النص المفهرس

صفحات 741-760

النحل (١) ، والنوب (٢) : القرب .
ويدل عليه قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُم تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمْ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم ) (٣)، وهذا يدل على أن
التأسي بالنبي مَ الِ واتباعه واجب .
ومن جهة السنة :
ما روي أن النبي عَ لِ كان يصلي ، فخلع نعله ، فخلعوا نعالهم ،
فلما فرغ قال: ((لم خلعتم نعالكم؟)) قالوا : رأيناك خلعت نعليك
فخلعنا، فقال: ((أتاني جبريل فأخبرني أن فيهما قذراً)) (٤).
(١) في الأصل: (والنوب والنحل ) .
وسميت ((النحل)) بـ ((النوب))، لرعيها ونوبها إلى مكانها. قال السكري في
كتابه: ((شرح أشعار الهذليين)) (١٤٤/١): ( ((نوب)): تنتاب المرعى،
فتأكل، ثم ترجع، فتعسل، و ((تنوب)): تذهب وتجيء).
وقال أبو عبيد: ((إنما سميت: ((نوباً))؛ لسواد فيها)). نقل ذلك عنه السكري
في المرجع السابق .
وانظر أيضاً: (( معجم مقاييس اللغة)) (٣٦٧/٥).
(٢) في الأصل : ( البوب ) بالباء .
(٣) (٣١) سورة آل عمران.
(٤) هذا الحديث رواه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - مرفوعاً. أخرجه عنه
أبو داود في كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل ( ١٥١/١).
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الصلاة ، باب الصلاة في النعلين ( ٢٦٠/١).
وأخرجه عنه الإمام أحمد في ((مسنده)): (٢٠/٣).
وأخرجه عنه الحاكم في ((مستدركه)) في كتاب الصلاة، باب (( لا يضع نعليه عن
يمينه ولا عن يساره))، وليضعهما بين رجليه (٢٦٠/١) وقال: ( وهذا حديث
صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ) .
=
٧٤١

فوجه الدلالة : أن النبي ◌َّفي استفهم منهم ، فقالوا فعلنا كفعلك ،
فلم ينكر عليهم ، ولم يقل لا يجوز لكم ذلك ، بل أقرهم على اتباعه ،
وبين لهم السبب الذي فعل لأجله .
فإن قيل : فلو كان اتباعه واجباً لم يستفهم منهم ؛ لأنهم فعلوا
الواجب .
قيل : يحتمل أن يكون استفهم لينظر هل فعلوا ذلك لاتباعه أم لمعنى
آخر؟ فلما أخبروه أنهم فعلوه لأجله ، [١٠٤/ب] أقرهم عليه ، وبين العلة
التي خلعها لأجلها .
فإن قيل : لم ينكر عليهم ؛ لأنه قال ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) .
قيل: لا نعلم أن هذا القول قاله قبل هذه القصة أو بعدها، فنقف حتى
نعلم كيف كان ، على أن النبي ع التمِ أمرهم أن يصلوا كما يصلي ، وخلع
النعل ليس بصلاة ، وإنما هي أفعال أوقعها فيها من غيرها ، بدليل : أن هذا
لو كثر منه وتكرر بطلت صلاته .
وأيضاً: ما روت أم سلمة قالت : قلت يا رسول اللّه سألوني عن القُبلة
للصائم، فقال: لِيمَ ((لم تقولي لهم: إني أُقبّل وأنا صائم(١)؟!)). فَعَرَّفها
= وأخرجه عنه البيهقي في (( سننه الكبرى)) في كتاب الصلاة ، باب من صلى وفي
ثوبه أذى لم يعلم به ، ثم علم (٤٠٢/٢ ) .
(١) حديث أم سلمة - رضي الله عنها - أخرجه عنها الإمام الشافعي في كتاب الصيام ،
باب ما جاء في تقبيل الرجل زوجته ، وهو صائم (٢٥٨/١ - ٢٥٩)، ولفظه :
( أن رجلاً قبل امرأته ، وهو صائم ، فوجَد من ذلك وجْداً شديداً ، فأرسل
امرأته تسأل عن ذلك ، فدخلت على أم سلمة أم المؤمنين ، فأخبرتها ، فقالت أم
سلمة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبّل وهو صائم ، فرجعت المرأة إلى
زوجها ، فأخبرته ، فزاده ذلك شراً ، وقال : لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه
وسلم، يحل اللّه لرسوله ما شاء، فرجعت المرأة إلى أم سلمة، فوجدت رسول اللّه =
٧٤٢
1

