النص المفهرس

صفحات 881-900

به أبو بكر . وغير ذلك .
ولأن خبر الواحد مما قد دل دليل قاطع على ثبوته والعمل به، [١٣١/ب]
يجري مجرى الآية المقطوع على وجوب الرجوع إليها .
ولأن خبر الواحد أصل القياس ، فإنه منه يستنبط ويتفرع ، فإذا جاز
إثبات هذه الأحكام بالقياس مع ضعفه ، كان جواز ذلك بخبر الواحد
أولى .
ولأنه خبر عدل فيما يتعلق بالشرع ، مما لا طريق فيه للعلم ، ولا
يعارضه مثله ، فوجب العمل به قياساً على ما لا يعم فرضه .
واحتج المخالف :
بأن ما يعم فرضه سائر المكلفين ، لا بدّ من توقيف من النبي [{الَّع]
للكافة على حكمه ؛ لأنه غير جائز ترك تعريف ما لا يعرف إلا من جهته ،
ومتى وقف الكافة عليه ، فإن نقله يكون عاماً مستفيضاً ، فإذا رواه الآحاد
علمنا أنه غير صحيح في الأصل أو منسوخ .
والجواب عنه من وجهين :
أحدهما : أن ما يعم فرضه، ليس من شرطه توقيف من النبي [{[4]
لهم ، بل يجوز أن يتعبد في ذلك بالظن ، ورجوع العامة إلى اجتهاد أهل
العلم [ في] لقى حكمه إلقاءً خاصاً ، فلا يظهره ، ويكون من بلغه خبره
يلزمه حكمه ، ومن لم يبلغه خبره مأموراً بالاجتهاد ، وطلب ذلك الحكم من
جهة الخبر .
وجواب آخر ، وهو : أنا لو سلمنا ذلك ، فإن النقل لا يجب أن يكون
على حسب البيان ؛ فإن الصحابة كانت دواعيهم مختلفة ، وكان بعضهم لا
يرى الرواية ، وكان يؤثر الاشتغال بالجهاد على الرواية .
.٨٨١
العدة فى أصول الفقه - ٥٦

وقال السائب بن يزيد (١) : صحبت سعد بن أبي وقاص زماناً ، فما
سمعت منه حديثاً، إلا أني سمعته ذات يوم يقول: قال رسول اللّه معالبائع:
( لا يفرق بين مجتمع ، ولا يجمع بين متفرق ، والخليطان : ما اجتمعا
في الحوض والفحل والراعي ) (٢).
(١) هو : السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة بن الأسود بن أخت النمر الكندي ،
وقيل : أزدي ، وقيل : غير ذلك . صحابي ابن صحابي ولد سنة اثنتين من
الهجرة . وحج به أبوه مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع . كان من
عمال عمر على سوق المدينة . مات بالمدينة سنة (٨٦ هـ)، وقيل : سنة ( ٩١ هـ) ،
وقيل غير ذلك .
له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (٥٧٦/٢)، و((الإصابة)» القسم الثالث ص (٢٦)،
طبعة دار نهضة مصر، و ((خلاصة تذهيب الكمال)) (١٣٢) طبعة بولاق .
(٢) هذا الحديث أخرجه البيهقي في ((سنته الكبرى)) في كتاب الزكاة ، باب صدقة
الخلطاء ( ١٠٦/٤ ) .
وأخرجه الدار قطني في كتاب الزكاة ، باب تفسير الخليطين (١٠٤/٢).
وهذا الحديث غير صحيح، وآفته من (( ابن لهيعة))، فإنه تفرد بهذا الحديث .
وقد قال البيهقي: ((أجمع أصحاب الحديث على ضعف ابن لهيعة وترك الاحتجاج
بما ينفرد به)). وقال ابن أبي حاتم في كتابه ((العلل)) (٢١٩/١): سألت أبي عن
هذا الحديث ، فقال: (( هذا حديث باطل عندي ، ولا أعلم أحداً رواه غير ابن
لهيعة . قال أبي : ويروى من كلام سعد فقط )).
وقال ابن معين: (( هذا الحديث باطل ، وإنما هو من قول يحيى بن سعيد ، هكذا
حدث به الليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد من قوله )) .
راجع في هذا: ((تلخيص الحبير))، كتاب الزكاة ، باب صدقة الخلطاء ( ٢/
١٥٥ ) .
قلت: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ... ولا يجمع بين
متفرق ، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان
بينهما بالسوية ... )، وهو جزء من حديث أنس الطويل . أخرجه البخاري وأحمد =
٨٨٢
:
٠

