النص المفهرس

صفحات 661-680

فقال في رواية أبي طالب: إذا حلف بالله، وسكت قليلاً ، ثم قال :
إن شاء اللّه ، فله استثناؤه ؛ لأنه يكفر .
وكذلك نقل المروزي عنه رضي الله عنه: إذا كان بالقرب ولم يختلط
كلامه بغيره .
ما دام في المجلس .
وظاهر هذا جواز الفصل بزمان يسير
وقد نقل أبو النضر (١) وأبو طالب عن أحمد رحمه الله : ما يدل
على أنه لا يصح إذا فصل .
وهو اختيار الخرقي؛ لأنه قال: ((إذا لم يكن بين اليمين والاستثناء
فصل (٢))) .
وهو الصحيح .
وبه قال جماعة الفقهاء والمتكلمين .
وحكي عن عبد الله بن عباس : جواز الاستثناء ، وإن كان منقطعاً .
دليلنا :
ما روي عن النبي عَ الِ قال : ( من حلف على يمين فرأى غيرها
خيراً منها ، فليأت الذي هو خير وليكفّر [٩٢/أ] عن يمينه)(٣)، ولو
القول في الروايات في هذه المسألة ، فارجع إليه ، إن شئت .
=
(١) هو: إسماعيل بن عبد الله بن ميمون أبو النضر العجلي المروزي. سمع من الإمام
أحمد ، ونقل عنه مسائل كثيرة ، كما سمع عبيد الله بن موسى العبسي ، وعبد
الرحمن بن قيس الزعفراني وغيرهما . وروى عنه محمد بن خلف الدوري وأبو
الحسن المنادي وغيرهما . مات سنة ( ٢٧٠ هـ).
له ترجمة في: ((طبقات الحنابلة)) (١٠٥/١ - ١٠٦).
(٢) انظر: ((مختصر الخرقي)) ص (٢١٧)، والعبارة فيه: ( .. إذا لم يكن بين اليمين
والاستثناء كلام ) .
(٣) هذا الحديث رواه عبد الرحمن بن سمرة القرشي العبشمي رضي الله عنه مرفوعاً .=
٦٦١

كان الاستثناء يرفعها بعد مدة ، كان الخلاص به أسهل من الحنث والكفارة،
فلما جعل النبي ◌ّ المِ خلاصه منها بالحنث والكفارة ثبت أنه لا خلاص له
بغير ذلك .
ولأن الاستثناء جارٍ (١) مجرى الشرط ؛ لأنه إذا انفصل عما قبله
لم يعد ، ألا ترى أنه إذا قال : اضرب زيداً أو اعطه درهماً ، ثم قال
بعد يوم : إذا قام ، أو أكل ، لم يعد ذلك ، ولم يكن شرطاً صحيحاً .
كذلك قوله : له على عشرة ، أو قال: والله لا أكلت الخبز ، ثم قال
بعد شهر : يومي هذا ، لم يقبل (٢) ذلك ، فلم يكن صحيحاً .
ويفارق هذا النسخ والتخصيص ؛ لأن لفظ النسخ ولفظ التخصيص
أخرجه عنه البخاري في كتاب كفارات الأيمان ، باب الكفارة قبل الحنث وبعد)»
=
(١٨٤/٨ ) .
وأخرجه مسلم في كتاب الأيمان ، باب ندب من حلف يميناً ، فرأى غيرها
خيراً منها .. (١٢٧٣/٣ ) .
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الأيمان والنذور ، باب الرجل يكفر قبل أن
يحنث (٢٠٥/٢ ) .
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الأيمان والنذور ، باب فيمن حلف على يمين
فرأى غيرها خيراً منها ( ١٠٦/٤ ) .
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الأيمان والنذور باب الكفارة قبل الحنث (١٠/٧).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الكفارات ، باب من حلف على يمين فرأى
غيرها خيراً منها ( ٦٨١/١ ).
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الأيمان والنذور (١٠٧/٢ ).
وراجع في هذا الحديث أيضاً: (( بلوغ المرام)) ص ( ١٧٣ ).
(١) في الأصل : ( جاري ) .
(٢) في الأصل : ( يقل ) .
٦٦٢

