النص المفهرس

صفحات 801-820

مسألة (١)
فأما نسخ القرآن بالسنة من جهة العقل ، فلا يمتنع جوازه .
واختلف أصحاب الشافعي: [١١٦/أ] فمنهم من أجاز ذلك عقلاً.
ومنهم من منعه ، وقال : لا يجوز عقلاً ولا شرعاً .
فالوجه في جوازه عقلاً :
أن النسخ تعريف بقضاء مدة العبادة وإعلام سقوط مثل ما كان واجباً
بالمنسوخ ، وارتفاعه فيما يستقبل من الزمان ، والمعرفة بذلك تقع بالسنة
كما تقع بالقرآن .
والوجه لمن منع من ذلك :
أنه يؤدي إلى الارتياب بالنبي عت له، يدل عليه قوله تعالى: ( وَإِذَا
بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إنّمَا أَنْتَ
مُفْتَرٍ ) (٢) فلما كان نسخ القرآن بالسنة يزيد في ارتيابهم بالنبي عَ لٍّ،
لم يجز نسخه ، بل ينسخ بقرآن مثله ؛ ليكون أقطع لشكوكهم ، وأشد
إبطالاً لدعاويهم .
والجواب : أن المشركين كانوا ينسبون النبي ع التهم إلى الافتراء إذا
بدلت آية بآية مكانها ، وهكذا حكى اللّه عنهم ، فلو كان فعلهم ذلك مانعاً
من جواز نسخ القرآن بالسنة ، لمنع أيضاً من جواز نسخ القرآن بالقرآن .
(١) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (٢٠٢)، و ((التمهيد في أصول الفقه))
الورقة (٩٧/ب - ١٠٠/أ)، و((روضة الناظر)) مع شرحها: ((نزهة الخاطر))
(٢٢٤/١ -٢٢٧)، و((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٦٤).
(٢) (١٠١) سورة النحل .
راجع في تفسير هذه الآية: ((تفسير الطبري)) (١٧٦/١٤) طبعة الحلبي .
٨٠١
العدة في أصول الفقه - ٥١

مسألة(١)
يجوز نسخ السنة بالقرآن
أومأ إليه أحمد رحمه اللّه فقال عبد الله: سألت أبي عن رجل أخذ منه
الكفار عهد الله وميثاقه أن يرجع إليهم، قال فيه : خلاف ، قلت لأبي :
حديث أبي جندل ، قال : ذلك صالح على أن يردوا من جاءهم مسلماً (٢) ،
فرد النبي صَ الِ الرجال، ومنع النساء، ونزل فيهم: (فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ
مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ) (٣) . وظاهر هذا أنه أثبت
نسخ السنةَ (٤) بقرآن .
وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة (٥) .
وللشافعي قولان : أحدهما مثل هذا ، والثاني : لا يجوز نسخ السنة
بالقرآن (٦).
(١) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (٢٠٥)، و (( شرح الكوكب المنير)) ص
(٢٦٤)، و((روضة الناظر)) مع شرحها: ((نزهة الخاطر)) (٢٢٣/١ -٢٢٧).
(٢) في الأصل : ( سلماً ) .
(٣) (١٠) سورة الممتحنة .
وراجع تفسيرها في: ((تفسير الطبري)) (٦٩/٢٨) طبعة الحلبي .
(٤) في الأصل : ( النسخ القضية ).
(٥) راجع في هذا: ((تيسير التحرير)) (٢٠٢/٣)، و ((مسلم الثبوت )) مع شرحه
((فواتح الرحموت)) (٧٨/٢) .
(٦) اختار الإمام الغزالي القول بالجواز، كما في كتابه ((المستصفى)) (١٢٤/١) ،
وذكر الجلال المحلى في ((شرحه على جمع الجوامع)) (٨٠/٢) أن بعض الأصحاب
حكى عن الإمام الشافعي القول بالمنع جزماً . وبعضهم حكى عنه القولين .
٨٠٢
!

دليلنا :
قوله تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ (١) الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلّ
شَيْءٍ ) (٢) والنسخ تبيان مدة الحكم، فوجب (٣) أن يجوز بالكتاب .
ولأن الكتاب أقوى من السنة ، فإن السنة فيها ما يوجب العلم والعمل ،
وفيها ما يوجب العمل دون العلم ، والكتاب كله يوجب العلم .
ولأن في الكتاب إعجازاً ، وليس في السنة إعجاز ، فإذا جاز نسخ
السنة بسنة مثلها ، فبأن يجوز نسخها بما هو أقوى منها أولى . ألا ترى
أنه لما جاز نسخ خبر الواحد بخبر الواحد ، كان جواز نسخه بالمتواتر
أولى .
ولأن القرآن ثابت بوحي من عند الله تعالى ، كما أن السنة التي بوحي
ثابتة من قبله ، فإذا كان كذلك ، وجاز نسخ السنة بسنة مثلها ، وجب أن
يجوز بالقرآن .
وأيضاً : فإنه قد وجد نسخ السنة بالقرآن في مواضع :
من ذلك : أن النبي صَلْمِ [١١٦/ب] صالح من شاء عام الحديبية، على
أن يرد إليهم من جاءه منهم من المسلمين ، وجاءه أبو بصير (٤) وأبو
(١) في الأصل: ( اليك ).
(٢) (٨٩) سورة النحل .
(٣) في الأصل ( وجب ) بدون الفاء.
وراجع في تفسير هذه الآية (( تفسير الطبري)) (١٦١/١٤) طبعة الحلبي .
(٤) هو : عتبة بن أسيد بن جارية بن أسيد .. أبو بصير الثقفي . اشتهر بكنيته ورد
ذكره في قصة صلح الحديبية . وقد مات بعد ذلك بقليل ؛ لأن الرسول صلى الله
عليه وسلم رده لما جاءه مسلماً ، وذلك حسب شروط صلح الحديبية ، فخرج هو
وأبو جندل إلى الساحل، وكانوا يتعرضون لعير قريش وغيرها. فأرسلت قريش=
٨٠٣

