني والثالث والرابع ، ولما حصل العلم بانضمام
الجماعة ، وجب أن يحصل العلم به .
والجواب : أن الخبر إذا تكرر قويَ في قلوبنا وغلب في ظنوننا صدق
المخبرين به ، فحينئذ وقع العلم به ، وهذا معدوم في الخبر الواحد .
وجواب آخر وهو : أنه لا يمتنع أن لا يوجبه حال الانفراد ، ويوجبه
حال الاجتماع ، كالشهادة ، ولا يقبل شهادة كل واحد من الشاهدين حال
الانفراد ، ويقبل حال الاجتماع ، وكذلك الشاهد واليمين .
مسألة
الخبر المرسل حجة ويجب العمل به (١)
وصورته : أن يترك الراوي رجلاً في الوسط ، مثل أن يروي التابعي
عن النبي معَّاتٍ، أو يروى تابعي التابعي عن صحابي عن النبي عَ له.
وهكذا إذا ذَكَر المروى [ عنه ] ، ولكنه ذِكْر لا يعرف به ،
[ ١٣٦/ب] وهو أن يقول : أخبرني الثقة عن فلان ، أو أخبرني رجل من
بني فلان عن فلان ، في إحدى الروايتين .
نص عليه رحمه الله في رواية الأثرم قال : إذا قال الرجل من
التابعين : حدثني رجل من أصحاب النبي صَ الِ، ولم يسمه ، فالحديث
صحيح ، قيل له: فإن قال يرفع الحديث فهو عن النبي [عَ لّ ] قال:
فأي شيء ؟ ! .
ونقل الميموني أيضاً : كان يعجب أبو عبد الله رضي الله عنه ممن یکتب
(١) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (٢٥٠)، و ((روضة الناظر )) مع شرحها
((نزهة الخاطر)) (٣٢٣/١ - ٣٢٦).
٩٠٦
٠١
i

الإسناد ويدع المنقطع ، وقال : ربما كان المنقطع أقوى إسناداً ، قد يكون
الإسناد متصلاً ، وهو ضعيف ، فيكون المنقطع أقوى إسناداً منه ، وهو
يوقفه ، وقد کتبه على أنه متصل .
وقال في رواية الفضل بن زياد : مرسلات سعيد بن المسيّب أصح
المرسلات ، ومرسلات إبراهيم (١) لا بأس بها ، وليس في المرسلات
أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح (٢) ؛ فإنهما يأخذان عن
کلٍ.
(١) هو : إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبو عمران . أحد أعلام
التابعين . رأى جماعة من الصحابة ، ولم يصح له سماع منهم . فكان يرسل عن
بعضهم. قال الذهبي في الميزان: (( استقر الأمر على أن إبراهيم حجة . وأنه إذا
أرسل عن ابن مسعود وغيره فليس بحجة)) مات بالكوفة سنة (٩٦ هـ) وله من
العمر تسع وأربعون سنة .
له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (٧٣/١)، و((تهذيب التهذيب)) (١٧٧/١)،
و ((شذرات الذهب)) (١١١/١)، و((طبقات الحفاظ)) ص (٢٩)، و((غاية
النهاية في طبقات القراء)) (٢٩/١)، و((اللباب)) (٢٢٠/٣)، و((ميزان
الاعتدال)) ( ٧٤/١) .
(٢) هو : عطاء بن أبي رباح أسلم أبو محمد القرشي بالولاء ، المكي . أحد أعلام
التابعين . كان مفتي مكة ومحدثها . سمع من عائشة وأبي هريرة وابن عباس
وغيرهم . وعنه أبو حنيفة والأوزاعي وابن إسحاق . ولد في خلافة عمر على
الأرجح . ومات بمكة المكرمة سنة (١١٤ هـ) .
له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (٩٨/١)، و((تهذيب التهذيب)) (١٩٩/٧)،
و((شذرات الذهب)) (١٤٧/١)، و((طبقات الحفاظ)) ص (٣٩)، و((غاية
النهاية في طبقات القراء)) (٥١٣/١)، و((ميزان الاعتدال)) (٧٠/٣)، و((النجوم
الزاهرة)) ( ٢٧٣/١ ) .