مقيد بانفراده ، فلهذا جاز أن يتأخر .
ولأن تصحيحه يفضي إلى أن لا يستقر حكم الخطاب أبداً ، ولا يعتقد
وجوب ما أمر به الرسول ويتعبد به ، لجواز أن يعقبه باستثناء يرفعه ، وهذا
ظاهر الفساد .
ويفارق هذا النسخ ؛ لأن النسخ يرفع الحكم حال وجوده ، بعد أن
سبق اعتقاد الحكم وثبت قبل ورود النسخ ، فلا يرفع الحكم حال وجوده ،
فلا يرفع حكم الخطاب بكل حال . والاستثناء إذا ورد تبينا أنه لم يثبت
للخطاب حكم فيرفعه بكل حال .
ويفارق هذا التخصيص ؛ لأنه يجوز تأخيره عن وقت الخطاب (١)
ولا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة ، فلا يؤدي إلى إسقاط حكم اللفظ
على التأبيد ، والاستثناء على قول غيره يرد أبداً ، فيرفع حكم الخطاب .
واحتج المخالف :
بما روي عن النبي مع الم أنه قال: (والله لأغزونَّ قريشاً، ثم سكت
ساعة ثم قال : إن شاء اللّه) (٢)، فلولا صحة الاستثناء لم يذكره .
(١) من قوله: (لأنه يجوز ... ) إلى هنا مكرر في الأصل .
(٢) هذا الحديث رواه ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعاً. أخرجه عنه أبو
داود ، في كتاب الأيمان والنذور ، باب الاستثناء في اليمين بعد السكوت ( ٢/
٢٠٧) ، كما أخرجه عن عكرمة مرسلاً .
وأخرجه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ابن حبان في (( صحيحه )) وأبو
يعلى في ((مسنده ))، قال ابن حبان في كتاب (( الضعفاء » : هذا حديث رواه
شريك ومسعر ، فأسنداه مرة ، وأرسلاه أخرى .
وأخرجه ابن عدي في (( الكامل )) عن عبد الواحد بن صفوان عن عكرمة عن ابن
عباس مرفوعاً .
=
٦٦٣

والجواب : أن قوله : ( إن شاء الله) لم يكن على وجه الاستثناء،
وإنما كان على معنى أن الأفعال المستقبلة تقع بمشيئة الله تعالى، ولهذا قال
تعالى : ( وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إلاَّ أَنْ يَشَاءَ
اللّهُ) (١)
واحتج : بأنه معنى يرفع اليمين ، فجاز أن يقع منفصلاً كالكفارة.
والجواب : عن الكفارة ما ذكرناه في النسخ ، وهو أن تأخر الكفارة
لا يرفع حكم اليمين بكل حال ، والاستثناء يرفع حكمها ، وإن قاسوا على
النسخ وعلى التخصيص ، فالكلام عليه ما ذكرنا .
وفيما ذكرنا من الخبر والشرط دلالة على من أجاز ذلك في المجلس ؛
لأن الشرط والجزاء متى تفرقا بقدر المجلس لم يصح ، كذلك الاستثناء .
فإن قيل : المجلس يجري مجرى حال العقد ، بدليل قبض رأس مال
السّلَم وثمن الصرف .
قيل : اعتبار هذا بالشرط والجزاء أشبه ، لما ذكرنا .
فصل
يجوز أن يقدم الاستثناء [٩٢/ب] على المستثنى منه، إذا كان متصلاً به،
نحو قوله : ما جاءني إلا أخاك من أحد ، وما مررت إلا إياك بأحد .
أما ابن القطان فقد ذكره من جهة ابن عدي، وقال: و (( عبد الوحد )» هذا ليس
===
حديثه بشيء ، والصحيح مرسل .
انظر: ((نصب الراية)): ٣٠٢/٣ -٣٠٣)، و((المنتقى من أحاديث الأحكام))
ص (٧٩٣) .
(١) (٢٣) سورة الكهف.
٦٦٤

وقد قال حسان : (١)
الناس ألب علينا فيك ليس لنا الا السيوف وأطراف القنا وَزَر (٢)
فقدم قوله : إلا السيوف وأطراف القنا ، وجعله بمثابة قوله : ليس لنا
وزر إلا السيوف وأطراف القنا .
وقال الكميت : (٣)
فما لي إلا آل أحمد شيعة وما لي إلا مشعب الحق مشعب (٤)
فنصبا جميعاً بالاستثناء مما هو في موضع النصب والخفض ، وقد قال
(١) هو : حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام أبو الوليد الأنصاري النجاري شاعر
رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نافح عن الدعوة الإسلامية في فجر تاريخها ،
وكان لشعره أثر كبير على الكفار ، وبخاصة قريش. مات قبل الأربعين في خلافة
علي رضي اللّه عنه ، وله من العمر عشرون ومائة سنة ، عاش نصفها في الجاهلية .
له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (٣٤١/١)، و((الإصابة)) (٨/٢).
(٢) هذا البيت ليس لحسان بن ثابت رضي الله عنه، كما ذهب المؤلف ، وإنما هو
لكعب بن مالك رضي الله عنه قاله للنبي صلى الله عليه وسلم .
وقد نسب البيت إليه سيبويه في (( الكتاب)) (٣٧١/١) طبعة بولاق ، والمبرّد في
كتابه ((المقتضب)) (٣٩٧/٤)، وابن يعيش في ((شرحه للمفصل)) (٧٩/٢).
(٣) هو : الكميت بن زيد أبو المستهل الأسدي . كان معلم صبيان بالكوفة ، وكان
به صمم . كما كان رافضياً متعصباً لأهل الكوفة . في شعره تكلف شديد وسرقة .
كثيرة . ولد سنة (٦٠ هـ)، ومات سنة (١٢٦ هـ).
له ترجمة في ((الاعلام)) (٩٢/٦)، و((الشعر والشعراء)) (٥٨١/٢) -
و ((طبقات الشعراء)) لابن سلام الجمحي ص (٤٥).
(٤) هذا البيت لكميت بن زيد، كما ذكر المؤلف، وقد نسبه إليه المبرد في كتابه :=
٦٦٥