ويبين صحة هذا : أنه بين الحجة بياناً عاماً ، ونقل من جهة الأحاد ،
واختلف الناقلون له فيه .
وكذلك رجم ماعز ، وأشياء كثيرة من هذا الجنس .
واحتج : بأن عموم فرضه للكافة ، يقتضي ظهور فعله فيهم ، وما
يظهر فعله في الكافة ، لا يقبل فيه خبر الأفراد ، ألا ترى أنه لا يقبل خبر
الأفراد في حدوث فتنة عظيمة في الجامع يوم الجمعة وقت صعود الخطيب
المنبر ؟ لأن ما هذا حاله يشترك فيه الجماعات، ولهذا لم يقبل النبي مع التع خبر
ذي اليدين ، حين أخبره بالسهو في صلاته ، حتى أخبره معه جماعة ؛ لأنه
أخبر بأمر ظهر للجماعة ، فلم يقبل فيه خبره .
والجواب: [١٣٢/أ] أنا قد بينًا: أن عموم فرضه لا يقتضي ظهور
فعله فيهم .
وقولهم : إن ما يظهر فعله لا يقبل فيه الأفراد ، كالفتنة في يوم
الجمعة ، لا يشبه (١) أخبار الديانات ؛ لأن العادة في مثل ذلك : أنه إذا
جرى مثل ذلك ، سارع الناس الى روايته ، والهمم والطباع مجبولة على
ذلك فإذا انفرد به الواحد لم يقبل (٢) ، وليس كذلك أخبار الديانات ؛
لأنه ليس العادة أن يتطابق الكل على نقله ، بل قد بينّا : أن أحوال الصحابة
في ذلك مختلفة ، فمنهم من كان لا يتشاغل بذلك .
واحتج : بأنكم قلتم : إن قول الرافضة (٣) -: إن علي بن أبي طالب
وأبو داود والنسائي كما حكى ذلك المجد في كتابه: ((المنتقى من أحاديث الأحكام))
=
ص (٣١١ - ٣١٣) وابن الدييع في كتابه: ((تيسير الوصول)) (٥٨/٢ - ٦٠).
(١) في الأصل : ( ولا يشبه) .
(٢) في الأصل: (تقبل ) بالتاء المثناة .
(٣) الرافضة: فرقة كانت مع ((زيد بن علي)) رحمه الله، وكانت تقول بإمامته . =
٨٨٣

رضي الله عنه منصوص على إمامته بعد رسول الله عشائر - باطل؛ لأنه لو
كان كذلك ، لوجب أن ينقل نقلاً مستفيضاً ، كذلك ها هنا .
والجواب : أنّا أنكرناه ؛ لأن عندهم أنه من فرض كل واحد أن
يعلمه ومثله لا ينقل خاصاً ، وليس كذلك ما يعم فرضه ، فإنا كانمنا الحكم
فيه بالظن ، فافترقا .
واحتج : بأن قبول خبر الواحد في مثل هذا الحكم يفضي إلى التوقف
في أحكام الكتاب ، لجواز أن يكون نسخت ، ولم ينقل نسخها .
والجواب : أن النسخ لا يجري هذا المجرى ؛ لأنه رفع حكم وإسقاط ،
فإذا كان ذلك الحكم ثابتاً من جهة الاستفاضة، فلا يجوز أن ينقل إسقاطه(١)
من جهة الآحاد ، وهذا إثبات حكم مبتدأ ، فيجوز ذلك بالأمر المقطوع
عليه والمظنون .
واحتج : بأنه لما لم يجز إثبات القرآن بخبر الواحد ؛ لأنه ما يعم فرضه ،
كذلك في هذا الحكم .
والجواب : أن القرآن قد أخذ علينا معرفته قطعاً ويقيناً ، فلا يجوز
وقد طلبوا منه التبرؤ من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فامتنع ، فرفضوه ،
=
وتفرقوا عنه .
وقيل: إن الذي سماهم بذلك ((المغيرة بن سعيد)) ؛ لأنه زعم أن أبا جعفر أوصى
له، لكن بعضهم لم يسمع منه وتركه، فسماهم ((رافضة)).
وقيل : إن هذا الاسم قد توسع فيه ، حتى أصبح يطلق على كل من يغالي في حب
آل البيت ، وعلى هذا فهم فرق شتى ، وطوائف كثيرة .
راجع: ((الفرق بين الفرق)) ص (٢١) ، وهامشه للشيخ محمد محيي الدين عبد
الحميد، و((كتاب الزينة )) القسم الثالث منه لأبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي
ص (٢٧٠) مطبوع مع كتاب: ((الغلو والفرق الغالية)).
(١) في الأصل : (إسقاط ).
٨٨٤

إثباته بخبر الواحد المظنون ، وهذا الحكم طريقه غلبة الظن ، فجاز إثباته
بأمر مظنون ، وقد أثبتنا قرآناً من جهة الحكم بخبر واحد ، نحو قراءة ابن
مسعود: (( فصيام ثلاثة أيام متتابعات )) ، وغير ذلك .
مسألة (١)
ما تعم البلوى به یقبل فیه خبر الواحد
مثل ما روي من الوضوء في مس الذكر (٢) ومس المرأة (٣) ، وما
يجري هذا المجرى .
وقال أصحاب أبي حنيفة : لا يقبل فيه خبر الواحد (٤) .
دليلنا :
ما تقدم في المسألة التي قبلها .
ولأن شروط البيوع والأنكحة وما يعرض في الصلاة والوضوء من
الخارج من غير السبيلين ، والمشي مع الجنازة ، وبيع رباع مكة وإجارتها ،
ووجوب الوتر ونحوه ، أثبته المخالف بخبر الواحد ، وهو مما يعم به البلوى .
(١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٢٣٨)، و ((التمهيد)) الورقة (١١٥/ب -
١١٦/أ)، و((روضة الناظر)) مع شرحها ((نزهة الخاطر)) (٣٢٧/١ - ٣٢٨)،
و ((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٦٨) من الملحق .
(٢) حديث الوضوء من مس الذكر قد سلف تخريجه ص (٨٣٢).
(٣) الوضوء من مس المرأة قد سلف تخريجه ص (٣٢٨).
(٤) راجع في هذا: (( تيسير التحرير)) (١١٢/٣)، و((مسلم الثبوت)) مع شرحه
((فواتح الرحموت)) ( ١٢٨/٢ ).
٨٨٥