٩٠٧

وقال في رواية عبد الله : آخذ بحديث ابن جريج عن ابن أبي مُلَبْكة (١)
وعمرو بن دينار (٢) عن النبي [َ امٍ] في العبد الآبق إذا جيء به دينار (٣).
(١) هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُلَيْكَة، واسم أبي مليكة: زهير بن عبد الله
أبو بكر ، أو أبو محمد القرشي التيمي ، المكي . روى عن عائشة وأم سلمة وابن
عباس وغيرهم . وعنه ابنه يحيى وعطاء وغيرها . كان قاضي مكة لعبد الله بن
الزبير ، كما كان إمام الحرم المكي وشيخه ومؤذنه . مات سنة (١١٧ هـ).
له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (١٠١/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٠٦/٥)،
و((خلاصة تذهيب الكمال)) ص (١٧٤)، و((شذرات الذهب)) (١٥٣/١)،
و((طبقات الحفاظ)) ص (٤١)، و((غاية النهاية في طبقات القراء)) (٤٣٠/١)،
و ((النجوم الزاهرة)) (٢٧٦/١).
(٢) هو : عمرو بن دينار أبو محمد ، الجمحي بالولاء ، المكي . أحد التابعين روی عن
العبادلة وخلق ، وعنه السفيانان والحمادان وغيرهم. كان ثقة ثبتاً ، قال فيه الذهبي
في الميزان: ((أما عمرو بن دينار الجمحي ، عالم الحجاز ، فحجة ، وما قيل عنه
من التشيع فباطل)). مات بمكة سنة (١٢٦ هـ).
له ترجمة في: ((خلاصة تذهيب الكمال)) ص (٢٨٨) طبعة بولاق، و «شذرات
الذهب)) (١٧١/١)، و((غاية النهاية في طبقات القراء)) (٦٠٠/١)، و((میزان
الاعتدال )) (٢٦٠/٣).
(٣) هذا الحديث المرسل أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) في باب الجعل في الآبق
(٢٠٧/٨ - ٢٠٨) قال : ( أخبرنا معمر عن عمرو بن دينار أن رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم: قضى في الآبق يوجد في الحرم بعشرة دراهم).
وأخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه))، كما نقل ذلك الزيلعي في كتابه (( نصب
الراية )) (٤٧١/٣)، واللفظ الذي ذكره الزيلعي هو: (قضى في العبد الآبق يؤخذ
خارج الحرم بدينار أو عشرة دراهم ) .
٩٠٨
١
أ

وبهذا قال الكرخي من أصحاب أبي حنيفة (١)، ومالك (٢) والمعتزلة (٣).
وفيه رواية أخرى : ليس بحجة إلا مرسل الصحابة .
أومأ إليه في رواية إسحاق بن إبراهيم ، وقد سئل عن حديث عن النبي
[َّه] مرسل برجال ثَبَت، أحبُّ، إليك، أو حديث عن الصحابة
متصل برجال ثَبَت ؟ فقال : عن الصحابة أعجب إليّ .
وهذا يدل من قوله على أنه ليس بحجة ، إذ لو كان حجة ، لم يقدم
عليه قول الصحابي ؛ لأن من جعله حجة قدمه على قول الصحابي .
وقال مهنا : سألت أحمد رحمه اللّه عن حديث ثوبان (٤) : ( أطيعوا
قريشاً ما استقاموا لكم )(٥) ، قال : ليس بصحيح، سالم بن أبي الجعد (٦)
لم يلق ثوبان .
(١) راجع رأي الحنفية في هذا الموضوع في: ((تيسير التحرير)) (١٠٢/٣)، و((مسلم
الثبوت )) مع شرحه ((فواتح الرحموت)) (١٤٧/٢ ).
(٢) راجع رأي الإمام مالك هنا في: ((شرح تنقيح الفصول)) للقرافي ص (٣٧٩).
(٣) انظر تفصيل القول عند المعتزلة في الحديث المرسل في كتاب ((المعتمد)) لأبي
الحسين البصري ( ٦٢٨/٢ ) .