أهل العربية : إن الاستثناء إذا تقدم نصب أبداً المستثنى منه ، تقول : ما
جاءني إلا إياك أحدٌ ، وما مررت إلا إياك أحد ، واستشهدوا بهذين
البيتين .
فصل
يجوز الاستثناء من الاستثناء .
قال تعالى: (إلا آلَ لُوطِ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إلاَّ
امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) (١).
مسألة
لا يصح استثناء الأكثر ، ذكره الخرقي في كتاب الإقرار (٢).
وحكى ذلك عن ابن درستويه النحوي (٣) ، ونصره ابن الباقلاني في
كتاب التقريب من أصول الفقه .
((المقتضب)) (٣٩٨/٤)، وابن يعيش في كتابه: ((شرح المفصل)) (٧٩/٢)،
=
وخالد الأزهري في كتابه: ((التصريح (٣٥٥/١)، وابن منظور في كتابه :
((اللسان)) مادة ( شَعَب ).
(١) (٥٩ - ٦٠) سورة الحجر .
(٢) وذلك في ((مختصره )) ص (٩٩ - ١٠٠)، وعبارته هكذا : (ومن أقر بشيء
واستثنى منه الكثير ، - وهو أكثر من النصف - أخذ بالكل ، وكان استثناؤه
باطلاً ) .
(٣) هو : عبد اللّه بن جعفر بن دُرُستويه - بضم الدال والراء المهملتين ، وقيل:
بفتحهما - ابن المرزبان أبو محمد . أحد النحاة المشهورين . بصري المدرسة ،
شديد الانتصار لهم . وثقه ابن مندة ، وضعفه هبة الله اللالكائي . له كتب كثيرة
منها: ((الإرشاد في النحو)) و ((شرح الفصيح)). مات سنة (٣٤٧ هـ) وله من
العمر تسع وثمانون سنة .
=
٦٦٦

وذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين إلى جواز ذلك .
دليلنا :
أن الاستثناء لغة ، وأهل اللغة قد نفوا ذلك وأنكروه .
قال أبو إسحاق الزجَّاج في كتاب المعاني لما تكلم على قوله تعالى
( فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً ) (١): ولم يأت في
كلام العرب إلا في القليل من الكثير (٢).
وقال أبو الفتح بن جني (٣) ولو قال قائل : هذه مائة إلا تسعين ،
ما كان متكلماً بالعربية ، وكان كلامه عياً ولكنةً .
وقال القتبي (٤) في جوابات المسائل (٥) ، وذكره أيضاً في كتاب
له ترجمة في: ((البداية والنهاية)) (٢٣٣/١١)، و((بغية الوعاة)) (٣٦/٢)،
=
و ((تاريخ بغداد)) (٤٢٨/٩)، و((طبقات المفسرين)) الداودي (٢٢٣/١) ،
و((مفتاح السعادة)) (١٦٦/١)، و((النجوم الزاهرة)) (٣٢١/٣).
(١) (١٤) سورة العنكبوت.
(٢) المطبوع من الكتاب إلى آخر سورة ((براءة))، والآية المشار إليها من سورة
العنكبوت .
(٣) هو : عثمان بن جني أبو الفتح الموصلي . كان أبوه مملوكاً رومياً لسليمان بن فهد
الأزدي الموصلي . كان إماماً في النحو والأدب . تتلمذ على أبي علي الفارسي مدة
أربعين سنة ، وبعد موت أستاذه أبي علي ، تولى مكانه في بغداد . له مؤلفات
كثيرة، منها: ((الخصائص)) و((شرح المقصور والممدود))، و((المذكر
والمؤنث)). مات سنة (٣٩٢ هـ)، وله من العمر خمس وستون سنة تقريباً .
له ترجمة في: ((الأعلام)) (٣٦٤/٤)، و((بغية الوعاة)) (١٣٢/٢)،
و((شذرات الذهب)) (١٤٠/٣)، و((نزهة الألباء )) ص (٤٠٦)، ومقدمة
كتاب الخصائص للاستاذ محمد علي النجار .
(٤) هو : ابن قتيبة عبد الله بن مسلم أبو محمد الدينوري ، وقد سبقت ترجمته .
(٥) هذا الكتاب طبع سنة ١٣٤٩ هـ بمطبعة السعادة بمصر، باعتناء مكتبة القدسي،=
٦٦٧