جندل ، فردهما (١) ، ثم جاءت امرأة مهاجرة ، فمنع الله تعالى من ردها ،
ونسخ ذلك بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَ كُم الْمُؤْمِنَاتُ
مُهَاجِرَاتٍ ) إلى قوله: ( فَلاَ تَرْجِعُوهُنّ إلى الْكُفَّارِ ) (٢)، وهذا
نسخ سنة بقرآن (٣).
وكذلك أخر النبي عَ الرِ الصلاة يوم الخندق الظهر والعصر والمغرب حتى
بعد المغرب بهوي (٤) من الليل ، فصلاها (٥) ، ثم نسخ تأخيرها بالقرآن ،
وهو قوله: (فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً ) (٦)، وقوله:
( فَإِذَاكُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ) (٧).
= إلى النبي صلى الله عليه وسلم ترجوه أن يضمهم إليه في المدينة، فكتب إليهما ولكن
وصل الكتاب وأبو بصير يحتضر فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في
يده ، فصلى عليه أبو جندل ، ودفنه في مكانه .
له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٦١٢/٤)، و((الإصابة)) (٢١٣/٢).
(١) قصة صلح الحديبية . وما جرى لأبي جندل وأبي بصير أخرجهما البخاري في
كتاب المغازي ، باب غزوة الحديبية ( ١٦٢/٥ ).
(٢) (١٠) سورة الممتحنة .
(٣) راجع تفسيرها في ((تفسير الطبري)) (٦٩/٢٨) طبعة الحلبي .
(٤) الهَويّ بفتح الهاء وكسر الواو بعدهما ياء مشددة : السقوط من أعلى إلى أسفل .
والمراد هنا: ذهاب جزء من الليل. انظر ((المصباح المنير)) مادة ( هوى ).
(٥) هذا الحديث رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه. أخرجه عنه النسائي في كتاب
الأذان ، باب الأذان للفائت من الصلوات (١٥/٢ ) .
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الصلاة ، باب الحبس عن الصلاة (٢٩٦/١).
وأخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده (٢٥/٣).
وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب الصلاة، باب قضاء الفوائت (٥٥/١ ).
(٦) (٢٣٩) سورة البقرة. راجع تفسيرها في: ((تفسير الطبري)) (٥٧٢/٢)، طبعة الحلبي.
(٧) (١٠٢) سورة النساء. راجع تفسيرها في ((تفسير الطبري)) (٢٥٠/٥)، طبعة الحلبي.
٨٠٤

ومن ذلك نسخ القبلة ، وذلك أن النبي عتاقيٍ لما قدم المدينة صلى ستة
عشر شهراً إلى بيت المقدس ، ثم نسخ اللّه ذلك بقوله: ( فَوَلٌّ وَجْهَكَ
شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) (١)، ومعلوم أن صلاة النبي مَ لٍ إلى بيت
المقدس لم يكن ثابتاً بقرآن ، وقد نسخ بالقرآن .
ومن ذلك ما روي أن النبي مع له صلى على عبد الله بن أبي بن سلول (٢)
المنافق (٣) ، ثم أنزل الله تعالى: (وَلاَ تُصَلِّ عَلىَ أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ
(١) (١٤٤) سورة البقرة.
(٢) وقد توفي في شهر ذي القعدة من السنة التاسعة للهجرة . كما نقل ذلك ابن كثير عن
ابن إسحاق في كتابه (« البداية والنهاية)) (٣٤/٥). طبعة مكتبة المعارف ببيروت .
(٣) قصة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي بن سلول المنافق واعتراض
عمر رضي الله عنه على هذه الصلاة ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر:
((أخر عني يا عمر، إني خيرت، فاخترت، قد قيل لي (( استغفر لهم)) الآية ،
لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له، لزدت)) ، قال : ثم صلى عليه ، ومشى
معه ، وقام على قبره ، حتى فرغ منه ، قال : فعجبت من جرأتي على رسول الله
صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم. قال: فوالله ما كان إلا يسيراً ، حتى
نزلت هاتان الآيتان : ( وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُم مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ
عَلَى قَبْرِهِ ) الآية ، فما صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على منافق ، ولا
قام على قبره حتى قبضه الله عز وجل .
هذه القصة أخرجها البخاري عن عمر رضي الله عنه في كتاب التفسير ، باب :
سورة التوبة (٨٥/٦ - ٨٦ ) .
وأخرجها عنه الترمذي في كتاب التفسير ، باب : ومن سورة براءة ( ٢٧٩/٥ )
وقال فيه : ( حديث حسن صحيح غريب ) .
وأخرجها عنه النسائي في كتاب الجنائز ، باب الصلاة على المنافقين ( ٥٤/٤ -
٥٥ ) .
وأخرجها عنه ابن جرير الطبري في (( تفسيره))، عند كلامه على تفسير آية ( وَلاً
تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَداً) (٤٠٨/١٤).
=
٨٠٥

أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ) (١).
ونظائر ذلك كثير .
واحتج المخالف :
بقوله : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ (٢) لِتُبَيِّنَ للِنَّاسِ مَا نُزِّلَ
إلَيْهِم ) (٣) فجعل السنة بياناً للقرآن. فلا يجوز أن يكون القرآن بياناً
للسنة .
والجواب : أن المراد به التبليغ ، يبين صحة ذلك : أنه يجوز تخصيص
السنة بالقرآن ، وكذلك يجوز تفسير مجمل السنة به .
واحتج : بأنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة ، وجب أن لا يجوز نسخ
السنة بالقرآن .
والجواب : أن القرآن أعلى من السنة ، فلم يجز نسخ الأعلى بالأدنى ،
وجاز نسخ الأدنى بالأعلى ، ألا ترى أن ما ثبت بخبر الواحد يجوز نسخه
بما ثبت بالتواتر ، وما ثبت بالتواتر لا يجوز نسخه بخبر الواحد .
واحتج : بأن القرآن أصل والسنة فرع له ؛ لأنها بكتاب الله قبلت ،
وإذا كانت فرعاً، فلو قلنا : القرآن يبين معناها، لجعلناها أصلاً، والقرآن
فرعاً .
وذكر ذلك ابن كثير في «تفسيره)) (٣٧٨/٢ - ٣٧٩) عند تفسيره الآية المذكورة.
=
كما ذكره في كتابه (« البداية والنهاية)) ( ٣٥/٥) طبعة مكتبة المعارف ببيروت ،
وذلك عند كلامه على وفاة عبد الله بن أبي بن سلول وقد سبق الكلام على هذه الآية
ص (٤٥٦) .
(١) (٨٤) سورة التوبة .
(٢) في الأصل : ( الكتاب ).
(٣) (٤٤) سورة النحل .
٨٠٦
i
!
٠
:

!
والجواب : أن هذا باطل بالتخصيص ، فإن القرآن يخص عموم السنة ،
ومع هذا فلا يفضي إلى ما قالوا .
واحتج : بأنه لو جاز نسخ القرآن بالسنة ؛ لأفضى (١) إلى الاختلاط
وهو أن بيانه ببيان الله تعالى ، وهذا لا سبيل إليه .
والجواب: أنه لا يختلط؛ لأن بيان رسول اللّه ماتم تخصيص الأعيان.
والنسخ : رفع الخطاب في المستقبل ، فلا يختلط أحدهما بصاحبه .
واحتج : بأن الشيء إنما ينسخ [١١٧/أ] بجنسه، ألا ترى أن القرآن
ينسخ بالقرآن والسنة بالسنة ، والقرآن لا ينسخ بالسنة .
والجواب : أن الشيء ينسخ بجنسه ، أو بما هو أقوى منه ، والقرآن
أقوى من السنة ، فوجب أن ينسخ به .
مسألة (٢)
يجوز نسخ الحكم قبل فعله وبعد دخول وقته . وهذا لا خلاف فيه .
واختلفوا في نسخه قبل وقت فعله :
فقال شيخنا أبو عبد اللّهِ (٣) : يجوز أيضاً.
وهو ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه اللّه ؛ لأنه قال في رواية صالح
(١) في الأصل : ( أفضى ).
(٢) راجع هذه المسألة في ((المسودة)) ص (٢٠٧)، و ((التمهيد في أصول الفقه)) الورقة
(٩٥/ ب - ٩٧/ب)، و ((روضة الناظر)) مع شرحها ((نزهة الخاطر)) (٢٠٣/١ -
٢٠٨)، و ((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٥٦).
(٣) يعني الحسن بن حامد .
٨٠٧

