النص المفهرس

صفحات 641-660

وكذلك قول الشاعر :
عندك راض والرأي مختلف (١)
[١/٨٨] نحن بما عندنا وأنت بما
يعني : بما عندنا راضون (٢) .
وقال آخر :
وما أُدْرِي إذا يَمّمْت أَرْضاً أُريد الخيرَ، أَيُّهُما يَلِيني (٣)؟
(١) هذا البيت نسبه سيبويه في ((كتابه)): (٣٧/١ - ٣٨) للشاعر قيس بن الحطيم
واستشهد به المبرد في كتابه: ((المقتضب)) (١١٢/٣)، ولم ينسبه لأحد .
أما البغدادي في كتابه: ((خزانة الأدب)) (٢٨٣/٤) تحقيق عبد السلام هارون ،
فقد نسبه للشاعر : عمرو بن امرىء القيس . ثم بين بعد ذلك غلط من نسب البيت
إلى قيس بن الحطيم بقوله : ( وعرف من إيرادنا لهذه القصائد ما وقع من التخليط
بين هذه القصائد ، كما فعل ابن السيد واللخمي في شرح أبيات الجمل ، وتبعهما
العيني والعباسي في شرح أبيات التلخيص ، فإنهم جعلوا ما نقلنا من شعر قيس
ابن الحطيم مطلع القصيدة، ثم أوردوا فيها البيت الشاهد، وهو: ((الحافظو
عورة العشيرة))، والشاهد الثاني ، وهو : (( نحن بما عندنا ، وأنت بما عندك
راض))، والحال : أن هذين البيتين من قصيدة عمرو بن امرىء القيس) .
راجع بالاضافة إلى ما سبق : تعليق الأستاذ محمد عبد الخالق عظيمة في هامش
المقتضب (١١٣/٣ - ١٢٢) .
(٢) في الأصل : ( راضي ).
(٣) هذا البيت للشاعر المثقب العبدي . وهو من قصيدة ، يقول في مطلعها :
ومنعك ما سألت ، كأن تبيني
أفاطم قبل بينك متعيني
والبيت الذي بعد البيت الشاهد هو :
أ أُ لْخَيْرُ الذي أنا أَبْتَغِيه أم الشرُّ الذي هو يَبْتَغِيْنِي ؟
راجع في نسبة هذا البيت للشاعر المذكور: ((معاني القرآن)) للفراء (٢٣١/١) ،
والبيت عنده هكذا :
==
٦٤١
العدة في أصول الفقه - ٤١

يعني : أريد الخير ، وأتوقى الشر .
فإن قيل : إنما حملنا المطلق ها هنا على المقيد ؛ لأن أحد الكلامين
غير مستقل بنفسه ولا مفيد ؛ لأن قوله تعالى : ( وَالذَّكِرَاتٍ ) ابتداء
لا خبر له وكذلك قوله : (عن اليمين ) ، وكذلك قوله : ( وَالْأنْفُسِ
وَالثّمَرَاتِ )، وليس كذلك في مسألة الخلاف؛ لأن المطلق مفيد (١)
مستقل بنفسه ؛ لأن قوله تعالى: ( وَالّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَائِهِم) (٢)
يفيد إطلاقه : إخراج ما يتناوله اسم الرقبة .
قيل : لا فصل بينهما ، وذلك أن قوله : ( وَالذَّاكِرَات ) مفيد
أيضاً ، فإنه يحمل على عمومه في ذكر الله وأنبيائه ورسله ، وغير ذلك .
وكذلك قوله : (عَنِ الْيَمِينِ ) يحمل على عمومه في كونه قعيداً (٣)
أو غير فعيد ؛ لأن قعيداً صفة زائدة .
وكذلك قوله : (وَاْلْأنْفُسِ وَالثّمَرَاتِ ) يحمل على عمومه في
الابتداء بالنفس والنقصان منها .
فإن قيل : إنما وجب حمل (٤) المطلق هناك على المقيد بالعطف ،
فإن العطف يجعل المعطوف بمنزلة المعطوف عليه، كما إذا قال: ((خرج
=
وما أدري إذا يممت وجهاً ...
و ((شرح اختيارات المفضل)) للخطيب التبريزي (١٢٦٧/٣)، و(( تأويل مشكل
القرآن)) لابن قتيبة ص (٢٢٨)، و((الشعر والشعراء)) له: (٣٩٦/١)،
و((الخزانة)) للبغدادي (٤٩/٤) طبعة بولاق .
(١) في الأصل: (مقيد) بالقاف، وهو تصحيف عن (مفيد) بالفاء .
(٢) (٣) سورة المجادلة .
في الأصل : ( قعيد ) .
(٣)
(٤) في الأصل : ( حمله ) .
٦٤٢

