النص المفهرس
صفحات 761-780
1 قبله ، فإن النسخ إنما يكون عند التنافي ، والبعثة إنما تكون بالتوحيد ، ولیس فيه منافاة لتلك الأحكام ، فوجب التمسك بتلك الأحكام والعمل بها حتى يرد ما ينافيها ويزيلها، كما وجب ذلك قبل بعثة النبي معد له . وأيضاً : فإنه شرع مطلق ، فوجب أن يدخل فيه كل مكاف إلا أن يثبت نسخه ، أصله ما ثبت من الشرع المطلق ، ولأن نبينا كان قد بعثه متعبداً ، فدل على أنه کان مأموراً بشرع من قبله . واحتج المخالف : بقوله تعالى: ( لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعةٌ ومِنْهَاجاً) (١)، والشرعة والشريعة واحد ، والمنهاج : الطريق الواضح . والجواب : أنه لا بد أن يكون بين الشريعتين اختلاف من وجه ، وهو ما نسخ ، وإن كان بينهما اتفاق من وجه ، فحصلت الإضافة لهذا المعنى . واحتج : بما روي أن النبي ◌َّ ◌ِلمٍ قال: ( بعثت إلى الأحمر والأصفر ، وكل من بعث إلى قومه )(٢) فدل على أنهم لم يكونوا مبعوثين [١٠٨/ب] إلينا ، فلا يكون شرعهم لازماً لنا . والجواب: أن قوله: ((بعث)) يعني : متبوعاً مقصوداً إلى قومه ، وغير قومه تبع له . (١) (٤٨) سورة المائدة. (٢) هذا الحديث أخرجه مسلم في أول كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٣٧٠/١ ) عن جابر بن عبد اللّه وفيه: ( .. كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى كل أحمر وأسود ... ). وأخرجه الدارمي في كتاب الجهاد باب أن الغنيمة لا تحل لأحد قبلنا (١٤٢/٢ ) عن أبي ذر ، وفيه ( .. بعثت إلى الأحمر والأسود ... ). ٧٦١ واحتج بما روي عن عمر بن الخطاب : أنه خرج يوماً وبيده قطعة من التوراة ، فغضب النبي ◌ِ اللهِ ، وقال : ما هذا ؟ جئت بها بيضاء نقية ، لو أدركني موسى ما وسعه إلا اتباعي ) (١) ، وأنكر حمل التوراة ، وأخبر أن موسى لو أدركه لزمه أن يتبعه . والجواب أنه إنما أنكر عليه ؛ لأن التوراة مبدلة مغيرة ، وأكثرها (١) حديث حسن رواه عبد الله بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، أخرجه عنه الإمام أحمد في ((مسنده)) في (٤٧٠/٣ - ٤٧١)، وأخرجه عنه الطبراني كما حكى ذلك الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١٧٣/١) وقال: (رجاله رجال الصحيح، إلا أن فيه « جابراً الجعفي )» وهو ضعيف) . وأخرجه عنه البزار ، قال الهيثمي: (رجاله رجال الصحيح، إلا (( جابراً الجعفي )) وهو ضعيف اتهم بالكذب ) . ورواه جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أخرجه عنه الإمام أحمد في (( مسنده )) (٣٣٨/٣). کما أخرجه عنه أبو یعلی والبزار ، فیما حکی الهيثمي ، وفيه ( مجالد بن سعید » قال الهيثمي : ( ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد وغيرهما ) . وأخرجه عنه البغوي في كتابه (( شرح السنة )» في كتاب العلم ، باب حديث أهل الكتاب (٢٧٠/١ ). وأخرجه عنه البزار كما حكى الهيثمي، وفيه ((جابر الجعفي)) كما أخرج الإمام أحمد بعضه من هذه الطريق . ورواه أبو الدرداء رضي الله عنه ، أخرجه عنه الطبراني في ((الكبير)) قال الهيثمي: ( وفيه أبو عامر القاسم بن محمد الاسدي ، ولم أر من ترجمه ، وبقية رجاله موثقون ) . ورواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أخرجه عنه أبو يعلى ، وفيه كما قال الهيثمي ((عبد الرحمن بن إسحاق )) ضعفه أحمد وجماعة . ويلاحظ : أن القصة وردت بعدة ألفاظ ، ولولا خوف الإطالة لأوردناها ، ولكن من أراد الوقوف عليها فلينظر المراجع السابق ذكرها وبخاصة ((مجمع الزوائد )) ( ١٧٣/١ - ١٧٤ ). ٧٦٢ i منسوخ ، فلا يجوز