(٤) هو : ثوبان بن يجدد ، أبو عبد الله ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه .
روى عنه جبير بن نفير الحضرمي ، وأبو إدريس الخولاني وخلق .
خرج بعد موت النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الشام، فنزل ((الرملة)) ثم انتقل إلى
((حمص))، وبها مات سنة (٥٤ هـ).
له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (٢١٨/١)، و((الإصابة)) القسم الأول ص (٤١٣)
طبعة دار نهضة مصر .
(٥) هذا الحديث أخرجه الطبراني في ((الصغير)) و ((الأوسط)) حكى ذلك الهيثمي في
كتابه («مجمع الزوائد)) (١٩٥/٥) ، وقال بعد ذلك: (ورجال الصغير ثقات).
(٦). هو : سالم بن أبي الجعد رافع، الأشجعي بالولاء، الكوفي . روى عن ثوبان =
٩٠٩

فقد حكم ببطلان الحديث ؛ لأجل أنه مرسل . وبهذا قال الشافعي .
وجه الرواية الأولى :
قوله تعالى: (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ)(١)، ولم
يفرق بين من أنذر بمرسل أو بمسند .
ولأن من عادة التابعين إرسال الأخبار، من ذلك ما روي عن الأعمش(٢)
أنه قال : قلت لإبراهيم : إذا حدثتني فأسند ، فقال: إذا قلت لك : حدثني
فلان عن عبد اللّه، فهو الذي حدثني، وإذا قلت لك : قال عبد الله، فقد
حدثني جماعة عنه .
وروي ذلك عن الحسن وسعيد بن المسيب والشعبي (٣)، وإذا كان
= وعلي بن أبي طالب وخلق. وعنه قتادة وعمرو بن دينار والأعمش وغيرهم.
وثقه ابن معين والنسائي وأبو زرعة وابن سعد، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
مات سنة ( ١٠٠ هـ) .
له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب» (٤٣٢/٣)، و«التاريخ الصغير)) (٢١١/١)،
و ((جامع التحصيل)) للحافظ العلائي ص (٣٩١)، رسالة ((ماجستير)) تحقيق
الدكتور عمر حسن عثمان .
(١) (١٢٢) سورة التوبة .
(٢) هو : سليمان بن مهران ، أبو محمد ، الأعمش ، الكاهلي بالولاء ، الكوفي، أحد
العلماء المشهورين . روى عن عكرمة وإبراهيم النخعي وأبي عمرو الشيباني
وغيرهم . وعنه شعبة والسفيانان وغيرهم. مات سنة (١٤٨ هـ).
له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (٣/٩)، و((تذكرة الحفاظ)) (١٥٤/١)،
و((الخلاصة)) ص (١٣١)، و((شذرات الذهب)) (٢٢٠/١)، و((طبقات
القراء)) للذهبي (٨٨/١)، و((العبر)) (٢٠٩/١)، و((غاية النهاية)) (٣١٥/١)،
و ((ميزان الاعتدال)) (٢٢٤/٢).
(٣) هو : عامر بن شراحيل أبو عمرو الشعبي الكوفي من أعلام التابعين . روى عن
أبي هريرة وابن عباس وعائشة وغيرهم . وعنه الأعمش وأشعث بن سوار وأبو =
٩١٠
١

معروفاً من عاداتهم ، فلو كان عندهم أنها غير مقبولة ، كانوا قد ضيعوا
سنن رسول اللّه متّ الله بهذا الفعل ، وهذا لا يجوز.
ولأن المرسيل للخبر مثبت لعدالة راويه من وجهين :
أحدهما : أنه لا يجوز [١٣٧/أ] أن يحدثه، ويكتم اسمه ، ثم يحدث
به غيره ، فیلزمه قبوله .