زيد وعمرو))، يكون تقديره: و ((خرج عمرو))، فأما ها هنا فلم
يعطف أحدهما على الآخر .
قيل : العطف إنما حمل على المعطوف لإطلاقه ، لا لأجل حروف
العطف .
يبين صحة هذا : أنه لو قيد العطف بحكم آخر ، فقال : والحافظات
ألْسِنَتَهن ، لم يجب حمله على المعطوف في حفظ الفرج ؛ لأنه مقيد (١)
بغيره (٢). وكذلك لو قال : والذاكرات رسل الله، لم يجب حمله على
ما قبله من ذكر الله ، لأجل تقيده (٣) ، فلما حمل على ما قبله عند الإطلاق ،
علم أن الموجب لذلك : الإطلاق ، لا حرف العطف .
يبين صحة هذا : أنه قد يخالف العطف المعطوف (٤) عليه في الحكم ،
قال تعالى: ( هُوَ الّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ) (٥)، معلوم
أن صلاة الملائكة غير صلاته .
وقد قيل : إنه لا يجوز أن يكون حمل عليه لهذه العلة ، ألا ترى أن
العموم يحمل على الخصوص إذا كانا في حكم واحد ، نحو قوله : ( فيما
سقت السماء العشر ) هو عام في القليل والكثير ، وقوله : ( إذا كان خمسة
أوسق ) خاص ، فيحمل عليه ، وإن لم يكن عطفاً عليه ، كذلك ها هنا
يجب أن يكون الحمل عليه ، لا من جهة العطف .
(١) في الأصل: (مفيد) بالفاء المعجمة، وهو تصحيف عن (مقيد) بالقاف المعجمة .
(٢) في الأصل: (يغيره ) بالمثناة التحتية فيهما ، وهو تصحيف عن ( بغير ) بالتحتية
الموحدة في الأولى ، وبالمثناة التحتية في الثانية .
(٣) الكلمة في الأصل بدون إعجام إلا للياء ، وإعجامها اجتهادي بحسب السياق.
(٤) في الأصل : (للمعطوف)، والفعل : (يخالف ) يتعدى بنفسه .
(٥) (٤٣) سورة الأحزاب.
٦٤٣

فإن قيل : لو كان هذا مقتضاه في اللغة لوجب إذا انتفى هذا المعنى
بلفظ يفارق المطلق ، أن يكون مخرجاً له عن حقيقته كالعموم الذي يخرج
عن موضوعه بدلیل .
قيل: [٨٨/ب] العموم إذا دخله التخصيص ، لا يصير مجازاً عندنا .
ويبين صحة هذا: أن الصحابة جعلت القرآن بمنزلة الآية الواحدة ، يدل
عليه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال للخوارج (١) - لما
احتجوا عليه بآية من القرآن - : من فاتحته إلى خاتمته ، ومعناه : يجب
أن يلتزم جميع ما فيه .
وأيضاً : فإن في بناء الخاص على العام جمعاً بين الخبرين وأخذاً بهما
فكان أولى من اطراح أحدهما ، وفيما ذكرنا دلالة على من قال : لا يحمل
المطلق على المقيد ، وعلى من قال : يحمل عليه بالقياس .
واحتج من قال : لا يحمل عليه :
(١) الخوارج - كما يقول الشهر ستاني في كتابه ((الملل والنحل)) (١١٤/١) -: ( كل
من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة، يسمى خارجياً، سواء كان
الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين ، أو كان بعدهم على التابعين
باحسان ، والأئمة في كل زمان ) .
وكان أول ظهور هذه الفرقة الضالة في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
رضي الله عنه في حرب ((صفين )).
وقد كان من رأيهم قبول التحكيم ، وقد حملوا علي بن أبي طالب على قبوله
قائلين: ((القوم يدعوننا إلى كتاب الله، وأنت تدعونا إلى السيف)).
ثم صارت بعد ذلك فرقاً شتى يجمعها - كما يقول الشهر ستاني في المرجع السابق :
( القول بالتبري من عثمان وعلي رضي الله عنهما ويقدمون ذلك على كل طاعة ،
ولا یصححون المنا کحات إلا على ذلك ، ویکفرون أصحاب الكبائر ، ویرون
الخروج على الإمام إذا خالف السنة : حقاً واجباً).
راجع أيضاً: الفصل في الملل والأهواء والنَّحل لابن حزم (١٠٧/٢).
٦٤٤

بأن المطلق المراد به معلوم بظاهره ، فوجب أن يحمل عليه ، ولا
يعدل به عنه إلا بدليل ، والخاص ليس بدليل ؛ لأن التخصيص إنما يقع
بما يخالف الظاهر ويعارضه ، فأما بما يوافقه فلا ، والمقيد يوافق المطلق ،
فوجب أن لا يخص به .
والجواب : أن المقيد يخالف المطلق ويعارضه ؛ لأن تقييده يدل على
أن ما عداه بخلافه ، وإذا كان كذلك فقد خصصناه بما عارضه .
وجواب آخر ، وهو : أن المطلق وإن كان معلوماً ، فإنه معلوم من
حيث الظاهر ، والخاص معلوم من حيث القطع ، فيجب أن يحمل عليه ،
كالخاص والعام إذا تعارضا في حكم واحد ، فإنه يقضي بالخاص عليه ؛
لأنه مقطوع عليه ، وإن كنا نعلم أن العام معلوم ظاهره ، فكان يجب أن
يتعارضا فيسقطا ، أعني : العام والخاص ؛ لأن كل واحد منهما معلوم
بظاهره ، ولما قضى بالخاص على العام ، كذلك ها هنا .
وقولهم : إن التخصيص إنما يقع بما يخالف الظاهر ويعارضه ، وكذا
نقول ، إلا أن دليل الخطاب الخاص يعارض الظاهر عندنا ويخالفه ، وقد
بينا ذلك فيما تقدم من الكلام في دليل الخطاب .
واحتج : بأن شرط الإيمان في كفارة الظهار زيادة في النص ، وذلك
نسخ ؛ والنسخ لا يجوز بالقياس ولا بخبر الواحد ، قالوا : والذي يدل
على أنه نسخ : أن النسخ هو خطر ما أباحته الآية ، وإباحة ما حظرته ،
فلما كان شرط الإيمان في رقبة الظهار يوجب حظر ما أباحته الآية من
جوازها عن الكفارة ، وجب أن تكون هذه الزيادة نسخاً .
والجواب : أن هذا ليس بزيادة ، وإنما هو تخصيص ونقصان ؛ لأن
قوله تعالى : ( فَتَحْرِيرُ رَقَةٍ ) (١) شائع في الجنس ، مؤمنة وكافرة ،
(١) (٩٢) سورة النساء.
٦٤٥