التمسك بها والرجوع إليها ، ونحن لا نرجع إلى ما ثبت بالتوراة ، وإنما نرجع إلى ما ثبت بدليل مقطوع عليه من قرآن أو خبر متواتر أو سنة متواترة أو وحي نزل به . وقوله : ( لو أدركني موسى لزمه أن يتبعني ) ؛ لأنه يقتضي [ أن یکون ] واحداً من أمته ، فيلزمه اتباعه . فإن قيل: النبي مع الله جعل العلة في نهيه عن النظر في التوراة : أنه لو كان موسى حياً لم يسعه إلا أن تسعه، فامتنع أن تكون العلة في النهي كونها مغيرة مبدلة . قيل (١) : واحتج : بأن شرع من قبلنا لو كان شرعاً لنا لم يتوقف عن الجواب في الحادثة حتى ينزل الوحي ، فلما توقف ولم يعمل بشرع من قبله ، ثبت (٢) أنه ليس بشرع له . والجواب : أنه توقف ؛ لأنه لم يكن عنده الحكم ، ولا ثبت عنده الحكم في شرع غيره ، فلهذا توقف ، ألا ترى أن ما ثبت عنده صحته من أحكامهم ، مثل استقبال بيت المقدس في الصلاة (٣) ، وغير ذلك ، لم يتوقف فيه ، بل کان يسارع إلى اتباعه والاقتداء به . ، واحتج : بأنه لا يمتنع أن تكون المصلحة لأمة نبي في شيء ، ومصلحة أمة أخرى في ضدها ، فإذا لم يمتنع هذا امتنع (٤) أن يكون شرعهم شرعاً لنا . (١) هكذا في الأصل ، لم يذكر الجواب عن هذا الاعتراض . (٢) في الأصل : ( لم يثبت ) . (٣) سبق تخريجه في قصة تحويل القبلة ص (٣٥٤). (٤) في الأصل : ( فاذا لم يمتنع هذا لم يمتنع .. ). ٧٦٣ والجواب : أنه لا يمتنع أن تكون مصلحة لهم ، ويتصل بأمة بعدها ، كما أن الصحابة تتعبد بما هو مصاحة لهم ، ويكون شرعاً وديناً لمن بعدهم من التابعين . واحتج : بأنه لو وجب علينا اتباع شرعهم لوجب أن نتتبع أدلتهم ونعرفها ، كما يجب ذلك في حكم الإسلام ، ولوجب علينا حفظ شريعتهم ودراستها . والجواب : أنه لا يمتنع أن يقال : إنه ثبت عندنا صحة بعض الأدلة بالأوجه التي ذكرناها ، فوجب (١) المصير إلى موجبه والعمل به ، كما يجب المصير إلى نفس الحكم ، ويجب حفظه ودراسته ما يلزمنا حكمه ، وهو ما ثبت عندنا كونه شرعاً لهم ، فأما ما لم يثبت ، وإنما يخبرون هم به ، فإنه لا يجب ذلك ؛ لأن حکمه لا يلزمنا . واحتج: بأنه إنما يجب الرجوع إلى أحكام [١٠٩/أ] الشرع، إذا عرف جمل أحكامه وتفصيلها ؛ لجواز أن يكون هناك ناسخ أو شيء يخص العام ، وهذا غير ممكن في شرعهم . والجواب : أن ما أخبر الله تعالى به فالظاهر أن حكمه ثابت غير منسوخ ولا مخصوص ؛ لأنه لو كان منسوخاً أو مخصوصاً ، لكان مطرحاً ، ولم یبین حكمه . واحتج : بأنه أضاف جميع الشرع إلى موسى وعيسى . والجواب : أن هذا لا ينفي أن يكون الشيء منه شرعاً لغيره ؛ لأننا نقول : إن جميعه مضاف إليه ، وإن كان قد يلزم حكمه لغير أهل ملته . (١) في الأصل : ( وجب ). ٧٦٤ ٣ واحتج : بأنه لو كان شرع من قبلنا شرعاً لنا ، لوجب أن يبعث نبيين في وقت واحد بشريعة واحدة ، فلما لم يجز هذا ، ثبت أنه ليس شرع من قبلنا شرعاً لنا ، لأنه يفضي إلى أن يكون شرع نبيين على وجه واحد . والجواب : أنه يجوز ، وقد فعل ، بعث إبراهيم وابن أخيه بشريعة واحدة ، في وقت واحد ، وبعث موسى وهارون بشريعة واحدة ، في وقت واحد . على أنه لو كان الأمر على ما قالوه ، فإنما يمتنع هذا لوجود نبيين في وقت واحد ، فأما إذا انقرض واحد ، وقام غيره بعده ، فإن شريعته شريعة ني واحد . واحتج : بأن جميع الشريعة مضافة إلى نبينا ، فلو كان ما ليس فيها يجب العمل به بشريعة غيره ، لم تضف إليه . والجواب : أن ما يتبعه من شرع غيره ، فهو شريعته ، ومضاف إليه ؛ لأنه لم ينسخه عنا . فصل (١) فأما قبل البعث ، فإن نبينا عليه السلام كان متعبداً بشريعة من قبله ، سواء قلنا : ليس شرع من قبله شرعاً له بعد البعث ، أو قلنا : هو شرع له . وقد أومأ إليه أحمد رحمه اللّه في رواية حنبل فقال : من زعم أن (١) راجع في هذا الفصل: المسودة ص (١٨٢)، و((التمهيد في أصول الفقه)) الورقة ( ١٠٤/ب ) . ٧٦٥ النبي مِ العِ كان على دين قومه ، فهو قول سوء، أليس كان لا يأكل ما ذبح على النصب ؟ وبه قال أصحاب الشافعي(١) . وقال قوم : ذلك على الوقف (٢) ، يجوز أن يكون متعبداً ، ويجوز أن لا يكون . وحكى أبو سفيان السرخسي عن أصحابه (٣) أنه بعد البعث شرع من قبله قد صار شرعاً له ، لا من حيث كان شريعة له قبله ، فأما قبل أن يبعث ، فإنه لم يكن متعبداً بشيء من الشرائع . والدلالة على أنه كان متعبداً : ما تقدم من قوله تعالى : ( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ) (٤)، وغير ذلك من الآيات . ولأنه قبل البعث كان متبعاً لهم ، بدليل أنه ركب الحيوان ، وأمر بذبح الحيوان ، وأكل لحمه ، وحج واعتمر مراراً، فقيل: انه حج ثلاثاً ، وكل هذا لا يوجد [١٠٩/ب] بالعقل، وإنما يفعل شرعاً، ثبت أن ما فعله شرع من قبله . فإن قيل : ركوب الحمار وذبح الحيوان بالعقل . قيل : الحج والعمرة لا يثبتان (٥) بالعقل ، وقد فعل ذلك ، ثبت أنه (١) المختار عند الشافعية: الوقف ، كما في جمع الجوامع مع حاشية البناني (٣٥٢/٢). (٢) ومنهم إمام الحرمين والغزالي والآمدي. انظر المستصفى (٢٤٦/١)، والإحكام ( ١٢١/٤ ) . (٣) أي: الحنفية، وهو المختار عندهم، كما في مسلم الثبوت (١٨٣/٢) مطبوع مع شرحه فواتح الرحموت . (٤) (١٢٣) سورة النحل . (٥) في الأصل : ( لا يثبت ) . ٧٦٦ : فعل ذلك بالشرع لا غير . وكذلك ذبح الحيوان ينافيه العقل ، لما فيه من إيلام الحيوان . وكذلك الحمل عليه وركوبه (١) ، طريقه الشرع دون العقل . واحتج المخالف : بما تقدم لمن منع أن يكون شرع من تقدم شرعاً لنا ، وقد أجبنا عنه . واحتج : بأنه لو كان كذلك لوجب ظهور عمله بتلك الشريعة واقتدائه بها ، ولو ظهر لنقل ، ولم يخفَ على أهله ومن أتى به . ٠٠. والجواب : أنه قد ظهر ، ونقل مما ذكرناه عنه من صلاته وصيامه وحجه و عمر ته و ذبحه ور کوبه . ن (٢) . (١) في الأصل : (من ركوبه). (٢) علامة الانتهاء من الباب . ٧٦٧ باب النسخ (١) حقيقة النسخ : هو الرفع والإزالة ، ومنه يقال : نسخت الريحُ التراب والآثار ، إذا أزالت ذلك . ونسخت الشمسُ الظلّ، إذا أزالته . وقد يعبر به عن نقل الخَطِّ مِنْ موضع إلى موضع ، يقال : نسخ فلان هذا الخبر إذا نقل ما فيه . ومنه قوله تعالى : ( إنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٢) ، يعني نكتبه وننسخه ، وهذا مجاز. ويفتقر النسخ إلى وجود خمس شرائط : أن يكون الناسخ متأخراً عن المنسوخ ، فإن كان ملفوظاً به معه ، فإنه يكون استثناءً وتخصيصاً . وأن يكون الحكم المنسوخ قد ثبت بالشرع ، ثم رفع ، فأما إن كان الناس فعلوا شيئاً بعادة لهم ، أقروا عليها ، ثم رفع ذلك ، لم يكن نسخاً ، وكان ابتداء شرع . (١) راجع في هذا الباب: ((المسودة)) ص (١٩٥ - ٢٣٢)، و (( التمهيد في أصول الفقه)) الورقة (٩٣/أ - ١٠٤/أ)، و((روضة الناظر)) مع شرحها ((نزهة الخاطر)) (١٨٩/١ - ٢٣٥)، و ((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٥٤ - ٢٧١). (٢) (٢٩) سورة الجاثية . ٧٦٨ وأن يكون الرافع المزيل دليلاً شرعياً ، فأما إن زال حكم العبادة من غير دليل ، كمن جُنّ أو مات ، فإن فرض العبادة يسقط عنه ، ولا يكون نسخاً . وأن لا يكون للعبادة المنسوخة مدة معلومة ، بل كانت مطلقة فقطع دوامها في الثاني . فأما