الجامع في النحو (١) فقال: يجوز أن يقول : صمت الشهر كله [ إلا
يوماً ، ولا يجوز أن يقول : صمت الشهر كله ] (٢) إلا تسعة وعشرين
يوماً ، ويقول : لقيت القوم جميعاً إلا واحداً أو اثنين ، ولا يجوز أن
يقول : لقيت القوم جميعاً إلا أكثرهم ، وأنشد :
عداني أن أزورك أن بهمي عجاف (٣) كلها إلا قليلاً (٤)
ولأنه لو جاز استثناء الأكثر جاز استثناء الكل ، ألا ترى أن التخصيص
لما جاز في أكثر العموم جاز في جميعه ، وهو النسخ ، فلما لم يجز في الكل
لم يجز في الأكثر ؛ لأن الأكثر قد أجرى مجرى الكل .
ولأنه استثناء الأكثر ، فلم يصح ، كالراهن إذا استثنى الأكثر في
الإقرار .
ولأنه استثنى الأكثر فلم يصح ، كما لو قال : أنت طالق ، وطالق ،
= وقد طبع بعنوان: ((المسائل والأجوبة في الحديث واللغة))، ويقع في (٢٦)
صحيفة وقد أشار إليه المؤلف في أول الكتاب عند تعريفه للفقه لغة ، أما الكلام
الذي أشار إليه هنا ، فلم أجده في الكتاب المذكور .
(١) ذكر هذا الكتاب منسوباً إلى ابن قتيبة ابنُ النديم في ((الفهرست)) ص (١١٦)
من الطبعة التجارية سنة (١٣٤٨ هـ ) .
(٢) الكلام لا يستقيم بدون هذه الزيادة ، وقد استعنا في ذلك بابن قدامة ، حيث نقل
نص ابن قتيبة في كتابه ((المغني )) في كتاب الاقرار (١٤٧/٥) هكذا : ( وقال
القتيبي : يقال : صمت الشهر إلا يوماً ، ولا يقال : صمت الشهر إلا تسعة
وعشرين يوماً ، ويقال : لقيت القوم جميعهم إلا واحداً أو اثنين ، ولا يجوز
أن يقال : لقيت القوم إلا أكثرهم ) .
(٣) هكذا في الأصل ، وفي مراجع تخريج البيت : (عجايا) .
(٤) هذا البيت ذكره ابن فارس في كتابه: ((معجم مقاييس اللغة)) (٢٤٣/٤) مادة :
(عجا ) ، ولم ينسبه لأحد .
كما ذكره ابن منظور في كتابه: ((اللسان)) (٢٥٥/١٩) مادة: (عجا )، ولم
ينسبه لأحد أيضاً .
٦٦٨

وطالق ، إلا طالق طلقتين ، فإنه لا يصح .
فإن قيل : هناك لو استثنى [٩٣/أ] الأقل، وهو طلقة، لم يصح،
وكان المعنى فيه أن هناك جملاً (١) ، فالاستثناء عدد ، فرفع جملتين ، فلم
يصح .
قيل : عندنا لو استثنى طلقة صح ، فلا نسلم هذه المعارضة . وقولهم :
إن هناك جملاً (٢) ، فهو يرفع جملتها ، فلا يصح ؛ لأنها في حكم الجملة
الواحدة ، فالواو تجعل الكلام بمنزلة جملة واحدة ، بدليل أن الاستثناء
يرجع إلى الجميع ، وكذلك الشرط .
واحتج المخالف :
بقوله تعالى : (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِم سُلْطَانٌ إلاَّ
مِّنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) (٣)، وقال: (فَبِعِزَّتِكَ لِأَغْوِيَنّهُمْ
أَجْمَعِينَ إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُم الْمُخْلَصِينَ ) (٤)، فاستثنى الغاوين
من المخلصين ، والمخلصين من الغاوين وأيهما كان الأكثر ، فقد استثنى
الأكثر وأبقى الأقل . على أن الغاوين أكثر من غير شك .
والجواب عنه من وجهين :
أحدهما أن هذا استثناء من جميع الجنس ، فيجوز أن يقال فيه :
إنه يجوز إخراج الأكثر من الأقل ، فأما استثناء الأكثر من الأعداد
المحصورة فلا ، ويكون الفرق بينهما : أن اللغة وردت بجواز ذلك في
الجنس ، وهو ما ذكروه من الآية ، ومنعت من ذلك في الأعداد ، وهو
ما حكيناه عنهم .
(١) في الأصل : ( جمل ) .
(٢) في الأصل : ( جمل ) .
(٣) (٤٢) سورة الحجر.
(٤) (٨٢) سورة ص ..
٦٦٩

ولأن حمل جميع الجنس على العموم إنما هو بطريق الظاهر ، لا من
جهة القطع على جميع الجنس ، وليس كذلك في الأعداد ؛ لأن جميعها
منطوق به نصاً وصريحاً ، فلهذا فرقنا بينهما .
وجواب آخر عن الآية وهو : أنه يحمل هذا على الاستثناء المنقطع ،
وهو بمعنى : لكن من اتبعك من الغاوين ، كقوله تعالى : ( فَإنّهُمْ
عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ) (١) معناه: لكن رب العالمين، وكقوله:
( إلاَّ خَطَأٌ ) (٢) يعني : لكن خطأ .
واحتج بقوله تعالى: ( قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَليلاً نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ
مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ) (٣) ، فقد استثنى النصف.
والجواب : أن أصحابنا اختلفوا في استثناء النصف :
فالخرقي أجاز ذلك ؛ لأنه قال : إذا استثنى منه الكثير ، وهو أكثر
من النصف (٤) . فعلى هذا يقول بظاهر الآية .
وأبو بكر منع استثناء النصف (٥) ، فعلى هذا : قوله تعالى: [نِصْفَهُ]
كلام مبتدأ ، وليس باستثناء .
واحتج بقول الشاعر :
(١) (٧٧) سورة الشعراء .
(٢) (٩٢) سورة النساء .
(٣) (٢ - ٤) سورة المزمل.
(٤) وذلك في ((مختصره)) ص (٩٩) .
(٥) حكى ذلك عنه أيضاً ابن قدامة في كتابه: ((المغني)) ( ١٤٧/٥) ، معللاً ما ذهب
اليه من أنه لم يرد في كلامهم إلا القليل من الكثير ، والنصف ليس بقليل .
٦٧٠