والثاني: أنه لو أرسل عن غير ثقة ، كان قد قطع على رسول الله [ عَ الَّعٍ]
بقول من هو كذاب عنده ، وهذا فعل ممنوع منه وإذا كان ذلك تعديلاً له ،
لم يعتبر جواز أن يجرحه غيره لو ظهر اسمه ، يدلل عليه : أن من زكاه
الحاكم ، فله أن يقضي بشهادته ، ولا يراعي جواز جرحه أن لو نادى
في البلد باسمه ، أو كتب به إلى البلدان التي تقرب منه ، فَبان أن تعديله ،
موجب قبول خبره ، ولهذا جعل أحمد رحمه الله رواية العدل عن غيره
تعديلاً للغير ، فقال في كتاب العلل للأثر [م]: إذا روى عبد الرحمن (١)
عن رجل ، فروايته عنه حجة .
حنيفة وغيرهم . ولد لست سنين مضت من خلافة عمر. ومات سنة (١٠٣ هـ)،
أو سنة (١٠٤ هـ)، أو سنة ( ١٠٧ هـ).
له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (٢٢٩/١٢)، و((تذكرة الحفاظ)) (٧٩/١)،
و((تهذيب التهذيب)) (٦٥/٥)، و((شذرات الذهب)) (١٢٦/١)، و«غاية
النهاية في طبقات القراء)) (٣٥٠/١)، و((اللباب)) (٢١/٢)، و((النجوم
الزاهرة )) (٢٥٣/١).
(١) المراد به : عبد الرحمن بن مهدي ، كما يأتي التصريح بذلك ص (٩٣٤) وهو :
عبد الرحمن بن مهدي بن حسان أبو سعيد البصري اللؤلؤي الحافظ الثقة . روى
عن شعبة ومالك والسفيانين وغيرهم ، وعنه الإمام أحمد وإسحاق وابن المديني
وآخرون. قال فيه ابن المديني: ((كان أعلم الناس)). مات بالبصرة سنة (١٩٨)،
وله من العمر ثلاث وستون سنة .
=
٩١١

وقال أيضاً في رواية أبي زرعة الدمشقي (١): مالك بن أنس إذا روي ،
يعني عن رجل لا يعرف ، فهو حجة .
فإن قيل : هذا لا يدل على عدالته ، كما لم يدل شاهدي الفرع على
[ عدالة ] شاهدي الأصل .
قيل : الفرق بين الشهادة والخبر باقٍ (٢) .
فإن قيل : يحتمل أن يعرف جرحه غيره ، فوجب تسميته ؛ ليقف
عليه .
قيل : فيجب أن يلزم الحاكم تسمية الشاهدين الذين حكم بهما ، لهذا
المعنى ، ولأن حاكماً لو حكم بشهادة شاهدين لم يسمهما ، لم يجز لأحد أن
يعترض على حكمه ؛ لأجل تركه تسمية الشهود ، وكان أمرهم محمولاً على
الجواز والعدالة في الشهادة ، فلأن يكون كذلك فيما طريقه الاخبار أولى ؛
لأن الأمر فيها أوسع .
ولأن مرسل الصحابي مقبول ، وكل معنى منع من قبول مرسل التابعين
له ترجمة في: ((البداية والنهاية)) (٢٤٤/١٠)، و((تاريخ بغداد)) (٢٤٠/١٠)،
و ((تذكرة الحفاظ))، (١٢٩/١)، و((خلاصة تذهيب الكمال)) ص (١٩٩)،
و ((شذرات الذهب)) (٣٥٥/١)، و((النجوم الزاهرة)) (١٥٩/٢).
(١) هو : عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري أبو زرعة الدمشقي .
شيخ الشام في عصره . ثقة حافظ . روى عن أحمد بن حنبل وأبي نعيم وأبي
مسهر وغيرهم . وعنه أبو داود والطبراني والطحاوي وغيرهم مات بدمشق سنة
(٢٨١ هـ ) .
له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (٦٢٤/٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٣٦/٦)،
و ((شذرات الذهب)) (١٧٧/٢)، و((طبقات الحنابلة)) (٢٠٥/١)، و((طبقات
الحفاظ)) ص (٢٦٦)، و((النجوم الزاهرة)) (٨٧/٣).
(٢) في الأصل : ( باقي ).
٩١٢
1
1

فهو مأخوذ في مرسل الصحابة ، وقد ثبت أن الصحابي أو التابعي لو قال :
أخبرني بعض أصحاب رسول اللّه مع التم أنه قال كذا ، فهو بمنزلة المسند ،
وكذلك إذا قال التابعي: قال رسول اللّه [عَ لَّه] يجب أن يكون مثله .