وأبي الحارث في قوله : (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا) (١) أن ذلك
لجواز النسخ وأن الله تعالى أخبر أنه إذا شاء نسخ من كتابه ما أحب . وظاهر
هذا جواز النسخ في عموم الأحوال .
وبهذا قال أكثر أصحاب الشافعي (٢)، وهو قول الأشعرية.
وقال أبو الحسن التميمي من أصحابنا : لا يجوز (٣) . وهو قول أصحاب
أبي حنيفة (٤)، وأكثر المعتزلة (٥) . وبعض الشافعية (٦).
فالدلالة على جوازه :
قوله تعالى في قصة إبراهيم : ( يَا بُنَّيَّ إنّي أَرَى فِي الْمَنَامِ
أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ
سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (٧)، وقوله: ( إنِّي أَرَى
فِي الْمَنّامِ أَنِّي أَذْ بَحُكَ) قال القتبي (٨) في ((غريب القرآن)) (٩):
(١) (١٠٦) سورة البقرة .
(٢) راجع في هذا: ((المنخول)) للغزالي ص (٢٩٧) و (( المستصفى، له (١١٢/١)،
و ((الإحكام)) للآمدي (١١٥/٣).
(٣) وذكر في ((المسودة)) ص (٢٠٧) أنه قد نُقِل عنه القولان .
(٤) هذا العزو غير محرر ، فإن جمهور الحنفية يقولون بالجواز ، وبعضهم يقول بعدم
الجواز، ومنهم الكرخي والجصاص والماتريدي والدبوسي. راجع في هذا: (( تيسير
التحرير)) (١٨٧/٣)، و ((مسلم الثبوت)) مع شرحه ((فواتح الرحموت)) (٢/
٦٢/٦١ ) .
(٥) راجع في هذا: ((المعتمد في أصول الفقه)) لأبي الحسين البصري (٤٠٧/١).
(٦) هو: أبو بكر الصير في. كما حكى ذلك الآمدي في ((الإحكام)) (١١٥/٣).
(٧) (١٠٢) سورة الصافات .
(٨) هو ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم الدينوري، أبو محمد، وقد مضت ترجمته في
أول الكتاب ص ( ٦٨) .
(٩) هذا الكتاب من أجود مؤلفاته، وقد نسبه إليه ابن العماد الحنبلي في كتابه: ((شذرات
الذهب)) (١٦٩/٢ ).
٨٠٨

معناه : إني سأذبحك ، فكأنه أمر بذبحه في المنام ، وكانت رؤيا الأنبياء عليهم
السلام وحياً ، يجب العمل به، ولهذا قال : ( افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ) ثم
نسخه : ( بِذِبْحِ عَظِيمٍ ) ، وهذا نص يدل على جواز نسخ الحكم قبل
وقته .
فإن قيل : إبراهيم كان مأموراً بمقدمات الذبح ، من الإضجاع
وأخذ المُديّة ونحو ذلك، دون الذبح نفسه ، وإنما سمي ذلك ذبحاً ؛ لأن
مقدمة الشيء قد تسمى باسم ذلك الشيء ، ألا ترى أنهم يسمون النائحة
باكية ؛ لأنها تفعل مقدمات البكاء والأسباب التي يبكى عندها .
وكذلك يسمى المريض المخوف عليه ميتاً ، لحصول مقدمات الموت .
قالوا : ويبين هذا قوله تعالى: (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا) (١)، ولو
كان الواجب عليه الذبح بعينه ، لم يكن قد صدق رؤياه وهو لم يذبحه ، فعلم
بذلك أنه كان مأموراً بمقدمات الذبح .
قيل : هذا لا يصح لوجوه :
أحدها : أنه قال : ( إنِّي أَرَى فِي الْمَنَّامِ ) والذَّبح: اسم للشق
والفتح ، ولا يعبر به عن مقدماته ، لا حقيقة ولا مجازاً. ومنه قول الشاعر:
كأن بين فَكِّها والفَكِّ فَأرةُ مِسْكِ ذُبِحَت في سَكٍ (٢)
يعني به : الفتح والشق .
(١) (١٠٥) سورة الصافات .
(٢) هذا الرجز للشاعر منظور بن مرثد الأسدي .
هكذا نسبه ابن يعيش في شرحه على المفصل (١٣٨/٤)، وفي (٩١/٨)، وذكر
قبله قوله :
يا حبذا جارية من عَكِّ تَعْقِدِ الْمُرْطَ على مِدَكِ
مثل كثيب الرمل غير رَكِّ
٨٠٩

الثاني: قوله: ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)،
وليس في مقدمة الذبح ما يحتاج إلى الصبر .
الثالث: أنه قال: (إنَّ هَذَا لَهُوَ البَلاَءُ الْمُبِينُ) (١)، ولا
يجوز أن يفخم هذا التفخيم ، والمأمور به مقدمة الذبح .
الرابع : قوله : ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحِ عَظِيمٍ ) (٢)، ولا يكون
[١١٧/ب] الفداء مع الامتثال للأمر.
وأما قوله: ( قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ) فقد قيل معناه : التصديق
بالقلب ؛ لأن حقيقة التصديق بالقلب ، فكأنه قال : لما صدقت وآمنت
واعتقدت وجوبه وعزمت على فعله جزيناك كما نجزي المحسنين ، فنسخنا
عنك فعل الذبح بذبح كبش .
وقيل فيه جواب آخر : أن النسخ إذا ورد قبل وقت الفعل ، تبيَّنا
أن المراد به إيجاب مقدمات الفعل ، وكل النسخ هكذا ؛ لأن النسخ تخصيص
الزمان ، وبيان لما لم يرد باللفظ ، كالتخصيص في الأعيان ، ولا نقول :
إن الله تعالى نسخ ما أمر به وأوجب علينا فعله ؛ لأن ذلك يؤدي إلى البداء
على الله تعالى .
وقيل فيه جواب آخر وهو : انه يحتمل أن يكون الأمر بالذبح أراد به
ما لم أنسخه عنك ، ومعناه : افعل في وقت كذا ، ما لم أنسخه عنك ،
فإذا نسخه قبل وقته تبيَّنًا أن الذبح لم يكن مأموراً به ، وإنما أمره أن يعتقد
وجوبه ، ويعزم على فعله بهذا الشرط .
والجواب الصحيح عندي هو الأول ؛ لأن الثاني والثالث تسليم لما قاله
(١) (١٠٦) سورة الصافات.
(٢) (١٠٧) سورة الصافات .
٨١٠