وسليمة ومعيبة .
وقوله : لا تجزي إلا مؤمنة نقصان ، فهو كما لو قال : اعط درهماً
من شئت من هؤلاء العشرة ، فإذا قال : إلا زيداً فلا تعطه ، هذا نقصان
وتخصيص ، كذلك ها هنا .
وعلى أنها لو كانت زيادة في النص [٨٩/أ] لم تكن نسخاً، وإنما هي
زيادة حكم ؛ لأن النسخ هو الإسقاط .
واحتج : بأن الخصوص إنما يرد على الأعيان المنطوق بها ، دون المعاني
التي لم ينطق بها . وقوله: ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) هو المنطوق بها ، فأما
صفاتها مؤمنة وكافرة ، وسليمة ومعيبة ، فما تناولها .
والجواب : أن التخصيص ما دخل إلا على الأعيان ؛ لأن قوله تعالى :
( فتحرير رقبة ) شائعة في الجنس أي رقبة كانت ، فإذا قلنا : إلا مؤمنة ،
كان تخصيص الأعيان ، فكأنه أخرج من هذا الشائع في جنسه عيناً موصوفة ،
فُالتخصيص دخل على الأعيان . ومثال هذا : لو قال : اعط درهماً من
شئت من هؤلاء العشرة إلا الفقيه منهم ، فإنه قد أخرج منهم واحداً
موصوفاً ، كذلك ها هنا . وإذا قال : أعتق رقبة إلا كافرة ، أخرج
رقبة موصوفة .
واحتج بأن قياس المنصوصات بعضها على بعض لا يجوز ؛ لأنها قد
استغنت بدخولها تحت النص عن القياس على غيرها ، ولهذا لم يجز قياس
التيمم على الوضوء في إيجاب مسح الرأس والقدمين ، ولا قياس السارق على
المحارب في قطع رجله ، ولا قياس كفارة القتل على الظهار في إيجاب
:
الإطعام ؛ لأن كل واحد من ذلك منصوص عليه ، كذلك ها هنا .
والجواب : أن هذا ليس بقياس المنصوص عليه على المنصوص ،
وإنما هو حمل المسكوت عنه على المنصوص عليه .
٦٤٦
:

وإنما لم يحمل التيمم على الوضوء في إيجاب [ مسح ] الرأس والقدمين ؛
لأنهما غير مذكورين في التيمم ، وإنما يحمل المطلق على المقيد إذا كان
الحكم المختلف فيه مذكوراً في الموضعين إلا أنه مطلق في أحدهما مقيد في
الآخر كالرقبة هي مذكورة في الظهار والقتل ، إلا أنها مقيدة في أحدهما ،
مطلقة في الآخر . وكذلك الإطعام غير مذكور في كفارة القتل . وكذلك
قطع الرجل غير مذكور في قطع السارق . وإنما اعتبرنا وجود الحكم
المختلف فيه في الموضعين ؛ لأن المطلق والمقيد كالفرع والأصل في
القياس ، ثم لا بد من وجودهما ، كذلك ها هنا ، المطلق كالفرع والمقيد
کالأصل .
واحتج : بأنه ليس حمل المطلق على المقيد بأولى من حمل المقيد على
المطلق .
والجواب : أن في بناء المقيد على المطلق إسقاط ما تناوله النص ، وبناء
المطلق على المقيد تخصيص ، والتخصيص جائز ، والإسقاط غير جائز ،
فهو كما قلنا في العموم والخصوص : يخص العموم ، ولا يسقط الخصوص .
وهكذا الجواب عن أن الرقبة لو كانت مفسرة لم يجز البناء ، كذلك إذا
كانت مطلقة ؛ لأنها إذا كانت مقيدة ، كان في البناء إسقاط النص ،
وهذا معدوم في بناء المطلق على المقيد .
فإن قيل : أليس قد قلتم : إذا كان أول الآية عاماً وآخرها خاصاً ،
أو كان [٨٩/ب] أولها مطلقاً وآخرها مفسراً، لم تقضوا بآخرها على أولها،
نحو [٨٩/ب] قوله تعالى: ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ
قُرُوءٍ ) (١) ثم قال: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ) (٢) ، حملتم أولها
(١) (٢٢٨) سورة البقرة .
(٢) (٢٢٨) سورة البقرة.
٦٤٧