[١٣٢/ب] وذهب المخالف إلى ما حكيناه عنه في المسألة التي قبلها ،
وقد أجبنا عنه .
مسألة (١)
يقبل خبر الواحد في إثبات الحدود .
وقد أثبت أحمد رحمه اللّه اجتماع الجلد والرجم على الزاني المحصن
بخبر عبادة (٢) . وأثبت النفي والجلد على الزاني البكر بخبر العسيف (٣) ،
وغير ذلك .
(١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٢٣٩)، و ((التمهيد)) الورقة (١١٦/أ)،
و ((روضة الناظر)) مع شرحها ((نزهة الخاطر)) (٣٣٨/١).
(٢) حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه مرفوعاً: ( خذوا عني ، خذوا عني ،
قد جعل الله لهن سبيلاً) الحديث ، قد سبق تخريجه ص (٨١٤).
(٣) حديث العسيف رواه أبو هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما أخرجه
عنهما البخاري في كتاب الصلح ، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح
مردود (٢٢٨/٣) ، وقصة العسيف معروفة ، فلا داعي لسردها .
وأخرجه عنهما مسلم في كتاب الحدود ، باب من اعترف على نفسه بالزنا ( ٣/
١٣٢٤ ) .
وأخرجه عنهما أبو داود في كتاب الحدود ، باب في المرأة التي أمر النبي صلى اللّه
عليه وسلم برجمها من جهينة ( ٤٦٣/٢ ) .
وأخرجه عنهما ، وعن شبل جميعاً الترمذي في كتاب الحدود ، باب ما جاء في
الرجم على الثيب (٣٩/٤) .
وأخرجه عنهما النسائي في كتاب آداب القضاة ، باب صون النساء عن مجلس
الحكم (٢١١/٨) .
وأخرجه عنهما وعن شبل جميعاً ابن ماجه في كتاب الحدود ، باب حد الزنا
(٨٥٢/٢) .
=
٨٨٦
١
٠
1

وهو قول أصحاب الشافعي (١) .
واختلف أصحاب أبي حنيفة :
فحكى أبو سفيان عن أبي يوسف (٢) : أنه يقبل . وهو اختيار أبي
بكر الرازي .
وحكى عن الكرخي : أنه لا يقبل فيه، ولا فيما يسقط بالشبهة (٣).
دليلنا :
أنه خبر عدل فيما يتعلق بالشرع مما لا طريق فيه للعلم ، ولا يعارضه
مثله ، فوجب العمل به ، قياساً على غير الحدود .
وأخرجه عنهم الدارمي في كتاب الحدود ، باب الاعتراف بالزنا (٩٨/٢ ).
=
وأخرجه عن أبي هريرة وزيد بن خالد الإمام الشافعي في كتاب الحدود باب
رجم الزاني المحصن وجلد البكر وتغريبه (٢٨٤/٢ ) .
وأخرجه الطيالسي عن زيد بن خالد في كتاب الحدود ، باب قصة العسيف ( ١/
٢٩٨ ) .
(١) راجع في هذا: ((المنخول)) للغزالي ص (٢٥٣)، و((شرح الجلال على جمع
الجوامع)) مع ((حاشية البناني)) (١٣١/٢)، و ((الإحكام)) للآمدي (١٠٦/٢).
(٢) هو : يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي، أبو يوسف . من أكبر
أصحاب الإمام أبي حنيفة . تولى القضاء للمهدي وابنيه . وهو أول من لقب
بقاضي القضاة . توفي ببغداد سنة ( ١٨٢ هـ) .
انظر ترجمته في: ((تاريخ بغداد)) (٢٤٢/١٤)، و((تاج التراجم في طبقات
الحنفية)) ص (٨١)، و((شذرات الذهب)) (٢٩٨/١)، و((طبقات الفقهاء))
لطاش كبرى زادة ص (١٥)، و((النجوم الزاهرة)) (١٠٧/٢)، وقد ألف فيه
الأستاذ محمود مطلوب كتاباً سماه: (( أبو يوسف حياته وآثاره وآراؤه الفقهية))
تحدث فيه عن الجوانب المختلفة في شخصية أبي يوسف .
(٣) راجع في هذا: ((تيسير التحرير)) (٨٨/٣)، و((مسلم الثبوت)) مع شرحه ((فواتح
الرحموت)) (١٣٦/٢ ).
٨٨٧

ولأن خبر الواحد يوجب غلبة الظن ، كما أن شهادة الشاهدين توجب
غلبة الظن ، ثم ثبت أن الحد يجب بشهادتهم ، فالخبر كذلك .
يبين صحة هذا : أن الحكم بالشهادة ثابت من طريق موجب للعلم وهو
الإجماع ونص القرآن وخبر الواحد ، كذلك الحكم به ثابت من طريق
موجب للعلم ، وهو الإجماع والقرآن .
واحتج المخالف :
بأن الحدود موضوعة في الأصل على أن الشبهة تسقطها ، وخبر الواحد
لا يوجب العلم ، وإنما يوجب غلبة الظن ، فيصير ذلك بمنزلة حصول
شبهة ، فيمتنع من ثبوته .
والجواب : أن هذا يوجب أن لا يحكم بالحد بشهادة الشهود ؛ لأن العلم
لا يحصل مع شهادتهم ، وقد أجمعنا على ثبوته بقولهم ، فبطل ما ذكروه .
مسألة (١)
خبر الواحد مقدم على القياس
وهذا ظاهر على أصله ، فإنه أخذ بحديث الأقرع (٢) : ( لا يتوضأ
الرجل بفضل وضوء المرأة ) (٣) ، وترك القياس فيه .
(١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٢٣٩)، و((التمهيد)) الورقة (١١٦/أ -
١١٧/أ)، و((روضة الناظر)) مع شرحها ((نزهة الخاطر)) (٣٢٨/١ - ٣٣١).
(٢) هو : الحكم بن عمرو الغفاري صحابي. ولاه زياد على البصرة ، ثم عزله عنها
وولاه بعض أعمال خراسان. مات سنة (٥٠ هـ) قيل : بالبصرة وقيل : بخراسان.
له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (٣٥٦/١)، و((الإصابة)) القسم الثاني ص (١٠٧)
طبعة دار نهضة مصر .
(٣) هذا الحديث أخرجه عن الحكم بن عمرو الغفاري، وهو الأقرع أبو داود في =
٨٨٨