وقد قال الأثرم : قيل لأبي عبد اللّه : إذا قال رجل من التابعين :
حدثني رجل من أصحاب رسول اللّه [ِ ل] فالحديث صحيح؟ قال : نعم .
فإن قيل : الصحابي معلوم عدالته ، بأن الله تعالی عدله وزكاه وأخبر عن
إيمانه ، ورضي عنه وأرضاه ، وجعل الجنة مأواه .
قيل: قد شهد النبي [َالله] للتابعين، كما شهد للصحابة فقال: ( خير
القرون الذين بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ) (١)، وليس
من شرط قبول الخبر أن يكون ممن يقطع على عدالته ، وإنما تعتبر عدالته في
الظاهر ، وهذا المعنى موجود في التابعين ومن بعدهم ، فيجب أن يتساووا
في النقل .
وأيضاً : فإن الشافعي قد قال : إن كان الظاهر من حال المرسِل الثقة
من التابعين ، أن ما يرسله مسنداً عند غيره ، قُبِل منه .
وهذا لا معنى له [١٣٧/ب] لأن القبول منه : إن كان لأجل إسناد
(١) هذا الحديث رواه عمران بن حصين رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه عنه البخاري
في أول كتاب فضائل الصحابة ( ٢/٥ ).
وأخرجه عنه مسلم في كتاب فضائل الصحابة ، باب فضل الصحابة ، ثم الذين
يلونهم ، ثم الذين يلونهم (١٩٦٤/٤ ).
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في القرن الثالث (٥٠٠/٤).
وأخرجه عنه ابو داود في كتاب السنة ، باب في فضل أصحاب النبي صلى اللّه
عليه وسلم ( ٥١٨/٢ ) .
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الأيمان والنذور ، باب الوفاء بالنذر ( ١٧/٧ ).
٩١٣
العدة في أصول الفقه - ٥٨

غيره فالمرجع إلى المسند ، وما سماه مرسلاً ، فليس بمرسل في الحقيقة .
وإن كان يقول : إن إسناد غيره يوجب قبول مرسَله ، مع جواز أن يكون
مرسلاً ، فهو قول بعيد ، إذا كان يمنع قبولَ المراسيل ، ويلزمه أن لا
يعتبر ظاهر أمره مع الجواز ، كما لا يعتبر ظاهر تعديله مع جواز أن يكون
غير عدل .
وقال أيضاً : المرسل مقبول ، فيمن وجد أكثر مراسيله أصول في
الأسانيد .
وهذا أيضاً ليس بشيء ؛ لأن وجود ذلك في أكثر مراسيله ، لا يمنع
أن يكون قد أرسل ، فالواجب : أن يعتبر ذلك في كل خبر بعينه .
وقال أيضاً : المراسيل تقبل ، إذا عمل بها بعض الصحابة .
وهذ ليس بشيء ؛ لجواز أن يكون القائل قد سمعه بنفسه ، أو يكون
من مذهبه قبول المراسيل .
وقال أيضاً : المرسل يعمل به إذا أفّى به عوام العلماء .
وهذا أيضاً ليس بشيء ؛ لأنه أراد جميع الأمة ، وأن إجماعها على
قبول المرسل ، لا يكون مع اختلافهم في حكمه ، وإنما الواجب : أن يكون
بعضهم قبله ؛ لصحة المراسيل عنده ، والباقون ؛ لأنه مسند عندهم ،
فيخرج أن يكون مرسلاً في الحقيقة .
فإن أرادوا (١) به أكثر العلماء ، فإن خلاف الواحد معتدّ به ، فلم يجز
أن يستدل به على صحة قبول الخبر .
ولأنه قد قال في مراسيل ابن المسيب : إنها مقبولة ، لأنه وجد مراسيله
مسانيد ، وهذا صحيح فيما قد وقف على أنه مسند ، فأما ما لم يوقف على
(١) الأولى الخطاب بالإفراد، لأن الكلام لا زال مع الإمام الشافعي رحمه الله .
