النص المفهرس
صفحات 901-920
والثاني : أن يخبر الواحد ، ويدعي على النبي مع الم أنه سمعه منه ، فلا ينكره ، فيدل على أنه حق ، فيصدق؛ لأن النبي عَ ائله لا يقر على الكذب . الثالث : أن يخبر النبي [عَ لَّه] وهو واحد ، فيقطع بصدقه ؛ لأن الدليل قد دل على عصمته وصدق لهجته صلى الله عليه [ وسلم] . الرابع : أن يخبر الواحد ، ويدعي على عدد كثير أنهم سمعوه منه ، فلا ينكر منهم أحد ، فيدل على أنه صدق ؛ لأنه لو كان كذباً ، لم تتفق دواعيهم على السكوت عن تكذيبه ؛ لأن الله تعالى خالف بين الطباع وبَّايَن بين الهمم . والعلم الواقع عن ذلك كله مكتسب ؛ لأنه واقع عن نظر واستدلال . وقال إبراهيم النظام (١) : خبر الواحد يجوز أن يوجب العلم الضروري إذا قارنه أمارة (٢). دليلنا : أن خبر الواحد لو كان موجباً للعلم ؛ لأوجبه على أي صفة وجد ، من المسلم والكافر ، والعدل والفاسق ، والحر والعبد ، والصغير والكبير ، كما أن خبر المتواتر لما أوجب العلم ، لم يختلف باختلاف صفات المخبرين ، بل استوى في ذلك الكفار والمسلمون ، والصغار والكبار ، والعدول والفساق ، فلما ثبت أن خبر الكافر والفاسق والصغير غير موجب (١) هو : إبراهيم بن سيار بن هاني النظام أبو إسحاق البصري المعتزلي . ابن أخت أبي الهذيل العلاف . له آراء شاذة عرف بها ، وتبعه فيها ناس ، فسموا بالنظامية . كان ذكياً فصيحاً قيل : انه كان لا يكتب ولا يقرأ . له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (٦٧/٦)، و((فضل الاعتزال)) و((طبقات المعتزلة)) ص (٢٦٤)، و ((اللباب)) (٣١٦/٣)، و((النجوم الزاهرة)) (٢٣٤/٢). (٢) هكذا نقل عنه أبو الحسين البصري في كتابه ((المعتمد في أصول الفقه)) (٥٦٦/٢). ٩٠١ للعلم ، دل أن هذا من النوع الذي لا يوجب العلم . ولأنه لو كان موجباً للعلم لكان الأنبياء إذا أخبروا ببعثهم وقع العلم بما يخبرون به ، واستغنوا عن إظهار المعجزات والأدلة على صدقهم ، ولكان لا يحتاج في الشهادات إلى عدد ، بل كان الشاهد الواحد إذا أخبر الحاكم بشيء ، وقع للحاكم علم ذلك ومعرفته ، ولكان المدعي على غيره عند الحاكم حقاً أن يصدقه ؛ لأن العام يقع بقوله ، وفي كون الأمر بخلاف ذلك دليل (١) على أن خبر الواحد لا يوجب العلم . فإن قيل: إنما لم يوجب العلم ها هنا [١٣٥/ب]؛ لأنه ليس من الشرعيات وإنما نقول : إنه يوجب العلم فيما كان شرعاً لنا . قيل : فالشهادة شرع ؛ لأن على الشاهد أن يشهد بما عنده ، قال الله تعالى: ( وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ) (٢)، وعلى المشهود عنده: العمل بذلك ، ومع هذا شهادة الشاهدين لا توجب العلم . وأيضاً : لو كان خبر الواحد يوجب العلم ، لوجب أن لا يشكك نفسه عنده ، كما لا يشككها عند خبر التواتر ، فلما ثبت أنه يشكك نفسه عنده ، ويجوز عليه الصدق والكذب ، ثبت أنه لا يوجب العلم . ولأنه لو كان يوجب العلم لوجب أن لا ينكر عليه قريش حين أخبرهم : أن الله تعالى قد أسرى به إلى بيت المقدس في ليلة واحدة ، وأنه عرج به إلى السماء ؛ لأن العلم قد وقع لهم بما أخبرهم به ، فلما أنكروا عليه ، وردوا قوله ، حتى أتى أبو بكر فأخبروه بما يقول ، فقال لهم : إن كان قد قال هذا ، فقد صدق . ثبت : أن خبر الواحد لا يوجب العلم . والمعتزلة : تنكر حديث المعراج ، وتقول : إنه منام ، ولو كان على ما (١) في الاصل: ( دليلاً ). (٢) (٢٨٣) سورة البقرة . ٩٠٢ قالوه، لما أنكروا عليه أنه رأى في المنام هذا، ولأن(١) كل أحد يرى في منامه أعظم من هذا ، فلما أنكروا عليه، ثبت: أنه إنما قال لهم ذلك في اليقظة . وأيضاً : فإن الواحد يجوز أن يكذب لغرض له أو شهوة ، أو يخطىء . فيخبر به ، وهذا التجوز يمنع وقوع العلم بصدقه ؛ لأنه لا يجتمع التجويز لكذبه [ لغرض ] أو شهوة ، والقطع على صدقه . واحتج المخالف : بقوله تعالى : ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (٢)، دل على أنه لا يقفو ما ليس بعلم ، فلما ثبت أنه يقفو خبر الواحد ، ثبت أنه متعلق بما هو علم . وهكذا قال: (إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٣) ومعلوم أن اللّه تعالى تعبدنا بنقل خبر الواحد ، وتعبدنا بالعمل به إذا ورد ، فلما لزم نقله ، ولزم العمل به ، ثبت : أنه أوجب العلم . والجواب عن الآية أن التعلق بها من دليل الخطاب ، وهذا لا يوجب العلم ، على أنا تحملها على العلم الظاهر ، أو على مسائل الأصول بدليل ما ذكرنا . وأما قولهم : لما أوجب على السامع نقله ، وعلى المنقول إليه العمل به ، ثبت أنه يوجب العلم ، فهو باطل بالشهادة ، فإنها على هذا الوصف ، ومع هذا فلا توجب العلم . واحتج : بأن الشريعة محفوظة بقوله تعالى : ( إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا (١) في الأصل : ( وأن ) . (٢) (٣٦) سورة الإسراء. (٣) (٨٦) سورة الزخرف . ٩٠٣ الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(١)، وهذا يمنع من دخول الكذب والسهو فيها . والجواب : أن هذا إشارة إلى القرآن ، وذلك مقطوع على صحته . فأما غيره من الأخبار الشرعية فلا ، يدل على ذلك قول النبي عَ لّهِ: (من كذب عليّ متعمداً، فليتبوأ مقعده [١٣٦/أ] من النار) (٢)، فلو لا خوفه من دخول الكذب ، لم يتوعد عليه . واحتج: بما روي عن علي أنه قال: (( ما حدثني أحد بحديث إلا استحلفته ، إلا أبا بكر، وصدق أبو بكر)) (٣) . فقد قَطَع على صدقه وهو واحد . والجواب : أن الخبر حجة على هذا القائل ؛ لأن عنده أن أبا بكر (١) (٩) سورة الحجر. (٢) هذا الحديث قد تعددت طرقه حتى بلغ حد التواتر ، وقد أخرجه البخاري في عدة مواضع ، منها ما أخرجه في كتاب العلم ، باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم (٣٧/١ - ٣٨). وأخرجه مسلم في عدة مواضع أيضاً ، منها ما أخرجه في كتاب الإيمان ، باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم (٩/١ - ١٠). وأخرجه أبو داود في كتاب العلم ، باب التشديد في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم (٢٨٧/٢ ). وأخرجه الترمذي في كتاب العلم ، باب ما جاء في تعظيم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم (٣٥/٥ - ٣٦). وأخرجه ابن ماجه في مقدمة (( سننه))، باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم (١٣/١ - ١٤). وأخرجه الدارمي في مقدمة (( سننه))، باب اتقاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والتثبت فيه (٦٦/١ - ٦٨ ). (٣) مضى تخريج هذا الحديث عن علي رضي الله عنه ص (٨٦٨) . ٩٠٤ وسائر الصحابة سواء في قبول قولهم ، وقد أخبر أنه كان يستحلفه ، فلو كان العلم يقع به لقول الواحد ، لم يستحلفه . وأما قوله: ((وصدق أبو بكر))، فإنما فرق بينه وبين غيره ؛ لأن جنبته أقوى ؛ لأن صدقه منصوص عليه ، فإنه سمي صديقاً . واحتج النظام : بأنه قد يخبر الرجل بموت أمه وأبيه أو بعض أهله فيقع العلم بصدقه . وقد تخبر القابلة بولادة امرأته ، فيقع له العلم بصدقها . وقد يخبر الإنسان بموت زيد ، وهناك أسباب تقتضي مثل ذلك ، مثل رؤية المغتسل والجنازة على باب الدار ، فيقع العلم بذلك ، كما يقع بخبر الجماعة الكثيرة (١) . والجواب : أنا لا نسلم ذلك ؛ لأنه قد يخبر الواحد بذلك على سبيل اللّعب والمجون والمبايعة على عوض، وقد وجد ذلك بالبصرة وبخوارزم (٢) مع بعض الحكام ، وفعله رجل باليمن ، لدفع أذية السلطان . وكذلك الولادة مثل ذلك ؛ لأن المرأة قد تستغير الولد وتلتقطه وتدعيه ، رغبةً في الزوج وفي ماله ، يبين صحة هذا : أنه لو شككنا فيه مشكك ، وقفنا في ذلك . واحتج : بأنه لو لم يقع العلم بخبر الواحد ، لم يقع العلم به وإن انظم إليه غيره من الجماعة الكثيرة ؛ لأن ما يجوز على الأول من الغلط والكذب (١) دليل أبي إسحاق النظام هذا، ذكره أبو الحسين البصري في كتابه ((المعتمد)) ( ٥٦٦/٢ ) باختصار. (٢) ((خوارزم)) اسم لناحية كبيرة ، قصبتها الجرجانية ، وهي ولاية عظيمة ، متصلة القرى ، كثيرة العمارة ، تقدر مساحتها بثمانين فرسخاً في مثلها . وقد فتحها المسلمون بقيادة قتيبة بن مسلم الباهلي . انظر: ((اللباب)) (٤٦٦/١)، و«مراصد