وكذلك إيجاب غسل اليدين عند القيام من النوم ، وخالف بين نوم
اللّيل ونوم النّهار .
وكذلك القرعة بين العبيد ، قدم الخبر على القياس ؛ لأن القياس يمنع
جمع عتق في ستة إلى اثنين ، وغير ذلك .
وهو قول أصحاب الشافعي (١).
وقال أصحاب أبي حنيفة : إن خالف الأصول أو معنى الأصول لم
يحتج به ، ويقبل إذا خالف قياس الأصول (٢) .
وحكي عن مالك : أن القياس أولى من خبر الواحد .
دليلنا على أنه مقدم على القياس :
إجماع الصحابة ، روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أنه
كتاب الطهارة ، باب النهي عن ذلك - أي عن الوضوء بفضل وضوء المرأة ( ١/
=
١٩ ) .
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الطهارة ، باب ما جاء في كراهية فضل طهور
المرأة (٩٢/١ -٩٣)، وقال فيه: ((حديث حسن)).
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الطهارة ، باب النهي عن فضل وضوء المرأة
( ١٤٦/١ ) .
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة ، باب النهي عن ذلك (١٣٢/١).
(١) راجع في هذا: ((الإحكام)) للآمدي (١٠٧/٣)، و ((اللمع في أصول الفقه))
ص (٤١) .
(٢) هذا النقل غير محرر، فإن صاحب ((تيسير التحرير)) (١١٦/٣) ذكر أن الإمام
أبا حنيفة يقول بتقديم خبر الآحاد على القياس مطلقاً .
أما السرخسي فيقول في ((أصوله)) (٣٤١/١): ( وما خالف القياس ، فإن تلقته
الأمة بالقبول فهو معمول به ، وإلا فالقياس الصحيح شرعاً مقدم على روايته فيما
ينسد باب الرأي فيه .. ) .
٨٨٩

ترك القياس بخبر حمل بن مالك بن النابغة في غرة الجنين .
وكان يفاضل بين ديات [١٣٣/أ] الأصابع ، ويقسمها على قدر
منافعها ، فلما روي له عن النبي عَ الفم أنه قال : ( في كل أصبع مما هنالك
عشر من الإبل ) (١) رجع عنه إلى الخبر ، وكان بمحضر من الصحابة
رضي الله عنهم ، فلم ينكر ذلك منكر ، ولم يخالفه فيه مخالف ، فدل على
أنه إجماع عنهم .
وأيضاً : لو كان القياس والقول الخاص مسموعين من النبي عز لته ،
(١) هذا الحديث ، وقصة رجوع عمر رضي الله عنه عن رأيه، أخرجهما البيهقي في
((سننه الكبرى)) في كتاب الديات، باب الأصابع كلها سواء ( ٩٣/٨) بسنده
إلى سعيد بن المسيب قال : قضى عمر رضي الله عنه في الأصابع ، في الإبهام
بثلاث عشر ، وفي التي تليها باثنتي عشر وفي الوسطى بعشر ، وفي التي تليها بتسع ،
وفي الخنصر بست، حتى وجد کتاب عند آل عمرو بن حزم يذكرون أنه من
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيما هنالك من الأصابع ((عشر، عشر)).
قال سعيد : فصارت الأصابع إلى عشر ، عشر .
وحديث عمر بن حزم رضي الله عنه أخرجه النسائي في كتاب القسامة ، باب .
ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له (٥١/٨ ) وذكر له
إسنادين قال عقب السند الأول: (( خالفه محمد بن بكار بن بلال )) . وقال عقب
السند الثاني: (( وهذا أشبه بالصواب والله أعلم . وسليمان بن أرقم [ أحد رواة
السند الثاني ] متر وك الحديث . وقد روى هذا الحدیث يونس عن الز هري مرسلاً .
ثم ساق بعد ذلك الرواية المرسلة .
وفي الباب عند أبي موسى الأشعري عند أبي داود برقم (٤٥٥٧) والنسائي (٥٦/٨)
وابن ماجة برقم (٢٦٥٤) . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، عند أبي
داود برقم ( ٤٥٦٢ ، ٤٥٦٣ ، ٤٥٦٦) وسنده حسن .
وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) في كتاب الزكاة ، باب زكاة الذهب (٣٩٥/١ -
٣٩٧)، وصححه، وقال: ((هو قاعدة من قواعد الاسلام)).
٨٩٠