٩١٤
1
١
١
:

حاله ، فلا يجوز أن يحكم به ؛ لأنه وجد إسناداً لغيره ، وكان التجويز فيه
موجوداً ، ولا يجوز أن يقال : إنه خص مرسل ابن المسيب ؛ لأنه لا يرسل
إلا عن ثقة ؛ لأن هذا الاعتقاد في حسن الظن بابن المسيب معتبر في غيره .
فإن قيل : ما ذكرتموه ، إنما أراد به الشافعي قوته في الترجيح ، لا
إثبات الحكم به .
قيل : الترجيح لا يجوز بما لا يثبت به حكم ، فإن كان يريد إثبات
الحكم بالمرسل الذي قاربه قياس أو قول صحابي ، فالحكم عنده للقياس لا
للاستدلال .
واحتج المخالف :
بأن هذا خبر عمن شرطت عدالته في قبوله ، والعدالة مجهولة ، فلم
يجز قبوله والعلم به ، قياساً على شاهدي [ الفرع ] إذا لم يسميا شاهدي
الأصل .
والجواب : أنا لا نسلم أن العدالة مجهولة ؛ لما بينا : أن رواية العدل
عنه تدل (١) على عدالته .
ثم الفرق بين الخبر والشهادة من وجوه :
أحدها : أن الشهادة على الشهادة تفتقر إلى الاسترعاء ، وهو أن يقول
شاهد (٢) الأصل لشاهدي الفرع: اشهدا على شهادتي [١٣٨/أ] فلما افتقرت
إلى الاسترعاء ، افتقرت إلى تسمية الأصل ، وليس كذلك الإخبار ؛
لأنه لا يفتقر إلى استرعاء ، بل إذا سمع منه حديثاً ، جاز نقله والعمل عليه ،
وإن لم يقل : اسمع مني .
(١) في الأصل : ( يدل ) .
(٢) في الأصل : (اشهدا ) بالتثنية .
٩١٥

ولأن المشهود على شهادته يكون كالمحكوم عليه ، ألا ترى أن من
الفقهاء من يوجب عليه الضمان ، ولما لم يجب الحكم على من ليس بمعين ،
لم يجز قبول شهادة شهود الفرع ، حتى يذكروا أسماء شهود الأصل ، ولما
كان هذا المعنى معدوماً في الخبر، وأنه لا تعلق للخبر الثاني بالأول، لم
يجز أن يحمل الخبر على الشهادة .
ولأن الشهادة أكدت باعتبار العدد والحرية والذكورية ، وأن يكون
ذاكراً لما شهد به ، فجاز أن تعتبر تسمية شهود الأصل ؛ لتأكيد الأمر
فيها ، والخبر بخلاف ذلك .
ولأنه لو قال نفسان من التابعين : أشهدنا اثنان من الصحابة على
شهادتهما ، لم يجز حتى يعيناهما ، وفي الخبر يجوز عند الجميع ، فدل على
الفرق بينهما .
فإن قيل : أليس مع افتراقهما من هذه الوجوه قد تساويا في اعتبار
العدالة في كل واحد منهما ؟
قيل : فالعدالة موجودة مع الإرسال من الوجه الذي بينًا ، وهو أن
إرسال التابعي له ، تزكية له .
وعلى أن تساويهما في العدالة لم يمنع افتراقهما من الوجوه التي
ذكرناها ، فدل على أن الشهادة آكد . وإنما كان حكم الشهادة آكد من
الخبر من الوجوه التي ذكرناها : أن الشهادة حكم على الغير ، فالتهمة
تلحق ، والخبر يشترك فيه المخبير والمُخْبَر ، فالتهمة لا تلحق .
واحتج : بأن الجهل بعين الراوي أكثر من الجهل بصفته ؛ لأن من
جهلت عينه ، جهلت عينه وصفته ، ثم ثبت : أنه لو كان معروف العين
مجهول الصفة ، مثل أن يقول : أخبرني فلان ، ولا أغرف أثقة هو أم
غير ثقة ؟ لم يقبل خبره ، فبأن لا يقبل خبره ، إذا لم يذكره أصلاً أولى .