الاطلاع)) (٤٨٧/١). ٩٠٥ والسهو ، يجوز على الثاني والثالث والرابع ، ولما حصل العلم بانضمام الجماعة ، وجب أن يحصل العلم به . والجواب : أن الخبر إذا تكرر قويَ في قلوبنا وغلب في ظنوننا صدق المخبرين به ، فحينئذ وقع العلم به ، وهذا معدوم في الخبر الواحد . وجواب آخر وهو : أنه لا يمتنع أن لا يوجبه حال الانفراد ، ويوجبه حال الاجتماع ، كالشهادة ، ولا يقبل شهادة كل واحد من الشاهدين حال الانفراد ، ويقبل حال الاجتماع ، وكذلك الشاهد واليمين . مسألة الخبر المرسل حجة ويجب العمل به (١) وصورته : أن يترك الراوي رجلاً في الوسط ، مثل أن يروي التابعي عن النبي معَّاتٍ، أو يروى تابعي التابعي عن صحابي عن النبي عَ له. وهكذا إذا ذَكَر المروى [ عنه ] ، ولكنه ذِكْر لا يعرف به ، [ ١٣٦/ب] وهو أن يقول : أخبرني الثقة عن فلان ، أو أخبرني رجل من بني فلان عن فلان ، في إحدى الروايتين . نص عليه رحمه الله في رواية الأثرم قال : إذا قال الرجل من التابعين : حدثني رجل من أصحاب النبي صَ الِ، ولم يسمه ، فالحديث صحيح ، قيل له: فإن قال يرفع الحديث فهو عن النبي [عَ لّ ] قال: فأي شيء ؟ ! . ونقل الميموني أيضاً : كان يعجب أبو عبد الله رضي الله عنه ممن یکتب (١) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (٢٥٠)، و ((روضة الناظر )) مع شرحها ((نزهة الخاطر)) (٣٢٣/١ - ٣٢٦). ٩٠٦ ٠١ i الإسناد ويدع المنقطع ، وقال : ربما كان المنقطع أقوى إسناداً ، قد يكون الإسناد متصلاً ، وهو ضعيف ، فيكون المنقطع أقوى إسناداً منه ، وهو يوقفه ، وقد کتبه على أنه متصل . وقال في رواية الفضل بن زياد : مرسلات سعيد بن المسيّب أصح المرسلات ، ومرسلات إبراهيم (١) لا بأس بها ، وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح (٢) ؛ فإنهما يأخذان عن کلٍ. (١) هو : إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبو عمران . أحد أعلام التابعين . رأى جماعة من الصحابة ، ولم يصح له سماع منهم . فكان يرسل عن بعضهم. قال الذهبي في الميزان: (( استقر الأمر على أن إبراهيم حجة . وأنه إذا أرسل عن ابن مسعود وغيره فليس بحجة)) مات بالكوفة سنة (٩٦ هـ) وله من العمر تسع وأربعون سنة . له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (٧٣/١)، و((تهذيب التهذيب)) (١٧٧/١)، و ((شذرات الذهب)) (١١١/١)، و((طبقات الحفاظ)) ص (٢٩)، و((غاية النهاية في طبقات القراء)) (٢٩/١)، و((اللباب)) (٢٢٠/٣)، و((ميزان الاعتدال)) ( ٧٤/١) . (٢) هو : عطاء بن أبي رباح أسلم أبو محمد القرشي بالولاء ، المكي . أحد أعلام التابعين . كان مفتي مكة ومحدثها . سمع من عائشة وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم . وعنه أبو حنيفة والأوزاعي وابن إسحاق . ولد في خلافة عمر على الأرجح . ومات بمكة المكرمة سنة (١١٤ هـ) . له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (٩٨/١)، و((تهذيب التهذيب)) (١٩٩/٧)، و((شذرات الذهب)) (١٤٧/١)، و((طبقات الحفاظ)) ص (٣٩)، و((غاية النهاية في طبقات القراء)) (٥١٣/١)، و((ميزان الاعتدال)) (٧٠/٣)، و((النجوم الزاهرة)) ( ٢٧٣/١ ) . ٩٠٧ وقال في رواية عبد الله : آخذ بحديث ابن جريج عن ابن أبي مُلَبْكة (١) وعمرو بن دينار (٢) عن النبي [َ امٍ] في العبد الآبق إذا جيء به دينار (٣). (١) هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُلَيْكَة، واسم أبي مليكة: زهير بن عبد الله أبو بكر ، أو أبو محمد القرشي التيمي ، المكي . روى عن عائشة وأم سلمة وابن عباس وغيرهم . وعنه ابنه يحيى وعطاء وغيرها . كان قاضي مكة لعبد الله بن الزبير ، كما كان إمام الحرم المكي وشيخه ومؤذنه . مات سنة (١١٧ هـ). له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (١٠١/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٠٦/٥)، و((خلاصة تذهيب الكمال)) ص (١٧٤)، و((شذرات الذهب)) (١٥٣/١)، و((طبقات الحفاظ)) ص (٤١)، و((غاية النهاية في طبقات القراء)) (٤٣٠/١)، و ((النجوم