أدوا التي نقصت تسعين (١) من مائة
ثم ابعثوا حكماً بالحق قوَّالاً (٢)
والجواب : أن هذا ليس باستثناء ؛ لأنه لم يأت بحرف الاستثناء ،
وإنما ذكر نقصان الأكثر مما دخل تحت الاسم .
واحتج : بأنه إخراج بعض ما يجب دخوله في اللفظ ، فصح في
الأكثر كما يصح في الأقل ، كالتخصيص .
والجواب : أن التخصيص أوسع ، ألا ترى أنه يصح بدليل منفصل ،
والاستثناء لا يصح إلا متصلاً ، والتخصيص لا يختص بعبارة ، والاستثناء
[٩٣/ب] يختص بحروف مختصة، والتخصيص يجوز بسائر الأدلة : الشرع
والعقل ، والاستثناء لا يقع إلا باللفظ .
ولأن من جنس التخصيص ما يرفع الجملة ، وهو النسخ ؛ لأن
التخصیص تخصیص الأعيان ، والنسخ تخصیص الزمان ، ولیس من جنس
الاستثناء ما يرفع الجملة .
وقد ذكر هذا ابن عرفة النحوي (٣) في كتاب الاستثناء
(١) هكذا في الأصل، ولعل الصواب : (سبعين) بدليل كلام ابن عرفة الآتي ذكره.
(٢) نقل ابن قدامة في ((الروضة)) ص (١٣٤) عن ابن فضالة النحوي قوله: ((هذا بيت
مصنوع ولم يثبت عن العرب )) .
(٣) هو : إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان أبو عبد الله العتكي الأزدي الواسطي ،
المعروف بنفطويه . كان عالماً بالعربية واللغة والحديث . أخذ عن ثعلب والمبرد .
له مؤلفات كثيرة، منها: ((غريب القرآن)) و((إعراب القرآن)) و((الاستثناء
والشروط في القراءات )).
مات في الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة (٣٢٣ هـ) ، وله من العمر تسع وسبعون
سنة تقريباً .
له ترجمة في: ((إنباه الرواة)) (١٧٦/١)، و«البداية والنهاية)) (١٨٣/١١)، =
٦٧١

والشروط (١) ، وأنه لم يخرج مخرج الاستثناء ، وإنما خرج مخرج الاقتضاء
لبقية دية المقتول فيما أنشدوه من البيت ، وأعلم أنه أعطى ثلاثين ،
ونفى سبعين ، وأنشد أمام هذا البيت :
إن الذين قتلتم أمس سيِّدَهم لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما (٢)
ثم قال : أدوا التي نقصت .
واحتج : بأنه استثنى إبقاء بعض الجملة ، فوجب أن يصح ، كما
إذا أبقى الأكثر .
والجواب : أن الاستثناء للأقل يطابق اللغة ، والأكثر يخالف اللغة ،
وقد بينا : أن الاستثناء لغة ، فلهذا فرقنا بينهما .
وجواب آخر ، وهو : أنه لا يمتنع أن يصح إذا بقي الأكثر دون
الأقل ، كما قال أصحاب أبي حنيفة : يصح ترك بعض الطواف واللعان
إذا أتى بالأكثر ، وكذلك قال الجميع : يصح إدراك بعض الركعة مع
الإمام إذا فاته الأكثر .
و ((بغية الوعاة)) (٤٢٨/١) و((تاريخ بغداد)) (١٥٩/٦)، و((شذرات
=
الذهب)) (٢٩٨/٢)، و((غاية النهاية)) (٢٥/١)، و((طبقات المفسرين))
((الداودي (١٩/١)، و((المنتظم)) (٢٧٧/٦)، و((ميزان الاعتدال)) (٦٤/١).
(١) اسم الكتاب كاملاً: ( الاستثناء والشروط في القراءات ) ، وقد ذكرته بعض
المراجع السابق ذكرها منسوباً إليه .
(٢) هذا البيت لأبي مكعت منقذ بن خنيس، والبيت مذكور في: ((الأمالي الشجرية))
(٣٣٢/١)، و((المغني)) لابن هشام ص (٧٦٢) تحقيق مازن المبارك ورفيقه ،
و ((همع الهوامع)) (١٣٥/١).
٦٧٢
1
أ