لوجب تقديم القول الخاص .
مثاله : أن يسمع من النبي ◌ّ الله يقول : إذا زنت الأمة جلدت خمسين
لرقها ، وإذا زنى العبد جلد مائة ، فيكون نصه على العبد أولى من القياس .
وكذلك إذا كان كل واحد منهما مجتهداً فيه ، وجب أن يكون الخاص
أولى من القياس .
وأيضاً : فإن القياس يفتقر إلى الاجتهاد في موضعين : أحدهما : في
ثبوت العلة في الأصل . والثاني : في الحكم في الفرع ؛ لأن من الناس من
قال : إذا ثبتت العلة في الأصل لا يجب الحكم بها في الفرع ، إلا أن يحصل
الأمر بالقياس ، والاجتهاد في خبر الواحد في ثبوت صدق الراوي ، فإذا
ثبت صدقه من طريق يوجب الظن ، وجب المصير إليه ، ولم يبق موضع
آخر يحتاج إلى اجتهاد فيه ؛ ولأن طريق ثبوت صدقه في الظاهر أجلّ من
طريق ثبوت العلة ؛ لأنه يدل عليه عادته في الزمان الطويل في اتباع الطاعات
وتحرز الصدق وتجنب الإثم ، فدل هذه العادة على أنه مختار للصدق فيما
حدث به ، فيكون أولى من طريق العلة .
وأيضاً : فإن الخبر أصل بنفسه ، وليس بمقيس على غيره ، كما
أن الأسول المنصوص عليها والمتفق على حكمها ، أصول بأنفسها ، غير
مقيسة على أغيارها ، فإذا كان كذلك ، كان (١) موجب الأصل المجمع عليه
أقوى من موجب القياس ، كذلك موجب خبر الواحد ، يكون أقوى من
موجب القياس . وليس لهم أن يقولوا : إن العلم وقع لنا بموجب
تلك الأصول ؛ لأنه لا معتبر بوقوع العلم فيما ذكر ؛ لأن موجب
العقل في باب الإباحة ونحوها يدفعه القياس وخبر الواحد ، وإن كان موجب
(١) في الأصل : ( وكان ) .
٨٩١

العقل ثابتاً من جهةٍ توجب العلم .
وأيضاً : فإن الخبر مما يؤدي إلى العلم ، إذا أكثر من يخبر به ، والقياس
لا يؤدي إلى العلم ، وإن كثرت وجوه الشبه فيه ، فكان ما يؤدي إلى العلم
أقوى مما لا يؤدي إلى ذلك .
واحتج المخالف :
بأن القياس يتعلق [١٣٣/ب] بفعله ، وهو استدلاله على صحة العلة في
الأصل ، وصدق الراوي في خبره مغيب عنه ، غير متعلق بفعله وثقته ، فما
هو متعلق بفعله أكثر تنبيهاً مما هو متعلق بغيره ، فوجب أن يكون
أولى .
والجواب : أن هذا يبطل بعلم الحاكم ، فإنه أكثر تنبيهاً من قول
الشهود . وعندنا وعند مالك : لا يحكم بعلمه ، ويحكم بشهادة الشهود ،
على أنهما سواء ؛ لأنه يستدل على صدق الراوي بما يعلمه من أفعاله الدالة
على صدقه ، كما أن القياس يستدل [ به ] على أن صاحب الشريعة حكم في
الأصل لمعنى من المعاني ، وقصده يكون ثبوت قصد صاحب الشريعة
بالنظر في الأمارات الدالة عليه ، كثبوت صدق الراوي ، ولا فرق بينهما .
واحتج : بأن خبر الواحد يجوز فيه مما يمنع العمل به أربعة أوجه ،
وهي : كونه منسوخاً ، وكونه كذباً ، وكون المخبر به فاسقاً ، وكونه
خطأً ، والقياس لا يجوز فيه ما يمنع العمل به ، إلا وجه واحد ، وهو كونه
خطأً .
والجواب : أن ما يوجب فساد الشيء ، لا يعتبر فيه بالقلة والكثرة ، ألا
ترى أن كون الراوي مغفلاً ، لما كان مانعاً من قبول خبره ، لم يختلف فيه
وجود الفسق مع الغفلة وعدم الفسق معها ، وإن كان أحد الوجهين أقوى في
باب الفسق من الآخر ، فإذا كان [ كذلك ] لم يجز أن يرجح القياس على
٨٩٢.
٠١
٠

الخبر لوجود كثرة وجوه الخطأ في الخبر ، وقلتها في القياس ، وليس هذا
بمنزلة ما اعتبرناه من كثرة وجوه الشبه في القياس ، أنها توجب ترجيحه على
ما قلّت وجوه الشبه فيه لأن ما يوجب صحة الشيء وثباته ، فإنه يقوى بكثرة
وجوه الإثبات ، ألا ترى أن كثرة الرواة يقوى بها الخبر ، ويحصل له بها
المزية على ما قلّت رواته ، لما كانا موجبين للثبات والصحة ، وإن لم يرجع
أحد الخبرين على الآخر في باب الفساد ، لكثرة وجوه الفساد .
وجواب آخر وهو : أنه لو كان على الاعتبار بما ذكره ، لوجب أن
يكون خبر الواحد أولى من القياس المستنبط من الخبر ؛ لأنه قد اجتمع
فيه خمسة أوجه من جواز ما يمنع العمل به ، أربعة منها ما ذكره المخالف في
الخبر ، والوجه الخامس ما ذكره في القياس ، فقد بَانَ بهذا : أن ما اعتبره
يؤدي إلى كون الخبر أولى من القياس على القضية التي صار إليها .
واحتج : بأن القياس لا يصح فيه معنى الحقيقة والمجاز والاحتمال ،
ويصح ذلك في الخبر .
والجواب: أن هذا كله موجود في نص القرآن والسنة المقطوع [١٣٤/أ]
بها .
واحتج : بأنه يجوز أن يقع الإجماع على موجب القياس ، ولا يمنع أن
يجمعوا على العمل بخبر الواحد ؛ لأن إجماعهم على العمل بموجب الخبر
يخرجه عن كونه خبر واحد ، ويجعله في حيز التواتر عندكم ؛ لأنهم لا
يجمعون إلا على ما قامت به الحجة في الأصل ، وعلموا مخبره ، وإن
ضعف نقله .
والجواب : أن الإجماع إنما يحصل على الحكم الثابت بالقياس ، ولا
يحصل الإجماع على القياس نفسه ، فكيف يكون ذلك موجباً له ، إن صح
القياس على خبر الواحد ؟
٨٩٣