الزاهرة)) (٢٧٦/١). (٢) هو : عمرو بن دينار أبو محمد ، الجمحي بالولاء ، المكي . أحد التابعين روی عن العبادلة وخلق ، وعنه السفيانان والحمادان وغيرهم. كان ثقة ثبتاً ، قال فيه الذهبي في الميزان: ((أما عمرو بن دينار الجمحي ، عالم الحجاز ، فحجة ، وما قيل عنه من التشيع فباطل)). مات بمكة سنة (١٢٦ هـ). له ترجمة في: ((خلاصة تذهيب الكمال)) ص (٢٨٨) طبعة بولاق، و «شذرات الذهب)) (١٧١/١)، و((غاية النهاية في طبقات القراء)) (٦٠٠/١)، و((میزان الاعتدال )) (٢٦٠/٣). (٣) هذا الحديث المرسل أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) في باب الجعل في الآبق (٢٠٧/٨ - ٢٠٨) قال : ( أخبرنا معمر عن عمرو بن دينار أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: قضى في الآبق يوجد في الحرم بعشرة دراهم). وأخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه))، كما نقل ذلك الزيلعي في كتابه (( نصب الراية )) (٤٧١/٣)، واللفظ الذي ذكره الزيلعي هو: (قضى في العبد الآبق يؤخذ خارج الحرم بدينار أو عشرة دراهم ) . ٩٠٨ ١ أ وبهذا قال الكرخي من أصحاب أبي حنيفة (١)، ومالك (٢) والمعتزلة (٣). وفيه رواية أخرى : ليس بحجة إلا مرسل الصحابة . أومأ إليه في رواية إسحاق بن إبراهيم ، وقد سئل عن حديث عن النبي [َّه] مرسل برجال ثَبَت، أحبُّ، إليك، أو حديث عن الصحابة متصل برجال ثَبَت ؟ فقال : عن الصحابة أعجب إليّ . وهذا يدل من قوله على أنه ليس بحجة ، إذ لو كان حجة ، لم يقدم عليه قول الصحابي ؛ لأن من جعله حجة قدمه على قول الصحابي . وقال مهنا : سألت أحمد رحمه اللّه عن حديث ثوبان (٤) : ( أطيعوا قريشاً ما استقاموا لكم )(٥) ، قال : ليس بصحيح، سالم بن أبي الجعد (٦) لم يلق ثوبان . (١) راجع رأي الحنفية في هذا الموضوع في: ((تيسير التحرير)) (١٠٢/٣)، و((مسلم الثبوت )) مع شرحه ((فواتح الرحموت)) (١٤٧/٢ ). (٢) راجع رأي الإمام مالك هنا في: ((شرح تنقيح الفصول)) للقرافي ص (٣٧٩). (٣) انظر تفصيل القول عند المعتزلة في الحديث المرسل في كتاب ((المعتمد)) لأبي الحسين البصري ( ٦٢٨/٢ ) . (٤) هو : ثوبان بن يجدد ، أبو عبد الله ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه . روى عنه جبير بن نفير الحضرمي ، وأبو إدريس الخولاني وخلق . خرج بعد موت النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الشام، فنزل ((الرملة)) ثم انتقل إلى ((حمص))، وبها مات سنة (٥٤ هـ). له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (٢١٨/١)، و((الإصابة)) القسم الأول ص (٤١٣) طبعة دار نهضة مصر . (٥) هذا الحديث أخرجه الطبراني في ((الصغير)) و ((الأوسط)) حكى ذلك الهيثمي في كتابه («مجمع الزوائد)) (١٩٥/٥) ، وقال بعد ذلك: (ورجال الصغير ثقات). (٦). هو : سالم بن أبي الجعد رافع، الأشجعي بالولاء، الكوفي . روى عن ثوبان = ٩٠٩ فقد حكم ببطلان الحديث ؛ لأجل أنه مرسل . وبهذا قال الشافعي . وجه الرواية الأولى : قوله تعالى: (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ)(١)، ولم يفرق بين من أنذر بمرسل أو بمسند . ولأن من عادة التابعين إرسال الأخبار، من ذلك ما روي عن الأعمش(٢) أنه قال : قلت لإبراهيم : إذا حدثتني فأسند ، فقال: إذا قلت لك : حدثني فلان عن عبد اللّه، فهو الذي حدثني، وإذا قلت لك : قال عبد الله، فقد حدثني جماعة عنه . وروي ذلك عن الحسن وسعيد بن المسيب والشعبي (٣)، وإذا كان = وعلي بن أبي طالب وخلق. وعنه قتادة وعمرو بن دينار والأعمش وغيرهم. وثقه ابن معين والنسائي وأبو زرعة وابن سعد، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). مات سنة ( ١٠٠ هـ) . له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب» (٤٣٢/٣)، و«التاريخ الصغير)) (٢١١/١)، و ((جامع التحصيل)) للحافظ العلائي ص (٣٩١)، رسالة ((ماجستير)) تحقيق الدكتور عمر حسن عثمان . (١) (١٢٢) سورة التوبة . (٢) هو : سليمان بن مهران ، أبو محمد ، الأعمش ، الكاهلي بالولاء ، الكوفي، أحد