على عمومه في البوائن والرجعيات ، ولم تخصوه بآخرها في الرجعيات .
قيل : هذا ليس من قبيل (١) المطلق والمقيد ، لما بينا أن من شرطه أن
يكون الحكم المختلف فيه مذكوراً في الموضعين ، وهذا غير مذكور في
آخر الآية ، ولا هو أيضاً من قبيل الخاص والعام بآيتين ؛ لأنه إذا قضينا
بآخرها على أولها ، منعنا (٢) صيغة العموم في أولها ، وإذا كان آيتين لم
يمنع العموم من أحدهما .
واحتج : بأن حمل العام على الخاص إهمال العام ؛ لأنه يقتضي
الاستغراق ، فإذا خصصناه أهملناه .
والجواب : أنه ليس بإهمال ، وإنما هو جمع ، ولا يمكن إلا على هذا
الوجه .
واحتج من قال : يحمل عليه بالقياس :
بأن هذا تخصيص في الحقيقة ؛ لأنه إذا قال : أعتق رقبة ، فإن هذا
لفظ شائع عام في الرقاب كلها ، فإذا قلنا : إن الرقبة الكافرة لا تجزي ،
خصصنا بعض الرقاب ، وأخرجناها عن كونها مجزئة ، فيكون ذلك
تخصيصاً للعموم والتخصيص جائز بالقياس .
والجواب : أنه تخصيص كما ذكرت ، ولكن ليس يجب أن يكون
التخصيص بالقياس ، بل يجوز أن يكون التخصيص بالقياس وبلفظ
خاص ، كما كان تخصيص العموم بالخصوص إذ تعارضا في حكم واحد .
واحتج: بأن قوله: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)(٣)
(١) في الأصل : (حمص ) بدون إعجام .
(٢) في الأصل: (ومنعنا) ، وهذه الواو زائدة ، لذلك حذفناها .
(٣) (٩٢) سورة النساء .
٦٤٨

لا يصلح لقوله ( وَالّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا
قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) (١) ، فلم يجز أن يكون أحدهما قاضياً على الآخر
بلفظه ، ولا مشاركاً له من جهة العطف ، فوجب اعتبار المعنى .
والجواب : أن قوله: ( وَالذَّاكِرَاتٍ) (٢)، لا يصلح ، لقوله :
( وَالذَّاكِرِينَ ) ومع هذا فقد قضى بأحدهما على الآخر . وكذلك قوله :
(عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَّمَالِ قَعِيد) (٣) . وكذلك قوله: (وَالأنْفُسِ
وَالثّمَرَاتِ ) (٤) لا يُصلح، لَقوله: (مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ)،
وقد منعنا أن يكون الموجب لذلك حرف العطف ، وبينا أن الموجب لذلك
الإطلاق ، بدليل أنه لو قيد العطف ، لم يجب حمله على المعطوف عليه .
مسألة (٥)
أقلّ الجمع المطلق ثلاثة .
وعلى هذا الأصل قال أحمد رحمه اللّه في رواية حنبل في رجل وصَّى
أن يكفّر عنه فقال : أقلّ ما يكفّر ثلاثة أيمان .
قال الخرقي فيمن قالت له زوجته : اخلعني على ما في يدي من الدراهم ،
ففعل ، فلم يكن في يدها شيء : لزمها ثلاثة دراهم (٦).
(١) (٣) سورة المجادلة.
(٢) (٣٥) سورة الأحزاب.
(٣) (١٧) سورة ق.
(٤) (١٥٥) سورة البقرة .
(٥) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (١٤٩)، و((روضة الناظر)) وشرحها ،
((نزهة الخاطر العاطر)) (١٣٧/٢ - ١٤٠ ).
(٦) كلام الخرقي هذا موجود بنصه في ((مختصره))، في كتاب الخلع ص (١٥١).
٦٤٩

وقال رحمه الله في رواية صالح: قوله تعالى: (فَإنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ
فلأمِّهِ السُّدُسُ)(١) فيلزمه أن لا [٩٠/أ] يحجب بالأخوين؛ لأنه قال: (فَإنْ
كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُّسُ)، والإخوة ثلاثة .
وبهذا قال مالك (٢) وأصحاب أبي حنيفة (٣) وأكثر أصحاب
الشافعي (٤) .
وحكى عن أصحاب مالك(٥)، وقوم من النحويين منهم علي بن عيسى(٦)،
(١) (١١) سورة النساء.
(٢) نقله عبد الوهاب عن الإمام مالك، كما حكى ذلك القرافي في كتابه: (( شرح
تنقيح الفصول)) ص (٢٣٣) .
(٣) راجع في مذهب الحنفية: ((أصول السرخسي)) (١٥١/١ - ١٥٤)، و « تيسير
التحرير)) (٢٠٦/١ - ٢٠٩)، و((مسلم الثبوت)) الطبعة المجردة (٢٠٣/١ -
٢٠٥ ) .
(٤) راجع في هذا: ((نهاية السول)) (٣٤٩/٢)، و((جع الجوامع)) مع شرحها
للجلال المحلى (٤١٩/١) ونسبه الآمدي في كتابه ((الإحكام)) (٢٠٤/٢)،
إلى الامام الشافعي وجماعة من أصحابه .
(٥) نقله القاضي أبو بكر عن الإمام مالك، ذكر ذلك القرافي في كتابه: ((تنقيح
الفصول)) ص (٢٣٣) .
(٦) هو : علي بن عيسى بن الفرج بن صالح أبو الحسن الربعي الزهري . من أئمة
النحو وحذاقهم. أخذعن السيرافي، ورحل إلى ((شيراز)) فأخذ عن أبي علي
الفارسي ، ولازمه مدة عشرين سنة تقريباً ، وبعد ذلك عاد إلى بغداد ، وأقام
بها بقية عمره. له مؤلفات، منها: ((البديع)) في النحو، و((شرح كتاب الإيضاح))
لأبي علي الفارسي . مات لعشر بقين من شهر محرم سنة ( ٤٢٠ هـ ) ، وله من
العمر اثنتان وتسعون سنة .
له ترجمة في: ((البداية والنهاية)) (٢٧/١٢)، و((بغية الوعاة)) (١٨١/٢)،
و((شذرات الذهب)) (٢١٦/٣)، و((نزهة الألباء)) ص (٤١٤).
٦٥٠

1
وأبو بكر ابن الباقلاني (١) ، وبعض الشافعية: أقله اثنان (٢).
دليلنا :
إجماع الصحابة ، روي عن عبدالله بن عباس أنه قال لعثمان بن
عفان رضي الله عنهما : إن الأخوين لا يردان الأم إلى السدس ، إنما قال
اللّه تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلَأمَّهِ السُّدُّسُ) (٣)، وليس
أخوان إخوة في لسان قومك ، فقال عثمان : لا أستطيع أن أنقض (٤) أمراً
كان قبلي ، وتوارثه الناس ، ومضى في الأمصار (٥) .
وهذا يدل على أن أقل الجمع ثلاثة ؛ لأن ابن عباس قاله ، وأقره عثمان
عليه ، وإنما صرفه عنه بالإجماع الذي ذكره .
(١) حكى ذلك عنه القرافي في كتابه: ((تنقيح الفصول)) ص (٢٣٣).
(٢) وعلى رأس هؤلاء الغزالي، كما حكى ذلك عنه الآمدي في ((الإحكام)) (٢٠٤/٢)،
ولكن الأصح عند الشافعية أن أقل الجمع ثلاثة ، كما صرح بذلك الجلال المحلى
في شرحه على ((جمع الجوامع)) (٤١٩/١).
(٣) (١١) سورة النساء.
(٤) في الأصل : (انقص) بالصاد المهملة، وفي رواية الحاكم والبيهقي ( .. أن أُرُدّ ).
(٥) أثر ابن عباس - رضي الله عنه - هذا أخرجه الحاكم في: ((المستدرك)» في
كتاب الفرائض، باب ميراث الأخوة من الأب والأم (٣٣٥/٤) ، وقال
بعد ذلك: ((هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه) ، ووافقه على ذلك الذهبي
في تعليقه على المستدرك .
وتعقب الحافظ ابن حجر في كتابه ((تلخيص الحبير)) (٨٥/٣) الحاكم في
تصحيحه ، حيث قال : ( وفيه نظر ، فإن فيه شعبة مولى ابن عباس ، وقد ضعفه
النسائي ) .
وأخرجه البيهقي في: ((السنن الكبرى ))، وفي كتاب الفرائض ، باب : فرض
الأم (٢٢٧/٦ ) .
٦٥١

فإن قيل : فقد روي عن زيد بن ثابت : أقل الجمع اثنان (١) .
قيل : إن صح هذا ، فيحتمل أن يكون معناه ، أن الاثنين في حكم
الجمع في حجب الأم .
وأيضاً : فإن أسماء الحقائق لا تنتفى عن مسمياتها ، فلو كان اسم
الجمع يقع على الاثنين حقيقة ، لم يحسن أن يقول القائل : ما رأيت رجالاً
وإنما رأيت رجلين ، فلما صح نفى ذلك ، دل على أن الرجلين إذا سميا
رجالاً كان مجازاً ، وكان بمنزلة قوله : ما هذا أبي وإنما هو جدي ، وما
هذا بابني وإنما هو ابن انبي .
وأيضاً : فإن أهل اللغة فرقوا بين التوحيد والتثنية والجمع ، وجعلوا
للإفراد باباً وللتثنية باباً وللجمع باباً ، ولا يخلو لهم كتاب من هذا الترتيب،
وإذا كان كذلك وجب أن يختص الجمع بما زاد على الاثنين ، كما اختصت
التثنية بما زاد على الواحد .
وأيضاً : فإنهم إذا أرادوا بيان عدد الجمع ومقداره ، بدأُوا من
الثلاثة، فقالوا: ((ثلاثة رجال))، و((أربعة رجال)) ولم يقولوا: ((اثنان
رجال))، وقالوا: ((جماعة رجال))، ولم يقولوا: ((جماعة رجلين))،
فدل هذا على ما ذكرنا .
واحتج المخالف :
بقوله تعالى لموسى وهارون: ( فاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إنّا مَعَكُم
(١) هذا الأثر عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، أخرجه عنه الحاكم في: ((المستدرك))
في كتاب الفرائض ، باب ميراث الإخوة (٣٣٥/٤)، ولفظه : ( ... عن خارجة
ابن زيد بن ثابت عن أبيه أنه كان يقول: (( الإخوة في كلام العرب أخوان
فصاعداً))). ثم عقب عليه بقوله : ( هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه).
وأخرجه عنه البيهقي في: (( السنن الكبرى )) ، في كتاب الفرائض ، باب فرض
الأم (٢٢٧/٦ ) .
٦٥٢
1

مُسْتُمِعُونَ ) (١) ولم يقل: معكما ، فدل على أن معنى اللفظين واحد .
والجواب : أن الله تعالى إنما أراد بذلك : موسى وهارون ومن آمن
معهما من قومهما .
واحتج : بقوله تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ
أَخَوَيْكُم ) (٢) ، فعبر عن الإخوة بالأخوين .
والجواب : أن المراد به : أيها المؤمنون أنتم إخوة ، يعني كل واحد
منكم أخ لصاحبه ، فأصلحوا بين كل أخ قاتل أخاه .
ويحتمل أن يكون المراد بالأخوين: الطائفتين [ و] الجماعتين [٩٠/ب]
والقبيلتين لأن اسم الأخوين يقع على ذلك . قال الشاعر :
فالحق بحلفك في قضاعة إنما قيس عليك وخندف أخوان (٣)
فسمى القبيلتين أخوين ، فيصير تقدير الآية : أيها المؤمنون أنتم الإخوة ،
فأصلحوا بين كل طائفتين من المؤمنين اقتتلوا .
وعلى أنه لا حجة في ذلك ؛ لأنه عبر عن الإخوة بالأخوين .
واحتج: بقوله: ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ) (٤) فجعلهما طائفتين ، ثم أضاف الفعل إليهما
بلفظ الجمع .
والجواب : أن الطائفة اسم للجماعة ، بدلالة قوله : ( وَلْتَأْتِ
(١) (١٥) سورة الشعراء.
(٢) (١٠) سورة الحجرات .
(٣) لم أقف على قائله .
(٤) (٩) سورة الحجرات .
٦٥٣

طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا) (١)، ولو كانت الطائفة واحداً، لم
يقل: ( لَمْ يُصَلُّوا ) ، فصار المراد به : وإن جماعة من المؤمنين
اقتتلوا .
واحتج: بقوله تعالى: (إنْ تَتُوبًا إلى اللّه فَقَدْ صَغَتْ
قُلُوبُكُمَا ) (٢)، وإنما هما قلبان .
والجواب : أن هذا ليس مما نحن فيه بشيء (٣) ؛ لأن كل شيء يكون
بعضاً لشيء ، فإن أهل اللسان يعبرون عنه في حال التثنية بلفظ الجمع ؛
ليفصلوا به بين ذلك وبين الشيء الذي ليس بعضاً من المضاف إليه ،
يقولون للاثنين : هذه رؤوسكما ، وهذه وجوهكما، ألا ترى أن الشيء
إذا لم يكن بعضاً من المضاف إليه ، لم يصح ذلك فيه ، ألا ترى أنه لا
يصح أن يقول : هذه أثوابكما (٤) ، وهذه دور كما ، ویرید به ثوبيهما
وداريهما ، ولكن يقول : هذان ثوبا كما ودارا كما .
وقيل فيه : إنه لما كان أكثر ما في البدن من الجوارح اثنين اثنين ،
أقيم القلب أيضاً مقام عضوين ، فصار في التقدير : كان لهما (٥) أربعة
قلوب ، فلهذا صح أن يقول : (قَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) .
واحتج بقوله تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِم)(٦) ،
فأضاف الفعل إليهما بلفظ الجمع .
(١) (١٠٢) سورة النساء. والآية في الأصل: (وليأت) بالمثناة التحتية.
(٢) (٤) سورة التحريم.
(٣) في الأصل: (يسيل)، بدون إعجام للحرف الأول والثاني .
(٤) في الأصل : ( أبوابكما ) .
(٥) في الأصل : ( كان لها ) .
(٦) (١٩) سورة الحج.
٦٥٤

والجواب : أن الخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة ، يقال :
رجل خصم، ورجال خصم، وإذا كان كذلك احتمل أن يكون ذلك عبارة
عن جمعين .
فإن قيل : كان جبريل وميكائيل .
قيل : يجوز أن يكون مع كل واحد منهما ملائكة ، وهكذا الجواب
عن قوله تعالى: (وَهَلْ أَنَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابِ)(١)؛
لأنه يجوز أن يكون المراد به الجماعة ، وتكلم الواحد منهم ، وهو القائل
منهم : ( هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةٌ ) (٢)، يبين ذلك
قوله : ( خَصْمَانٍ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ ) (٣)، ولو كانا اثنين؛
لقال : بغى أحدنا على الآخر . ولم يقل : بغى بعضنا على بعض ؛ لأن
ذلك إنما يقال : في الجماعتين والقبيلتين .
واحتج بقوله تعالى: ((وَدَاودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي
الْحَرْثِ ) إلى قوله: (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ) (٤) ، فأضاف
الفعل إليهما في أول الآية بلفظ التثنية ، وفي آخرها [٩١/أ] بلفظ الجمع .
والجواب : أنه يحتمل أن يكون المراد به : حكم داود وسليمان
وقومهما ؛ لأنه تعالى قال : (إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ).
ويحتمل أن يكون المراد به : الحكم المشروع لأمة داود، كما يقال :
هذا حكم المسلمين، يريد به : الحكم المشروع لهم .
وقيل : المراد به : حكم الأنبياء ، والكناية عن جماعتهم .
(١) (٢١) سورة ص .
(٢) (٢٣) سورة ص.
(٣) (٢٢) سورة ص.
(٤) (٧٨) سورة الأنبياء.
٦٥٥

وقيل : إنه لا بد من محكوم له ، فیکون داود وسليمان والمحكوم له ،
وهو صاحب الكَرْم ؛ لأن الحكم يضاف إلى الحاكم بفعله ، وإلى
المحكوم له باستحقاقه ، ولذلك يجوز له مطالبة الحاكم به ، فلهذا قال :
( وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ).
فإن قيل : لم يجر ذكر المحكوم له ، وإنما جرى ذكر الحاكمين .
قيل : ذكر الحاكمين يتضمن ذكر المحكوم له ، فكني عن الجميع .
وقيل : إنه على سبيل التفخيم والتعظيم ، كما قال : (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ
شَاهدينَ )، وهو واحد لا شريك له. وقال: ( مُبَرَّؤُونَ مِمَّا
يَقُولُونَ ) (١) وأراد به عائشة رضي الله عنها (٢). وقال: (إنَّ الَّذِينَ"
جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرَاً لَكُمْ بَلْ
هُوَ خَيْرٌ لَكُم ) (٣) ، يعني عائشة .
واحتج بقوله تعالى: (فَإنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلْأُمِّهِ السُّدُّسُ) (٤)
وكان الاثنان في حكم الثلاثة .
والجواب : أن ظاهر الآية كان يقتضي أن لا يحجبها عن الثلث إلى
السدس إلا ثلاثة إخوة ، إلا أنا عدلنا بالآية عن ظاهرها لقيام الدلالة .
واحتج بقوله تعالى في يوسف وأخيه : ( عَسَى اللّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي
بِهِمْ جَمِيعاً ) (٥) .
(١) (٢٦) سورة النور
(٢) وقال ابن قتيبة في كتابه: ((تأويل مشكل القرآن)) ص (٢٨٤): ( يعني عائشة
وصفوان بن المعطل ) .
(٣) (١١) سورة النور .
(٤) (١١) سورة النساء.
(٥) (٨٣) سورة يوسف .
٦٥٦

والجواب : أنه يحتمل أن يكون المراد به : يوسف وأخوه الذي
وجدت السقاية في رحله ، والأخ الذي يخالف وقال: ( لَنْ أَبْرَحَ
الأرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ
الْحَاكِمِينَ) (١).
ويحتمل أن يكون أطلق لفظ الجمع مجازاً ، كقوله تعالى : (قَالَ رَبِّ
ارْجِعُونٍ ) (٢)، وقوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ) (٣) قيل:
إنه كان واحداً .
واحتج بقوله عليه السلام : ( الاثنان فما فوقهما جماعة ) (٤).
(١) (٨٠) سورة يوسف، والآية في الأصل بحذف كلمة (لي) الأخيرة في الآية.
(٢) (٩٩) سورة المؤمنون .
(٣) (١٧٣) سورة آل عمران.
(٤) هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في كتاب الصلاة، باب الاثنان جماعة (٣١٢/١)،
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ : (اثنان فما فوقهما جماعة).
وأخرجه عنه الحاكم في كتابه ((المستدرك)) في كتاب الفرائض ، باب الاثنان
فما فوقهما جماعة ( ٣٣٤/٤ ) .
وفي إسنادهما: ((الربيع بن بدر))، وهو - كما يقول الحافظ ابن حجر في كتابه
((التلخيص)) (٨١/٣ -٨٢) -: ضعيف ، وأبوه مجهول .
وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الصلاة ، باب الاثنان جماعة (٢٨٠/١ -
٢٨١)، وفيه: ((الربيع بن بدر)) كما أخرجه في الموضع المذكور عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده ، ولفظه فيهما مثل لفظ ابن ماجه ، وفي إسناده الأخير :
عثمان بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن أبي وقاص ، قال فيه البخاري :
((تركوه))، وبمثل قوله قال الحافظ في التلخيص .
وأخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعاً، ولفظه مثل لفظ
ابن ماجه : قال الحافظ الهيثمى في كتابه الزوائد (٤٥/٢)، بعد سياق الحديث :
( وفيه : مسلمة بن علي ، وهو ضعيف ) .
=
٦٥٧
العدة في أصول الفقه - ٤٢

والجواب : أنه قصد به بيان حكم الجمع في الصلاة ، وأنه يحصل
بالاثنين ، وإن لم يكن في اللغة جمعاً ، ولم يقصد به بيان الجمع ؛ لمشاركة
الصحابة له في معرفة الأسماء اللغوية .
واحتج : بأن الجمع معناه : الضم ، فإذا ضمَّ واحد إلى واحد ،
وجد معنى الجمع .
والجواب : أن الاشتقاق لا يدل على حقيقة الاسم ؛ لأن اسم الدابة
مشتق من دب يدب على الأرض ، ولا يسمى الآدمي دابة ، وسائر ما
يدب على الأرض دابة حقيقة ؛ لوجود المعنى الذي اشتق منه. وكذلك
سميت الخابية (١) ؛ لما يخبأ فيها ، ولا يسمى الصندوق خابية ، وإن كان
يخبأ فيه .
وجواب آخر ، وهو : أن الضمّ قد يوجد في الأعداد المختلفة ،
والأجسام المتقاربة، ولم يكن ذلك [٩١/ب] موجباً لكون جميع ما ضم
في حكم الشيء الواحد .
وهكذا الجواب عن قولهم : إن الواو حقيقتها الجمع .
كما أخرجه عنه الطبراني أيضاً والإمام أحمد بلفظ: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم
=
رأى رجلاً يصلي وحده، فقال: ((ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه))؟
فقام رجل ، فصلى معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هذان جماعة)))
قال الهيثمي - بعد سياقه : ( وله طرق كلها ضعيفة ) .
وقد بوَّب البخاري في ((صحيحه)) في كتاب الأذان (١٥٨/١) بقوله : ( باب
اثنان فما فوقهما جماعة ، وساق حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه :
٠
( فأذنا وأقيما ، وليؤمكما أكبركما ) .
(١) ((الخابية)) أصلها: ((الخابئة)) بالهمز، ولكن العرب تركت الهمزة استثقالاً لها .
انظر: ((اللسان))، مادة ( خبأ): (٥٥/١).
٦٥٨
٠
1

واحتج : بأن الاثنين قد يخبران عن أنفسهما بلفظ الجمع ، فيقولان :
فعلنا كذا وكذا .
والجواب : أنه باطل بالواحد يخبر عن نفسه بلفظ الجمع ، قال تعالى :
( إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (١)، على أنه إنما
يخبر بذلك الاثنان عن أنفسهما ؛ لأن الإضافة إليهما كافية في التمييز ،
يعلم (٢) بهذا أن هذا اسم للاثنين . فأما حالة الإطلاق ، فليس هناك ما
يقع به التمييز لتعرفه بلفظ التثنية والجمع .
ثم نعارض هذا بمثله ، فنقول : قد فرقوا بين الاثنين والجماعة في
المواجهة ، فقالوا : أنت وأنتما وأنتم ، وكذلك : هو (٣) وهما وهم ،
فسقط ما قالوه .
مسائل الاستثناء (٤)
الاستثناء : كلام ذو صيغ (٥) محصورة ، تدل على أن المذكور فيه
لم يرد بالقول الأول (٦).
(١) (٩) سورة الحجر.
(٢) كلمة ( يعلم ) بدون إعجام في الأصل .
(٣) في الأصل : ( هذا ) .
(٤) راجع مسائل الاستثناء في: ((المسودة)) ص (١٥٢ - ١٦٠)، و (( شرح
الكوكب المنير)) ص ( ١٨٣ - ١٩٩ ).
(٥) في الأصل: ( ذو صيغة )، وقد ذكر المؤلف بعد ذلك الكلمة: (صيغ ) كما
أثبتناها .
(٦) تعقب المؤلف في ((المسودة)) ص (١٥٤)، بأن هذا التعريف، إنما هو تعريف
((الاستثناء)) عند النحاة، أما تعريفه عند الفقهاء، فهو أعم من ذلك، إذ أن =
٦٥٩

ولا يدخل على هذا التخصيص وأدلته المنفصلة ، أنها ليست باستثناء
وإن كان هذا المعنى موجوداً فيها ؛ لأن تلك الأشياء ليست تختص بالقول ،
ألا ترى أن التخصيص يكون تارة بقول صاحب الشريعة ، وتارة يكون
بدليل العقول ، وليس ذلك بقول ؟
ولا يلزم عليه القول المتصل بلفظ العموم، نحو قولهم: «رأيت
المؤمنين، وما رأيت زيداً، ولم أر عمراً وخالداً))، لقولنا: ((كلام
ذو صيغ محصورة)) . وحروف الاستثناء محصورة ، وليس الواو منها .
مسألة (١)
الاستثناء إنما يصح إذا اتصل بالكلام ، فأما إذا انقطع فإنه لا يعمل .
وقد ذكره الخرقي في كتاب الإقرار (٢) فقال: ((ومن أقر بعشرة
دراهم وسكت (٣) سكوتاً يمكنه (٤) الكلام فيه ، ثم قال : زيوفاً ، أو
صغاراً، أو إلى شهر ، كانت عشرةً وافيةً جياداً (٥) حالةً )).
وقد اختلفت الرواية عنه في الاستثناء في اليمين (٦) .
الاستثناء عندهم ، يكون بالمفرد ، كما عند النحاة ، ويكون بالجملة ، كقولك :
=
له هذه الدار ، ولي منها هذا البيت .
(١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (١٥٢ - ١٥٣)، و (( شرح الكوكب
المنير)) ص ( ١٨٨ - ١٩٠ ).
(٢) ص (٩٩) من ((مختصر الخرقي)).
(٣) في ((مختصر الخرقي)) ص (٩٩): (ثم سكت ... ).
(٤) في ((مختصر الخرقي)) ص (٩٩): ( ... كان يمكنه الكلام فيه .. ).
(٥) في ((مختصر الخرقي)) ص (٩٩) تقديم كلمة: (جياد) على كلمة (وافية).
(٦) فصل المرداوي في كتابه: ((الإنصاف)) في كتاب ((الأيمان)) (٢٥/١١ - ٢٧) =
٦٦٠
١
١