فصل
وأما أصحاب أبي حنيفة فإن قالوا : يرد خبر الواحد إذا خالف الأصول
التي هي نص الكتاب ونص السنة المتواترة والإجماع ، فنحن نوافق على
ذلك ، إلا أنهم يقولون هذا في المصراة والتفليس والقرعة ، وليس فيها
شيء من ذلك .
فإن قالوا : يرد إذا خالف قياس الأصول ومعناها . وقولهم بمنزلة قول
أصحاب مالك . وقد بينًا فساد ذلك .
على أن هذا ليس بمذهب أبي حنيفة (١) ؛ لأنه قال : إذا أكل ناسياً لم
يفطر ، وكان القياس أن يفطر ، ولكن ترك القياس بخبر أبي هريرة عن
النبي مَ الِ: ( اللّه أطعمك وسقاك) (٢).
وأوجب الوضوء من نبيذ التمر بخبر عبد الله بن مسعود (٣)، وخالف
(١) سبق أن نقلنا عن كتاب ((تيسير التحرير)) (١١٦/٣)، أن الإمام أبا حنيفة يقول
بتقديم خبر الآحاد على القياس تقديماً مطلقاً .
(٢) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - هذ أخرجه عنه البخاري في كتاب الصوم ،
باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً (٣٨/٣).
وأخرجه عنه مسلم في كتاب الصيام ، باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر
(٨٠٩/٢).
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الصوم ، باب ما جاء في الصائم يأكل أو يشرب
ناسياً (٩١/٣) .
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الصيام ، باب من أكل ناسياً (٥٥٩/١ ).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الصيام ، باب ما جاء فيمن أفطر ناسياً ( ١/
٥٣٥ ) .
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الصيام ، باب فيمن أكل ناسياً (٣٤٦/١).
(٣) الذي يروى فيه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم توضأ بالنبيذ، وقد سبق تخريجه.
٨٩٤
!

معنى الأصول .
م
وكذلك انتقاض الوضوء بالقهقهة في الصلاة (١) .
(١) خبر القهقهة، الذي يشير إليه المؤلف، رواه أبو موسى الأشعري - رضي الله
عنه - أخرجه عنه الطبراني ، كما ذكر ذلك الزيلعي في نصب الراية ( ٤٧/١ ) ،
والهيثمي في مجمع الزوائد (٢٤٦/١)، ولفظه: ( ... بينما رسول الله صلى الله
عليه وسلم يصلي بالناس ، إذ دخل رجل ، فتردى في حفرة كانت في المسجد -
وكان في بصره ضرر - فضحك كثير من القوم، وهم في الصلاة، فأمر رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم من ضحك أن يعيد الوضوء، ويعيد الصلاة).
وهذا الحديث في إسناده ثلاثة رواة متكلم فيهم :
أولهم: ((محمد بن عبد الملك الدقيقي ))، وثقه النسائي والدار قطني ، وذكره ابن
حبان في الثقات . وقال أبو حاتم : صدوق. وقال أبو داود : لم يكن بمحكم العقل .
وقال الهيثمي في تعليقه على الحديث : ( .. وفيه محمد بن عبد الملك الدقيقي ، وبقية
رجاله موثقون ) .
راجع في ترجمته: ((تهذيب التهذيب)) (٣١٧/٩)، و ((الميزان)) (٦٣٢/٣).
ثانيهم: ((محمد بن موسى بن أبي نعيم الواسطي)) قال أبو حاتم: ((صدوق)).
وقال ابن معين: ((كذاب خبيث)). وقال مرة أخرى: (( ليس بشيء)). وقال
ابن عدي : ((عامة ما يرويه تفرد به )) .
راجع ترجمته في: ((المغني في الضعفاء)) (٦٣٧/٢)، و ((الميزان)) (٤٩/٤).
ثالثهم: ((هشام بن حسان الفردوسي البصري)). إمام مشهور . ثقة ، الا أن يحيى
ابن سعيد يضعفه . وفي حديثه عن الحسن وعطاء مقال . وصفه ابن المديني وأبو
حاتم بالتدليس .
انظر ترجمته في: (( تذكرة الحفاظ)) (١٦٣/١)، و(تهذيب التهذيب)) (١١/
٣٤)، و((الخلاصة)) ص (٣٥١)، و ((طبقات الحفاظ)) ص (٧١)، و ((طبقات =
٨٩٥