العلماء المشهورين . روى عن عكرمة وإبراهيم النخعي وأبي عمرو الشيباني وغيرهم . وعنه شعبة والسفيانان وغيرهم. مات سنة (١٤٨ هـ). له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (٣/٩)، و((تذكرة الحفاظ)) (١٥٤/١)، و((الخلاصة)) ص (١٣١)، و((شذرات الذهب)) (٢٢٠/١)، و((طبقات القراء)) للذهبي (٨٨/١)، و((العبر)) (٢٠٩/١)، و((غاية النهاية)) (٣١٥/١)، و ((ميزان الاعتدال)) (٢٢٤/٢). (٣) هو : عامر بن شراحيل أبو عمرو الشعبي الكوفي من أعلام التابعين . روى عن أبي هريرة وابن عباس وعائشة وغيرهم . وعنه الأعمش وأشعث بن سوار وأبو = ٩١٠ ١ معروفاً من عاداتهم ، فلو كان عندهم أنها غير مقبولة ، كانوا قد ضيعوا سنن رسول اللّه متّ الله بهذا الفعل ، وهذا لا يجوز. ولأن المرسيل للخبر مثبت لعدالة راويه من وجهين : أحدهما : أنه لا يجوز [١٣٧/أ] أن يحدثه، ويكتم اسمه ، ثم يحدث به غيره ، فیلزمه قبوله . والثاني: أنه لو أرسل عن غير ثقة ، كان قد قطع على رسول الله [ عَ الَّعٍ] بقول من هو كذاب عنده ، وهذا فعل ممنوع منه وإذا كان ذلك تعديلاً له ، لم يعتبر جواز أن يجرحه غيره لو ظهر اسمه ، يدلل عليه : أن من زكاه الحاكم ، فله أن يقضي بشهادته ، ولا يراعي جواز جرحه أن لو نادى في البلد باسمه ، أو كتب به إلى البلدان التي تقرب منه ، فَبان أن تعديله ، موجب قبول خبره ، ولهذا جعل أحمد رحمه الله رواية العدل عن غيره تعديلاً للغير ، فقال في كتاب العلل للأثر [م]: إذا روى عبد الرحمن (١) عن رجل ، فروايته عنه حجة . حنيفة وغيرهم . ولد لست سنين مضت من خلافة عمر. ومات سنة (١٠٣ هـ)، أو سنة (١٠٤ هـ)، أو سنة ( ١٠٧ هـ). له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (٢٢٩/١٢)، و((تذكرة الحفاظ)) (٧٩/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٦٥/٥)، و((شذرات الذهب)) (١٢٦/١)، و«غاية النهاية في طبقات القراء)) (٣٥٠/١)، و((اللباب)) (٢١/٢)، و((النجوم الزاهرة )) (٢٥٣/١). (١) المراد به : عبد الرحمن بن مهدي ، كما يأتي التصريح بذلك ص (٩٣٤) وهو : عبد الرحمن بن مهدي بن حسان أبو سعيد البصري اللؤلؤي الحافظ الثقة . روى عن شعبة ومالك والسفيانين وغيرهم ، وعنه الإمام أحمد وإسحاق وابن المديني وآخرون. قال فيه ابن المديني: ((كان أعلم الناس)). مات بالبصرة سنة (١٩٨)، وله من العمر ثلاث وستون سنة . = ٩١١ وقال أيضاً في رواية أبي زرعة الدمشقي (١): مالك بن أنس إذا روي ، يعني عن رجل لا يعرف ، فهو حجة . فإن قيل : هذا لا يدل على عدالته ، كما لم يدل شاهدي الفرع على [ عدالة ] شاهدي الأصل . قيل : الفرق بين الشهادة والخبر باقٍ (٢) . فإن قيل : يحتمل أن يعرف جرحه غيره ، فوجب تسميته ؛ ليقف عليه . قيل : فيجب أن يلزم الحاكم تسمية الشاهدين الذين حكم بهما ، لهذا المعنى ، ولأن حاكماً لو حكم بشهادة شاهدين لم يسمهما ، لم يجز لأحد أن يعترض على حكمه ؛ لأجل تركه تسمية الشهود ، وكان أمرهم محمولاً على الجواز والعدالة في الشهادة ، فلأن يكون كذلك فيما طريقه الاخبار أولى ؛ لأن الأمر فيها أوسع . ولأن مرسل الصحابي مقبول ، وكل معنى منع من قبول مرسل التابعين له ترجمة في: ((البداية والنهاية)) (٢٤٤/١٠)، و((تاريخ بغداد)) (٢٤٠/١٠)، و ((تذكرة الحفاظ))، (١٢٩/١)، و((خلاصة تذهيب الكمال)) ص (١٩٩)، و ((شذرات الذهب)) (٣٥٥/١)، و((النجوم الزاهرة)) (١٥٩/٢). (١) هو : عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري أبو زرعة الدمشقي . شيخ الشام في عصره . ثقة حافظ . روى عن أحمد بن حنبل وأبي نعيم وأبي مسهر وغيرهم . وعنه أبو داود والطبراني والطحاوي وغيرهم مات بدمشق سنة (٢٨١ هـ ) . له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) (٦٢٤/٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٣٦/٦)، و ((شذرات الذهب)) (١٧٧/٢)، و((طبقات الحنابلة)) (٢٠٥/١)، و((طبقات الحفاظ)) ص (٢٦٦)، و((النجوم الزاهرة)) (٨٧/٣). (٢) في الأصل : ( باقي ). ٩١٢ 1 1 فهو مأخوذ في مرسل الصحابة ، وقد ثبت أن الصحابي أو التابعي لو قال : أخبرني بعض أصحاب رسول اللّه مع التم أنه قال كذا ، فهو بمنزلة المسند ، وكذلك إذا قال التابعي: قال رسول اللّه [عَ لَّه] يجب أن يكون مثله . وقد قال الأثرم : قيل لأبي عبد اللّه : إذا قال رجل من التابعين : حدثني رجل من أصحاب رسول اللّه [ِ ل] فالحديث صحيح؟ قال : نعم . فإن قيل : الصحابي معلوم عدالته ، بأن الله تعالی عدله وزكاه وأخبر عن إيمانه ، ورضي عنه وأرضاه ، وجعل الجنة مأواه . قيل: قد شهد النبي [َالله] للتابعين، كما شهد للصحابة فقال: ( خير القرون الذين بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ) (١)، وليس من شرط قبول الخبر أن يكون ممن يقطع على عدالته ، وإنما تعتبر عدالته في الظاهر ، وهذا المعنى موجود في التابعين ومن بعدهم ، فيجب أن يتساووا في النقل . وأيضاً : فإن الشافعي قد قال : إن كان الظاهر من حال المرسِل الثقة من التابعين ، أن ما يرسله مسنداً عند غيره ، قُبِل منه . وهذا لا معنى له [١٣٧/ب] لأن القبول منه : إن كان لأجل إسناد (١) هذا الحديث رواه عمران بن حصين رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه عنه البخاري في أول كتاب فضائل الصحابة ( ٢/٥ ). وأخرجه عنه مسلم في كتاب فضائل الصحابة ، باب فضل الصحابة ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم (١٩٦٤/٤ ). وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في القرن الثالث (٥٠٠/٤). وأخرجه عنه ابو داود في كتاب السنة ، باب في فضل أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ( ٥١٨/٢ ) . وأخرجه عنه النسائي في كتاب الأيمان والنذور ، باب الوفاء بالنذر ( ١٧/٧ ). ٩١٣ العدة في أصول الفقه - ٥٨ غيره فالمرجع إلى المسند ، وما سماه مرسلاً ، فليس بمرسل في الحقيقة . وإن كان يقول : إن إسناد غيره يوجب قبول مرسَله ، مع جواز أن يكون مرسلاً ، فهو قول بعيد ، إذا كان يمنع قبولَ المراسيل ، ويلزمه أن لا يعتبر ظاهر أمره مع الجواز ، كما لا يعتبر ظاهر تعديله مع جواز أن يكون غير عدل . وقال أيضاً : المرسل مقبول ، فيمن وجد أكثر مراسيله أصول في الأسانيد . وهذا أيضاً ليس بشيء ؛ لأن وجود ذلك في أكثر مراسيله ، لا يمنع أن يكون قد أرسل ، فالواجب : أن يعتبر ذلك في كل خبر بعينه . وقال أيضاً : المراسيل تقبل ، إذا عمل بها بعض الصحابة . وهذ ليس بشيء ؛ لجواز أن يكون القائل قد سمعه بنفسه ، أو يكون من مذهبه قبول المراسيل . وقال أيضاً : المرسل يعمل به إذا أفّى به عوام العلماء . وهذا أيضاً ليس بشيء ؛ لأنه أراد جميع الأمة ، وأن إجماعها على قبول المرسل ، لا يكون مع اختلافهم في حكمه ، وإنما الواجب : أن يكون بعضهم قبله ؛ لصحة المراسيل عنده ، والباقون ؛ لأنه مسند عندهم ، فيخرج أن يكون مرسلاً في الحقيقة . فإن أرادوا (١) به أكثر العلماء ، فإن خلاف الواحد معتدّ به ، فلم يجز أن يستدل به على صحة قبول الخبر . ولأنه قد قال في مراسيل ابن المسيب : إنها مقبولة ، لأنه وجد مراسيله مسانيد ، وهذا صحيح فيما قد وقف على أنه مسند ، فأما ما لم يوقف على (١) الأولى الخطاب بالإفراد، لأن الكلام لا زال مع الإمام الشافعي رحمه الله . ٩١٤ 1 ١ ١ : حاله ، فلا يجوز أن يحكم به ؛ لأنه وجد إسناداً لغيره ، وكان التجويز فيه موجوداً ، ولا يجوز أن يقال : إنه خص مرسل ابن المسيب ؛ لأنه لا يرسل إلا عن ثقة ؛ لأن هذا الاعتقاد في حسن الظن بابن المسيب معتبر في غيره . فإن قيل : ما ذكرتموه ، إنما أراد به الشافعي قوته في الترجيح ، لا إثبات الحكم به . قيل : الترجيح لا يجوز بما لا يثبت به حكم ، فإن كان يريد إثبات الحكم بالمرسل الذي قاربه قياس أو قول صحابي ، فالحكم عنده للقياس لا للاستدلال . واحتج المخالف : بأن هذا خبر عمن شرطت عدالته في قبوله ، والعدالة مجهولة ، فلم يجز قبوله والعلم به ، قياساً على شاهدي [ الفرع ] إذا لم يسميا شاهدي الأصل . والجواب : أنا لا نسلم أن العدالة مجهولة ؛ لما بينا : أن رواية العدل عنه تدل (١) على