المخالف ؛ لأن عنده : أن المأمور به أمارات الذبح . وعنده أيضاً : أنه يصح
تعليق الأمر بشرط التمكن .
فإن قيل : إنما تعبده اللّه تعالى بذبح لا تبطل الحياة عنده ، فكان كلما
قطع جزءاً من موضع الذبح ألحمه الله تعالى وأعاده إلى حاله ، فكان الفداء
واقعاً من الذبح الذي تبطل الحياة عنده .
قيل : القرآن يقتضي أن يكون الذي فعله تَلَّه للجبين ، ثم جاءه النداء
والفداء ، فلم يجز أن يقال : إنه ذبحه .
ولأنه لو كان ذبحه لذكره ، وكان ذكره أولى من ذكر تَلَّه للجبين .
ولأن ذلك معجزة عظيمة ، وآية كبيرة ، فلو كان كما قال ، لوجب أن
يكون قد ذكرها وتواتر النقل بها .
ولأنه لو كان فَعَل الذبح لم يكن الذبح فداءً ، وإنما يكون الذبح
فداءً ، إذا لم يكن فَعَل الذبح .
فإن قيل : فقد روي أن اللّه تعالى ضرب على مذبحه صفيحة من نحاس ،
فكان إبراهيم كلما وضع المُدْية على الموضع انقلبت ولم يقع بها قطع (١).
قيل : هذا لا يصح على أصل المخالف لوجهين :
أحدهما : أنه لا يصح تكليف ما لا يطاق . وهذا تكليف ما لا يطاق .
والثاني : لا يكون الأمر أمراً إلا بإرادة الآمر ، وإذا حال بينه وبين
الفعل لم يُرِدْه .
وأيضاً : فإن نسخ الفعل بعد التمكين من اعتقاد وجوبه يجوز ، أصله
الفعلُ الثاني والثالث .
(١) هذا أثر أخرجه الطبري في تفسيره ، في سورة الصافات ( ٧٨/٢٣) بسنده إلى
السدي، طبعة الحلبي .
٨١١

يبين صحة هذا أن الأمر يوجب على المكلف أن يعتقد وجوب فعل تلك
العبادة عند دخول وقتها والعزم على فعلها ، ويصير بذلك مطيعاً ، فإذا
نسخت(١) عنه قبل دخول الوقت، فقد نسخت بعدما صار مطيعاً [١١٨/أ]
ومثاباً على شيء تضمنه حكم الأمر ، فجاز ذلك ، كما لو أمر بفعل عبادات
ففعل بعضها ، جاز نسخ الثاني ، ولا فصل بين الأمرين ، والمعتمد على
الآية .
واحتج المخالف :
بأن الأمر بالعبادة يقتضي الأمر بالحسن ، والنهي يقتضي القبح ، فلو
كان الأمر بالفعل قد دل على حسنه كان النهي عنه قبل مجيء وقته نهياً عن
حسن ، والنهي عن الحسن قبيح ، كما أن الأمر بالقبيح قبيح ، وهذا لا
يجوز في صفات الله تعالى .
والجواب : أن الأمر يقتضي الحسن ما دام الأمر باقياً ، فأما بعد زواله ،
فإنه يقتضي قبحه (٢)، والأمر على هذا الوجه ورد ، وهو أن الفعل يكون
حسناً مع بقائه ، ما لم يرد النسخ به ، فإذا ورد خرج الفعل عن كونه حسناً ،
وليس يمتنع أن يكون الشيء الواحد حسناً إذا فعل على وجه ، وغير حسن
إذا فعل على وجه آخر كالصلاة إذا فعلت للّه تعالى كانت حسنة، [ و ]
إذا فعلت للشيطان كانت قبيحة ، وفعلها في الحالين على صورة واحدة .
وقيل في جواب هذا : إن الأمر تعلق بمقدمات الفعل الذي تناوله ظاهر
الأمر ، كما نقول : إن اللّه تعالى لما نسخ التوجه إلى بيت المقدس ستة عشر
شهراً ، ولم يرد فيما زاد عليها ، وإن كان ظاهر الأمر التأبيد، ولا
يقال : إنه أراد أن يكون التوجه واجباً عليهم أبداً ، ثم نسخه ، لأنه يكون
بداءً على الله تعالى .
(١) في الأصل: ( نسخ) .
(٢) في الأصل : ( نسخة ) .
٨١٢
1
أ