٩١٦
٠
٠

والجواب : أنا لا نسلم أن صفته مجهولة ؛ لأن رواية العدل عن رجل
تعديل له ؛ لما بينا ، وهو أنه لا يجوز في حقه أن يروى عن فاسق .
وقد قيل : إنه إذا كان فلان معروفاً بالإِسلام ، فإنه يقبل خبره ؛ لأن
ظاهر أمره العدالة وترك مواقعة المحظور ، وجواز أن يكون فَعَل ما
يوجب جرحاً في شهادته غير معلوم ، فلم يكن في معرفة عدالته أكثر من
عدم العلم بجرحه .
فإن قيل : تقبل شهادته ، وإن لم يبحث عن عدالته للمعنى الذي
ذكرت .
قيل : تقبل شهادته في إحدى الروايتين ، فعلى هذا لا فرق ، ولا
نقبلها في الأخرى احتياطاً للشهادة ، كما احتطنا لها من الوجوه التي ذكرنا .
واحتج : [١٣٨/ب] بأن الخبر ضربان: آحاد وتواتر ، ثم ثبت أن
الراوي لو روى حديثاً ، وذكر أنه من أخبار التواتر ، لم يقبل قوله : إنه
متواتر ، حتى يعرف أنه متواتر ، كذلك إذا قال : أخبرني الثقة أن لا يقبل
خبره ، حتى تعلم ثقته ؛ لجواز أن لا يكون ثقة عند المخبر .
والجواب : أن الخبر المتواتر ما استوى طرفاه ووسطه في عدد يقع
العلم بخبرهم ، وتسكن النفس إليهم في العادة ، وهذا لا يؤخذ بقول
الواحد : هذا متواتر ، وليس كذلك أخبار الآحاد ، فإن طريقها يقبل العدل
عن العدل ، وهذا موجود ها هنا .
فصل (١)
إذا ثبت أن المرسل حجة ، فلا فرق بين مرسل عصرنا ومن تقدم .
هذا ظاهر كلام أحمد في رواية الميموني ؛ لأنه قال : ربّما كان
(١) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (٢٥١).
٩١٧

المنقطع أقوى إسناداً من المتصل ، ولم يفرق (١).
وحكي عن عيسى بن أبان أنه قال : ومن أرسل من أهل عصرنا
حديثاً ، فإن كان من الأئمة الذين حمل عنهم أهل العلم ، فإن مرسله
مقبول ، كما يقبل مسنده ، ومن حمل الناس عنه المسند دون المرسل ،
فإن مرسَله موقوف (٢) .
وقال أبو سفيان : مذهب أصحابنا : مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي
التابعين مقبولة .
وحكي عن الكرخي : أنه لم يفرق بين أهل سائر الأعصار (٣). وهو
اختيار الجرجاني .
(١) تعقبه الشيخ ابن تيمية في ((المسودة)) ص (٢٥١) بقوله: ( قلت : ما ذكره القاضي
وابن عقيل أن مرسل أهل عصرنا مقبول كغيره ، ليس مذهب أحمد ، فإنا نجزم
أنه لم يكن يحتج بمراسيل محدثي وقته وعلمائهم ، بل يطالبهم بالإسناد . نعم
المجتهدون في الحديث الذين يعرفون صحيحه وضعيفه ، إذا قال أحدهم : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، واحتج بذلك ، فهذا نعم ، كتعليق البخاري
المجزوم به .
وبحث القاضي يدل على أنه : أراد بالمرسل من أهل عصرنا ما أرسله عن واحد ،
فهذا قريب بخلاف ما أرسله عن النبى صلى اللّه عليه وسلم ، فإن سقوط واحد أو
اثنين ، ليس كسقوط عشرة ، وحجته لا تتناول إلا ما سقط منه واحد ، فإنه
قال : المرسل إذا كان ثقة ، فظاهره أن الذي أرسل عنه عدل ، وهذا المعنى موجود
في أهل الأعصار ) .
(٢) نقل ذلك عنه أبو بكر السرخسي في ((أصوله)) (٣٦٣/١)، والكمال ابن الهمام
في ((تحريره)) (١٠٢/٣) مطبوع مع شرحه ((تيسير التحرير))، وابن عبد الشكور
في كتابه ((مسلم الثبوت)) مع شرحه ((فواتح الرحموت)) (١٧٤/٢ ).