شرعه ، وأنكر عليها ترك إخبارهم لفعله . فلولا أن فعله يقتدى به لما
أمرها بذلك .
ولا معنى لقولهم : إن هذه أخبار آحاد ، فلا يثبت بها أصول ؛ لأن
أخبار الآحاد إذا تلقيت بالقبول ، كانت مقطوعاً بها كالتواتر ، وليس في
الأمة أحد يكذّب حديث خلع النعلين في الصلاة (١) .
وأيضاً : وجوب الغسل بالتقاء الختانين ، وذلك أنهم لما اختلفوا في
وجوب الغسل بالتقاء الختانين ، فقال قوم : يجب . وقال أبي بن كعب : لا
يجب ما لم ينزل ، وقال (٢): الماء من الماء (٣)، فسألوا عائشة فقالت: إذا
التقى الختانان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا (٤). [ ٥] رجعوا
إليها وأقروها على ما احتجت به في وجوبه ، فثبت أنهم أجمعوا على ذلك .
وروي أن عمر رضي الله عنه قَبّل الحجر ، وقال : إني أعلم أنك
حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت حبيبي رسول اللّه قَبّلك ما
قَبّلتك (٥) .
صلى الله عليه وسلم عندها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما بال هذه
المرأة؟)). فأخبرته أم سلمة، فقال: ((ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك))؟.) الحديث .
(١) مضى تخريجه ص (٧٤١).
(٣) سبق تخريجه بهذا اللفظ ص (٤٦١).
(٢)
في الأصل : ( وقالوا ) .
(٤) سبق تخريجه بهذا اللفظ ص (٣٢٨).
(٥) هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب الحج ، باب الرمل في الحج والعمرة
(٢ / ١٧ ).
وأخرجه عنه مسلم في كتاب الحج ، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في
الطواف ( ٩٢٥/٢ ) .
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب المناسك ، باب في تقبيل الحجر (٤٣٣/١) . =
٧٤٣

وغير ذلك من رجوع الصحابة إلى أفعاله في المسح وغيره .
وأيضاً : فإن أفعال النبي مُتْ لَّم كأقواله ، بدليل : أنه يخص به العموم ،
ويبين به المجمل ، فوجب أن يكون بمنزلته في حمله على الوجوب عند
تجرده (١) .
كما أن السنة لما ساوت الكتاب فيما ذكرنا ساوته في حملها على الوجوب
عند التجريد .
ولأن الفعل إذا كان منه على سبيل القربة ، احتمل أن يكون ندباً
واحتمل أن يكون واجباً واحتمل الندب ، فحمله على الوجوب أولى لما
فيه من الاحتياط ؛ لأن الندب يدخل في الواجب ، والواجب لا يدخل في
الندب .
فإن قيل : فقد يكون واجباً في حقه خاصاً له ، فلا يلزم غيره .
قيل : إطلاق أفعاله عندنا محمولة على أنها له ولأمته ، وإنما يقع منها خاصاً
بدلالة ، وإلا فالأمر بيننا وبينه مشترك .
واحتج من قال يستحب :
بقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُم
اللّهُ) (٢)، ومحبته تقتضي الاستحباب دون الإيجاب .
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في تقبيل الحجر (٢٠٥/٣).
=
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الحج ، باب تقبيل الحجر (١٨٠/٥).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب المناسك ، باب استلام الحجر (٩٨١/١).
(١) أعاد المؤلف الضمير بصيغة المفرد المذكر هنا وفي المواضع السابقة مع أنها عائدة إما
على (أفعال ) واما على ( أقوال ) ولعله قصد المفرد من ذلك .
(٢) (٣١) سورة آل عمران .
٧٤٤

[١٠٥/أ] والجواب: أن قوله: (فَاتَّبِعُونِي)(١) أمر، والأمر
يقتضي الإيجاب . فالآية حجة لنا من هذا الوجه .
وقوله : ( يُحْبِبْكُم اللّهُ) لا يقتضي الاستحباب ؛ لأن المحبة تكون
لفعل الواجب والمستحب جميعاً .
واحتج: بقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ
حَسَنَةٌ ) (٢) ولم يقل عليكم ، فدل على أن التأسي به مستحب .
والجواب : أن في سياقها ما يدل على الوجوب ، وهو قوله: (وَمّن
يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (٣) فتوعد على المخالفة .
ولأنه قال تعالى: ( وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ، وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (٤)
معناه : عليهم اللعنة .
واحتج: بأن وجوب أفعال النبي ◌َّ الله لا تخلو من أن تثبت بالعقل أو
بالسمع ، والعقل لا يقتضي وجوبها ؛ لأن المصالح تختلف باختلاف أحوال
المكلفين ، ولهذا خالفت الحائض الطاهر ، والمقيم المسافر ، فيجوز أن يكون
فعله صلاحاً له ، ومتى فعلنا مثله كان فساداً لنا ، فثبت بهذا أن العقل لا
يقتضي وجوب مثل أفعاله علينا ، والسمع لم يرد أيضاً بذلك ووجوبه .
والجواب : أنها وجبت بالسمع ، وقد بينا ذلك من الكتاب والسنة
والإجماع .
واحتج : بأنه متى وجب علينا أن نفعل مثل فعله كنا متبعين له فيه ،
(١) في الأصل : ( فاتبعوه ) .
(٢) (٢١) سورة الأحزاب.
(٣) (٢٤) سورة الحديد .
(٤) (٥٢) سورة غافر .
٧٤٥