عدالته . ثم الفرق بين الخبر والشهادة من وجوه : أحدها : أن الشهادة على الشهادة تفتقر إلى الاسترعاء ، وهو أن يقول شاهد (٢) الأصل لشاهدي الفرع: اشهدا على شهادتي [١٣٨/أ] فلما افتقرت إلى الاسترعاء ، افتقرت إلى تسمية الأصل ، وليس كذلك الإخبار ؛ لأنه لا يفتقر إلى استرعاء ، بل إذا سمع منه حديثاً ، جاز نقله والعمل عليه ، وإن لم يقل : اسمع مني . (١) في الأصل : ( يدل ) . (٢) في الأصل : (اشهدا ) بالتثنية . ٩١٥ ولأن المشهود على شهادته يكون كالمحكوم عليه ، ألا ترى أن من الفقهاء من يوجب عليه الضمان ، ولما لم يجب الحكم على من ليس بمعين ، لم يجز قبول شهادة شهود الفرع ، حتى يذكروا أسماء شهود الأصل ، ولما كان هذا المعنى معدوماً في الخبر، وأنه لا تعلق للخبر الثاني بالأول، لم يجز أن يحمل الخبر على الشهادة . ولأن الشهادة أكدت باعتبار العدد والحرية والذكورية ، وأن يكون ذاكراً لما شهد به ، فجاز أن تعتبر تسمية شهود الأصل ؛ لتأكيد الأمر فيها ، والخبر بخلاف ذلك . ولأنه لو قال نفسان من التابعين : أشهدنا اثنان من الصحابة على شهادتهما ، لم يجز حتى يعيناهما ، وفي الخبر يجوز عند الجميع ، فدل على الفرق بينهما . فإن قيل : أليس مع افتراقهما من هذه الوجوه قد تساويا في اعتبار العدالة في كل واحد منهما ؟ قيل : فالعدالة موجودة مع الإرسال من الوجه الذي بينًا ، وهو أن إرسال التابعي له ، تزكية له . وعلى أن تساويهما في العدالة لم يمنع افتراقهما من الوجوه التي ذكرناها ، فدل على أن الشهادة آكد . وإنما كان حكم الشهادة آكد من الخبر من الوجوه التي ذكرناها : أن الشهادة حكم على الغير ، فالتهمة تلحق ، والخبر يشترك فيه المخبير والمُخْبَر ، فالتهمة لا تلحق . واحتج : بأن الجهل بعين الراوي أكثر من الجهل بصفته ؛ لأن من جهلت عينه ، جهلت عينه وصفته ، ثم ثبت : أنه لو كان معروف العين مجهول الصفة ، مثل أن يقول : أخبرني فلان ، ولا أغرف أثقة هو أم غير ثقة ؟ لم يقبل خبره ، فبأن لا يقبل خبره ، إذا لم يذكره أصلاً أولى . ٩١٦ ٠ ٠ والجواب : أنا لا نسلم أن صفته مجهولة ؛ لأن رواية العدل عن رجل تعديل له ؛ لما بينا ، وهو أنه لا يجوز في حقه أن يروى عن فاسق . وقد قيل : إنه إذا كان فلان معروفاً بالإِسلام ، فإنه يقبل خبره ؛ لأن ظاهر أمره العدالة وترك مواقعة المحظور ، وجواز أن يكون فَعَل ما يوجب جرحاً في شهادته غير معلوم ، فلم يكن في معرفة عدالته أكثر من عدم العلم بجرحه . فإن قيل : تقبل شهادته ، وإن لم يبحث عن عدالته للمعنى الذي ذكرت . قيل : تقبل شهادته في إحدى الروايتين ، فعلى هذا لا فرق ، ولا نقبلها في الأخرى احتياطاً للشهادة ، كما احتطنا لها من الوجوه التي ذكرنا . واحتج : [١٣٨/ب] بأن الخبر ضربان: آحاد وتواتر ، ثم ثبت أن الراوي لو روى حديثاً ، وذكر أنه من أخبار التواتر ، لم يقبل قوله : إنه متواتر ، حتى يعرف أنه متواتر ، كذلك إذا قال : أخبرني الثقة أن لا يقبل خبره ، حتى تعلم ثقته ؛ لجواز أن لا يكون ثقة عند المخبر . والجواب : أن الخبر المتواتر ما استوى طرفاه ووسطه في عدد يقع العلم بخبرهم ، وتسكن النفس إليهم في العادة ، وهذا لا يؤخذ بقول الواحد : هذا متواتر ، وليس كذلك أخبار الآحاد ، فإن طريقها يقبل العدل عن العدل ، وهذا موجود ها هنا . فصل (١) إذا ثبت أن المرسل حجة ، فلا فرق بين مرسل عصرنا ومن تقدم . هذا ظاهر كلام أحمد في رواية الميموني ؛ لأنه قال : ربّما كان (١) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (٢٥١). ٩١٧ المنقطع أقوى إسناداً من المتصل ، ولم يفرق (١). وحكي عن عيسى بن أبان أنه قال : ومن أرسل من أهل عصرنا حديثاً ، فإن كان من الأئمة الذين حمل عنهم أهل العلم ، فإن مرسله مقبول ، كما يقبل مسنده ، ومن حمل الناس عنه المسند دون المرسل ، فإن مرسَله موقوف (٢) . وقال أبو سفيان : مذهب أصحابنا : مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين مقبولة . وحكي عن الكرخي : أنه لم يفرق بين أهل سائر الأعصار (٣). وهو