النص المفهرس
صفحات 641-660
وكذلك قول الشاعر : عندك راض والرأي مختلف (١) [١/٨٨] نحن بما عندنا وأنت بما يعني : بما عندنا راضون (٢) . وقال آخر : وما أُدْرِي إذا يَمّمْت أَرْضاً أُريد الخيرَ، أَيُّهُما يَلِيني (٣)؟ (١) هذا البيت نسبه سيبويه في ((كتابه)): (٣٧/١ - ٣٨) للشاعر قيس بن الحطيم واستشهد به المبرد في كتابه: ((المقتضب)) (١١٢/٣)، ولم ينسبه لأحد . أما البغدادي في كتابه: ((خزانة الأدب)) (٢٨٣/٤) تحقيق عبد السلام هارون ، فقد نسبه للشاعر : عمرو بن امرىء القيس . ثم بين بعد ذلك غلط من نسب البيت إلى قيس بن الحطيم بقوله : ( وعرف من إيرادنا لهذه القصائد ما وقع من التخليط بين هذه القصائد ، كما فعل ابن السيد واللخمي في شرح أبيات الجمل ، وتبعهما العيني والعباسي في شرح أبيات التلخيص ، فإنهم جعلوا ما نقلنا من شعر قيس ابن الحطيم مطلع القصيدة، ثم أوردوا فيها البيت الشاهد، وهو: ((الحافظو عورة العشيرة))، والشاهد الثاني ، وهو : (( نحن بما عندنا ، وأنت بما عندك راض))، والحال : أن هذين البيتين من قصيدة عمرو بن امرىء القيس) . راجع بالاضافة إلى ما سبق : تعليق الأستاذ محمد عبد الخالق عظيمة في هامش المقتضب (١١٣/٣ - ١٢٢) . (٢) في الأصل : ( راضي ). (٣) هذا البيت للشاعر المثقب العبدي . وهو من قصيدة ، يقول في مطلعها : ومنعك ما سألت ، كأن تبيني أفاطم قبل بينك متعيني والبيت الذي بعد البيت الشاهد هو : أ أُ لْخَيْرُ الذي أنا أَبْتَغِيه أم الشرُّ الذي هو يَبْتَغِيْنِي ؟ راجع في نسبة هذا البيت للشاعر المذكور: ((معاني القرآن)) للفراء (٢٣١/١) ، والبيت عنده هكذا : == ٦٤١ العدة في أصول الفقه - ٤١ يعني : أريد الخير ، وأتوقى الشر . فإن قيل : إنما حملنا المطلق ها هنا على المقيد ؛ لأن أحد الكلامين غير مستقل بنفسه ولا مفيد ؛ لأن قوله تعالى : ( وَالذَّكِرَاتٍ ) ابتداء لا خبر له وكذلك قوله : (عن اليمين ) ، وكذلك قوله : ( وَالْأنْفُسِ وَالثّمَرَاتِ )، وليس كذلك في مسألة الخلاف؛ لأن المطلق مفيد (١) مستقل بنفسه ؛ لأن قوله تعالى: ( وَالّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَائِهِم) (٢) يفيد إطلاقه : إخراج ما يتناوله اسم الرقبة . قيل : لا فصل بينهما ، وذلك أن قوله : ( وَالذَّاكِرَات ) مفيد أيضاً ، فإنه يحمل على عمومه في ذكر الله وأنبيائه ورسله ، وغير ذلك . وكذلك قوله : (عَنِ الْيَمِينِ ) يحمل على عمومه في كونه قعيداً (٣) أو غير فعيد ؛ لأن قعيداً صفة زائدة . وكذلك قوله : (وَاْلْأنْفُسِ وَالثّمَرَاتِ ) يحمل على عمومه في الابتداء بالنفس والنقصان منها . فإن قيل : إنما وجب حمل (٤) المطلق هناك على المقيد بالعطف ، فإن العطف يجعل المعطوف بمنزلة المعطوف عليه، كما إذا قال: ((خرج = وما أدري إذا يممت وجهاً ... و ((شرح اختيارات المفضل)) للخطيب التبريزي (١٢٦٧/٣)، و(( تأويل مشكل القرآن)) لابن قتيبة ص (٢٢٨)، و((الشعر والشعراء)) له: (٣٩٦/١)، و((الخزانة)) للبغدادي (٤٩/٤) طبعة بولاق . (١) في الأصل: (مقيد) بالقاف، وهو تصحيف عن (مفيد) بالفاء . (٢) (٣) سورة المجادلة . في الأصل : ( قعيد ) . (٣) (٤) في الأصل : ( حمله ) . ٦٤٢ زيد وعمرو))، يكون تقديره: و ((خرج عمرو))، فأما ها هنا فلم يعطف أحدهما على الآخر . قيل : العطف إنما حمل على المعطوف لإطلاقه ، لا لأجل حروف العطف . يبين صحة هذا : أنه لو قيد العطف بحكم