إن كانت معلقة بمدة معلومة ففي نسخها كلام . وأن يكون الناسخ أقوى من المنسوخ أو مثله ، ولا يكون أضعف منه . مسألة (١) يجوز نسخ الشرائع عقلاً وشرعاً . وقد قال أحمد رحمه الله في رواية صالح وأبي الحارث : قوله تعالى : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأَهَا) (٢) أن ذلك لجواز النسخ، وأن الله (١) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (١٩٥)، و((التمهيد في أصول الفقه)) الورقة (٩٤/أ - ٩٥/أ)، و((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٥٦)، و((روضة الناظر)) مع شرحها، ((نزهة الخاطر)) (١٩٨/١). (٢) (١٠٦) البقرة . وفي قوله : ( نَنْسَأها ) قراءتان : الأولى : ( نَنْسَأها ) بفتح النون الأولى والسين ، وسكون الهمزة بين السين والهاء ، وهذه القراءة هي التي اختارها المؤلف ، وقد كررها ثلاث مرات . وبهذه القراءة قرأ ابن كثير وأبو عمرو . كما قرأ بها عمر وابن عباس وعطاء ومجاهد وأبي بن كعب وعبيد بن عمير والنخعي وابن محيصن . والمعنى على هذه القراءة : ما ننسخ من آية الآن أو نؤخر نسخها . مأخوذ من النّسَأ ، وهو التأخير . = ٧٦٩ العدة في أصول الفقه - ٤٩ تعالى أخبر أنه إذا شاء نسخ من كتابه ما أحب . وبهذا قالت الجماعة . وحكي عن أبي مسلم الأصفهاني (١) : أنه كان يمنع وقوع النسخ شرعاً ويجيزه عقلاً (٢). = الثانية: ( نُنْسِهَا) بضم النون الأولى وكسر السين من غير همز. وبها قرأ الباقون ، أي من عدا ابن كثير وأبا عمرو . والمعنى على هذه القراءة : ما ننسخ من آية أو ننسكها يا محمد ، فلا تذكرها . مأخوذ من النسيان الذي هو ضد الذكر . راجع في هذا: ((النشر في القراءات العشر)) (٢١٩/٢ - ٢٢٠)، وكتاب ((الكشف عن وجوه القراءات السبع)) ص (٢٥٧/١ - ٢٥٩) وكتاب ((السبعة في القراءات)) ص (١٦٨)، و ((إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر)) ص (١٤٥) . (١) هو: محمد بن بحر الأصفهاني. قال ابن النديم: (كان كاتباً مترسلاً بليغاً متكلماً جدلاً ) . كان على مذهب المعتزلة ، وقد ألف كتاباً في التفسير على مذهب المعتزلة أسماه: ((جامع التأويل لمحكم التنزيل)). له ترجمة في: ((طبقات المعتزلة)) ص (٢٩٩)، و ((طبقات المفسرين)) للداودي (١٠٦/٢)، و((الفهرست)) ص (١٩٦) الطبعة التجارية و ((لسان الميزان)) ( ٨٩/٥ ). وقد ذكر صاحب ((المسودة)) ص (١٩٥) أن اسمه: (يحيى بن عمر بن يحيى الأصبهاني ) . كما ذكر صاحب ((فواتح الرحموت)) (٥٥/٢) أنه الجاحظ . ولعل الصواب أنه ((محمد بن بحر))، فقد نص الفتوحي في كتابه: ((شرح الكوكب المنير )) ص (٢٥٦) على ذلك. (٢) نقل ذلك عنه عبد القاهر بن طاهر البغدادي في كتابه: (( أصول الدين )) ص (٢٢٦ - ٢٢٧) وقال: ( ... ولا اعتبار بخلافه في هذا الباب ، مع تكذيبه لقوله تعالى: (( ما ننسخ من آية أو ننسها ، نأت بخير منها أو مثلها ... ). ونقل الفتوحي في كتابه: (( شرح الكوكب المنير)) ص (٢٥٦) عن ابن السمعاني = ٧٧٠ ٢ واختلفت [١١٠/أ] اليهود في جواز نسخ الشرائع على مذاهب : منهم من منع ذلك من طريق العقل . ومنهم من قال : لا يجوز من جهة السمع . ومنهم من قال : يجوز من جهة السمع والعقل ، ولكن لا يؤمن بما جاء به نبينا ، ولا يقر بمعجزاته ، ولا يقبل شريعته . والدلالة على جوازه شرعاً : أن التوجه إلى بيت المقدس كان واجباً بلا خلاف، ثم نسخه الله بالتوجه إلى الكعبة ، بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَّامِ ) (١) الآية. وكذلك تقديم صدقة بين يدي نجوى النبي عْ له ، كان واجباً بقوله تعالى: ( إِذَا نَاجَيْتُم الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ) (٢) ثم نسخ اللّه تعالى ذلك (٣). = قوله : (وهو رجل معروف بالعلم ، وإن كان قد انتسب إلى المعتزلة ، ويعد منهم . وله كتاب كبير في التفسير ، وله كتب كثيرة ، فلا أدري كيف وقع هذا الخلاف منه ؟! ) . وقد علق ابن بدران في كتابه: (( نزهة الخاطر)) (١٩٩/١) على ذلك بقوله : ( ... وبالجملة ، فإن أبا مسلم إن كان قال هذا القول على إطلاقه فهو جاهل بأسرار الشريعة المحمدية جهلاً منكراً ، والجاهل لا عبرة بخلافه ، ولا بوفاقه في هذا الفن ؛ لأنه فن المجتهدين ، لا فن الأغبياء المقلدين ) . (١) (١٤٤) سورة البقرة . (٢) (١٢) سورة المجادلة. (٣) والناسخ قوله تعالى: (أَأَشْفَقْتُم أَنْ تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُم صَّدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاَةَ وآتُوا الزَّكَاةَ ) الآية (١٣) من سورة المجادلة. ٧٧١ وقال تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا (١) نَأتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (٢) فأخبر أن فيه ناسخاً ومنسوخاً . وقال تعالى: ( فَبِظُلْمِ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتِ أُحِلَّتْ لَهُمْ) (٣)، فأخبر أنه قد حرّم عليهم ما كان حلالاً لهم . وهذا هو النسخ . ونظائر ذلك كثير . والدلالة على جوازه عقلاً : أن الناس في التكليف على قولين : = منهم من قال : لله تعالى أن يكلف عباده بما شاء أن يكلفهم ، لمصلحة ولغير مصلحة ، ولكن لا يختلف أن التكليف إنما وقع على وجه المصلحة ، كما أن ما يفعل فينا إنما يفعله للمصلحة . ومنهم من قال : حسن التكليف لما فيه من مصالحهم . وأيهما كان فإن النسخ يجب أن يكون جائزاً ؛ لأنه على القول الأول ، النسخ بمنزلة ابتداء التكليف ، وعلى القول الثاني لا يمتنع أن يختلف حال المكلف في المصلحة ، فيختلف التكليف ، ألا ترى أن الرجل قد يكون من مصلحته في وقت البر واللطف ، وفي وقت آخر مصلحته التشديد والعنف . ويبين صحة هذا أن الطاهر تصوم وتصلي ، والحائض تمنع منهما . ولأن تأخير بيان المراد باللفظ العام من وقت الخطاب إلى وقت الحاجة جائز ، كتأخير بيان التخصيص ، وهو تأخير لبيان المراد باللفظ العام في (١) هذه قراءة في الآية، وقد سبق الكلام على ذلك في أول المسألة . (٢) (١٠٦) سورة البقرة. (٣) (١٦٠) سورة النساء. ٧٧٢ 1 الأعيان ، مثل قوله تعالى: ( فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) (١) وما أشبه ذلك. فإن قيل : تخصيص عموم القرآن يجوز بخبر الواحد وبالقياس ، ولا يجوز نسخه بهما . قيل : يجوز ذلك في العقل ، كما جاز ذلك في التخصيص ، وإنما منعناه (٢) شرعاً ، وهو أن التخصيص لا يرفع الجملة ، فجاز أن يقع بما هو دونه ، والنسخ يرفع الجملة فلم يقع إلا بما هو أقوى من المنسوخ . ولأن عندهم أن اعتقاد نبوة موسى عليه السلام ، قبل أن بعث وظهرت معجزاته لا يجوز ، ولم يجز الإخبارُ عن اللّه تعالى في تلك الحال وكان محظوراً ، فلما ظهرت المعجزة على يده ، صار الإخبار بثبوته طاعة ، فما أنكرتم أن يكون الشيء عبادة ثم يخرج من [١١٠/ب] أن يكون عبادة. وأيضاً : لما حسن أن ينقلنا من حال إلى حال في الحلقة ، فننقل من الصغر إلى الكبر . ومن الشباب إلى الهرم ، ومن الصحة إلى السقم ، ومن الحياة إلى الممات ، حسن أن ينقلنا في التكليف ؛ لأنه لا فرق بين ما يفعله بنا ، وبين ما يأمرنا بفعله . ولأن الله تعالى أمر آدم عليه السلام بتزويج بناته من بنيه، وحرم ذلك في شريعة من بعده من الأنبياء . وأباح العمل في السبت على ألسنة سائر الأنبياء ، وحرمه على لسان موسى عليه السلام . وكذلك إبراهيم عليه السلام خَتَن نفسه بعد الكبر . وهم يزعمون أن من (١) (٥) سورة التوبة. (٢) في الأصل : ( معناه ) . ٧٧٣ شرع موسى المبادرة إلى الختان في اليوم الذي يولد المولود . وكذلك يزعمون أن يعقوب جمع بين الأختين في وقت واحد ، وذلك لا يجوز في شريعة موسى . وهذا يدل على بطلان ما قالته اليهود ، لعنهم الله . واحتج من منع ذلك عقلاً : بأن النسخ يفضي إلى البَدَاء ، فإنه قد يكون أمر بشيء وأراده ثم علم من حال المأمور به في الثاني ما لم يكن قد علمه منه في وقت الأمر به ، فأوجب النهي عنه ، إذ لو لم يكن ذلك لكان بيّن مدة الفعل في وقت الأمر ، وفي حصول الإجماع على بطلان ذلك دليل على فساد قول ما أدى إليه . والجواب : أنا لا نقول : إنه لما أمر بها أراد بقاءها على الدوام ، ثم بان له خلاف ذلك فنسخها ، بل نقول : أمر بما أمر به ، وهو عالم بما أمر وبما ينهي عنه بعده ، ولم يظهر له شيء كان خفياً عنه ، تعالى عن ذلك علواً كبيراً ، بل نقول : إنه حين أمر بها أمر وهو يريد بقاءها والتعبد بها ، إلى أنه معلوم عنده أن فيه مصلحة أو لا مصلحة فيه ، وإن لم يطلع عليه ، ولا يوجب ذلك أن يكون قد ظهر له منه في حال النهي ما لم يكن عالماً به ، ألا ترى أنه إذا نهى عن فعل من الأفعال ابتداءً ، فإنه لا يوجب ذلك أن يكون عالماً حال النهي ما لم يكن قد علمه قبل ذلك ، ثم هذا يبطل بنقل الانسان من حال إلى حال . وقيل الجواب عن هذا : إنما يقتضي البَدَاء لو أمر بفعل عبادة في وقت ، ثم ينهي عنها في ذلك الوقت على جهة واحدة ، فأما إذا نهي عن مثل تلك العبادة التي أمر بها ، فلا يفضي إلى البَدَاء . وقد كشف بعض المتكلمين عن هذا الجواب ، وقال : إن هذا ٧٧٤ 1 يجري مجرى ما لو علق الآية بمدة، نحو قوله: ((صلوا عشرين سنة))، فإن ما بعد المدة يسقط الأمر على غير وجه البَدّاء ، كذلك إذا أمر به مطلقاً إلى مدة معلومة عنده ، وكذلك أفعال الله تعالى تجري هذا المجرى بدليل أنه يغني الواحد في وقت ، ويفقره في وقت آخر ، ويسود الشيء في وقت ، ويبيضه في وقت، [١١١/أ] ويحرك الشيء في وقت، ويسكنه في وقت ، ويحييه في وقت ، ويميته في وقت . وكذلك آدم كان يزوج بناته من بنيه، وكان مباحاً ، ثم حظره الله تعالى عندهم . وكذلك جميع ما شرعه موسى لم يكن لمن قبله من الأنبياء . وكذلك اختتان إبراهيم عليه السلام بعد الكبر . واحتج : بأنه يؤدي إلى التناقض من قِبَل أنه أمر بعبادة ، وكان عملها حسناً ، فإذا نهي عنها بعد مدة يصير فعلها مفسدة ، بعد أن كان مصلحة . والجواب : أنه لا يؤدي إلى ذلك ؛ لأنا لا نجعل العبادة الواجبة مصلحة ومفسدة ، أو حسنة وقبيحة ، وإنما نجعل العبادة مصلحة في وقت ، ومفسدة في وقت آخر . ثم إن هذا يبطل بانتقالنا من حال إلى حال . واحتج : بأن الأمر إذا ورد مطلقاً اقتضى فعل المأمور به أبداً ، ووجب على المأمور أن يعتقد وجوبه عليه أبداً، ويكون ذلك الاعتقاد حسناً ، فلو جاز ورود النهي عن مثل ذلك في المستقبل ، لكان ذلك دلالة على البَدَاء ؛ لأنه قد نهي عما وقع الأمر به على الوجه الذي أمر به ، ولصار الاعتقاد الذي كان محكوماً له بالحسن قبيحاً . والجواب : عن قوله : إن الأمر يقتضي فعل المأمور به أبداً ، خطأ ؛ لأن التكليف قد يسقط بمعانٍ (١) تطرأ على المكلف ، مثل الموت والجنون (١) في الأصل: ( معاني ). ٧٧٥ والعجز ، وما يجري هذا المجرى ، فكيف يصح أن يكون الأمر مقتضياً لوجوب المأمور به أبداً . وقوله : إن ذلك يكون بَدَاءً ، خطأ ؛ لأن النهي ها هنا لا يقع عما وقع الأمر به، وإنما وقع النهي عن مثله في المستقبل، وهذا غير ممتنع؛ لأن الفعلين قد يكونا متماثلين من جنس واحد ، مع كون أحدهما حسناً وفيه المصلحة ، وكون الآخر قبيحاً ولا مصلحة فيه ، ألا ترى أن اعتقاد المكلف نبوته ، واعتقاده لها يكون مصلحة بعد بعثه الله تعالى إياه ، ولا يكون مصلحة قبل أن يبعثه نبياً . وقولهم : إن عليه أن يعزم على الفعل ويعتقده أبداً ، فليس كذلك ، وإنما يعتقد وجوبه إلى ما لم يرفع عنه . واحتج : بأنه لو جاز ورود النسخ في الشرائع ، لجاز مثله في اعتقاد التوحيد . والجواب : أن الفعل الشرعي يجوز أن يكون مصلحة في وقت ، ولا يكون مصلحة في وقت آخر مع بقاء التكليف ، ويكون مصلحةً لزيد ، ولا يكون مصلحةً لعمرو . فأما فعل التوحيد ، فلا يخرج عن أن تكون المصلحة فيه لجميع المكلفين ، وفي جميع الأوقات . يبين صحة هذا : أنه يجوز أن يجمع بين الأمر بالفعل الشرعي وبين النهي عن مثله، بأن يقول: ((صلوا هذه السنة، ولا تصلوا بعدها))، ولا يجوز أن يجمع بين إيجاب اعتقاد التوحيد وبين النهي [١١١/ب] عن مثله في المستقبل . واحتج : بأنه لو جاز ورود النهي عن الفعل بعد ورود الأمر بمثله مطلقاً ، لكان ذلك مؤدياً إلى أن لا يكون ها هنا معنى يدلنا على تأبيد ٧٧٦ ٠ العبادة ، وفي ذلك إبطال قدرة اللّه تعالى على أن يدلنا على تأبيد العبادة إلى وقت زوالها بزوال التكليف . والجواب : أنه يجوز تأبيد العبادة بأن ينقطع الوحي ، أو يضطر إلى قصد (١) الرسول فيه ، كما اضطررنا إلى قصده في تأبيد شريعته، وأنه لا نبي بعده . واحتج من قال منهم بأنه لا يجوز النسخ شرعاً : بما روي عن موسى عليه السلام أنه قال: ((شريعتي مؤبدة ما دامت السموات والأرض)). والجواب : أن هذا كذب . وقيل: إن أول من قال هذا لليهود ابنُ الراوندي (٢) بأصبهان (٣)، فإنه أخذ منهم دنانير ، وعلمهم ذلك ، وقال : قولوا لهم : إن شريعتنا مؤبدة ، كما يقولون . (١) في الأصل: (فعله) والتصويب من ((المسوّدة)) ص (١٩٥). (٢) هو: أحمد بن يحيى بن الراوندي . نسبة إلى : (رواوند) قرية من قرى (قاسان) بالسين المهملة من نواحي ( أصبهان ) . كان ملحداً ملازماً للزنادقة والرافضة . وكان من المعتزلة ، ثم خرج عنهم ، وصنف الكتب في الرد عليهم . له كتب كثيرة، منها: ((الدامغ )) يدمغ به القرآن، ومنها ((الزمردة))، ومنها نصيحة المعتزلة. مات سنة (٣٠٠ هـ)، أو (٣٠١ هـ ) . له ترجمة في: ((شذرات الذهب)) (٢٣٥/٢)، و((طبقات المعتزلة)) ص (٢٩٩) . (٣) ( أصبهان ) بفتح الهمزة وكسرها ، والأول أكثر وأشهر. وهي لفظ معرب معناها الجيش ، والكلام على تقدير مضاف ، أي : مدينة الجيش ، وهي مدينة عظيمة مشهورة ويطلق : ( أصبهان ) على الاقليم كله . انظر: ((مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع)) (٨٧/١). ٧٧٧ والدليل على ذلك: أن هذا لو كان صحيحاً لوجب أن يكون اليهود قالوا لعيسى ونبينا صلى الله عليهما وسلم مع تصديقهما لموسى عليه السلام ومخالفتهما لشريعته عليهم السلام ، فلما لم ينقل أن أحداً قال لهما هذا ، مع حرصهم على تكذيبهما والرد عليهما وتنفير الناس عنهما ، دل على أنه لا أصل له . وجواب آخر وهو : أنه لو ثبت لكان معناه إلا أن يدعو صارف إلى تركها وهو من ظهرت المعجزة على يده ، وثبتت نبوته ، مثل ما ثبتت نبوة موسى ، والخبر يجوز تخصيصه كما يجوز تخصيص الأمر والنهي . فصل (١) والنسخ في اللغة عبارة عن شيئين : أحدهما: الإزالة، فإذا كان في موضع آثار، فزالت، قالوا : ((نسخت الآثار))، ويقال: ((نسخت الشمس الفيء))، إذا أزالت الفيء. والثاني : عبارة عن نقل مثل الشيء عن موضعه إلى موضع آخر ، ومنه قوله تعالى : ( إنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٢)، معناه ننسخ العمل ، وهو باقٍ على ما كان (٣). وهو في الشرع : عبارة عن إخراج ما لم يرد باللفظ العام في الأزمان ، مع تراخيه عنه . (١) راجع في هذا الفصل: ((التمهيد)) الورقة (٩٣/أ)، و (( روضة الناظر )) مع شرحها، ((نزهة الخاطر)) (١٨٩/١). (٢) (٢٩) سورة الجاثية . (٣) في المعنى اللغوي راجع: ((القاموس المحيط)) (٢٧١/١) مادة ((نسخ))، و((معجم مقاييس اللغة)) (٤٢٤/٥) . ٧٧٨ وقولنا : مع تراخيه ، احتراز من التخصيص ، فإنه يكون متراخياً ومقارناً. ولا يبطل هذا بقوله: (ثُمَّ أَتِمُوا الصَّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) (١)، أن زمان العبادة ينقص ، وليس بنسخ ؛ لأنا قلنا مع تراخيه ، والحد مقارن . وقال قوم من المتكلمين : هو إخراج ما أريد باللفظ . وهذا غلط ؛ لأنه يؤدي إلى البَدَاء على الله تعالى فإنه إذا أراد أن يكون التوجه إلى بيت المقدس واجباً بعد ستة عشر شهراً ، ثم لم يرد ذلك، كان بَدَاءً، وذلك لا يجوز عليه لاستحالة جواز الجهل [١١٢/أ] والنسيان عليه . فإن قيل : فقد أجزتم نسخ الشيء قبل فعله ، وإن كان بَدَاءً . قيل : ليس ذلك بَدَاءً ؛ لأنه يحمله على أن الأمر اقتضى مقدمات الفعل ، ويكون تقديره ما لم أنسخه عنك ؛ لأنه ليس من شرط الأمر إرادة المأمور به . الفرق بين النسخ والتخصيص والفرق بين النسخ والتخصيص من وجوه : أحدها : من شرط الناسخ أن يتأخر عن المنسوخ ، فلا يسبقه ، ولا يقارنه . وأما التخصيص : فالذي يقع به التخصيص يصح أن يسبق المخصوص ويقارنه ، ويتأخر عنه . والثاني : لا يصح النسخ إلا بمثل المنسوخ في القوة ، وأقوى منه ، والتخصيص يصح بمثل المخصوص وما دونه ، وأضعف منه ؛ لأن (١) (١٨٧) سورة البقرة . ٧٧٩ التخصيص لا يرفع كل الخطاب ، وإنما يخص بعضه ، وترك الباقي على ما هو عليه ، فكان أخف من النسخ ، فصح التخصيص بأخبار الآحاد والأفعال والقياس ، والنسخ أقوى ؛ لأنه رفع الخطاب كله ، فقوي في بابه ، فلا يجوز رفعه إلا بمثله في القوة أو ما هو أقوى . الثالث : النسخ يرفع كل النطق ، والتخصيص يبقي بعض اللفظ (١). فصل (٢) والنسخ على ثلاثة أضرب : نسخ الحكم دون الرَّسْم ، ونسخ الرَّسْم دون الحكم ، ونسخ الرَّسْم والحكم . أما نسخ الحكم دون الرَّسْم فجائز ، وذلك مثل الوصية للوالدين والأقربين (٣) . ومثل عدة الوفاة ، فإن ذلك منسوخ، ورسمه في القرآن . وذلك أن العدة كانت في بدء الأمر حولاً ، فنسخت إلى أربعة أشهر وعشر ، وهما جميعاً في القرآن، قال تعالى: ( وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيّةً لِأَزْوَاجِهِمِ مَتَاعاً إلَى الْحَوْلِ (١) بقي بعض الفروق بين النسخ والتخصيص، لم يذكرها المؤلف، وقد ذكر جملة منها ابن قدامة في كتابه: ((روضة الناظر)) مع شرحها: ((نزهة الخاطر)) (١٩٧ - ١٩٨) ، فارجع إليه إن شئت . (٢) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (١٩٨)، و((روضة الناظر)) مع شرحها: ((نزهة الخاطر)) (٢٠١/١ - ٢٠٣)، و (( شرح الكوكب المنير)) ص (٢٦٢ - ٢٦٤ ) . (٣) يشير المؤلف بهذا إلى قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُم إذَا حَضَرَ أَحَدَكمُ الموتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقاً عَلَى الْمُتّقِينَ)، وقد وفّى ابن كثير الموضوع حقه في تفسيره (٢١١/١ - ٢١٢). ٧٨٠