واحتج : بأن النهي عن الفعل المأمور به قبل مجيء وقته ، يدل على
البَدَاء ؛ لأن حال المأمور به لو كانت عنده على ما كانت عليه وقت الأمر
لما كان (١) يجوز أن ينهي عنه على الوجه الذي أمر به ؛ لأن ذلك يكون عبثاً،
فمتى نهي عنه علمنا أن حال المأمور به يعرف عنده ، إما بأن ظهر له ما لم
يكن عالماً به في حال الأمر ، أو خفي عنه ما كان عالماً به وقت الأمر .
والجواب : أنه لا يفضي إلى البَدّاء ؛ لأن البَدَاء أن يظهر للإنسان ما
لم يكن عالماً به ، واللّه تعالى حين أمر بهذه العبادة كان عالماً بأن المصلحة في
بقاء فرضها إلى وقت النسخ ، فلا يكون قد ظهر له ما لم يكن يعلمه ، حتى
يكون بَدَاءً .
وقيل فيه : لا يفضي إلى البَدَاء ؛ لأنه كان مأموراً بمقدمات الذبح ،
وقد وجدت منه ، أو كان مأموراً بشرط .
واحتج بأن النسخ بمنزلة التخصيص ، فلما استحال أن يقول: (( صلوا
إذا زالت الشمس ، لا تصلوا إذا زالت الشمس))، لم يصح أن يأمر بالصلاة
ثم ينهي عنها قبل مجيء وقتها .
والجواب : أنه إنما لم يصح ذلك ؛ لأنه لا يفيد شيئاً ، فيكون عبثاً
ولعباً ، وليس كذلك إذا كانا في زمانين مختلفين ؛ لأنه يتمكن من فعل
مقدماته : اعتقاد وجوب المأمور به ، والعزم على فعله بشرط ، فيكون ذلك
طاعة ينال بها الثواب ، وإذا كان [١١٨/ب] مفيداً جاز ورود الشرع به .
(١) في الأصل: ( لكان ) .
٨١٣

مسألة (١)
الزيادة في النص ليس بنسخ .
وهو قول أصحاب الشافعي (٢) .
وقال أصحاب أبي حنيفة : هو نسخ (٣) .
ويفيد هذا : جواز الزيادة في النص بالقياس وبخبر الواحد (٤) ،
مثل : إيجاب النية في الوضوء بالخبر (٥) والقياس ، وإن كان ذلك
زيادة على قوله تعالى: (اغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) (٦).
وكذلك : إيجاب النفي في حد الزنا (٧) ، وإن كان زيادة على قوله
( فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ) (٨).
(١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٢٠٧)، و((التمهيد في أصول الفقه))
الورقة (١/١٠٢ - ١٠٣/ب)، و((روضة الناظر)) مع شرحها ((نزهة الخاطر))
(٢٠٨/١ - ٢١٤)، و((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٧٠).
(٢) راجع في هذا: ((الإحكام)) للآمدي (١٥٥/٣)، و((شرح جمع الجوامع))
(٩١/٢)، و((المستصفى)) للغزالي (١١٧/١).
(٣) راجع في هذا: ((تيسير التحرير)) (٢١٨/٣)، و((فواتح الرحموت)) بشرح
((مسلم الثبوت)) (٩١/٢ ).
(٤) في الأصل : ( الواجب ).
(٥) لعل هذا إشارة إلى حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعاً (إنما الأعمال
بالنيات ... ) الحديث ، وقد سبق تخريجه ص (٢٠٥).
(٦) (٦) سورة المائدة .
(٧) هذا إشارة إلى حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه مرفوعاً ( خذوا عني ،
خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلاً ... ) الحديث، وقد سبق تخريجه ص (٧٩٨).
(٨) (٢) سورة النور.
٨١٤
1

وكذلك : إيجاب شرط الإيمان في كفارة الظهار بالقياس على كفارة
القتل ، وإن كان فيه زيادة على قوله : ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) (١).
وكذلك : الحكم بشاهد ويمين جائز بالخبر (٢)، وإن كان فيه زيادة
على قوله تعالى: (فَإنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَ أَتَانٍ) (٣).
ونحو هذا ، كله يجوز عندنا ، وعندهم لا يجوز .
وقال أصحاب الأشعري : إن كانت الزيادة تُغير حكم المزيد عليه ،
مثل : أن يأمر بركعتين ، ويجعلها أربعاً ، كان نسخاً . وإن كانت لا تغير
حكمه ، مثل : أن يزيد عشر جلدات على المائة ، لم يكن نسخاً .
(١) (٣) سورة المجادلة.
(٢) هذا إشارة إلى حديث ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قضی بیمین وشاهد .
أخرجه مسلم في ((صحيحه )) في كتاب الأقضية ، باب القضاء باليمين والشاهد
(١٣٣٧/٣ ) .
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الأقضية ، باب القضاء باليمين والشاهد ( ٢/
٢٧٧ ) .
وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب القضاء والشهادات ، باب القضاء باليمين
مع الشاهد (٢٣٤/٢ ) .
وأخرجه عنه الطحاوي في كتابه: ((شرح معاني الآثار)) في كتاب القضاء والشهادات،
باب القضاء باليمين مع الشاهد ( ١٤٤/٤ ) .
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الاحكام ، باب القضاء بالشاهد واليمين ( ٢/
٧٩٣ ) .
وراجع في هذا الحديث أيضاً: (( المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٨١٤)
و ((تيسير الوصول)) (١٨٤/٣ ).
(٣) (٢٨٢) سورة البقرة .
٨١٥
:

دليلنا :
أن النسخ بيان مدة ما لم يُرّد مما وجب دخوله في إطلاق اللفظ ، ويكون
الرافع متأخراً عن وقت الفعل المأمور به ، وهذان الشرطان مفقودان
هاهنا؛ لأن القياس الذي يدل على الزيادة يقترن بالمزيد عليه، غير متأخر
عنه ، فلم يكن نسخاً .
ولأن النسخ هو : رفع الحكم وإزالته ، والزيادة لا توجب رفع
المزيد عليه ، ألا ترى أنه إذا كان في الكيس مائة درهم ، فزدت فوقها
درهماً ، أن ذلك لا يوجب رفع شيء مما كان في الكيس ، فلا يوجب ضم
الزيادة إليه مع بقائه .
وكذلك إذا فرض الله تعالى على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة ،
ثم فرض صوم شهر رمضان ، فلا يكون فرض الصوم نسخاً للصلوات ،
كذلك ماهنا .
والذي يبين صحة هذا وأن النسخ هو الرفع والإزالة : قولهم :
((نَسخت الشمسُ الظلَّ، إذا أزالته))، و ((نسخ الريحُ الأثرَ، إذا
ذهب به وأزاله )) .
فإن قيل : وقد لا يكون عبارة عن الإزالة ، ألا ترى أنك تقول :
نسخت الكتاب ، وإن لم يزل ما كان فيه من الكتابة ؟
قيل : هذا مجاز واتساع ، والحقيقة ما ذكرنا .
والذي يبين صحة هذا أن النسخ عندنا هو الإزالة ، وعند مخالفينا هو
تغيير الحكم ، ونسخ الكتاب لا يوجد فيه شيء من ذلك ، فعلم أنه مجاز.
ويدل على جواز الزيادة بالقياس وبخبر الواحد، فنقول [١١٩/أ] كل
ما جاز تخصيص الحكم به جاز الزيادة به فيه ، أصله القرآن والخبر المتواتر .
٨١٦

وأيضاً : فإن التخصيص نقصان مما وجب دخوله في اللفظ ، وليس في
الزيادة نقصان ، فإذا جاز التخصيص ، فلأن تجوز الزيادة أولى .
واحتج المخالف :
بأن النسخ هو : أن لا يلزم في المستقبل مثل ما كان لازماً فيما مضى
وهذا المعنى موجود في الزيادة في النص ؛ لأن إيجاب النية في الطهارة ،
وشرط الإيمان في كفارة الظهار يمنع أن يلزم في المستقبل مثل ما كان
لازماً فيما مضى ، وكذلك إيجاب التغريب مع الجلد ، فوجب أن يكون
نسخاً .
والجواب : أنا لا نسلم أن هذا هو النسخ ، وإنما هو ما ذكرنا من
الرفع والإزالة ، أو بيان ما لم يُرّد مما وجب دخوله ، وهذا معدوم ها هنا .
وعلى أنه يبطل به إذا أمر بالصلاة ، ثم أمر بالصوم ، فإن الصلاة
كانت جميع الشرع ، ثم صارت بعضه ، فلم يلزم في المستقبل مثل ما
كان لازماً فيما مضى ، ومع هذا فلم يكن نسخاً ، وهما سواء ؛ لأنه
كان لازماً فيما مضى عبادة واحدة ، فزيد عليها أخرى ، وكذلك كان
لازماً جلد مائة ، فزيد عليه التغريب .
واحتج : بأن الزيادة تغير حكماً ثابتاً في المزيد عليه ، فوجب أن يكون
نسخاً ، كما إذا نسخ الحكم الثابت ، مثل القبلة ، والتقديم (١) ، وحد الزنا ،
والوصية .
ووجه التغيير : أنه قبل الزيادة كان جميع الحكم ، فصار بالزيادة
بعض الحكم .
والجواب : أنا لا نسلم أنها غيرته ؛ لأن حكم المزيد ثابت ، كما
(١) في الأصل : ( القديم ) .
٨١٧
العدة في أصول الفقه - ٥٢

كان ، ولكن يحتاج إلى زيادة ليقع موقعه ، فكأن المائة قد وقعت موقعها ،
ولكن تحتاج إلى زيادة .
وقولهم : كان جميع الحكم ، فصار بعضه ، يبطل به إذا أمر
بالصلاة ، ثم أمر بالصوم ، فإن الصلاة كانت جميع الشرع ، ثم صارت
بعضه ، ولا يكون ذلك نسخاً .
ثم يبطل هذا بالنقصان فإنه إذا سقط من المائة خمسون ، لم يكن نسخاً
للباقي ، وقد صارت كل الحد بعد أن كانت بعضه .
واحتج : بأن النقصان نسخ ، فوجب أن تكون الزيادة نسخ .
والجواب : أن النقصان يسقط حكماً ثابتاً فأوجب دخوله في اللفظ في
وقت مستقبل ، وليس كذلك الزيادة ؛ لأنها لا تسقط حكماً ، وهذا كما
نقول : إنه إذا نسخ صوماً أو صلاةً ، كان نسخاً ، وإن زاد صوماً بعد
الصلاة ، لم يكن نسخاً ، فدل على الفرق بين النقصان وبين الزيادة .
واحتج : بأنه لا يصح أن يجمع بين الزيادة وبين حكم النص في
خطاب واحد ، ألا ترى أنه لا يصح أن يقول الله تعالى : إذا غسلتم هذه
الأعضاء أجزأتكم الصلاة وإن لم تنووا ، ثم يقول مع ذلك : إن لم تنووا
الطهارة لم تجزئكم صلاتكم ، وكذلك [١١٩/ب] لا يقول : قد أوجبت
عليكم إذا حكمتم أن تحكموا بشهادة رجل واحد وامرأتين دون غيرهم ،
ثم يقول مع ذلك : واخترت لكم الحكم في الشاهد واليمين .
وكذلك لا يصح أن يقول : إن جلد مائة جميع حد الزاني ، ثم يقول
مع ذلك: هو بعض حده ، فإذا استحال جمعها(١) في خطاب واحد، وجب
أن يكون ورود الزيادة بعد استقرار حكم النص موجباً لنسخه .
والجواب : أن هذا يبطل به إذا أمر بالصلاة ، ثم أمر بالصوم ،
فإنه لا يصح أن يجمع بين الصوم وبين الصلاة في خطاب واحد ، فلا
(١) في الأصل : ( جميعها).
٨١٨