ومعلوم أن المتبوع أوكد حالاً من التبع ، فإذا كان كذلك ، وكان (١) ظاهر
فعله لا ينبىء عن وجوبه عليه ، فلأن لا يدل على وجوبه علينا أولى .
والجواب : أن هذا يبطل على أصل المخالف ، بالأمر ، فإنهم
جعلوه دالاً على الوجوب في حق غيره ، ولا يدل على وجوبه عليه ؛
لأن الآمر لا يدخل تحت الأمر ، فلا يمتنع أن يكون الفعل من جهته
کالأمر .
وعلى أنا نقول : إن ظاهر أفعاله تدل على الوجوب في حقه ، كما قلنا
في أوامره : هي لازمة له وهو داخل تحتها كالمأمور سواء ، ولا فرق
بينهما . وهذا قياس المذهب .
واحتج : بأن النبي ◌ُ ◌ّثم قد يفعل الأفعال في أحوال لا يُشاهد فيها،
ولا يمكن حضوره والوقوف عليه ، وما هذه صفته لا يجوز أن يكون واجباً
علينا ؛ لأن ما لا طريق لنا إلى معرفته لا نتعبد به ، وإذا لم يكن الفعل الذي
هذه حاله واجباً علينا ، لم يجب أيضاً غيره من الأفعال ؛ لأنه ليس بعض
أفعاله بالوجوب أولى من بعض .
والجواب : أن ما يفعله في الخلوات يمكنه أن يخبر بها من لم يشاهد ،
كما أنه يجوز أن يأمر بالفعل من ليس يحضره ، ثم يقع لهم بذلك الخبر .
واحتج: بأنه لا يخلو أن يكون [١٠٥/ب] المعتبر في هذا الباب بصورة
أفعاله التي ظهرت دون الوجوه التي عليها وقعت ، أو يكون المعتبر بصورتها
مع الوجوه التي وقعت عليها ، ولا جائز أن يكون المعتبر بصورتها فقط ؛
لأنه لو وجب ذلك لجاز لنا إيقاع مثل الفعل الذي فعله على جهة الإيجاب
مع وقوعه منه على جهة الندب أو الإباحة ، وهذا باطل بالاتفاق . وإذا وجب
(١) في الأصل: ( فكان).
٧٤٦
i
i

اعتبار صورة الفعل مع الوجه الذي وقع ، فهذا يمنع أن يكون ظهور فعله
دلالة على الوجوب .
والجواب : أن المعتبر بصورة الفعل فقط ، إذا كان واقعاً على وجه
القربة .
وقولهم : إنه قد يقع منه على وجه الندب والإباحة ، غلط ؛ لأن
إطلاق أفعال القرب منه يقتضي الإيجاب ، وإنما يحمل على الندب بدلالة .
واحتج : بأن أفعال النبي عَظِلّهِ يَعْتَوِرُها معنيان: أحدهما الفعل
و [ ثانيهما ] الترك؛ لأن الترك أحد قسمي الفعل، فلما لم يكن تركه موجباً
علينا ترك الفعل الذي تركه ، كذلك فعله ، لا يوجب علينا مثل فعله .
والجواب : أن هذا يبطل بالأمر ، فإنه يَعْتَوِره معنيان : الأمر
والترك، وترك الأمر لا يوجب ترك ما ترك الأمر به ، وأمره يوجب امتثال.
ما أمر به .
واحتج : بأن حمله على الندب أولى ؛ لأنه متحقق ، وما عداه مشكوك
فيه .
والجواب : أن حمله على الوجوب أولى ، لما فيه من الاحتياط والخروج
من الغرر .
واحتج أبو الحسن في مسألته (١) : بأن فعله قد يكون مصلحة له ، دون
أمته .
والجواب : أنه يبطل بأمره إذا خرج في رجل بعينه قد تكون مصلحة
له ولا يختصه .
(١) هكذا في الأصل، ولعل الصواب : ( في مسائله ) .
٧٤٧

وذكر أيضاً : بأن الصغائر قد تقع من الأنبياء ، قال تعالى: ( وَعَصَى
آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (١) .
وأخبر عن موسى لما قتل الرجل ( هَذَا مِن عَمَلِ الشَّيْطَانِ) (٢).
وكذلك ما وجد من إخوة يوسف ، ومن داود ، وإذا ثبت وقوع
الخطأ منهم ، لم يجب علينا احتذاء أفعالهم .
والجواب : أنا قد بينا أنه إنما يجب ما كان على سبيل القربة والطاعة .
واحتج من قال : إنها على الوقف :
بأنا لا نعلم على أي وجه فعله النبي عليه . ويحتمل أن يكون فعله
واجباً ، ويحتمل أن يكون ندباً ، ويحتمل [أن يكون ] (٣) إباحةً، ويحتمل
أن يكون مخصوصاً دون أمته ، وإذا لم يعلم على أي وجه أوقعه لم يصح
الاقتداء به .
والجواب : أن الفعل المتجرد عن القرائن لا يكون إلا واجباً عاماً فيه
وفي أمته ، وإنما يكون ندباً أو خاصاً له عند انضمام قرينة الندب ، كما
قلنا في صيغة الأمر إذا وردت [١٠٦/أ] متجردة عن القرائن اقتضت
الوجوب ، وإنما يحمل على الندب بقرينة .
وعلى أنه وإن كان محتملاً للوجوب والندب ، فحمله على الوجوب
أولى ؛ لما فيه من الاحتياط .
وجواب آخر ، وهو : أن الاتباع قد يكون في الفعل وإن اختلف
(١) (١٢١) سورة طه.
(٢) (١٥) سورة القصص.
(٣) ما بين القوسين المعقوفين من تصويب الناسخ في هامش الأصل .
٧٤٨
١