وكذلك القسامة حكموا فيها بخلاف القياس بما ذكروه (١) من الأثر .
وعلى أن الخبر الوارد في بعض الأصول ، لا يكون إلا مخالفاً للأصول .
ولأن خبر الواحد أصل كغيره من الأصول ، فلئن جاز أن تترك
الأصول ، جاز أن تترك الأصول له ، لمساواتها .
فإن قالوا : ما خالف الأصول : أن يكون نفس ما ورد به الخبر
موجوداً في الأصول ، ومعناه فيه ، ولا حكم له ، مثل : ترك استعمال
القرعة في الحرية في حر وعبد ، في أن تنقل الحرية من أحدهما إلى الآخر ،
لمعنى أن الحرية لا يلحقها الفسخ .
وما خالف قياس الأصول : أن يكون ما ورد به الأثر غير موجود
مثله في الأصول ، ومن جنسه ، ولا حكم له ، مثل : نبيذ التمر المطبوخ ،
الذي ورد الخبر فيه ، أو القهقهة في الصلاة ، على ما ورد فيه الأثر ، غير
موجب للوضوء . وإنما يقيس مخالفنا على نبيذ الزبيب ، أو يقيس القهقهة
على غيرها من المعاني ، التي لا تؤثر في الطهارة خارج الصلاة ، فيرد به
الأمر ، فيكون الخبر مقدماً عليه .
المدلسين)) لابن حجر الورقة (١٦/أ)، و((المغني في الضعفاء)) (٧٠٩/٢)،
=
و((ميزان الاعتدال)) (٢٩٥/٤).
وقد أخرج هذا الحديث الدار قطني في (( سننه)) في كتاب الطهارة ، باب أحاديث
القهقهة في الصلاة وعللها (١٦١/١ - ١٧٥)، عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه ،
وعن أنس ، وعن أبي هريرة ، وعن عمران بن حصين ، وعن جابر رضي الله
عنهم ، وفي كل حديث مقال يقدح في صحة الحديث ، ولولا خوف الإطالة ،
لتکلمت عن علل کل حدیث على انفراد .
ولكن من أراد الاطلاع على ذلك ، فليرجع إلى (( سنن الدار قطني)) في الموضع
السابق، وإلى ((نصب الراية)) (٤٨/١ - ٥٣).
(١) في الأصل : ( ذكره).
٨٩٦
1

والجواب : أنه لا فرق بينهما، وذلك أن خبر القرعة، وخبر [١٣٤/ب]
المصراة وخبر المفلس ، خالف قياس الأصول على ما قالوه ، كما خالف
خبر النبيذ والقهقهة لقياس الأصول . فأما أن يكون أحدهما مخالفاً للأصول
فلا ؛ لأن الأصول هي : الكتاب والسنة والإجماع ، وليس واحد منهما
يعارض أحد هذه الأخبار ، فلا فرق بينهما .
وقد نص أحمد رحمه اللّه على أن الحديث إذا عارض الأصول سقط .
فقال في رواية يوسف بن موسى (١) في الخبر الواحد: ((نستعمله إذا صح
الخبر ، ولم يخالفه غيره )).
فقد نص على استعماله بشرط أن لا يخالفه غيره ، فدل على أنه إذا
خالفه غيره لم يستعمل ، وليس هاهنا ما يطرح له الخبر سوى الأصول
الثلاثة ، فأما القياس فهو مقدم عليه .
وكذلك قال في رواية أبي الحارث : إذا جاء الحديث الصحيح الإسناد ،
يقال : هو سنة ، إذا لم يكن له شيء يدفعه أو يخالفه .
وكذلك قال في رواية عبد الله : يقال له : سنة ، إذا لم يكن له مضاد
يخالفه ، ولم یکن شيء يدفعه .
(١) في ((طبقات الحنابلة)) (٤٢٠/١ - ٤٢١) شخصان بهذا الاسم .
أحدهما : يوسف بن موسى العطار الحربي .
والآخر : يوسف بن موسى بن راشد ، أبو يعقوب القطان الكوفي .
وكلاهما من أصحاب الإمام أحمد ، وممن نقلوا عنه بعض المسائل الفقهية والحديثية .
لم يذكر للأول تاريخ وفاة . أما الثاني فقد مات سنة (٢٥٣ هـ) .
٨٩٧
العدة في أصول الفقه - ٥٧

مسألة (١)
خبر الواحد لا يوجب العلم الضروري
وقد رأيت في كتاب معاني الحديث جمع أبي بكر الأثرم بخط أبي حفص
العُكْبَري(٢) رواية أبي حفص عمر بن بدر (٣) قال: الأقراء الذي يذهب
إليه أحمد بن حنبل رحمه اللّه : أنه إذا طعنت في الحيضة الثالثة ، فقد برىء
منها وبرئت منه .
وقال : إذا جاء الحديث عن النبي ين التم بإسناد صحيح ، فيه حكم أو
فرض، عملت بالحكم والفرض ، وأَدَّنْتُ اللّه تعالى به ، ولا أشهد أن
النبي ◌َّ الله قال ذلك. فقد صَرّح القول بأنه لا يقطع به .
ورأيت في كتاب ((الرسالة)) (٤) لأحمد رحمه اللّه رواية أبي العباس
(١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٢٤٠).
(٢) هو : عمر بن محمد بن رجاء أبو حفص العكبري . حنبلي من الطبقة الثانية . كان
موصوفاً بالعبادة والصلاح والكره الشديد للرافضة . حدث عن عبد الله بن الإمام
أحمد ، كما حدث عن قيس بن إبراهيم الطوابيقي وموسى بن حمدون العكبري .
مات سنة (٣٣٩) .
له ترجمة في: ((طبقات الحنابلة)) (٥٦/٢)، و((مناقب الإمام أحمد)) لابن
الجوزي ص (٥١٤) .
(٣) هو : عمر بن بدر بن عبد الله أبو حفص المغازلي . سمع من ابن بشار ومن عمر
القافلائي بعض المسائل حدث عنه ابن شاقلا وأبو حفص البرمكي وغيرهما . له
اختيارات في المذهب الحنبلي ، كما له بعض المصنفات .
انظر ترجمته في: (( طبقات الحنابلة)) (١٢٨/٢ ).
(٤) يحتمل أن تكون هذه الرسالة هي الكتاب المسمى ((السنة)) للإمام أحمد رحمه الله
تعالى ، لأنني وجدت النص المشار إليه موجوداً بنصه فيها ، إلى قوله : ( ...
ونصدقه، ونعلم أنه كما جاء ، ولا ننص الشهادة) ص (٤٦) الجزء الأول من=
٨٩٨