(٣) نقل ذلك عن الكرخي أبو بكر السرخسي في ((أصوله)): (٣٦٣/١).
٩١٨
٢
1

دليلنا :
أن المرسل إذا كان ثقة، فظاهره أن الذي أرسل عنه عدل، وهذا المعنى
موجود في أهل الأعصار .
ولأن الناقل إذا ثبتت عدالته ، فهو كالعدل من العصر الأول في قبول
خبره ، فيجب أن يكون فيما يرسله كذلك .
ولأنه لا معنى لاعتبار حمل الناس عنه ؛ لأن توقفهم في النقل عنه إن
كان بمعنى يعود إلى عدالته ، فإن مرسله ومسنّده واحد ، وإن كان بمعنى
يعود إلى إرسال الخبر ، فإن وقوف من لا يرى نقل المراسيل فيه ، لا
يوجب التوقف فيمن يرى ذلك ، كالشافعي .
واحتج المخالف :
بأن النبي عدم التعمِ أثنى على القرون الثلاثة ، فحالتهم أوكد ممن بعدهم (١)،
فقد قال : ( إن الكذب يفشو فيهم ) (٢)، فوجب التوقف في مرسله ، إلا
أن ينضم إليه نقل أهل العصر له .
والجواب : أن ثناءه على التابعين وتابعيهم ، لم يوجب لهم القطع ،
(١) في الأصل : ( من بعدهم ) .
(٢) هذا جزء من حديث رواه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مرفوعاً. أخرجه
عنه الترمذي في كتاب الشهادات ، باب منه ، أي : مما جاء في شهادة الزور ( ٤/
٥٤٩)، ولفظه: (عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خير الناس قرني ،
ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يفشوا الكذب ، حتى يشهد الرجل ، ولا
يستشهد ، ويحلف الرجل، ولا يستحلف))).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الأحكام ، باب كراهية الشهادة لمن لم يستشهد
( ٧٩١/٢ ) .
وأخرجه عنه الإمام أحمد في ((مسنده)) (١٨/١).
٩١٩
--

ولم ينفِ عنهم تجويز الفسق ، بخلاف الصحابة ، ومع هذا فقد جاز قبولُ
إرسالهم بَعدَ التهم في الظاهر ، كذلك من بعدهم ؛ لأن الخبر إنما يعتبر
فيه العدالة في الظاهر. [١٣٩ / أ]
فصل
فيه كلام الإمام أحمد رحمه الله في ترجيح المراسيل بعضها على بعض .
نقلته من كتاب (( العلل )) للخلال من الجزء الحادي والسبعين منه ،
فقال في رواية أبي الحارث : مرسلات سعيد بن المسيب صحاح ، لا يرى
أصح من مرسلاته ، فأما الحسن وعطاء ، فليس بذلك ، هو أضعف
المرسلات (١)، كأنهما كانا يأخذان من كلٍ .
وقال في رواية الفضل بن زياد [ أما ] مرسلات عطاء، ففيها شيء (٢).
وأما ابن سيرين فما أحسن مخرجه أيضاً . ومرسلات سعيد بن المسيب أصح .
المرسلات ، ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها . وليس في المرسلات
أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح ، كأنهما كانا يأخذان من
کلٍ.
وقال في رواية مهنا وقد سأله عن مرسلات سعيد بن جبير أحب إليك
أم مرسلات عطاء ؟ قال : مرسلات سعيد بن جبير أقرب ، وهي أحب
إليّ من مرسلات عطاء .
وسأله عن مرسلات سعيد بن جبير أحب إليك أم مرسلات مجاهد (٣) ؟
(١) في الأصل : ( المراسلات ).
(٢) في الأصل : ( ففيه شيء ) .
(٣) هو : مجاهد بن جبر ، أبو الحجاج ، المكي ، المخزومي بالولاء ، أحد أئمة
التفسير روى عن أبي هريرة وجابر وأم سلمة وغيرهم، رضي الله عنهم ، =
٩٢٠