:
يصح ان يقول : إذا صليتم برأت ذمتكم من كل عبادة ، وإن لم
تصوموا ، ثم يقول مع ذلك : إن لم تصوموا لم تبرأ ذمتكم ، ومع هذا
فإيجاب الصيام بعد الصلاة لا يكون نسخاً للصلاة ، كذلك ها هنا .
واحتج من قال بأنها إذا غيرت كانت نسخاً :
بأن الركعتين قبل الزيادة عليهما(١) كانتا تجزئان عن الفريضة ويصحان
بانفرادهما ، فلما ضم إليهما (٢) ركعتين آخرتين صارتا غير مجزئتين ولا
يصحان (٣) بانفرادهما ، فكان ذلك نسخاً لهما .
والجواب : أن الركعتين صحيحتان واقعتان عن الفرض ، لكن ضم
إليهما شيء آخر ، فهو بمنزلة اشتراط ستر العورة فيها واستقبال القبلة ونحو
ذلك من الشرائط .
ثم هذا باطل بالزيادة على الحد ، فإنه كان قبل الزيادة محرماً ، وتحصل
به الكفارة ، وبعد الزيادة لا تجزىء ، ولا يكون ذلك نسخاً عند هذا
القائل ، وكذلك مبيحة للنكاح ، فإذا زيد فيها ، لم تكن مبيحة للنكاح
من غير الزيادة ، ولا يكون نسخاً ، كذلك ها هنا .
واحتج : بأنكم قد جعلتم الزيادة على النص نسخاً لدليل الخطاب ،
فيجب (٤) أن يكون نسخاً للمزيد عليه ، وبيانه : إذا أمر الله تعالى بأن
يجلد الزاني مائة واستقر ذلك ، ثم زاد بعد ذلك عليها زيادة ، كان ذلك
نسخاً لدليل الخطاب ؛ لأن قوله : اجلدوا مائة ، دليله : لا يجلد أكثر
منها .
(١) في الأصل: ( عليها ).
(٢) في الأصل : ( إليها ).
(٣) في الأصل : ( يصح ).
(٤) في الاصل : ( يجب ).
٨١٩

وهذا كما قال الصحابة والتابعون: إن قول النبي ◌َّمع: ( الماء من
الماء) منسوخ ، وإنما المنسوخ حكم دليل الخطاب منه ، دون حكم النطق ؛
لأن حكم النطق ثابت لم يتغير .
والجواب : أن الفرق بينهما ظاهر ، وذلك أن المزيد عليه لم يتغير
حکمه ، فهو (١) بعد الزيادة ، کھو (٢) قبلها ، وليس کذلك دليل
الخطاب ، فإنه قد زال ؛ لأن تقديره : لا تزيدوا على المائة ، وقد أوجب
الزيادة عليها ، فصار المنع من الزيادة منسوخاً .
وربما قال قائل: إن ذلك ليس بنسخ، وإنما هو جار مجرى التخصيص
للعموم ، قال : لأن دليل الخطاب من القرآن والسنة المتواترة يجوز تركه
بالقياس وبخبر الواحد .
والصحيح : أنه نسخ ؛ لأن [١٢٠/أ] العموم إذا استقر بتأخير بيان
التخصيص كان ما يراد من التخصيص بعده نسخاً ، كذلك دليل الخطاب
إذا استقر كان ما يرد بعده مما يوجب تركه نسخاً .
فصل (٣)
إذا نص على حكم في عين من الأعيان بمعنى ، وقيس عليه كل موضع
وجد فيه ذلك المعنى ، ثم نسخ اللّه تعالى حكم تلك العين صار حكم الفروع
منسوخاً .
(١) في الاصل: ( وهو ) .
(٢) في الاصل : ( فهو ) .
(٣) راجع هذا الفصل في المسودة ص (٢١٣)، (٢٢٠)، و ((التمهيد في أصول الفقه))
الورقة (١٠١/أ)، و((روضة الناظر)) مع شرحها ((نزهة الخاطر)) (٢٣٠/١ -
٢٣٢)، و(( شرح الكوكب المنير)) ص (٢٦٨).
٨٢٠
٣
: