النص المفهرس
صفحات 821-840
وقال أصحاب أبي حنيفة : يبقى الحكم في جميع الفروع (١) ، وذكروا ذلك في مسألتين : إحداهما وضوء النبي ◌ُّ المِ بالنبيذ الذي كان مع عبد الله بن مسعود (٢). فقيل لهم : إنه كان نيئاً ، ولا يجوز عندكم أن يتوضأ بالنبيذ النبيء . فقالوا : إذا ثبت بالنص جواز الوضوء بالنيء ؛ لأنه ثمرة طيبة وماء طهور ، وجب جوازه بالمطبوخ ؛ لأن هذا المعنى موجود فيه ، وقد نسخ حكم النيء وبقي حكم المطبوخ . والمسألة الثانية: النية لصوم رمضان بالنهار، فرووا عن النبي محمد اله أنه بعث إلى أهل العوالي (٣) يوم عاشوراء (٤) أن من لم يأكل (١) هذا العزو إلى الحنفية غير محرر. فقد ذكر الكمال بن الهمام في كتابه ((التحرير)) (٢١٥/٣) مطبوع مع شرحه ((تيسير التحرير)) ما نصه: (ومبناه على المختار من أن نسخ حكم الأصل ، لا يبقى معه حكم الفرع .. ). وقال صاحب ((مسلم الثبوت)) (٨٦/٢) مطبوع مع شرحه ((فواتح الرحموت)) ( مسألة : اذا نسخ حكم الأصل لا يبقى حكم الفرع ، وقيل : يبقى ، ونسب إلى الحنفية ) . ثم عقب الشارح على كلامه هذا بقوله: (أشار إلى أن هذه النسبة لم تثبت ، وكيف لا ، وقد صرحوا : أن النص المنسوخ لا يصح عليه القياس ، وسيجيء في شروط القياس أن من شروطه أن لا يكون حكم الأصل منسوخاً ) . ويلاحظ : أن الكمال بن الهمام نص في الموضع السابق على أن التسمية بالنسخ من عدمها انما هو خلاف لفظي ، أو سهو من المخالف ؛ إذ المؤدي واحد . (٢) حديث وضوء النبي صلى الله عليه وسلم بالنبيذ، سبق تخريجه ص (٣٤١). ٠ (٣) ((العوالي)): ضاحية من ضواحي المدينة المنورة. (٤) ((عاشوراء)) هو : اليوم العاشر من شهر محرم ، خلافاً لابن عباس رضي الله عنه في قوله هو اليوم التاسع منه ، كما أخرجه عنه مسلم في صحيحه في كتاب الصيام ، باب أي يوم يصام في عاشوراء ؟ (٧٩٧/٢ ). ٨٢١ فليصم (١) فأجاز صوم يوم عاشوراء بالنية من النهار، وكانت العلة فيه : أنه صوم مستحق في زمان بعينه، وهذا المعنى موجود في صوم رمضان وغيره، ثم نسخ صوم عاشوراء ، وبقي حكمه في غيره . دليلنا : أن ما ثبت تابعاً لغيره وجب أن يزول بزوال الموجب والمقتضى إذا (١) هذا الحديث رواه سلمة بن الأكوع رضي الله عنه. أخرجه عنه البخاري في كتاب الصيام ، باب صيام يوم عاشوراء (٥٥/٣) بلفظ : ( أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من أسلم أن أذن في الناس أن من كان أكل ، فليصم بقية يومه ، ومن لم يكن أكل ، فليصم ، فإن اليوم يوم عاشوراء). وأخرجه عنه مسلم في كتاب الصيام ، باب من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه (٧٩٨/٢) . وأخرجه عنه النسائي في كتاب الصيام ، باب إذا لم يجمع من الليل هل يصوم ذلك اليوم من التطوع ( ١٦٢/٤ ) . وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الصيام ، باب في صوم يوم عاشوراء (٣٥٤/١). وأخرجه عنه البيهقي في سننه الكبرى في كتاب الصيام ، باب من زعم أن صوم عاشوراء كان واجباً ثم نسخ وجوبه ( ٢٨٨/٤) . راجع في هذا الحديث أيضاً: ((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٣٥٠). وهناك حديث آخر روته الربيع بنت معوذ رضي الله عنها ، أخرجه عنها البخاري في كتاب الصيام ، باب صوم الصبيان (٤٥/٣)، بلفظ: (أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار ، من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه ، ومن أصبح صائماً ، فليصم ... ) الحديث . وأخرجه عنها مسلم في كتاب الصيام ، باب من أكل في عاشوراء، فليكف بقية يومه ( ٧٩٨/٢ ) . وأخرجه عنها البيهقي في ((سننه الكبرى )) في كتاب الصيام ، باب من زعم أن صوم عاشوراء كان واجباً ثم نسخ وجوبه ( ٢٨٨/٤). ٨٢٢ ! زال ، كالحكم المتعلق بالعلة إذا زالت العلة زال الحكم المتعلق بها . واحتج المخالف : بأنه لو نسخ ذلك لكان نسخاً بالقياس على موضع النص ، وهذا لا يجوز بالإجماع . والجواب : أنه ليس بنسخ بالقياس ، وإنما زال الموجب فزال ما تعلق به ، كما زالت العلة فزال الحكم المتعلق بها ، وإنما النسخ بالقياس : أن ينسخ حكم الفرع بعد استقراره بالقياس على أصل شرع بعد استقراره ، وهذا لا يجوز بالإجماع ، فأما إزالته بنسخ أصله ، فليس ينسخ بالقياس . فصل (١) إذا كان الناسخ مع جبريل عليه السلام، ولم يَصِل إلى النبي مع اليه، فإنه ليس بنسخ . وإن وصل إلى النبي معْ لِ ، فهل يكون نسخاً ؟ ظاهر قول أصحابنا : أنه ليس بنسخ إلا عند من بلغه ذلك وعلمه ؛ لأنه أخذ بقصة (٢) قباء، واحتج بها على إثبات خبر الواحد في رواية أبي الحارث والفضل بن زياد . واختلف أصحاب الشافعي : فمنهم من قال : مثل هذا ، ومنهم من (١) راجع هذا الفصل في المسودة ص (٢٢٣)، و((التمهيد في أصول الفقه)) الورقة (١٠١/ب)، و((روضة الناظر)) مع شرحها ((نزهة الخاطر)) (٢٢١/١ - ٢٢٣)، و « شرح الكوكب المنير)) ص (٢٥٥) . (٢) في الأصل : ( بعضه ) . ٨٢٣ قال : يكون نسخاً ، ولا يعتبر علمهم به (١). دليلنا : أن أهل قباء صلوا ركعة إلى بيت المقدس ، ثم استداروا في الصلاة ، ولو كان النسخ ثبت [١٢٠/ب] في حقهم لأمروا بالقضاء ، فلما لم يؤمروا بالقضاء ، دل على أن النسخ لم يكن ثبت في حقهم . ولأن الخطاب لا يتوجه إلى من لا علم له به، كما لا يخاطب النائم والمجنون لعدم علمهما وتمييزهما . ولأنه لا خلاف أنه مأمور بالأمر الأول ، ومتى تركه مع جهله بالناسخ كان عاصياً ، فدل على أن الخطاب باقٍ عليه . واحتج المخالف : بأنه لا يمتنع أن يسقط حكم الخطاب بما لم يعلمه ، ألا ترى أنه إذا وكل في بيع سلعة ، ثم عزل الوكيل ، ولم يَعْلم بعزله انعزل ، وإن باع السلعة بطل بيعه ، كذلك ها هنا . والجواب : أن في تلك المسألة روايتين : إحداهما : لا ينعزل ، ويحكم بصحة بيعه ، وكذلك لو مات الموكل ، فباع ، يصح بيعه ، فعلى هذا لا فرق بينهما (٢). وعلى هذا قال أصحابنا : إذا حلف على زوجته فقال : إن خرجت بغير إذني فأنت طالق ، فأذن لها ، وهي لا تعلم ، وخرجت وقع الطلاق ، (١) هكذا نقل الآمدي عنهم في كتابه: ((الإحكام)) (١٥٣/٣)، واختار القول بالنفي . (٢) هذه الرواية ذكرها ابن قدامة في كتابه ((المغني)) (١٠٢/٥)، عن الامام أحمد ، وعليها يدل ظاهر كلام الخرقي في ((مختصره )) ص (٩٩). ٨٢٤ 1 ولم يكن لذلك الإذن حكم . وفيه رواية أخرى: ينعزل الوكيل وإن لم يَعْلم (١) . فعلى هذا الفرق بينهما : أن أوامر الله تعالى ونواهيه مقرونة بالثواب والعقاب ، فاعتبر فيها علم المأمور [ به ] والمنهي عنه فيها ، وليس كذلك الإذن في التصرف والرجوع فيه ، فإنه لا يتعلق به ثواب ولا عقاب . فصل (٢) في الخبر هل يصح نسخه أم لا ؟ ينظر فيه : فإن كان لا يصح أن يقع إلا على الوجه المخبر به ، فلا يصح نسخه ، كالخبر عن اللّه تعالى بأنه واحد ذو صفات ، والخبر بموسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء أنهم كانوا أنبياء موجودين ، والخبر بخروج الدجال في آخر الزمان ونحو هذا ، فهذا لا يصح نسخه ؛ لأن نسخه والرجوع عنه يفضي إلى الكذب ، وهذا لا يجوز على الله تعالى ، فلم يجز ذلك . وإن كان مما يصح أن يتغير ، ويقع على غير الوجه المخبر عنه ، فإنه يصح نسخه ، كالخبر عن زيد بأنه مؤمن أو كافر ، أو عبد أو فاسق ، فهذا يجوز نسخه ، فإذا أخبر عن زيد بأنه مؤمن ، جاز أن يقول بعد ذلك : هو كافر. وكذلك يجوز أن يقول : الصلاة على المكلف في المستقبل ، (١) هذه الرواية ذكرها أيضاً ابن قدامة في كتابه ((المغني)) (١٠٣/٥) عن الإمام أحمد نصاً ، وذلك من رواية جعفر بن محمد عنه . (٢) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (١٩٦)، فإنه نقل عن المؤلف من كتابه ((العدة))، وذكر جملة من كلام المؤلف هنا، وراجع أيضاً: (( شرح الكوكب المنير)) ص (٢٥٧ - ٢٦٠). ٨٢٥ ثم يقول بعد مدة : ليس على المكلف فعل الصلاة ؛ لأن نسخ ذلك لا يفضي إلى الكذب في الخبر ؛ لأنه يجوز أن تتغير صفته من حال إلى حال ، كما يجوز أن يتغير حكم المكلف عن العبادة من زمان إلى زمان . فصل (١) في الإجماع لا يصح نسخه ؛ لأنه (٢) حجة : انعقدت بعد انقطاع علم الوحي ؛ لأنه ينعقد بعد وفاة النبي التٍّ ، وقد انقطع الوحي بعد وفاته . وإذا لم يصح نسخه لم ينسخ به أيضاً ؛ لأن الناسخ هو الوحي ، والوحي قد انقطع ، فلا نسخ بغيره . فإن قيل : أليس اذا وجدتم خبر الواحد تركتموه بالإجماع ؟ قيل : يترك بالإجماع ، [١٢١/أ] ولا ينسخه به، بل يستدل بالإجماع على نسخه؛ لأنه لو كان الخبر صحيحاً لم يخرج عن الأمة؛ لأن الأمة ضبطوا الأخبار ، فإذا رأينا خبراً يخالف ما اجماعهم عليه ، استدللنا بإجماعهم على نسخه . فإن قيل : أليس إذا كانت الصحابة على قولين ، ساغ الأخذ بكل واحد منهما ، فإذا أجمع التابعون على أحد القولين بدل القول الآخر ، فقد نسختم بالإجماع . قيل : لا يزول القول الآخر بإجماع التابعين ؛ لأن التابعين لو أدركوا (١) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (٢٢٤)، و((التمهيد في أصول الفقه)) الورقة (١٠٠)، و((روضة الناظر)) مع شرحها ((نزهة الخاطر)) (٢٢٩/١ - ٢٣٠)، و (( شرح الكوكب المنير)) ص (٢٦٦). (٢) في الأصل: (لأنها). ٨٢٦ كلهم عصر الصحابة ، وكانوا مع أحد القولين لم يزل الأخذ ، فبأن لا يزول بإجماعهم بعد انقراض الصحابة أولى . وإن قلنا : يزول أحد القولين ، لم يكن نسخاً بالإجماع ، لكنا نقول : إنما ساغ العمل بكل واحد منهما بشرط أن لا يكون مانع منه ، فإذا وجد ما يمنع منه ، لم يسغ العمل به ، كما نقول : يجوز الاجتهاد والعمل به ما لم يعلم النص ، فإذا علم زال الاجتهاد لوجود النص ، لا أنه نسخ الاجتهاد ، كذلك ها هنا . فصل (١) فأما القياس فلا ينسخ ؛ لأنه يستنبط من أصل ، فلا يصح نسخه مع بقاء الأصل المستنبط منه ، والأصل باقٍ ، فكان القياس باقياً ببقائه . وإذا لم يصح نسخه لم ينسخ به أيضاً ؛ لأنه إنما يصح ما لم يعارضه أصل ، فإن عارضه أصل سقط في نفسه ، فبطل أن ينسخ الأصل به مثل أن يقول : علة الربا في البر: مكيل جنس، فإن وجد خبر عن النبي مع المه في جواز التفاضل في الأرز ، سقط القياس . ولأن القياس دليل محتمل ، وليس بالقوى الذي يقع به النسخ . فصل (٢) وأما دليل الخطاب وما في معناه من التنبيه ، نحو قوله : ( فَلاَ تَقُل (١) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (٢٢٥)، و ((التمهيد في أصول الفقه)) الورقة (١٠٠/ب - ١٠١/أ)، و ((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٦٧). (٢) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (٢٢٢)، و ((التمهيد في أصول الفقه)) الورقة (١٠١/أ)، و((شرح الكوكب المنير)) ض (٢٦٨). ٨٢٧ لَهُمَا أَفّ ) (١)، فإنه ينسخ وينسخ به. وهو قول المتكلمين. خلافاً لأصحاب الشافعي ، فيما حكاه الإسفراييني (٢) : أنه لا ينسخ ولا ينسخ به (٣) . دليلنا : أن المنع من الضرر ثبت نطقاً لا قياساً ، فصح نسخه ، والدليل على ثبوته نطقاً : أنهم قالوا : هذا مفهوم الخطاب وفحواه وتنبيهه . ولأن ما ثبت باللفظ ليس من شرطه أن توجد صيغة اللفظ فيه ، ألا ترى أنه لو قال : اقتلوا أهل الذمة ؛ لأنهم كفار ، جاز قتل عبدة الأوثان بهذا اللفظ ، وإن لم يتناولهم اللفظ من طريق الصيغة ، لكن من طريق العلة والتنبيه ، كذلك ها هنا . ولأن القياس : ما يختص بفهم أهل النقل والاستدلال ، وما دل عليه فحوى الخطاب ، فإنه يستوي فيه العالم والعامي . ٠١ (١) (٢٣) سورة الاسراء. (٢) في الأصل: (الاسفراينين)، والصواب ما أثبتناه؛ لأنه نسبة إلى ((اسفراين)). وفي ((المسودة)) ص (٢٢٢). ((الاسفرائيني)) بالهمزة بعدها ((ياء))؛ لأنه نقل كلام المؤلف من أول الفصل إلى هنا ، ونسبه إليه . والإسفراييني : هو : إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران ، أبو إسحاق الإسفراييني، نسبة إلى ((اسفراين)) بُلَيْدة بنواحي نيسابور، على منتصف الطريق إلى جرجان ، كما قال صاحب اللباب ، والاسفراييني أحد العلماء المشهورين أصولاً وفروعاً. له كتب، منها: ((تعليقة في أصول الفقه))، و ((الجامع في أصول الدين والرد على الملحدين)). مات بنيسابور سنة (٤١٨هـ). له ترجمة في: ((البداية والنهاية)) (٢٤/١٢)، و((شذرات الذهب)) (٢٠٩/٣) ، و ((طبقات الشافعية)) للسبكي (٢٥٦/٤)، و((طبقات الشافعية)) للاسنوي (١/ ٥٩)، و ((اللباب)) (٥٥/١)، و((وفيات الأعيان)) (٨/١). (٣) فصل القول في ذلك الآمدي في كتابه: ((الإحكام)) (١٥٠/٥٣). ٨٢٨ ١ فإن قيل : ما ثبت نطقاً ؛ لأنا لا ننطق بالمنع من الضرب، ولا سمع منه صيغة الضرب ، وإنما عرف ذلك من معنى النطق ، ومعنى النطق هو نفس القياس . قيل : قد بينا أنه ثبت بالنطق من الوجه الذي بينا ، وهو أنه يضاف [١٢١/ب] إلى اللفظ . ولأن الصيغة غير معتبرة من الوجه الذي بينا . وقد استوفينا الكلام في هذه المسألة في باب القياس ، وذكرنا أن الحكم الثابت من طريق التنبيه ، لا يسمى قياساً ، وإنما هو مفهوم الخطاب وفحواه . فصل (١) مما يعلم به النسخ ويعلم بثلاثة أشياء : أحدها : النطق كقوله تعالى: ( الْآنَ خَفّفَ اللّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ) (٢) فنسخ عنهم أن يصابر كل واحد عشرة إلى أن يصابر اثنين نطقاً . وهكذا قال تعالى: ( عَلِمَّ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَّفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ (١) راجع في هذا الفصل: ((التمهيد في أصول الفقه)) الورقة (١٠٣/ب - ١٠٤/أ) ، و ((روضة الناظر)) مع شرحها ((نزهة الخاطر)) (٢٣٤/١ - ٢٣٥)، و«شرح الكوكب المنير )) ص (٢٦٥) . (٢) (٦٦) سورة الأنفال. ٨٢٩ وَأَبْتَغُوا مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيْنَ لَكُمّ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) (١)، فكان الأكل والشرب محرماً عليهم بغير القرآن ، فنسخ عنهم (٢) بالقرآن . وهكذا قول النبي مع القيم: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها ) و ( كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروا ) فنسخ ذلك نطقاً . وقد نص أحمد رحمه الله على هذا في رواية الحسن بن علي بن الحسن الإسكافي (٣)، وقد سئل هل في الحديث ناسخ ومنسوخ ؟ فقال: نعم، مثل لحوم الأضاحي وما أشبهه . الثاني : أن يرد خبران متعارضان ، ويعلم أن أحدهما يغير الآخر ، مثل أن يقول : لا تزوروا القبور ، ثم ثبت أنه قال بعد ذلك : زوروها ، فيعلم بأن المتأخر عن الأول ناسخ للأول . وكقوله القلم: ( كنت رخصت لكم في جلود الميتة ، فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ) (٤)؛ لأن النسخ باللفظ لا يعلم بأنه بعد الأول . (١) (١٨٧) سورة البقرة . (٢) في الأصل : ( عليهم ) . (٣) أبو علي. من أصحاب الامام أحمد. ذكره ابو بكر الخلال ، فقال : جليل القدر ، عنده عن أبي عبد اللّه مسائل صالحة حسان كبار ، أغرب فيها على أصحابه . له ترجمة في: ((الإنصاف)) للمرداوي (٢٨٥/١٢)، و((طبقات الحنابلة)) (١٣٦/١ - ١٣٧ ) . (٤) هذا الحديث أورد المصنف منه جزءاً بلفظ: ( أن لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب ) . ٨٣٠ وهذا قد نزل متأخراً في التلاوة متقدماً في التنزيل ، كقوله : (لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ ) (١)، هذا منسوخ بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النّبِيُّ إنّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ) (٢) الآية، والناسخ متقدم في التلاوة ومتأخر في التنزيل . وهكذا كانت العدة حولاً ، فنسخت بأربعة أشهر وعشر ، وكان الناسخ متقدماً في التلاوة ، والمنسوخ متأخراً ، وهو قوله : ( وَالّذِينَ يُتَوَفّونَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) (٣)، نسخ بها قوله تعالى: (وَصِّةً لِأَزْوَاجِهِم مَتَاعاً إلى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ) (٤) وهذا متأخر في التلاوة . وقد نص أحمد رحمه الله على هذا في رواية عبد الله : تستعمل الأخبار حتى تأتي دلالة بأن الخبر قبل الخبر ، فيكون الأخير أولى أن يؤخذ به . والثالث : أن يرى خبر الواحد يخالف الإجماع ، فيستدل بالإجماع على نسخه ، لا أن الإجماع نسخه . وإذا ثبت أن العلم بالمتأخر يقع به النسخ ، فالمتأخر يعلم بأحد أسباب ثلاثة : أحدها : النطق ، كقوله : ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها ) ، ( كنت رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا ) ، هذا عرف المتأخر منه لفظاً . (١) (٥٢) سورة الأحزاب. (٢) (٥٠) سورة الأحزاب . (٣) (٢٣٤) سورة البقرة . (٤) (٢٤٠) سورة البقرة . ٨٣١ الثاني : أن يخبر الصحابي أن هذه الآية نزلت بعد آية ، فيصير إليه [١٢٢/أ] ، وينسخ بخبره . الثالث : أن ينقل الراوي خبراً ، ثم ينقل غيره ضده ، فيعلم أن الأول مات قبل إسلام الراوي الثاني ، فإن نقل الثاني يعلم أنه متأخر عن الأول ، وذلك في مس الذكر، روى طَلْق بن علي (١) عن النبي صَلَعِ: ( لا وضوء من مسه) (٢)، وروى أبو هريرة رضي الله عنه: (وجوب الوضوء (١) هو طلق بن علي بن طلق بن عمرو السحيمي الحنفي اليمامي ، أبو علي صحابي جلیل . روی عنه ابنه قیس ، وعبد الرحمن بن علي بن شيبان . له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (٧٧٦/٢)، و((الإصابة)) القسم الثالث ص (٥٣٨) طبعة دار نهضة مصر، و ((خلاصة تذهيب الكمال )) ص (١٨١). (٢) حديث طلق - رضي الله عنه - هذا أخرجه عنه أبو داود في كتاب الطهارة ، باب الرخصة في ذلك، أي: في ترك الوضوء من مس الذكر (٤١/١) بلفظ: ( ... هل هو إلا بِضْعَة منه ، أو قال : بضعة منه) . وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الطهارة ، باب ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر (١٣١/١)، وقال فيه: ((هذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب)). وأخرجه عنه النسائي في كتاب الطهارة ، باب ترك الوضوء من ذلك (٨٤/١ ). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة ، باب الرخصة في ذلك أي : في ترك الوضوء من مس الذكر ( ١٦٣/١) . وأخرجه عنه البيهقي في ((سننه الكبرى)) في كتاب الطهارة ، باب ترك الوضوء من مس الفرج بظهر الكف ( ١٣٤/١ ). وأخرجه عنه الطيالسي في كتاب الطهارة ، باب نواقض الوضوء (٥٧/١). وأخرجه عنه الإمام أحمد، كما في (( الفتح الرباني)) في كتاب الطهارة ، باب حجة من رأى عدم نقض الوضوء بمس الذكر (٨٨/٢ -٨٩). وأخرجه عنه الطحاوي في كتابه: ((شرح معاني الآثار))، في كتاب الطهارة ، باب مس الفرج هل يجب فيه الوضوء أو لا؟ (٧٥/١ - ٧٦). ٨٣٢ ١ من مسه ) (١)، وكان خبر أبي هريرة متأخراً ؛ لأن أبا هريرة أسلم وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الطهارة ، باب ما روي في لمس القبل والدبر = والذكر ، والحكم في ذلك (١٤٩/١ - ١٥٠ ). وحديث طلق هذا قد جاء من عدة طرق تكلم عنها الزيلعي في ((نصب الراية)) (٦٠/١ - ٦٩)، وأحسن طرقه طريق ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر ، عن قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد صححه ابن حبان والطبراني وابن حزم . وقال فيه الطحاوي في المرجع السابق : ( فحديث ملازم ، صحيح مستقيم الإسناد ، غير مضطرب في إسناده ، ولا في متنه ، فهو أولى - عندنا - مما روينا أولاً من الآثار المضطربة في أسانيدها ) . وقال ابن المديني : هو - عندنا - أحسن من حديث بسرة . وضعف الحديث الإمامُ الشافعي ، فقد نقل عنه البيهقي في المرجع السابق قوله : (( سألنا عن قيس ، فلم نجد من يعرفه ، بم يكون لنا قبول خبره ؟ ، وقد عارضه من وصفنا ثقته ، ورجاحته في الحديث ، وتثبته )) . كما ضعفه البيهقي ، وأبو حاتم ، والدارقطني ، وأبو زرعة ، وابن الجوزي . والحقيقة : أن في الحديث كلاماً كثيراً، ولولا خشية الإطالة لبسطنا ذلك ، ولكن نكتفي بالإشارة إلى المراجع لمن أراد الاستزادة ، وهي - بالاضافة إلى ما سبق - : ((تلخيص الحبير)) (١٢٥/١)، والتعليق على ((نصب الراية)) (٦٣/١ - ٦٩). فإنه وفّى البحث حقه، و((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٥٥ - ٥٦)، و «الفتح الرباني)) (٨٨/٢ - ٨٩). (١) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده كما في ((الفتح الرباني))، في كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الفرج (٨٥/٢ - ٨٦) ولفظه: (عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ومن أفضى بيده إلى ذكره ، ليس دونه ستر ، فقد وجب عليه الوضوء))) . وأخرجه عنه الإمام الشافعي ، في كتاب الطهارة ، باب ما جاء في نواقض الوضوء (٣٤/١ ) . وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الطهارة، باب ما روي في لمس القبل والدبر = ٨٣٣ العدة في أصول الفقه - ٥٣ بعد وفاة طَلْق بن علي، وقبل وفاة النبي مْ القلم بأربع سنين (١). والذكر ، والحكم في ذلك (١٤٧/١ ). = وأخرجه عنه البيهقي في كتاب الطهارة ، باب الوضوء من مسّ الذكر (١٣٠/١ - ١٣١)، ولفظه: (من مسَّ ذكره فعليه الوضوء). وأخرجه عنه الحاكم في (( المستدرك)) في كتاب الطهارة ، باب الوضوء من مس الذكر (١٣٨/١)، وقال: ((حديث صحيح)). وأخرجه عنه ابن حبان في ((صحيحه ))، وقال : (( هذا حديث صحيح سنده ، عدولٌ نقلتُه)). كما صححه ابن عبد البر، وقال ابن السكن: ((هو أجود ما روي في الباب)) . انظر : تلخيص الحبير ( ١٢٦/١ ). وذكر الزيلعي في ((نصب الراية)) (٥٦/١) أن البيهقي أخرجه من طريق البخاري موقوفاً على أبي هريرة، كما ذكر عن الذهبي قوله في ((مختصره )): إن البخاري أخر جه في تاريخه موقوفاً (١) والعلماء في هذه المسألة فريقان : فريق ذهب إلى القول بأن مسّ الفرج ينقض الوضوء ، مستدلين بحديث أبي هريرة هذا ، وبحديث بُسْرة بنت صفوان رضي الله عنهما . وأجابوا عن حديث طلق بجوابين : الأول : أنه منسوخ بالأحاديث التي دلت على نقض الوضوء من مسّ الفرج ، وبخاصة حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه، كما بين المؤلف . الثاني : أن حديث طلق بن علي ضعيف ، لا ينهض المعارضة الأحاديث الأخرى المعارضة . وفريق ذهب إلى القول بأن مسّ الفرج لا ينقض الوضوء. وأجابوا عن حديث أبي هريرة وأمثاله ، بأنها أحاديث ضعيفة ، لا تنهض لمعارضة حديث طلق بن علي رضي الله عنه . ونختم هذا البحث بكلمة للشيخ عبد الحي اللكنوي - كما جاءت في هامش ((التلخيص)) (١٢٥/١) وهي: ( والإنصاف في هذا المبحث: أنه إن اختير طريق النسخ ، = ٨٣٤ ٠ فصل (١) والنسخ إنما يقع مع التعارض ، وهو : أن يعارض الناسخ المنسوخ ، فأما إذا ورد شرعان لا يتعارضان ، فلا ينسخ أحدهما الآخر . وقول من يقول : إن صوم رمضان نسخ صوم عاشوراء ، لا يصح ؛ لأن فرض رمضان لا ينافي صوم عاشوراء ، وإنما وافق نسخ عاشوراء فرض رمضان ، فقال الناس : نسخ به ، وليس كذلك ، بل ينسخ مع فرضه لا به . فصل (٢) إذا قال الصحابي : هذه الآية منسوخة ، فإنا لا نصير إلى قوله حتى يخبر بماذا نسخت . أومأ إليه في رواية صالح فقال : هذا ما خرَّجه أبي في الحبس فقال في أوله : بعث نبيه ، وأنزل عليه كتابه ، وجعل رسوله الدال على ما أراد من باطنه وظاهره ، وخاصه وعامه ، وناسخه ومنسوخه . وهذا يدل على أنه مخصوص بذلك . ثم ذكر بعد ذلك بأوراق قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ فالظاهر انتساخ حديث طلق ، لا العكس ، وإن اختير طريق الترجيح ، ففي = أحاديث النقض كثرة وقوة ، وان اختير طريق الجمع ، فالأولى أن يحمل الأمر على العزيمة وعدم النقض على الضرورة ) . راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (٢٢٩). (٢) نقل في المسودة ص (٢٣٠ - ٢٣١) عن الباجي في المسألة هذه ثلاثة أقوال : (١) أحدها : الذي ذكره المؤلف . ثانيها : أنه ان ذكر الناسخ لم يقع به نسخ ، وان لم يذكره وقع . ثالثها : يقع النسخ به على كل حال . ٨٣٥ وَيَتَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَةً لِأَزْوَاجِهِم مَتَاعاً إلى الْحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ ) (١)، فمن دل على أنها منسوخة غيرهم . وإنما أراد بذلك الصحابةَ ، وظاهر هذا أنه يصار إلى قوله . وذكر بعد ذلك بأوراق قوله تعالى: ( وَعَلَىَ الَّذِينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَةٌ) (٢) قال ابن عباس: الفديةُ ولا قضاء عليه (٣). وقال علقمة (٤) وعبيدة (٥) : نسختها الآية التي بعدها (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (٦). وظاهر هذا أنه صار إلى قول التابعين ، ثم قال : لا يصير إلى قوله . وهو قول أصحاب أبي حنيفة والشافعي ، لئلا تناول نسخها بما لا (١) (٢٤٠) سورة البقرة . (٢) (١٨٤) سورة البقرة . (٣) سبق الكلام على تفسير هذه الآية ص (٧٨٣) . (٤) هو : علقمة بن قيس بن عبد الله أبو شبل النخعي الكوفي . أحد أعلام التابعين . روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم . وعنه الشعبي وإبراهيم النخعي وآخرون . كان من أعلم الناس بابن مسعود وأشبههم به . ولد في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ومات سنة ( ٦٢ هـ) . له ترجمة في: ((خلاصة تذهيب الكمال)) ص (٢٧١) طبعة بولاق، و ((شذرات الذهب)) (٧٠/١)، و((غاية النهاية في طبقات القراء)) (٥١٦/١). (٥) هو : عبيدة بن عمرو ، ويقال : ابن قيس ، أبو مسلم ، وقيل : أبو عمرو الكوفي ، أحد التابعين . أسلم في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يره . روى عن علي وابن مسعود وغيرهما . وعنه الشعبي والنخعي وغيرهما . كان فقيهاً عالماً . مات سنة ( ٧٢ هـ) . له ترجمة في: ((خلاصة تذهيب الكمال)) ص (٢٥٦) طبعة بولاق، و ((شذرات الذهب)) (٧٨/١)، و((غاية النهاية في طبقات القراء)) (٤٩٨/١). (٦) (١٨٥) سورة البقرة . ٨٣٦ ! 1 يجوز نسخُها به كأخبار التواتر . وقد بينًا أن نسخ القرآن بالسنة لا يجوز ، ولأن أكثر أحواله أن ينقل خبراً من جهته ، فلا ينسخ به القرآن . فأما خبر الواحد إذا أخبر به صحابي ، وزعم أنه منسوخ ، فإن على قول من يجوز للراوي نقل معنى الأخبار ، يجب أن يثبت به النسخ ؛ لأن ظاهر كلامه أنه معنى كلام رسول اللّه مع القرٍ في النسخ ؛ لامتناع أن يحمل قوله على غير جهته . وأما على قول من يعتبر اللفظ ، فلا ينسخ به ؛ لجواز أن يكون ما سمعه ظن أنه ناسخ ، ولو أظهره لم يكن ناسخاً عندنا . ويفارق هذا إذا روى الصحابي خبراً وفسره ، قبلنا تفسيره ، لأنا إنما نقبل تفسيره في الخبر المحتمل ، على ما تقدم بيانه ، فجعلنا تفسيره ، لمشاهدة التنزيل وحضور التأويل [١٢٢/ب] [ و] ها هنا اللفظ المنسوخ غير محتمل . فصل (١) نسخ بعض العبادة لا يوجب نسخ الباقي وحكي عن بعض الشافعية أن المنقوص إذا لم يكن ثابتاً على الوجه الذي كان ثابتاً عليه في الابتداء ، فإن نقصانه يوجب نسخ جميعه ، كنسخ التوجه نسخ (٢) لجميع الصلاة (٣). (١) راجع في هذا الفصل: ((المسودة)) ص (٢١٢)، و(( التمهيد في أصول الفقه)) الورقة (١٠٣/ب)، و((روضة الناظر)) مع شرحها ((نزهة الخاطر)) (٢١٤/١ - ٢١٥)، و((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٧٠). (٢) في الأصل : (ينسخ ) . (٣) راجع في تفصيل رأي الشافعية في هذه المسألة: ((المستصفى)) (١١٦/١)، = ٨٣٧ دليلنا : أن اللّه تعالى لما نسخ التوجه إلى بيت المقدس ، لم يوجب ذلك نسخ أو صاف الصلاة ، فوجب أن يكون على ما كان عليه ، وجرى مجرى نسخ منها ، كالطهارة والستارة . ولأن النسخ جارٍ مجرى التخصيص في باب كون كل واحد منهما رافعاً لبعض ما تناوله اللفظ ، وكان تخصيص بعض ما تضمنه العموم لا يوجب سقوط جميعه ، كذلك نسخ بعضه لا يوجب نسخ جميعه . فصل يجوز النسخ بأفعال النبي چٹ وقد أومأ إليه أحمد رحمه اللّه في التخصيص للعموم بأفعاله . خلافاً لأبي الحسن التميمي من أصحابنا قال : لا يجوز ، بناه على أن أفعاله لا تدل على الوجوب . وذكر هذا في أوراق وقعت إليّ فيها النسخ بأفعاله ، والتخصيص بأفعاله ، وأجاز التخصيص بأفعاله . والدلالة عليه : أن النبي عَ الفمٍ وأمته في أحكام الشرع سواء ، إلا ما دل عليه دليل التخصيص . ن = و((الإحكام)) للآمدي (١٦٢/٣). ٨٣٨ باب الأخبار (١) حقيقة الخبر : ما دخله الصدق أو الكذب ، كقوله : رأيت زيداً ، وضربت عمراً ، يحتمل أن يكون صادقاً ، ويحتمل أن يكون كاذباً . وقد يدخل في معنى الخبر ما ليس بخبر ، كالإيماء والإشارة ، مثل أن يقال ((: أَمَرَّ بك العسكر))؟، فيومىء برأسه، أو يشير بيده ((لا))، أو (( نعم))، فيحتمل الصدق أو الكذب ، وليس بخبر ؛ لأن حقيقة الخبر ما كان لفظاً أو نطقاً . وليس يعرف كون الخبر صدقاً أو كذباً من نفس الأخبار ، وإنما يعلم بدليل غيره أنه صدق أو كذب ، لا نفس الأخبار ، فلهذا المعنى جاء الطلب والاستخبار والتمني خارجاً من هذا الحد لكونهما مما لا يصح فيهما الصدق أو الكذب . ولا يجوز أن يقال : حد الخبر : ما صح أن يدخله الصدق فقط ؛ لأن (١) راجع هذا الباب في ((المسودة)) ص (٢٣٢ - ٣١٤)، و(( التمهيد في أصول الفقه)) الورقة (١٠٦/ب - ١٣١/أ)، و((روضة الناظر)) مع شرحها ((نزهة الخاطر)) (٢٣٦/١ - ٣٣١)، و((شرح الكوكب المنير)) ص (٢١٠ - ٢٢٤)، (٢٤٦ - ٣١٨) من الملحق . ٨٣٩ الإخبار عن الحال خبر ، وإن لم يجرِ فيه الصدق . ولا يحد بأنه : ما صح فيه الكذب فقط ؛ لأن الخبر عن الواجب خبر ، وان لم يدخله الكذب . ولا يجمع أيضاً بين الأمرين لامتناع جوازهما في أخبار الله تعالى وأخبار رسوله، وإن كان [١٢٣/أ] خبر صدق لا يجوز أن يكون إلا على صفة واحدة . ومن الناس من قال : هذا الحد على ما كانت تعرفه العرب من الأخبار ، ولا يدخل في ذلك أخبار اللّه تعالى وأخبار رسوله صلى الله عليه [ وسلم ]. مسألة (١) للخبر صيغة تدل بمجردها على كونه خبراً كالأمر ، ولا يفتقر إلى قرينة يكون بها خبراً ، وهو قول القائل : قام زيد ، وزيد قام ، وضرب زيد ، وزيد ضارب . وقالت المعتزلة : لا صيغة له ، وإنما يدل اللفظ عليه بقرينة ، وهو قصد المخبر إلى الإخبار ، كقولهم في الأمر (٢). وقالت الأشعرية : الخبر نوع من الكلام ، وهو معنى قائم في النفس يعبر عنه بعبارة تدل تلك العبارة على الخبر لا بنفسها ، كما قالوا في الأمر والنهي ، والكلام في هذه كالكلام في تلك المسألة (٣). (١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٢٣٢)، و (( شرح الكوكب المنير )) ص (٢٤٨ - ٢٤٩) من الملحق . (٢) انظر: ((المعتمد في أصول الفقه)) لأبي الحسين البصري (٥٤١/٢ - ٥٤٢). (٣) سبق للمؤلف الكلام على هذه المسألة ص (٢١٤). ٨٤٠