حمد أبن جعفر بن يعقوب الفارسي (١) عنه بخط أحمد بن سعيد الشيحي (٢)
وسماعه فقال: ((ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله
ولا لكبيرة (٣) أتاها ، إلا أن يكون ذلك في حديث ، كما جاء على ما
[ روي ](٤)، نصدقه (٥)، ونعلم (٦) أنه كما جاء ولا ننص الشهادة ، ولا
نشهد على أحد أنه في الجنة بصالحٍ عمله ولا بخير أتاه ، إلا أن يكون في
ذلك حديث ، كما جاء ، على ما روي ، ولا ننص الشهادة )) .
وقوله: ((ولا ننص الشهادة))، معناه عندي : - والله أعلم - لا
يقطع على ذلك .
وقد نقل أبو بكر المروزي قال : قلت لأبي عبد اللّه : ها هنا إنسان
يقول : إن الخبر يوجب عملاً ، ولا يوجب علماً ، فعابه ، وقال : ما
أدري ما هذا ؟ ! .
وظاهر هذا أنه سوّى فيه العلم والعمل .
شذرات البلاتين ، جمع محمد حامد الفقي ، المطبوع في مطبعة السنة المحمدية
=
بالقاهرة ، سنة ١٣٧٥ هـ - ١٩٥٦ م.
(١) الاصطخري . من أصحاب الإمام أحمد ، الذين نقلوا عنه مسائل شتى في الفقه
والعقيدة. له ترجمة في: ((طبقات الحنابلة)) (٢٤/١) .
(٢) أبو العباس الشامي. حدث عن عبد المنعم بن غليون . وأكثر من مصاحبة عمر
البرمكي . کان ثقة مع دین وصلاح . مات ببغداد سنة (٨٤٠٦) ، ودفن بباب
حرب .
له ترجمة في: ((طبقات الحنابلة)) (١٧٩/٢ ).
(٣) في كتاب ((السنة)) ص (٤٦): ( ولا بكبيرة ).
(٤) الزيادة من كتاب (( السنة)) ص (٤٦).
(٥) في كتاب ((السنة)) ص (٤٦): (نصدق به).
(٦) في الأصل: (يعلم) بالمثناة التحتية، والتصويب من ((كتاب السنة )) ص (٤٦).
٠
٨٩٩

وقال في رواية حنبل في أحاديث الرؤية : نؤمن بها ، ونعلم أنها حق .
فقطع على العلم بها .
وذهب إلى ظاهر هذا الكلام جماعة من [١٣٥/أ] أصحابنا، وقالوا :
خبر الواحد إن كان شرعاً أوجب العلم . وهذا عندي : محمول على وجه
صحيح من كلام أحمد رحمه الله ، وأنه يوجب العلم من طريق
الاستدلال ، لا من جهة الضرورة .
والاستدلال يوجب العلم من أربعة أوجه :
أحدها : أن تتلقاه الأمة بالقبول ، فدل ذلك على أنه حق ؛ لأن الأمة
لا تجتمع على الخطأ ، ولأن قبول الأمة يدل على أن الحجة قد قامت عندهم
بصحته؛ لأن عادة خبر الواحد الذي لم تقم الحجة به، لا (١) تجتمع الأمة على
قبوله ، وإنما يقبله قوم ويرده قوم ، كما روي عن عائشة رضي الله عنها
أنها قالت: ((طيبت رسول اللّه مَ الله لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن
يطوف بالبيت)) (٢).
(١) في الأصل : (ولا) والواو هنا لا محل لها ؛ لعدم استقامة المعنى بوجودها .
(٢) هذا الحديث أخرجه عن عائشة رضي الله عنها البخاري في كتاب الحج باب الطيب
عند الإحرام وما يلبس إذا أراد أن يحرم .. (١٦٠/٢).
وأخرجه مسلم عنها فيه ، باب الطيب للمحرم عند الإحرام (٨٤٦/٢).
وأخرجه عنها أبو داود فيه، باب الطيب عند الاحرام (٤٠٥/١ ).
وأخرجه عنها الترمذي فيه ، باب ما جاء في الطيب عند الإحلال قبل الزيارة (٣/
٢٥٠ ) .
وأخرجه عنها النسائي فيه ، باب إباحة الطيب عند الإحرام (١٠٥/٥).
وأخرجه عنها ابن ماجه في كتاب المناسك ، باب الطيب عند الإحرام (٩٧٦/٢).
وأخرجه عنها الدارمي في كتاب مناسك الحج ، باب الطيب عند الإحرام ( ١/
٣٦٤ ) .
٩٠٠