قصد التابع والمتبوع ، فالمتنفّل يأتمّ بالمفترض، فيتبعه في صلاته ، وإن
اختلفا فى القصد والاعتقاد .
وكذلك من خرج للجهاد ، فتبعه آخر يريد تجارة ، سمي متبعاً له في
سفره ، وإن خالفه في قصده .
ومما يلحق بأول المسألة ما رأيت (١) في آخر كتاب النفقات من كتاب
الشافي بخط عتيق : روى محمد بن هبيرة البغوي (٢) عن أحمد بن حنبل
رحمه اللّه قلت له : أليس أمر رسول الله عز التعٍ واحداً؟ قال : نعم ،
إلا أن منه أشد ، قلت له : ففعله ؟ قال : فعله ليس عليك بواجب ، وذلك
أنه كان يقوم حتى ترم قدماه (٣)، ويفعل أفعالاً لا تجب عليك (٤).
وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة .
فصل
وإذا ثبت أن أفعاله على الوجوب ، فإن وجوبها من جهة السمع .
خلافاً لمن قال : تجب بالعقل .
(١) في الأصل : ( ورأيت ).
(٢) من أصحاب الإمام أحمد الذين نقلوا عنه بعض المسائل .
له ترجمة في: ((طبقات الحنابلة)) (٣٢٥/١) .
(٣) هذا الحديث رواه المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - أخرجه عنه البخاري في
كتاب التهجد ، باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم حتى ترم قدماه (٦٠/٢).
وأخرجه عنه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ( ٢١٧١/٤ - ٢١٧٢).
وأخرجه عنه الإمام أحمد في (( مسنده)) ( ٢٥٥/٤) .
(٤) هذه الرواية عن الإمام أحمد نقلها ابن أبي يعلى في ((طبقاته)) (٣٢٥/١)، في
ترجمة محمد بن هبيرة البغوي ، المذكور آنفاً .
٧٤٩
أ

دليلنا :
أن أصل النبوة لما لم يثبت عقلاً ، وإنما يثبت بدليل ، ففعله أولى .
ولأن الأفعال الشرعية ، تختلف بحسب اختلاف أحوال المكلفين ،
بدلالة أن الحائض مخالفة لحال الطاهر ، وكذلك المقيم مخالف للمسافر ،
والغني والفقير ، لم يمتنع أن تكون حال النبي عب التم مخالفة لأحوالنا في
الفعل ، فيكون ما يفعله صلاحاً له ، ومتى فعلنا مثله كان فساداً لنا ،
فوجب الرجوع في اتباع أفعاله إلى دلالة أخرى غير الفعل .
واحتج المخالف :
بأن النبي ◌َ الله إذا فعل ذلك على وجه القربة كان من مصالحه ، فيجب
أن يكون من مصالحنا .
والجواب : أن هذا يوجب كون الصلاة مصلحة في حق الحائض ؛
لأنها مصلحة في حق الطاهر ، وكذلك الصيام والقصر في حق المقيم ، والزكاة
في حق الفقير .
واحتج بأن ما أوقعه صواب وحق ، فوجب اتباعه .
والجواب : أن هذا يبطل بما كان مخصوصاً به من الأشياء ، ويبطل
بالصلاة في حق الطاهر صواب وحق ، وليس ذلك بصواب في حق
الحائض .
واحتج : بأن في ترك اتباعه إظهار خلاف عليه ومباينة له ، وذلك
يوجب التنفير عنه والتصغير لشأنه ، فوجب حملها على الوجوب .
والجواب : أن هذا باطل بما كان مخصوصاً به .
ويبطل أيضاً بأفعاله المباحة من الأكل والشرب واللبس والمشي ،
٧٥٠

فإن ترك اتباعه فيها يفضي إلى ما قالوه ، ومع هذا لا يجب اتباعه
وعلى [١٠٦/ب] أن هذا يوجب المشاقة في حق من لا يوجبها، وعندنا أنه
يجب اتباعه فيها ، وإنما تختلف في الطريقة التي بها يجب ، فلا يصح ما قالوه
مسألة (١)
يجوز أن يكون النبي الثاني متعبداً بما تعبد به الأول ، والعقل لا يمنع
من ذلك ؛ لما فيه من المصلحة له ، فلما لم يمنع أن يتفق حكم زيد وعمرو
فيما هو مصلحة لهما من الشرعيات ، ولم يمتنع أيضاً أن يختلف حكمهما في
ذلك ، وجب أن يجوز كون النبي الثاني متعبداً بما تعبد به الأول .
فإن قيل : لو جاز أن يكون الثاني متعبداً بما كان الأول متعبداً به لكان
لا فائدة في بعثه وإظهار الإعلام على يده ، ولأنه لم يأت بشريعة مبتدأة ،
وإنما نقل إلى قومه شريعة من تقدمه .
قيل : إنما يحسن إظهار الإعلام على يد النبي الثاني ؛ لأنه لا بدّ من أن
يأتي بما لا يعرف إلا من جهته ، إما أن يكون ما يأتي به في شريعة مبتدأة ،
أو يكون ذلك مما كان الأول متعبداً به ، إلا أنه قد درس وصار بحيث لا
يعرف إلا من جهة النبي الثاني (٢).
فإن قيل : فما أنكرتم أن لا يجوز أن يتعبد الثاني بخلاف ما كان الأول
(١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (١٨٢)، و((التمهيد في أصول الفقه))
الورقة (١٠٤/أ)، و((روضة الناظر)) وشرحها ((نزهة الخاطر العاطر)) (١٪
٤٠٠ ) وما بعدها .
(٢) وقد تعقبه شيخ الاسلام ابن تيمية في ((المسودة)) ص (١٨٣) بقوله : ( وهذا فيه
نظر ، فإنه يجوز عندنا إظهار الكرامات للأولياء ، فكيف للنبي المتبع ؟ وتكون
فائدته التقوية كأنبياء بني إسرائيل ) .
٧٥١

متعبداً به ؛ لأنه حينئذ يصير راداً لما أتى به الأول ومخالفاً له فيه ، وهذا لا
يجوز ، كما لا يجوز أن يخبر الثاني بخلاف ما أخبر به الأول .
قيل: لو كان الثاني متعبداً بما تعبد به الأول [فذلك] لا يوجب أن يكون
راداً لما أتى به في الأول؛ لأنه يقول : ما يأتي به الأول حق وصواب، مثل ما
أتيت به ، وإن كان مخالفاً له ، كما أن المستشارين إذا أشار أحدهما بخلاف
ما يشير به صاحبه ، لم يكن أحدهما راداً لرأي الآخر ، بل يقول كل واحد
منهما : إن ما يراه صاحبي صواب منه ، وما رأيت أنا صواباً مني ،
وليس هذه حال الخبر ؛ لأنه إنما يكون صدقاً وكذباً بحال (١) يرجع إليه ؛
لأنه إن كان مخبره على ما أخبر به كان صدقاً (٢)، وإن كان بخلاف
ما أخبر به كان كذباً .
وأما الأفعال الشرعية ، فإنها لا تكون حقاً وصواباً بحال يرجع إليها ،
وإنما يكون صواباً ، لما فيه من المصلحة ، فيكون الفعل الواحد مصلحة في
حال ، وتكون المصلحة في خلافه في حال أخرى ، كالمرأة الطاهر (٣)
تكون المصلحة لها في الصلاة والصيام ، وإذا حاضت كانت المصلحة لها
في ترك ذلك .
وكذلك المقيم والمسافر ، والصحيح والمريض ، ولا يمتنع أن تكون
المصلحة للنبي الثاني في أن يتعبد بخلاف ما تعبد به الأول .
فإن قيل : كيف يصح هذا على أصلكم ، وعندكم أن العقل لا يبيح
ولا يحظر ؟
قيل : من أصلنا : أن العقل لا مدخل له في إباحة شيء [١٠٧/أ] ولا
(١) في الأصل : ( محال ) .
(٢) في الأصل : ( صادقاً ).
(٣) في الأصل: (والطاهر) ، والواو هنا لا معنى لها .
٧٥٢
٢
:

i
حظره ، وكلامنا هاهنا : هل العقل يحيل ذلك ؟ ولسنا نمنع وجوب (١)
أشياء لا يحيل وجودها العقل كرؤية الله تعالى، وأشياء يحيل العقل
وجودها كاجتماع الضدين .
مسألة (٢)
إذا ثبت جواز ذلك ، فهل كان نبينا متعبداً بشريعة من قبله أم لا ؟
فيه روايتان :
إحداهما : أن كل ما لم يثبت نسخه من شرائع من كان قبل نبينا عليه
السلام فقد صار شريعة لنبينا ، ويلزمنا أحكامه من حيث إنه قد صار
شريعة له ، لا من حيث كان شريعة من قبله .
وإنما يثبت كونه شرعاً لهم بمقطوع عليه ، إما الكتاب أو الخبر (٣) من
جهة الصادق أو بنقل متواتر ، فأما الرجوع إليهم وإلى كتبهم فلا .
وقد أومأ أحمد رحمه اللّه إلى هذا ، فقال في رواية أبي طالب فيمن
حلفت بنحر ولدها ، [ عليها ] كبش (٤) ، تذبحه وتتصدق بلحمه ، قال الله
تعالى: ( وَقَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم ) (٥).
(١) لعله ((وجود)).
(٢) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (١٨٣)، و(( التمهيد في أصول الفقه))
الورقة (١٠٤/ب - ١٠٦/ب)، و((روضة الناظر)) مع شرحها. ((نزهة
الخاطر)) (٤٠٠/١ - ٤٠٣) .
(٣) في المسودة ص (١٨٤): ( مقطوعاً عليه إما بكتاب أو بخبر ... ).
(٤) في الأصل : ( فيمن حلفت بنحر ولدها كبشاً ) ، والتصويب من المسودة ص
(١٨٤)، إلا أن القصة وقعت لرجل ، والرواية من نقل صالح ، وليست من
نقل أبي طالب ، كما هنا .
(٥) (١٠٧) سورة الصافات.
٧٥٣
العدة في أصول الفقه - ٤٨

فقد أوجب أحمد رحمه اللّه كبشاً في ذلك ، واحتج بالآية عليه ،
وهي شريعة إبراهيم .
وقال في رواية أبي الحارث والأثرم وحنبل والفضل بن [ زياد و](١)
عبد الصمد (٢) وقد سئل عن القرعة ، فقال : في كتاب الله في موضعين :
قال الله تعالى: ( فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) (٣)، وقال:
( إِذْ يُلْقُونَ أقْلاَمَهُم) (٤) فقد احتج بالآيتين في إثبات القرعة ، وهي
في شريعة يونس ومريم .
وقال أيضاً في رواية أبي طالب وصالح في قوله تعالى : ( وَكَتَبْنَا
عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) (٥) فلما قال رسول اللّه عَ لهِ:
( لا يُقتل مؤمن بكافر ) (٦) ، قيل له: أليس قد قال الله تعالى: ( النفس
(١) زدنا ما بين القوسين؛ لأن ((الفضل)) ليس ابن ((عبد الصمد))، وإنما هو ابن
((زياد))، وهو من أصحاب الإمام أحمد ، وقد سبقت ترجمته .
أما عبد الصمد هذا ، فهو من أصحاب الامام أحمد أيضاً ، كما سيأتي .
وقد نقل صاحب ((المسودة)) ص (١٨٤) كلام المؤلف هنا ، كما أثبتناه .
(٢) في ((طبقات الحنابلة)) (٢١٧/١ - ٢١٨) أربعة بهذا الاسم ، كلهم من أصحاب
الإمام أحمد الذين رووا عنه :
أ - عبد الصمد بن أبي سليمان بن أبي مطر .
ب - عبد الصمد بن يحيى .
جـ - عبد الصمد بن محمد العبادي .
د - عبد الصمد بن الفضل .
(٣) (١٤١) سورة الصافات .
(٤) (٤٤) سورة آل عمران .
(٥) (٤٥) سورة المائدة .
(٦) هذا الحديث رواه أبو جحيفة رضي الله عنه . أخرجه عنه البخاري في كتاب
الجهاد، باب فكاك الأسير (٨٤/٤) ولفظه: ( ... عن أبي جحيفة رضي اللّه =
٧٥٤
٢

بالنفس ) ؟ قال : ليس هذا موضعه ، علي بن أبي طالب يحكي ما في
الصحيفة ( لا يقتل مؤمن بكافر)، وعن عثمان ومعاوية (١): ((لم يقتلوا
مؤمناً بكافر )) (٢) .
عنه ، قال : قلت لعلي رضي الله عنه : هل عند کم شيء من الوحي إلا ما في كتاب
==
الله؟ قال : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في
القرآن وما في هذه الصحيفة قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك
الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر ) .
وأخرجه أبو داود عن قيس بن عباد قال : انطلقت أنا والأشتر إلى علي رضي اللّه
عنه ، وذلك في كتاب الديات ، باب: أيقاد المسلم بالكافر؟ (٤٨٨/٢).
وأخرجه الترمذي عن ابي جحيفة في كتاب الديات ، باب ما جاء لا يقتل مسلم
بكافر ( ٢٤/٤ ) .
وأخرجه عنه النسائي في كتاب القسامة ، باب سقوط القود من المسلم للكافر
(٢١/٨) .
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الديات ، باب لا يقتل مسلم بكافر (١١٠/٢ ).
وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب القتل والجنايات ، باب ما جاء في قتل
الجماعة بالواحد وأنه لا يقتل مسلم بكافر ( ٢٥٠/٢).
وأخرجه عنه الطيالسي في ((مسنده))، في كتاب القتل والجنايات ، باب لا يقتل
مؤمن بكافر ( ٢٩٣/١ ) .
وانظر في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) (٣٣٤/٤)، و ((المنتقى من
أحاديث الأحكام )) ص (٦١٧) .
(١) هو : معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب ، القرشي الأموي ، صحابي
جليل . ولد قبل البعثة بخمس سنين على الأرجح . كان من كتاب الرسول صلى
اللّه عليه وسلم. ولاه عمر إمارة الشام، وأقره عثمان عليها . وبعد موت عثمان لم يبايع
علياً ، وحصلت الفتنة الكبرى، التي كانت الأولى في حياة المسلمين ، التي انتهت
بإمرة معاوية . توفي سنة ( ٦٠ هـ ) .
له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٤١٦/٣)، و((الإصابة)) (١١٢/٦).
(٢) هذا الأثر أخرجه عبد الرزاق في (( مصنفه)) في كتاب العقول ، باب دية المجوسي=
٧٥٥

وهذا أيضاً يدل على أن الآية على ظاهرها في المسلمين ومن قبلهم ،
ولكنه عارضها بحديث الصحيفة ، ولو لم يكن كذلك لما عارضها ، ولقال :
ذلك خاص لمن قبلنا .
وبهذه الرواية قال أبو الحسن التميمي في جملة مسائل خرجها في
الأصول . وهو قول أصحاب أبي حنيفة فيما حكاه أبو سفيان عن أبي بكر
الرازي .
وفيه رواية أخرى أنه لم يكن متعبداً بشيء من الشرائع ، إلا ما دل
الدليل على ثبوته في شرعه ، فيكون شرعاً له مبتدأ .
أومأ إليه رحمه الله في رواية أبي طالب في موضع آخر ، فقال :
( النَّفْسُ بِالنَّفْسِ) كتبت على اليهود، وقال: (١) ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِم
فِيهَا ) (٢) [ أي] (٣) في التوارة، ولنا (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص
فِي الْقَتْلَ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَاْلْأَنْثَى بِالْأَنْثَى) (٤).
وبهذا قالت المعتزلة (٥) والأشعرية .
عن ابن عمر رضي الله عنهما (٩٦/١٠) وأنمظه: (أن رجلاً مسلماً، قتل رجلاً
من أهل الذمة عمداً ، فرفع إلى عثمان ، فلم يقتله به ، وغلظ عليه الدية ، مثل
دية المسلم ، قال الزهري : وقتل خالد بن المهاجر رجلاً من أهل الذمة في زمن
معاوية ، فلم يقتله به ، وغلظ عليه الدية ألف دينار ) .
وراجع أيضاً: ((تلخيص الحبير)) ( ١٦/٤).
(١) في ((المسودة)) ص (١٨٥) (قال) بحذف الواو، وهو الأولى.
(٢) (٤٥) سورة المائدة .
(٣) الزيادة من ((المسودة)) ص (١٨٥).
(٤) (١٧٨) سورة البقرة .
(٥) راجع في هذا: ((المعتمد في أصول الفقه)) (٨٩٩/٢).
٧٥٦
1
١

واختلف أصحاب الشافعي :
فمنهم من قال : ما لم [١٠٧/ب] يثبت نسخه شرع لنا .
ومنهم من قال : ليس بشرع لنا .
واختلف القائلون بأنه كان متعبداً :
فقال بعضهم : بشريعة إبراهيم .
وقال قوم : بشريعة موسى إلا ما نسخ .
وقال قوم : بشريعة عيسى ؛ لأنها ناسخة لشريعة موسى .
والأشبه: أنه كان متعبداً بكل ما صح من شرع من كان قبله من الأنبياء .
فالدلالة على أنه شرع لنا :
قوله تعالى: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُم اقْتَدِهِ) (١) ،
فذكر الله تعالى أنبياءه (٢): إبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، وغيرهم ،
وأخبر أنه هداهم ، وأمر باتباعهم فيما هداهم به ، والأمر يقتضي
الوجوب .
فإن قيل : إنما أمر باتباعهم في التوحيد وما يدل العقل عليه لوجوه :
أحدها : أنه أضاف ذلك إليهم ، فاقتضى ما يقطع على كونه شرعاً لهم ،
وهو التوحيد ، فأما غيره من الأحكام فغير مقطوع عليه ، بل يحكم به من
جهة غلبة الظن .
ولأنه قال: ( وَمِنْ آبَائِهِمِ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) (٣)، وهدى الذرية هو
التوحيد .
(١) (٩٠) سورة الأنعام ، ولفظ الجلالة ليس في الأصل.
(٢) في الأصل (وأنبياءه)، والواو لا معنى لها هنا .
(٣) (٨٧) سورة الأنعام.
٧٥٧

ولأن اللّه تعالى ذكر من لم يكن نبياً في جملة من أمره بالاقتداء به من
آبائهم وذرياتهم وإخوانهم .
ولأن ملة إبراهيم قد كان فيها المنسوخ ، ومعلوم أنه لا يتعبد بالمنسوخ .
قيل : الهدي يتناول التوحيد وغيره ، فالآية تقتضي وجوب الاتباع
في جمیعه .
وعلى أن التوحيد لا يتبع فيه غيره عندهم ، وإنما يوحد بما هو مأمور
[ به ] ، والآية تقتضي اتباع غيره .
وجواب آخر وهو : أن التوحيد عندنا وما يدل العقل على صحته
يجب بالشرع ، ولا يجب بالعقل عبادة موجبة ، ولا يصح السؤال .
وقولهم : إننا لا نقطع على أن غير التوحيد هدى لهم ، فمتى لم نقطع على
ذلك ونعلمه من جهة يقع العلم بها لم يجب اتباعه .
وما ذكروه من الذرية ، فقد يكون التوحيد هدى لهم ، وقد يكون
غيره هدى لهم ، فيجب اتباع جميعه .
وأما ذكر من لم يكن نبياً في جملة أمره بالاقتداء به ، فغير مانع مما
ذكرنا ؛ لأن من لم يكن نبياً كانوا على شرائع الأنبياء صلوات الله عليهم
متمسكين بها ، بدلالة قوله تعالى: ( وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُم إلى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (١) وقد قال تعالى: (وَاتّبعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ
إِلَّيَّ ) (٢)، وقالَ: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ)(٣)، فلما
(١) (٨٧) سورة الأنعام ، وفي الأصل: ( فاجتبيناهم).
(٢) (١٥) سورة لقمان .
(٣) (١١٥) سورة النساء.
٧٥٨

كان سبيل المؤمنين متبعاً ، لم يمتنع أن يؤمر النبي باتباع ما اتبعه غيره ممن
تقدمه .
وقولهم : إن في شريعة إبراهيم منسوخاً لا يضر ؛ لأنا لما علمنا أنه
لا يصح تكليف المنسوخ ، علم أن الأمر لم يتناوله .
فإن قيل : لما أمر باتباعهم في هداهم صار ذلك ثابتاً بدليل شرعي ،
ونحن لا نمنع ذلك ، وإنما الخلاف في حالة الإطلاق .
قيل: عندكم إذا دل على ذلك دليل شرعي [١٠٨/أ] صار حكماً
مبتدأ ، فإذا فعله الإنسان ، لم يكن مقتدياً بهم ولا متبعاً لهم ، والآية تقتضي
اتباعهم والاقتداء بهم فيه .
ويدل عليه قوله تعالى : ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِم فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ ) (١) الآية، ولم يأمر بالاتباع، فلو كان الاتباع واجباً بأمر مجدد
في شريعته لكان يقترن به ، فاما لم يقترن به أمره دل على أنه إذا ثبت أنه
شرع لغيره وجب عليه وعلى أمته الاتباع .
ويدل عليه قوله تعالى: ( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ
إبْرَاهِيمَ حَنِيفاً) (٢)، فأمره باتباع ملة إبراهيم ، وأمره على الوجوب .
ويدل عليه قوله تعالى : ( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدى وَنُورٌ
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا ) (٣)، ولم
يفرق بين نبينا وبين سائر الأنبياء ، قال: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا
أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولِئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )، (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
(١) (٤٥) سورة المائدة.
(٢) (١٢٣) سورة النحل .
(٣) (٤٤) سورة المائدة .
٧٥٩

( فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (١)، والتوراة مما أنزله وتواعد من لم
یحکم بها .
يؤكد هذا ما روي أن الرُّبَيِّعَ (٢) كسرت سن جارية فقال النبي صَلفعِ:
( كتاب الله القصاص) (٣). والذي في كتاب الله ما حكاه عن التوراة، وأن
السن بالسن ، ثبت أن النبي عَ لِ حكى الأحكام عنها ، وعمل بها .
فإن قيل: قوله : ( كتاب الله القصاص) إشارة إلى قوله: (فَمَنِ
اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه ) (٤)، ولم يرد قوله: ( السن
بالسن ) .
قيل : هذا عام ، و ( السن بالسن ) خاص ، فكان رد كلامه إلى
ما هو نص أولى من العموم .
وأيضاً : فإن الحكم إذا ثبت في الشرع لم يجز تركه ، حتى يرد دليل
بنسخه وإبطاله ، وليس في نفس بعثة النبي ما يوجب نسخ الأحكام التي
(١) (٤٤ - ٤٥، ٤٧) المائدة .
(٢) هي : الربيع بنت النّضْر الأنصارية . أم حارثة بن سراقة ، وأخت أنس بن
النضر ، وعمة أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم . صحابية جليلة .
لها ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٨٣٨/٤)، و((الإصابة)) القسم السابع ص
(٦٤٢) طبعة دار نهضة مصر .
(٣) هذا الحديث رواه أنس بن مالك رضي الله عنه. أخرجه عنه البخاري في كتاب
الديات ، باب السن بالسن ( ١٠/٩ ).
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الديات ، باب القصاص في السن: (٥٠٣/٢).
وأخرجه عنه النسائي في كتاب القسامة، باب القصاص في السن : (٢٣/٩).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الديات ، باب القصاص في السن : (٨٨٤/٢).
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٦٢٠).
(٤) (١٩٤) سورة البقرة .
٧٦٠
١