النص المفهرس

صفحات 841-860

دليلنا :
ما ذكرنا ، وهو أن ما احتمل الصدق والكذب خبر ، وما لم يحتمل
فليس بخبر ، فدل على أن الخبر إنما كان خبراً لما وضع له من كونه محتملاً
للأمرین ، كما قلنا في الأمر ، لما کان استدعاء الفعل ممن هو دونه ، دل على
أن الأمر إنما يكون أمراً لكونه استدعاء .
مسألة (١)
العلم يقع من جهة الأخبار المتواترة ، مع اختلاف في صفة التواتر
كما يقع من جهة المشاهدات . وهذا ظاهر على أصلنا ؛ لأنه أثبت العلم
بأخبار الصفات . وهو قول كافة أهل العلم .
وحكي عن بعض الأوائل - وقيل هم السمنية (٢) ، وقيل : هم
البراهمة(٣) - أنه لا يقع العلم بشيء من الأخبار، وإنما يقع العلم بالمحسوسات
والمشاهدات .
الفقه ))
(١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٢٣٣)، و(( التمهيد =.
الورقة (١٠٧/أ - ١٠٨/أ)، و((روضة الناظر)) مع شرحها ((نزهة الخاطر))
(٢٤٤/١ - ٢٤٧)، و ((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٥٨) من الملحق.
(٢) السمنية فرقة ضالة ، ظهرت قبل الاسلام ، قالت بتناسخ الأرواح ، كما قالت
بقدم العالم ، وزعموا أن النظر والاستدلال باطل ، والمعلومات لا تدرك إلا من
جهة الحس .
انظر: ((الفرق بين الفرق)) ص (٢٧٠)، و((الغلو والفرق الغالية)) للدكتور عبد الله
السامرائي ص (١٢٩) .
(٣) البراهمة: فرقة ضالة، ظهرت في الهند، تنسب إلى رجل يقال له: ((براهم))،
كان يقول بنفي النبوات ، وأن وقوعها أمر مستحيل في حكم العقل ؛ لأن الرسول
إما أن يأتي بأمر معقول . أو بأمر غير معقول فإن كان الأول فقد كفانا فيه العقل ، =
٨٤١

دليلنا :
أنا نجد نفوسنا عالمة بالبلدان النائية ((كمكة)) و((البصرة))
و ((الصين)) وغير ذلك من البلاد والسير الماضية كأيام بني أمية وبني
العباس ، كما نجدها عالمة بالمشاهدات والمحسوسات . ومنكر هذا كمنكر
علم المشاهدات من السوفسطائية (١) ، ولا طريق له غير الخبر .
فإن قيل : لو كان العلم بالخبر جارياً مجرى العلم بالمشاهدات ، لم
يحتج في ذلك إلى تكرار الخبر وتواتره ، كما لا يحتاج إلى تكرار المشاهدات
والمحسوسات ، ولما احتيج في ذلك إلى التواتر ، دل على أن العلم لا يقع
به .
قيل : إنما اختلفا من هذا الوجه ؛ لأن العلم بالمشاهدات من كمال
العقل ، إذ لا يصح أن يكون كامل العقل يشاهد (٢) الشيء ولا بعلمه ،
وليس كذلك العلم بالأخبار ؛ لأن الله تعالى أجرى العادة في العلم به عند
فلا حاجة لنا إلى الرسول . وإن كان الثاني ، فلا يمكن قبوله ؛ لأنه خروج بالانسانية
=
إلى حيز البهيمية وقد انقسموا إلى فرق ، ذكر الشهر ستاني منهم ثلاث فرق ، هي :
أصحاب ((البددة))، وأصحاب ((الفكرة))، وأصحاب ((التناسخ)).
انظر: ((الملل والنحل)) الشهر ستاني (٢٥٠/٢ - ٢٥٥).
(١) السفسطة: كما يقول الجرجاني في كتابه ((التعريفات )) ص (٦٣): (قیاس مركب
من الوهميات ، والغرض منه تغليط الخصم واسكاته ) .
والسفسطائية - كما يقول ابن حزم في كتابه ((الفصل)) (٧/١) - ((هم مبطلو
الحقائق))، وهم ثلاث فرق في ذلك : فرقة نفت الحقائق جملة ، وفرقة شكت
فيها ، وفرقة فصلت ، فقالت : (( هي حق عند من هي عنده حق ، وهي باطل
عند من هي عنده باطل )) .
وقد ناقشهم ابن حزم في كتابه السابق ذكره ص (٨ - ٩).
(٢) في الأصل : ( فيشاهد) .
٨٤٢
!

التواتر [١٢٣/ب] فكان وقوع العلم به تابعاً للعادة .
يبين صحة هذا أن الله تعالى قد أجرى العادة ممن يدرس الشيء ليحفظه
إذا كرر الدرس ، وكذلك أجرى العادة في السكر عند تكرار الشرب .
واحتج المخالف :
بأنه لو كان خبر التواتر يوجب العلم ويقطع العذر لوجب أن لا تنكر
نبوة محمد الله ، لأنكم تعلمونه بنقل تواتر ، فلما لم تثبتوا نبوته قطعاً بطل
أن يكون التواتر موجباً للعلم .
والجواب : أنه إنما لم تثبت نبوته قطعاً؛ لأنها لم تثبت ضرورة ، وإنما
عرفت بالاستدلال القوي ، وهو الآيات والمعجزات على يده ، ونقل إلينا
ذلك نقلاً ، فلذلك (١) لم تثبت ضرورة ، لا لمعنى يعود إلى الأخبار .
وجواب آخر أجود من هذا وهو : أن ردهم للخبر لا يدل على أن
العلم لم يقع به ، بدليل أنهم شاهدوا معجزاته وعاينوها وردوها ، ومعلوم
أن العلم يقع بالمشاهدات ، ومع هذا فقد ردوها ، وكذلك الخبر عنه .
واحتج : بأن اليهود تخبر بأن موسى عليه السلام قال : شريعته مؤبدة ،
وهم عدد كثير وجم غفير ، ولا يقع العلم بخبرهم ، والنصارى تخبر بقتل
المسيح عليه السلام وصلبه ، ولا يقع العلم بخبرهم .
والجواب : أن النصارى عدد يسير أخبروا بمشاهدة قتله ، وكانوا قد
شُبِّه لهم . ويجب أن يكون أولهم وآخرهم ووسطهم سواء في النقل ،
والعدد الكثير إذا رووا عن عدد قليل ، فإن العلم لا يقع بصحة المخبر عنه .
وأما خبر اليهود فكذلك أيضاً؛ لأن ((بُخْتَنَصّر)) (٢) قتلهم ، فلم
(١) في الأصل : ( فلما ) .
(٢) ((بختنصر)) رجل من العجم، يقال: إن اسمه ((بخترشه))، كان في خدمة الملك=
٨٤٣

يكن خبرهم عمن يثبت بنقله التواتر .
[ و] قد قيل: إن ((ابن الرواندي)) (١) لقنهم ذلك بأصبهان ، ولا
یعرف ذلك إلا من جهته .
والدليل عليه : أنهم لم يقولوا هذا لعيسى ولا لمحمد عليهما السلام ، فلو
كان صحيحاً لوجب من طريق العادة أن يكون ذلك أولى ما يقولونه
لهما ، ويقصدون بذلك تكذيبهما .
وجواب آخر وهو : أن اليهود لم تكن مجمعةً على هذا الخبر ،
بدلالة أن جماعة منهم آمنوا بالنبي ◌ّ لته ، وكذلك النصارى .
ولأن النصارى كانوا يختلفون - وإلى وقتنا هذا - في قتل المسيح ،
واليهود اختلفوا في آية الرجم .
واحتج : بأنه إذا جاز عليهم الصدق مع كثرتهم ، جاز عليهم الكذب
أيضاً ، وما الفرق بينهما ؟
والجواب : أن الصدق له سبب يدعو إلى الإخبار به ، وهو علم كل
واحد منهم بما شاهده (٢) وأدركه ، وليس للكذب سبب ، وإنما يكذب
الكاذب لغرض يخصه [١٢٤/أ]، وأغراض العدد الكثير لا تتفق، وخواطرهم
لا تتسق إلا بجامع يجمعها وحامل يحملها على ذلك من رغبة أو رهبة ، ولهذا
(هراسب))، تم في خدمة ابنه ((بشتاسب))، تم في خدمة ((بهمن))، وأن ((بهمن))
=
هذا وجهه إلى بيت المقدس لإجلاء اليهود عنها ، فسار إليهم ، وانتصر عليهم ، بعد
أن أنزل بهم الهزيمة الساحقة .
وهناك حكايات أخرى عنه، ساقها الطبري في ((تاريخه)) (٥٣٥/١ - ٥٦٥ )،
فارجع اليه ، إن شئت .
(١) هو: أحمد بن يحيى بن الرواندي، وقد سبقت ترجمته ص (٧٧٧) .
(٢) في الأصل : ( يشاهده ) .
٨٤٤
:
i
١

إذا دخل غريب ((بغداد))، واستدل على ((جامع المنصور )) ، ولم يجز
أن يقع من العدد الكثير أن يدلوه على ((بِيعَةٍ))، ويجوز أن يتفق هذا
من عدد يسير ، ويجوز أن يتفق العدد الكثير على أن يدلوه على المسئول عنه ،
وَيَصدقوا فيه ، فدل على الفرق بينهما .
واحتج: بأنه لا يخلو إما أن يقع العلم بخبر الأول أو الأخير ، ولا يجوز
وقوعه بالأول ولا بالأخير ؛ لأنه آحاد ، فدل على أنه لا يصح أن يقع
العلم بالخبر بوجه .
والجواب : أن العلم يقع بخبر جميعهم ؛ لأن اللّه تعالى أجرى العادة
بحصول العلم عند اجتماعهم ، ولهذا إذا شككنا فيه مشكك لم نشك ، وفي
خبر الواحد نشك فقط ، فسقط ما قالوه .
مسألة (١)
والعلم الواقع بالأخبار المتواترة ليس من شرطه
أن يجمع الناس كلهم على التصديق به
وهذا ظاهر على أصلنا ؛ لأن أحمد رحمه اللّه أثبت أخبار الصفات ،
وهي موجبة للعلم مع اختلاف الناس في قبولها .
خلافاً لليهود في قولهم : من شرط وقوع العلم به أن لا یکون في الناس
من يكذبه (٢) .
(١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٢٣٣).
(٢) في الأصل : ( يكذبها ) .
٨٤٥

دليلنا :
أنه لو كان من شرط (١) العلم به اجتماع الناس على تصديقه ، لم يجز
وقوع العلم بخبر على وجه من الوجوه ، إذ يستحيل من الواحد أن يَلْقَ
جميع الناس ويسير إليهم أو يسيروا إليه (٣) ، ولما أجمعنا على صحة العلم
بخبر التواتر ، دل على فساد قولهم .
فإن قيل : لا يعتبر العلم بتصديق جميع الناس ، وإنما يعتبر أن لا يعلم
فيهم من يكذب المخبرين .
قيل : إذا جاز أن يعلم صحة المخبر عنه مع تجويز أن يكون في الناس من
يكذبه ، لم يكن من شرط (٣) وقوع العلم بصحته اجتماع الكافة على
التصديق .
فإن قيل : إذا لم أعلم أن فيهم مكذباً علمت أنه لا مكذب فيهم ؛ إذ
لو كان فيهم ذلك لكذّب المخبرين ، وكان تكذيبه حينئذ ينقل إلينا ؛
لأن العادة جارية بأن مثل هذا لا يترك نقله .
قيل : إذا كانت العادة جارية أن مثل هذا لا يترك نقله ، فالعادة أيضاً
جارية أن الجماعة الكثيرة التي لا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب ، إذا
أخبرت بشيء وقع العلم بخبرهم ، ولا فرق بين من منع ذلك وبين من منع
ترك نقل تكذيب من يُكذّب المخبرين .
وأيضاً : فإنا نجد أنفسنا ساكنة إلى العلم ببعض البلدان [١٢٤/ب] التي
أخبرنا بها ، وإن كنا نعلم أن في الناس من لم يسمع بذلك ولم يخطر على باله ؛
(١) في الأصل : ( شرطه ) .
(٢) في الأصل: ( يصير ) بالصاد في الموضعين .
(٣) في الأصل: ( شرطه ) .
٨٤٦

فضلا عن أن يصدق به ، فلو كان تصديق جميع الناس شرطاً في وقوع
العلم بخبر المخبر ، لم يصح وقوع العلم لنا بما ذكرنا ، وفي علمنا بوجود ذلك
دليل على فساد ما ذهبوا إليه .
واحتج المخالف :
بأن المسلمين كلهم كالنفس الواحدة ، ولا يجوز وقوع العلم بنقلهم
معجزات النبي عز اتهم ؛ لأنها تكون شاهدة لنفسها .
والجواب : أن هذا المعنى قائم في اليهود ؛ لأنهم كالنفس الواحدة ،
فيلزمهم أن لا يثبتوا معجزات موسى عليه السلام بنقلهم لها .
فإن قيل : إنما صح وقوع العلم بمعجزات موسى عليه السلام ؛ لأن
المسلمين والنصارى قد شهدوا بصحتها . وأما اليهود فلم يشهدوا بصحة
معجزات محمد المائلِ ، فلهذا لم يجز وقوع العلم بنقلها .
قيل (١) : المسلمون والنصارى عند اليهود كفار ، فكيف تصح
شهادتهم؟ ! بل وجود شهادتهم عند اليهود كعدمها .
مسألة (٢)
العلم الواقع بالأخبار المتواترة معلوم من جهة
الضرورة لا من جهة الاكتساب والاستدلال
وهو قول أكثر أهل العلم .
وحكي عن البلخي وغيره من المعتزلة : أن العلم يقع به اكتساباً ، ولا
يقع اضطراراً .
(١) في الأصل : ( فصل) ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبتناه ؛ لأن ما بعد ذلك جواب
عن الاعتراض السابق .
(٢) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٢٣٤)، و ((التمهيد في أصول الفقه))=
٨٤٧

دليلنا :
أنه لو لم يكن معلوماً ضرورة لأدى إلى الشك في النبوات ، وهذا لا
يجوز .
ولا يلزم على هذا معرفة الله تعالى أنها استدلال . ولا يفضي ذلك إلى
الشك ؛ لأنه لا طريق إلى معرفة القديم من طريق الإحاطة والإدراك ،
وليس كذلك المحدثات ، لان الإحاطة والإدراك يصدق (١) عليها .
ويبين هذا أن ما جعل طريقاً إلى معرفة الضرورات يتطرق على
المحدثات ، وهو الحواس الخمس ، ولا يتطرق ذلك على القديم .
ولأن هذا النوع من العلم علم بمحدث لا يمكن دفعه عن النفس ولا
الشك منه ولا الارتياب ، فثبت أنه معاوم ضرورةً كالمشاهدات ، ولو كان
مكتسباً لدخل فيه الشك إذا شكك فيه والريبة .
وإنما شرطنا في الدليل : علم بمحدث ، لئلا يدخل عليه معرفة الله
تعالى ؛ لأنها معلومة على وجه لا يمكن الارتياب والشك فيه ، وهي من جهة
الكسب ؛ لأن ذلك علم بقديم لا بمحدث .
ودليل آخر وهو: أنه لو كان معلوماً من جهة الاستدلال [١٢٥/أ]
والكسب لم يقع إلا لمن هو من أهل التأويل والنظر ، فلما وقع ذلك لمن ليس
من أهل التأويل والنظر كالصبيان وغيرهم ، ثبت أنه معلوم من جهة
الضرورة .
الورقة (١٠٨/أ - ب)، و((روضة الناظر)) مع شرحها ((نزهة الخاطر)) ( ١/
==
٢٤٧ - ٢٥٠)، و ((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٥٨ - ٢٥٩) من الملحق .
(١) في الأصل : ( يتصدق ).
٨٤٨

واحتج المخالف :
بأنه لما حسنت المطالبة بالدلالة على أن خبر التواتر يوجب العلم .
وحسنت إقامة الدلالة عليه علمنا أن العلم الواقع عنده اكتساب ، وليس
هو بضرورة .
والجواب : أن هذا باطل بالعلم بالمشاهدات ، فإن السوفسطائية
تطالبنا بالدليل على صحة ذلك ؛ لأن ذلك عندهم ظن وحسبان ، ومع هذا
فقد أجمعنا نحن ومخالفينا على حصول العلم الضروري في ذلك مع حسن
الدليل عليه ، كذلك فيما حصل من جهة الخبر المتواتر .
واحتج : بأنه لا يقع العلم بخبرهم إلا على صفات تصحبهم يستدل بها
على صدقهم ، فدل على أنه من جهة الاستدلال ، يدل على ذلك أن العلم
بحدث الأجسام ، لما وقع لأجل الصفات التي عليها الأجسام من اجتماع
وافتراق وحر کة وسكون كان العلم بها مكتسباً .
والجواب : أن العلم بصدقهم لا يفتقر إلى اعتبار صفاتهم ولا يستدل
بذلك على صدقهم ، بل نعلم صدقهم ، ولهذا يخالف حدوث الأجسام ،
فإن العلم لا يقع به إلا بعد النظر والاستدلال باختلاف صفات معانيها .
واحتج : بأن العلم الواقع بأخبار اللّه وأخبار رسوله استدلالاً غير
ضرورة ، كذلك خبر غيرهما .
والجواب : أنا عرفنا اللّه بأنه واحد صادق بالاستدلال، وإذا ورد
الخبر من عنده قطعنا على صدقه استدلالاً ، وكذلك أخبار رسوله عليه
السلام ؛ لأن ثبوت نبوته من حيث الاستدلال وجبت بظهور المعجزات .
٨٤٩
العدة في أصول الفقه - ٥٤

مسألة (١)
خبر التواتر لا يولد العلم فينا ، وإنما العلم الواقع عنده من فعل الله
تعالى ، يفعله عند الإخبار بالعادة التي أجراها بذلك ، وهو قادر على أن يفعل
فينا ذلك مع عدم الإخبار ، وهو بمنزلة إجرائه تعالى العادة بخلق الولد عند
الوطء ، وإن كان قادراً على خلقه مع عدم الوطء ، هذا بناءً على إبطال
القول بالتولد .
ومن الناس من يقول : إن العلم بذلك يولد فينا عند خبر المخبرين .
دليلنا :
أن هذا العلم لو كان متولداً من (٢) الخبر، لوجب أن يكون المخبر
الأخير هو الذي ولد خبره فينا العلم ؛ لأن العلم حصل عند خبره ، ولو
كان كذلك لوجب أن يكون خبره يوقع لنا العلم به ابتداءً ؛ لأنه هو
الموجب للعلم، فوجب أن يكون موجباً [١٢٥/ب] لذلك في جميع الأحوال
كما أن خبر الجماعة الذي يحصل بهم التواتر ، لما أوجب العلم كان موجباً
لذلك على كل حال ، وفي علمنا بأن خبر الأخير لو وقع ابتداءً لم يوجب
العلم ، علمنا أنه لا يولد العلم على وجه من الوجوه .
فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون الخبر الأخير مولداً للعلم فينا على شرط
تقدم الأخبار الأخر له ، كما أن الاعتماد يولد اصطكاكاً في المحلين على
شرط وجود الصلابة فيهما . والنظر مولد للعلم على شرط أن يكون الناظر.
عالماً بالدليل . وإذا كان كذلك لم يكن في امتناع وقوع العلم بالخبر الأخير
لو انفرد ما يمنع أن يكون مولداً لعلم ، إذا تقدمته أخبار أخر .
(١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٢٣٥)، و(( شرح الكوكب المنير)) ص
(٢٥٩) من الملحق .
(٢) في الأصل : ( في ) .
٨٥٠

قيل : الشيء إنما جعل شرطاً في غيره ، إذا كان متعلقاً به أو محدداً
لصفة فيه ، ألا ترى أن صلابة المحلين لما كانت شرطاً في كون الاعتماد
مولداً للاصطكاك ، كانت موجبة لتجدد صفة بمحل الاعتماد ، وكذلك
كون الناظر عالماً بالدليل ، لما كان شرطاً في كون نظره مولداً للعلم ، كان
موجباً لتجدد صفة له ، وإذا كان كذلك لم يكن لكل واحد من الأخبار
تعلق بالآخر ، ولم يتجدد صفة للخبر الأخير بتقدم الأخبار الأخر له ، لم
يجز أن يكون تقديم غيره من الأخبار شرطاً في توليده العلم .
ولأن الخبر من صفات الحي كالعلم والإرادة والإدراك ، ثم ثبت أن
تلك الصفات لا تولد شيئاً ؛ لأن العلم لا يولد المعلوم، والإرادة لا تولد
المراد ، والإدراك لا يولد المدرك ، بل المعلوم والمراد والمدرك خلق الله
تعالى ، كذلك الخبر يجب أن لا يولد شيئاً .
ولأن الأكل والشرب والعلاج وجبر الكسر يطلب به حصول غيره ،
وهو الشبع والري وزوال المرض ، ومع ذلك فهو غير مولد ، كذلك
الخبر .
واحتج المخالف :
بأن العلم بخبر التواتر ، لو كان تابعاً للعادة لأجل فعل الله تعالى ،
لوجب أن تختلف العادة في ذلك ، فيقع العلم بخبر الجماعة التي يصح بهم
التواتر ، ولا يقع بخبر جماعة مثلها ، كما أن خلق الولد عند الوطء لما كان
من فعل الله تعالى لما أجرى به العادة ، جاز أن تختلف فيه العادة ، فيخلق
الولد عند وطء واحد ، ولا يخلق عند وطء آخر ، وفي بطلان اختلاف
العادات في وقوع العلم بالأخبار دليل على أن العلم فيها ليس من فعل الله
تعالى ، وإنما هو تولید .
والجواب : أنه لا يمتنع أن يكون العلم بالشيء واقعاً من فعل اللّه
تعالى ، وإن لم تختلف العادة فيه ، ألا ترى أنا نعلم أن وجود هذه الأجسام
٨٥١

التي نشاهدها ضرورة؛ لأن العلم [١٢٦/أ] بوجودها من كمال العقل، ويكون
هذا العلم من فعل الله تعالى فينا ، وإن لم تختلف العادة فيه ، كذلك لا ننكر
أن يكون وقوع العلم بمخبر الخبر المتواتر يجري على طريقة واحدة ويكون مع
ذلك من فعل الله تعالى .
واحتج : بأنه لما كان العلم يحصل بوجود الخبر علمنا أنه مولد له .
والجواب : أن الشبع والري يحصلان (١) بالأكل والشرب ، وليس هما
مولدين لهما (٢) .
مسألة (٣)
لا يجوز على الجماعة العظيمة كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته .
وزعمت الإمامية (٤) أن ذلك قد يجوز على الجماعة لداع يدعو إليه ،
وعلى هذا بنوا كلامهم في ترك نقل النص [ في علي رضي الله عنه ] (٥) .
(١) في الأصل : ( يحصل ) .
(٢) في الأصل : ( ليس هو مولداً له ).
(٣) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٢٣٥)، و ((التمهيد)) الورقة (١٠٩/أ -
ب)، و((روضة الناظر)) مع شرحها ((نزهة الخاطر)) (٢٥٨/١ - ٢٥٩)،
و ((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٦١ - ٢٦٢) من الملحق.
(٤) الإمامية : فرقة تقول بأن الإمامة لعلي رضي الله عنه نصاً ، ولا يجوز أن تخرج عن
أولاده من بعده ، فهي منصب إلهي لهم . وجعلوا التصديق بذلك ركناً من أركان
الإيمان .
وقد افترقوا إلى فرق كثيرة ، لا زال بعضها موجوداً في عصرنا الحاضر .
انظر: ((الفرق بين الفرق)) ص (٥٣) وما بعدها، و ((اللباب)) (٨٣/١)،
و ((التعريفات)) للجرجاني ص (٢١) و ((الغلو والفرق الغالية)) ص (٨٢ -
١١٢ ).
(٥) الزيادة من ((المسودة)) ص (٢٣٥).
٨٥٢

!
والدليل على فساد هذا القول :
أن كتمان ما يحتاج إلى نقله يجري في القبح مجرى الإخبار عنه بخلاف
ما هو به ، فلما لم يجز على الجماعة التي يصح بهم التواتر أن يخبروا عن (١)
الشيء بخلاف ما هو مع علمهم بحاله ، كذلك لا يجوز أن يجتمعوا على كتمان
ما يحتاج إلى معرفته .
يبين صحة هذا أن رجلاً لو دخل بغداد يسأل كل من يلقّاه عن جامع
المنصور ، لم يجز أن يكتموه كلهم ذلك ، كما لا يجوز أن يخبروا عنه
بالكذب ، وكذلك لو حدث في الجامع يوم الجمعة وقت الخطبة حادثة
عظيمة هائلة ، لم يجز أن يترك جميع من حضرها نقلها ، كما لا يجوز أن
يخبر جميعهم عنها بالكذب مع علمهم بأنه كذب .
فإن قيل : أليس قد تركت الصحابة نقل شرائع الأنبياء المتقدمين ،
وإن لم يجز أن يتواطؤوا (٢) على الكذب ، فما أنكرتم مثله ها هنا.
قيل : إنما تركت نقل ما ذكرت لبعد عهده ، ولفقد ما يدعو الى
نقله ، فأما ما قرب عهده ، ووجد الداعي الى نقله ، فغير جائز أن يجتمعوا
على ترك نقله .
يبين صحة هذا : أن شريعة موسى عليه السلام لما لم تكن متباعدة العهد ،
وكان هناك ما يدعو إلى نقلها - وهو بقاء تمسك قوم بها - نقلت . وكذلك
شريعة عيسى عليه السلام ، ولم تنقل شريعة غيرهما من الأنبياء مثل هود
ويونس وأمثالهم عليهم السلام ؛ لما لم يبقَ من يتدين بها ، وكانت منسوخة .
فإن قيل : النصارى لم ينقلوا كلام المسيح في المهد ، ونقلوا إحياءه
(١) في الأصل: ( على ) .
(٢) في الأصل: ( يواطوا ) .
٨٥٣

الموتى وإبراءه الأكمه والأبرص مع الحاجة إلى معرفة ذلك ، وإن كان عهده
غير متباعد ، فبان بهذا : أن قرب العهد وبعده لا تأثير له في باب النقل .
قيل : إنما لم ينقلوا كلام المسيح في المهد ؛ لأنه قد كان ذلك قبل ظهور
أمره ، وكان إحياؤه [١٢٦/ب] الموتى وإبراؤه(١) الأكمه والأبرص بعد
ظهوره ، فلهذا نقلوا ذلك .
وقد يقوى نقل الشيء لأجل ظهوره ، ويترك لأجل خفائه ، ألا
ترى أن اليهود قد نقلت ما كان ظاهراً من معجزات نبينا مع التع ، مثل
إتيانه بالقرآن وتحدي العرب به ، ولم ينقلوا ما لم يكن في ظهور ذلك
من معجزاته ؟
وكذلك قد اختلف نقل سنن رسول اللّه مَ الته في باب الظهور والخفاء،
فلم يجرٍ جميعها على طريقة واحدة ، ألا ترى أن كثيراً من السنن تذهب
على العالم ، وإن لم يذهب عليهم ما ظهر منها واشتهر ؟
فإن قيل : فما أنكرتم أن يكون الصحابة تركت نقل ما يحتاج إليه لداع
دعاهم إلى ذلك من تقية أو خوف فتنة أو نحو ذلك .
قيل : كل من يجوز عليه ترك نقل ما يحتاج إليه لما ذكرت ، فإنه يجوز
عليه الإخبار عن الشيء بالكذب لأجل هذه العلة بعينها ، فلما لم يجز هذا
على الصحابة رضي الله عنهم ، كذلك لا يجوز عليهم ترك نقل ما يحتاج
إلى نقله .
فإن قيل : أليس قد تركوا نقل المسح إلى وقت وقوع الخلاف فيه ،
وتركوا نقل القِران والإفراد حتى اختلفوا فيه ، وكذلك الرجم ، ونظائر
ذلك كثير ؟ .
(١) في الأصل : ( إبراء ).
٨٥٤
:
1
٠
i

قيل : أما المسح ، فإنهم لم يتركوا نقله ، بل نقلوه نقلاً مستقصاً ،
إلا أن من لم ينقله ، لم ينقله ؛ لأنه جعل القرآن أولى منه ، وهكذا القول في
الرجم .
فأما القران والإفراد : فإنه قد كان علَّمهم المناسك (١) ، فلم يحتاجوا
إلى نقله ، وإنما اختلفوا في نقله ؛ لأن من شاهده وقت التلبية يلبي بالعمرة
مع الحج نقل القِران ، ومن شاهده يلبي بالحج من غير ذكر العمرة نقل
الإفراد ، على حسب ما بينا في المناسك من مسائل الخلاف (٢) ، فقد صح
بذلك فساد ما تعلقوا به في ذلك .
مسألة (٣)
ولا يعتبر في التواتر عدد محصور ، وإنما يعتبر ما يقع به العلم على
حسب ما جرت به العادة أن النفس تسكن إليه ، لا يتأتى منهم التواطؤ على
(١) في الأصل : ( بالمناسك ) .
(٢) هذا الكتاب يسمى: التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة ، يوجد منه المجلد
الرابع من نسخة كتبت سنة ( ٨٧٠هـ ) ، ويبتدىء بكتاب الحج ، ويثنى بكتاب
البيوع . على أنه لم يكمل كتاب البيوع في هذا المجلد ، ويقع هذا المجلد في (٥٩٧)
صفحة من القطع الكبير ، كل صفحة يقع فيها (٢٥) سطراً، وفي كل سطر (١٦)
كلمة تقريباً . والمخطوطة في دار الكتب المصرية رقم (١٤٠) فقه حنبلي . وقد
صورت في معهد المخطوطات بالجامعة العربية على ميكروفيلم رقم (١٨) اختلاف
الفقهاء .
وقد فصلنا الكلام فيه في القسم الدراسي ، عند كلامنا عن مؤلفات أبي يعلى .
(٣) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٢٣٥)، و (( التمهيد في أصول الفقه))
الورقة (١٠٨/ب - ١٠٩/أ)، و((روضة الناظر)) وشرحها ((نزهة الخاطر))
(٢٥٥/١ -٢٥٧)، و((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٦٢) من الملحق .
٨٥٥

الكذب ، إما لكثرتهم أو لدينهم وصلاحهم ؛ لأنه لا دليل على عددهم من
طريق العقل ولا من طريق الشرع ، ولكنا نعلم أنه يجب أن يكونوا أكثر
من أربعة ؛ لأن خبر الأربعة لو جاز أن يكون موجباً للعلم لوجب أن يكون
خبر كل أربعة موجباً ، ولو كان هكذا لوجب إذا شهد أربعة على رجل
بالزنا ، أن يعلم الحاكم صدقهم ضرورة ، ويكون ما ورد به الشرع من
السؤال عن عدالتهم باطلاً ، وإذا كان ذلك صحيحاً دل على أن خبر
الأربعة لا يوجب العلم بصدق مُخْبَرِهِم .
فإن قيل: لا يمتنع [١٢٧/أ] أن الله تعالى لم يفعل ذلك عند شهادة الشهود
لضرر من المصلحة ، وفعل ذلك عند الخبر الذي ليس بشهادة .
قيل : لا فرق بين الخبر الواقع على وجه الشهادة ، وبين الواقع على
غيرها ، بدليل : أن الجماعة التي يقع لنا العلم بخبرهم ، لا فرق بين أن
يشهدوا عند الحاكم بحق ، وبين أن يكون خبرهم بغير شهادة في وقوع
العلم بخبرهم ، كذلك فيمن دونهم .
وقد حكي عن قوم : أن العلم يقع بخبر اثنين .
وعن آخرين : يقع بخبر أربعة .
وعن آخرين : يقع بخمسة فصاعداً (١).
وعن آخرين : يقع باثني عشر ؛ اعتباراً بعدد النقباء .
(١) من حَدَّ وقوع العلم باثنين ، اعتبر نصاب الشهادة .
ومن حده بأربعة ، اعتبر أعلى نصاب الشهادة ، كما في إثبات الحدود .
ومن حده بخمسة اعتبر الزيادة على أعلى عدد في الشهود .
وهناك من حده بعشرين، لقوله تعالى: (إِنْ يَكُن منْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ).
انظر: ((التمهيد في أصول الفقه)) الورقة (١٠٨/ب).
٨٥٦
1

وعن آخرين : يقع بسبعين ؛ اعتباراً بعدد أصحاب موسى عليه
السلام .
وعن آخرين : يقع بثلاثمائة وكسر ، اعتباراً بعدد أصحاب النبي .
ټپڼ يوم بدر .
وهذا غير صحيح ؛ لأن الاعتبار بمن يقع العلم بخبرهم ، وليس
يختص ذلك بعدد دون عدد ؛ لأن العدد الكثير قد يتواطئوا على الكذب ،
ولا يقع العلم بخبرهم ، بل يقع بخبر أقل منهم ، إذا لم يتواطئوا على ذلك ،
فلم يجز أن يشترط في ذلك عدد محصور .
والمواضع التي ذكروها إنما اتفق حصول ذلك العدد ، لا أنه اشترط
العلم بخبرهم .
مسألة (١)
يجوز ورود التعبد بأخبار الآحاد من طريق العقل ومن الناس من يمنع
منه .
دليلنا :
أنه لا يمتنع أن تكون المصلحة لنا في العمل بما يخبرنا به الواحد ، وإن
جاز أن يكون غير صادق ، ألا ترى أن من خَوّفنا سلوك طريق نربد
سلوكه ، فإن الواجب علينا : أن نقبل منه ، وأن نتوقف فيما أردنا من سلوك
ذلك الطريق ، وإن جاز أن يكون كاذباً في خبره ، وإذا كان كذلك لم
يمتنع أيضاً أن يتعبدنا الله تعالى بقبول خبر الواحد في باب الديانات .
(١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٢٣٨)، و ((التمهيد)) الورقة (١٠٩/ب -
١١٠/ب). و((روضة الناظر)) وشرحها ((نزهة الخاطر)) (٢٦٤/١ - ٢٦٥)،
و (( شرح الكوكب المنير)) ص (٢٦٧) من الملحق .
٨٥٧

فإن قيل : فيلزمكم على هذا : أن تجيزوا ورود التعبد بالعمل لمّا
يخبر به الواحد ، وإن كان فاسقاً ، كما يجب علينا قبول خبر الفاسق إذا
خَوَّفنا من سلوك بعض الطرق .
قيل : العقل لا يمنع من ذلك ، وإنما نرجع في المنع منه إلى السمع .
وأيضاً : فإن الله تعالى قد تعبد الحاكم بقبول قول الشهود للعمل به ،
وإن جاز أن يكونوا غير صادقين .
وكذلك تعبد الله المستفتى بالعمل على قول المفتي ، مع جواز كونه
كاذباً فيما يفتي به ، كذلك لا يمتنع أيضاً : أن يتعبد اللّه تعالى بالعمل بما
يخبر به الواحد مع جواز كونه غير صادق .
فإن قيل : فيلزمكم أن تجيزوا ورود التعبد بصدق النبي ، وإن لم يكن
معه ما يدل على صدقه من الإعلام بالمعجزة ، وأن تجيزوا [١٢٧/ب] العمل
بخبر الواحد في إثبات القرآن وأصول الدين .
قيل : أما العمل بخبر النبي ، فإنما لم يجب ما لم يكن معه ما يدل على
صدقه ؛ لأن العمل بخبر الواحد ، إنما يجب علينا إذا ورد السمع بذلك ،
فما لم تقم الحجة بأصل الشريعة فإنا لا نعلم أنا قد تعبدنا بالعمل بخبر الواحد
في الشرعيات ، فإذا كان كذلك ، كانت الحجة إنما تقوم بأصل الشريعة ،
إذا أقام الله تعالى الإعلام بالمعجزة على من تعبدنا على لسانه ، ليدلنا بذلك على
صدقه ، ويؤمننا من غلطه فيما هو الحجة فيه ، لم يجز لنا القبول منه ، ما لم
يعلم صدقه ، وليست هذه حال خبر الواحد ؛ لأن تجويزنا لكذبه لا
يمنع من أن يلزمنا العمل به من جهة النبي ، بأن يوجب علينا العمل بما
يخبرنا الواحد .
وأما خبر الواحد في إثبات القرآن ، فإنه لا يمتنع أن يتعبد بقبول خبره
فيه ، فيدل على ما تضمنه من الحلال والحرام ، ولا يقطع على أنه من القرآن،
وإنما منع الشرع منه .
٨٥٨
:
1
i

مسألة (١)
يجب العمل بخبر الواحد ، إذا كان على الصفة التي يجوز معها قبول
خبره .
نص عليه رحمه الله في مواضع :
فقال في رواية أبي الحارث : إذا كان الخبر عن رسول اللّه مَ الٍ صحيحاً
ونقله الثقات ، فهو سنة ، ويجب العمل به على من عقله وبلغه ، ولا يلتفت
إلى غيره من رأي ولا قياس .
وقال أيضاً رحمه الله في رواية أبي الحارث في موضع آخر : إذا
جاء خبر الواحد ، وكان إسناده صحيحاً وجب العمل به ، ثم قال : أليس
قصة القبلة حين حولت ، أتاهم الخبر وهم يصلون ، فتحولوا نحو الكعبة .
وخبر الخمر أهراقوها ، ولم ينتظروا غيره ؟
وقال أيضاً رحمه اللّه في رواية الفضل بن زياد : خبر الواحد صحيح ،
إذا كان إسناده صحيحاً ، وذكر قصة القبلة حين حولت ، وقصة الخمر لما
حرمت .
وقال أيضاً رحمه الله في رواية إبراهيم بن الحارث : إن قوماً دفعوا خبر
الواحد: بأن النبي ◌ّ له لم يقبل قول ذي اليدين (٢) حتى سأل غيره (٣).
(١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٢٣٨)، و ((التمهيد)) الورقة (١١٠/ب -
١١٤/أ) و((روضة الناظر)) مع شرحها ((نزهة الخاطر)) (٢٦٨/١ - ٢٧٩)،
و ((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٦٧ - ٢٧٠) من الملحق .
(٢) ذو اليدين، حجازي من بني سليم، يقال له: ((الخرباق)) . صحابي وليس هو
ذا الشمالين كما زعم. وهو الذي كلم النبي صلى الله عليه وسلم لما سها في الصلاة.
عاش ذو اليدين حتى روى عنه بعض متأخري التابعين .
له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (٤٧٥/٢)، و((الاصابة)) القسم الثاني ص (٤٢٠)
طبعة دار نهضة مصر .
(٣) هذا الحديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعاً. أخرجه عنه البخاري في =
٨٥٩

وليس هذا حجة، ذو اليدين جاء إلى يقين النبي مَّ التع يزيله ، فلم يقبل
منه ، وهذا جاءه خبر لم يكن عنده خلافه . فلم يقبله .
وقال أيضاً رحمه الله في رواية الميموني : من الناس من يحتج في رد
خبر الواحد : بأن النبي معد له لم يقنع بقول ذي اليدين ، وليس هذا شبيه
ذاك ، ذو اليدين أخبر بخلاف يقينه (١) ، ونحن ليس عندنا علم نرده ،
وإنما هو علم یأتینا به .
ونحو هذا قال في رواية أحمد بن الحسين (٢) الترمذي (٣).
كتاب الصلاة ، باب من لم يتشهد في سجدتي السهو (٨٢/١).
=
وأخرجه عنه مسلم في كتاب الصلاة ، باب السهو في الصلاة والسجود له (١/
٤٠٣ ) .
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الصلاة ، باب ما جاء الرجل يسلم في الركعتين من
الظهر والعصر (٢٤٧/٢)
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة، باب السهو في السجدتين (٢٣١/١).
وأخرجه عنه النسائي في كتاب السهو ، باب ما يفعل من سلم من ركعتين ناسياً
وتكلم ( ١٧/٣ ) .
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة ، باب فيمن سلم من اثنتين أو ثلاثاً
ساهياً (٣٨٣/١) .
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الصلاة، باب سجدتي السهو من الزيادة (٢٩٠/١ ).
وأخرجه عنه الطيالسي في (( مسنده)) في كتاب الصلاة ، باب من سلم من ركعتين
(١١٠/١).
(١) الضمير عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
(٢) في طبقات الحنابلة : ( الحسن ) مكبراً .
(٣) أبو الحسن من أصحاب الإمام أحمد الذين نقلوا عنه المسائل الفقهية والأحاديث
النبوية .
له ترجمة في ((طبقات الحنابلة)) (٣٧/١).
٨٦٠
1