مسألة (١)
لا يصح الاستثناء من غير الجنس .
وقد ذكر أصحابنا هذا في الإقرار ، فقال الخرقي : ومن أقر بشيء
واستثنى من غير جنسه، كان الاستثناء باطلاً (٢).
وذهب أصحاب أبي حنيفة وأصحاب مالك إلى جواز ذلك .
وهو اختيار أبي بكر بن الباقلاني وجماعة من المتكلمين .
واختلف أصحاب الشافعي : فذهب بعضهم إلى جوازه ، ومنهم من
قال : لا يصح ، مثل قولنا .
دليلنا :
أن الاستثناء هو إخراج بعض ما يجب دخوله في اللفظ ، وغير جنس
المستثنى منه غير داخل فيه ، فلا يصح الاستثناء منه .
والدليل على أن الاستثناء ما ذكرته : أنه مشتق من قولهم : ثَنَيْتُ
فلاناً عن رأيه ، وثَنَيْتُ عنانَ دابتي ، إذا رده ومنعه ، فدل على أن
الاستثناء يرد بعض ما يجب دخوله في اللفظ ويثنيه عنه .
وقد قيل : إنه يسمى استثناء لشبه الخبر بعد الخبر ، وعلى هذا يجب
أن يكون المستثنى منه والاستثناء قد تناولاه جميعاً ، فإذا كان كذلك وجب
أن يصح الاستثناء في بعض ما دخل في اللفظ .
وأيضاً : فإنه إخراج بعض ما يجب دخوله في اللفظ ، فوجب أن لا
(١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (١٥٦).
(٢) هكذا في ((مختصر الخرقي)) ص (٩٩)، وتكملة العبارة هي: ( .. إلا أن
يستثنى عيناً من ورق ، أو ورقاً من عين ) .
٦٧٣
العدة في أصول الفقه - ٤٣
:

يصح من غيره ، كالتخصيص .
وأيضاً : فإن الاستثناء [٩٤/أ] لا ينفرد (١) بنفسه، فلا يجوز الابتداء به ،
وإنما يصح إذا كان متصلاً بالمستثنى منه ، فدل على أنه متعلق به ، واستثناؤه
لبعض ما شمله اللفظ وتناوله .
وأيضاً : فإنه قبيح في الخطاب أن يقول : خرج القوم إلا الحمير ،
ورأيت الناس إلا الحمير والكلاب ، وليس قبحه إلا لما ذكرته .
واحتج المخالف :
بأن هذا جائز في القرآن وفي أشعار العرب :
قال تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ
إبْلِيسَ ) (٢)، وليس إبليس من الملائكة. وقوله تعالى: (فَإنّهُمْ
عَدُوٌّ لي إلاَّ رَبَّ العَالَمِينَ ) (٣) وقوله تعالى: (لاَ يَسْمَعُونَ
فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأثِيماً إلاَّ قِيلاً سَلاَمَاً سَلاَمَاً) (٤). وقوله: ( لاَ
تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَن
تَرَاضٍ مِنْكُم) (٥). وقوله: ( فَلاَ صَرِيخَ لَهُم وَلاَ هُم يُنْقَذُونَ
إلاَّ رَحْمَةً مِنَّا)(٦). وقال تعالى: ( وَمَا لَهُم بِهِ مِن عِلْمٍ إِلاَّ اتُّبَاعَ
الظّنّ ) (٧)، والظن ليس بعلم. وقوله: ( لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ
(١) في الأصل : ( لا تنفرد ) .
(٢) (٣٠) سورة الحجر.
(٣) (٧٧) سورة الشعراء .
(٤) (٢٥) سورة الواقعة .
(٥) (٢٩) سورة النساء.
(٦) (٤٣ - ٤٤ ) سورة يس.
(٧) (١٥٧) سورة النساء.
٦٧٤
١

أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ) (١) ، ومعلوم أن من رحم معصوم ، وليس
بعاصم .
وقال الشاعر :
وبلدةٍ ليس بها أنيسُ إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ (٢)
فاستثنى من الأنيس ما ليس من جنسه .
وقوله :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
بهن فلول من قِراع الكتائب(٣)
فاستثنى الفلول من العيب .
وتقول العرب : ما نفع إلا ما ضر ، وما زاد إلا ما نقص ، وما بالدار
أحد إلا الحمار ، وما جاءني زيد إلا عمراً ، ونظائر ذلك .
والجواب عن قوله : ( فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
(١) (٤٣) سورة هود.
(٢) هذا البيت لجران العود. وهو في ((ديوانه)) ص (٥٣) و((الكتاب)) لسيبويه :
(١٣٣/١ - ٣٦٥)، ((التصريح)) الخالد (٣٥٣/١)، و((شرح المفصل)) لابن
يعيش (٨٠/١، ١١٧)، و((المقتضب)) للمبرد)) (٣١٩/٢، ٣٤٧)،
و ((همع الهوامع)) للسيوطي (٢٢٥/١)، (١٤٤/٢) والشطر الأول في بعض
الروايات :
وبلدة ليس لها أنيس
واليعافير : أولاد الضباء .
والعيس : بقر الوحش .
(٣) هذا البيت النابغة الذبياني. وهو في ((ديوانه)) ص (٦)، و((الخزانة)) للبغدادي
(٩/٢) طبعة بولاق، و((المغني)) لابن هشام ص (١٥٥) تحقيق مازن المبارك
وصاحبه، و ((همع الهوامع)) للسيوطي (٢٣٢/١).
٦٧٥
:
:

إلاَّ إبْلِيسَ ) (١)، فهو أن إبليس من الملائكة .
قال أبو إسحاق (٢) : سمعت الشيخ يعني أبا بكر (٣) ، وقد سئل عن
إبليس أمن الملائكة ؟ فقال : أمر الله بالسجود الملائكة ، فلولا أن إبليس
منهم ما كان مأموراً .
قال أبو إسحاق : فقلت له : أجمعنا على أن الملائكة لا تناكح ،
ولا يكون لها ذرية ، وقد كان لإبليس ذرية ، دل على أنه من غيرها .
وأما غيره من الآيات: فإنما معناه: لكن، كما قال تعالى: ( وَمَا
كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إلاَّ خَطَأٌ ) (٤)، وأراد : لكن إن
قتل خطأً، تقول العرب: ((ما لي ابن إلا بنت)) و ((ما لي نخل إلا
شجر))، والمراد به: لكن، ولا ((تلق فلاناً إلا ما لقيت))، معناه :
لكن ما لقيت فلا لوم عليك فيه .
وقال ابن قتيبة في كتاب ((الجامع في النحو)): ومما يكون فيه ((إلا))
بمعنى ((لكن)) قوله تعالى: (لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَنْ
رَحِيمَ ) (٥) أي: لكن من رحم. وكذلك قوله: ( فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ
الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي
اْلْأرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ) (٦) معناه: لكن قليلاً .
وكذلك قوله تعالى: ( فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا [٩٤/ب]
(١) (٣٠) سورة الحجر.
(٢) يعني : إبراهيم بن أحمد بن عمر بن شاقلا .
(٣) يعني : عبد العزيز بن جعفر ، المعروف : بغلام الخلال .
(٤) (٩٢) سورة النساء .
(٥) (٤٣) سورة هود .
(٦) (١١٦) سورة هود .
٦٧٦

إيمَانُهَا إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ ) (١) يعني: لكن. وهذا قول سيبويه (٢).
وأما قول الشاعر: ((إلا اليعافير وإلا العيس))، فإنه استثناء من
الأنيس وهذا مما يستأنس به .
فأما الفلول في السيوف في البيت الآخر ، فهو عيب ، وإنما سببه هو
الذي يمدح به .
وما حكوه عن العرب ، فقد حكينا خلافه .
واحتج : بأنه استثناء لا يرفع الجملة ، فصح كما لو كان من جنسه ،
وكما لو استثنى عيناً من وَرِق .
والجواب : أنه لا يجوز اعتبار الجنس بغيره ، كما لم يجز اعتبار
التخصيص بغيره ، ولأن الاستثناء من الجنس يوجد فيه معنى الاستثناء .
وها هنا لا يوجد معناه ؛ لأن معناه إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ .
وأما استثناء العين من الوَرِق : ففيه خلاف بين أصحابنا ، فأبو بكر
يمنع منه (٣). والخِرّفي يجيزه (٤)؛ لأنهما أجريا مجرى الجنس الواحد في
(١) (٩٨) سورة يونس.
(٢) وذلك في كتابه: (٣٦٦/١ - ٣٦٨) طبعة بولاق ، ولكنه قدر المعنى في آية
هود الأولى: ( .. ولكن من رحم .. ) ، وقدر الآية الثانية بقوله : ( .. ولكن
قليلاً ممن أنجيناهم .. )، كما قدر آية يونس بقوله : ( .. ولكن قوم يونس .. )،
ويلاحظ أنه في كل تقديراته ، يثبت ((الواو )) قبل (( لكن )).
(٣) هكذا حكى عنه ابن قدامة في كتابه: ((المغني)) (١٣٠/٥)، كما حكى عن ابن
أبي موسى قوله : إنه رواية في المذهب .
(٤) لأنه قال في ((مختصره)) في كتاب الإقرار ص (٩٩): ( ومن أقر بشيء،
واستثنى من غير جنسه ، كان استثناؤه باطلاً ، إلا أن يستثنى عيناً من ورق ، أو
ورقاً من عين ) .
=
٦٧٧

أشياء ، مثل كونهما قيم الأشياء والأروش وغير ذلك .
مسألة (١)
الاستثناء إذا تعقب جملاً عطف بعضها على بعض ، وصلح أن يعود
إلى كل واحد منها لو انفرد ، فإنه يعود إلى جميع ما تقدم ذكره .
وذلك مثل قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ
يَأْتُوا بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُم ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا
لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا) (٢)،
فإنه يرجع الاستثناء إلى نفي الفسق وقبول الشهادة ، ونظائر ذلك .
وقد قال أحمد رحمه الله في رواية ابن منصور وقيل له : قوله :
( لا يؤمّ الرجل في أهله، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه ) (٣)،
= ونقل ابن قدامة في كتابه: ((المغني)) (١٣٠/٥) ، عن ابن أبي موسى ، أنه
رواية في المذهب أيضاً .
(١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (١٥٦)، و((روضة الناظر)) ص
(١٣٤)، و ((التمهيد في أصول الفقه)) الورقة (٥٩).
(٢) (٤) سورة النور .
(٣) هذا الحديث رواه عقبة بن عمرو أبو مسعود الأنصاري البدري مرفوعاً .
أخرجه عنه مسلم في كتاب الصلاة ، باب من أحق بالإمامة ( ٤٦٤/١ ) .
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة . باب من أحق بالإمامة ( ١٣٧/١ ) .
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الصلاة ، باب ما جاء من أحق بالإمامة ( ١/
٤٥٨ - ٤٥٩)، وقال فيه ((حديث حسن صحيح)).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الصلاة ، باب من أحق بالإمامة (٣١٣/١ -
٣١٤ ) .
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الإمامة ، باب من أحق بالإمامة ( ٥٩/٢ ).
وأخرجه عنه الامام أحمد في مسنده ( ١١٨/٤، ١٢١ ).
=
٦٧٨
١

قال: ((أرجو أن يكون الاستثناء على كله)).
وبهذا قال أصحاب الشافعي (١) .
وقال أصحاب أبي حنيفة (٢) وجماعة من المعتزلة (٣): يعود إلى
أقرب مذكور .
وقال أصحاب الأشعري : هو على الوقف على ما يبينه الدليل (٤).
= وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الصلاة ، باب من أحق بالإمامة ( ٢٧٩/١ -
٢٨٠ ) .
وأخرجه الطيالسي عنه في كتاب الصلاة ، باب الإمام ضامن ، ومن أحق بالامامة
(١٣١/١ ).
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((ذخائر المواريث)) (٨/٣)، و((نصب
الراية)) (٢٤/٢)، و((بلوغ المرام)) ص (٤٨)، و(( المنتقى من أحاديث
الأحكام )) ص (٢٢٥) .
(١) راجع في هذا: ((المنخول)) للغزالي ص (١٦٠)، و((المستصفى)) له (١٧٤/٢ )،
و ((جمع الجوامع)) مع شرحه (١٧/٢)، و ((الإحكام)) للآمدي (٢٧٩/٢).
(٢) راجع في هذا: ((فواتح الرحموت)) بشرح مسلم الثبوت (٣٣٢/١)، و((تيسير
التحرير)) (٣٠٢/١).
(٣) راجع في هذا: ((المعتمد)) لأبي الحسين البصري (٢٦٤/١) ، فقد فصل القول
في ذلك ، ونقل عن القاضي عبد الجبار تفصيلاً في ذلك ، حيث قال : ( قال
قاضي القضاة : إذا لم يكن الثاني منهما إضراباً عن الأول وخروجاً عنه إلى قصة
أخرى ، وصح رجوع الاستثناء إليهما ، وجب رجوعه إليهما . وإن كان إضراباً
عن الأول وخروجاً عنه إلى قصة أخرى ، فإنه يرجع إلى ما يليه .... ).
ثم بين بعد ذلك المسائل المندرجة تحت كل حالة من الحالتين .
(٤) واختاره الغزالي في كتابيه ((المنخول)) ص (١٦١)، و((المستصفى)) (١٧٨/٢ )،
ونسبه الآمدي في كتابه: ((الاحكام)) (٢٨٠/٢) إلى القاضي أبي بكر وجماعة
من الشافعية .
=
٦٧٩

دليلنا :
أن الشرط يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره ؛ لأنه لو قال : نساؤه
طوالق وعبيده أحرار ، وماله صدقة إن شاء زيد ، وإن دخلت الدار لم يقع
شيء من ذلك قبل مشيئته ، وكان الشرط راجعاً إلى الجميع ، كذلك
الاستثناء؛ لأن الاستثناء لا يستقل بنفسه ، وإنما هو متعلق بما قبله من الكلام،
ويجب أن يكون متصلاً به ، وإذا انفصل سقط حكمه ، والشرط بمثابته
في ذلك ، فكانا سواء .
فإن قيل : الشرط يؤثر في الجملة ، والاستثناء يؤثر في بعضها .
قيل : هذا لا يوجب الفرق بينهما في الجملة الواحدة ، ولأن الاستثناء
بمشيئة الله يرجع إلى الجميع عندهم، يجب أن يكون الاستثناء بغيره [٩٥/أ]
كذلك .
ولأن الجملة المعطوف بعضها على بعض بمنزلة الجملة الواحدة ، لأنه
لا فرق بين أن يقول: ((رأيت رجلاً ورجلاً))، وبين أن يقول: (( رأيت
رجلين))، وإذا كان كذلك وجب أن يرجع إلى جميعها ، ويكون
بمنزلة جملة واحدة .
وهذا صحيح على مذهب أحمد رحمه الله؛ لأنه قال (١): ((إذا
قال لامرأته التي لم يدخل بها : أنت طالق وطالق وطالق ، يقع عليها
ثلاث ، فتكون بمنزلة الجملة الواحدة )) .
وعلى هذا الأصل إذا قال : أنت طالق وطالق وطالق إلا طلقة تقع
كما ذكر الآمدي رأياً آخر، وهو القول بالاشتراك ، ونسبه للمرتضى من الشيعة .
=
(١) في الأصل: (لو قال)، و((لو)) هنا لا معنى لها ، ولا يستقيم الكلام بوجودها؛
لذلك حذفناها .
٦٨٠
1