اختيار الجرجاني . (١) تعقبه الشيخ ابن تيمية في ((المسودة)) ص (٢٥١) بقوله: ( قلت : ما ذكره القاضي وابن عقيل أن مرسل أهل عصرنا مقبول كغيره ، ليس مذهب أحمد ، فإنا نجزم أنه لم يكن يحتج بمراسيل محدثي وقته وعلمائهم ، بل يطالبهم بالإسناد . نعم المجتهدون في الحديث الذين يعرفون صحيحه وضعيفه ، إذا قال أحدهم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، واحتج بذلك ، فهذا نعم ، كتعليق البخاري المجزوم به . وبحث القاضي يدل على أنه : أراد بالمرسل من أهل عصرنا ما أرسله عن واحد ، فهذا قريب بخلاف ما أرسله عن النبى صلى اللّه عليه وسلم ، فإن سقوط واحد أو اثنين ، ليس كسقوط عشرة ، وحجته لا تتناول إلا ما سقط منه واحد ، فإنه قال : المرسل إذا كان ثقة ، فظاهره أن الذي أرسل عنه عدل ، وهذا المعنى موجود في أهل الأعصار ) . (٢) نقل ذلك عنه أبو بكر السرخسي في ((أصوله)) (٣٦٣/١)، والكمال ابن الهمام في ((تحريره)) (١٠٢/٣) مطبوع مع شرحه ((تيسير التحرير))، وابن عبد الشكور في كتابه ((مسلم الثبوت)) مع شرحه ((فواتح الرحموت)) (١٧٤/٢ ). (٣) نقل ذلك عن الكرخي أبو بكر السرخسي في ((أصوله)): (٣٦٣/١). ٩١٨ ٢ 1 دليلنا : أن المرسل إذا كان ثقة، فظاهره أن الذي أرسل عنه عدل، وهذا المعنى موجود في أهل الأعصار . ولأن الناقل إذا ثبتت عدالته ، فهو كالعدل من العصر الأول في قبول خبره ، فيجب أن يكون فيما يرسله كذلك . ولأنه لا معنى لاعتبار حمل الناس عنه ؛ لأن توقفهم في النقل عنه إن كان بمعنى يعود إلى عدالته ، فإن مرسله ومسنّده واحد ، وإن كان بمعنى يعود إلى إرسال الخبر ، فإن وقوف من لا يرى نقل المراسيل فيه ، لا يوجب التوقف فيمن يرى ذلك ، كالشافعي . واحتج المخالف : بأن النبي عدم التعمِ أثنى على القرون الثلاثة ، فحالتهم أوكد ممن بعدهم (١)، فقد قال : ( إن الكذب يفشو فيهم ) (٢)، فوجب التوقف في مرسله ، إلا أن ينضم إليه نقل أهل العصر له . والجواب : أن ثناءه على التابعين وتابعيهم ، لم يوجب لهم القطع ، (١) في الأصل : ( من بعدهم ) . (٢) هذا جزء من حديث رواه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مرفوعاً. أخرجه عنه الترمذي في كتاب الشهادات ، باب منه ، أي : مما جاء في شهادة الزور ( ٤/ ٥٤٩)، ولفظه: (عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يفشوا الكذب ، حتى يشهد الرجل ، ولا يستشهد ، ويحلف الرجل، ولا يستحلف))). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الأحكام ، باب كراهية الشهادة لمن لم يستشهد ( ٧٩١/٢ ) . وأخرجه عنه الإمام أحمد في ((مسنده)) (١٨/١). ٩١٩ -- ولم ينفِ عنهم تجويز الفسق ، بخلاف الصحابة ، ومع هذا فقد جاز قبولُ إرسالهم بَعدَ التهم في الظاهر ، كذلك من بعدهم ؛ لأن الخبر إنما يعتبر فيه العدالة في الظاهر. [١٣٩ / أ] فصل فيه كلام الإمام أحمد رحمه الله في ترجيح المراسيل بعضها على بعض . نقلته من كتاب (( العلل )) للخلال من الجزء الحادي والسبعين منه ، فقال في رواية أبي الحارث : مرسلات سعيد بن المسيب صحاح ، لا يرى أصح من مرسلاته ، فأما الحسن وعطاء ، فليس بذلك ، هو أضعف المرسلات (١)، كأنهما كانا يأخذان من كلٍ . وقال في رواية الفضل بن زياد [ أما ] مرسلات عطاء، ففيها شيء (٢). وأما ابن سيرين فما أحسن مخرجه أيضاً . ومرسلات سعيد بن المسيب أصح . المرسلات ، ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها . وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح ، كأنهما كانا يأخذان من کلٍ. وقال في رواية مهنا وقد سأله عن مرسلات سعيد بن جبير أحب إليك أم مرسلات عطاء ؟ قال : مرسلات سعيد بن جبير أقرب ، وهي أحب إليّ من مرسلات عطاء . وسأله عن مرسلات سعيد بن جبير أحب إليك أم مرسلات مجاهد (٣) ؟ (١) في الأصل : ( المراسلات ). (٢) في الأصل : ( ففيه شيء ) . (٣) هو : مجاهد بن جبر ، أبو الحجاج ، المكي ، المخزومي بالولاء ، أحد أئمة التفسير روى عن أبي هريرة وجابر وأم سلمة وغيرهم، رضي الله عنهم ، = ٩٢٠