آخر ، فقال : والحافظات ألْسِنَتَهن ، لم يجب حمله على المعطوف في حفظ الفرج ؛ لأنه مقيد (١) بغيره (٢). وكذلك لو قال : والذاكرات رسل الله، لم يجب حمله على ما قبله من ذكر الله ، لأجل تقيده (٣) ، فلما حمل على ما قبله عند الإطلاق ، علم أن الموجب لذلك : الإطلاق ، لا حرف العطف . يبين صحة هذا : أنه قد يخالف العطف المعطوف (٤) عليه في الحكم ، قال تعالى: ( هُوَ الّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ) (٥)، معلوم أن صلاة الملائكة غير صلاته . وقد قيل : إنه لا يجوز أن يكون حمل عليه لهذه العلة ، ألا ترى أن العموم يحمل على الخصوص إذا كانا في حكم واحد ، نحو قوله : ( فيما سقت السماء العشر ) هو عام في القليل والكثير ، وقوله : ( إذا كان خمسة أوسق ) خاص ، فيحمل عليه ، وإن لم يكن عطفاً عليه ، كذلك ها هنا يجب أن يكون الحمل عليه ، لا من جهة العطف . (١) في الأصل: (مفيد) بالفاء المعجمة، وهو تصحيف عن (مقيد) بالقاف المعجمة . (٢) في الأصل: (يغيره ) بالمثناة التحتية فيهما ، وهو تصحيف عن ( بغير ) بالتحتية الموحدة في الأولى ، وبالمثناة التحتية في الثانية . (٣) الكلمة في الأصل بدون إعجام إلا للياء ، وإعجامها اجتهادي بحسب السياق. (٤) في الأصل : (للمعطوف)، والفعل : (يخالف ) يتعدى بنفسه . (٥) (٤٣) سورة الأحزاب. ٦٤٣ فإن قيل : لو كان هذا مقتضاه في اللغة لوجب إذا انتفى هذا المعنى بلفظ يفارق المطلق ، أن يكون مخرجاً له عن حقيقته كالعموم الذي يخرج عن موضوعه بدلیل . قيل: [٨٨/ب] العموم إذا دخله التخصيص ، لا يصير مجازاً عندنا . ويبين صحة هذا: أن الصحابة جعلت القرآن بمنزلة الآية الواحدة ، يدل عليه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال للخوارج (١) - لما احتجوا عليه بآية من القرآن - : من فاتحته إلى خاتمته ، ومعناه : يجب أن يلتزم جميع ما فيه . وأيضاً : فإن في بناء الخاص على العام جمعاً بين الخبرين وأخذاً بهما فكان أولى من اطراح أحدهما ، وفيما ذكرنا دلالة على من قال : لا يحمل المطلق على المقيد ، وعلى من قال : يحمل عليه بالقياس . واحتج من قال : لا يحمل عليه : (١) الخوارج - كما يقول الشهر ستاني في كتابه ((الملل والنحل)) (١١٤/١) -: ( كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة، يسمى خارجياً، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين ، أو كان بعدهم على التابعين باحسان ، والأئمة في كل زمان ) . وكان أول ظهور هذه الفرقة الضالة في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حرب ((صفين )). وقد كان من رأيهم قبول التحكيم ، وقد حملوا علي بن أبي طالب على قبوله قائلين: ((القوم يدعوننا إلى كتاب الله، وأنت تدعونا إلى السيف)). ثم صارت بعد ذلك فرقاً شتى يجمعها - كما يقول الشهر ستاني في المرجع السابق : ( القول بالتبري من عثمان وعلي رضي الله عنهما ويقدمون ذلك على كل طاعة ، ولا یصححون المنا کحات إلا على ذلك ، ویکفرون أصحاب الكبائر ، ویرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة : حقاً واجباً). راجع أيضاً: الفصل في الملل والأهواء والنَّحل لابن حزم (١٠٧/٢). ٦٤٤ بأن المطلق المراد به معلوم بظاهره ، فوجب أن يحمل عليه ، ولا يعدل به عنه إلا بدليل ، والخاص ليس بدليل ؛ لأن التخصيص إنما يقع بما يخالف الظاهر ويعارضه ، فأما بما يوافقه فلا ، والمقيد يوافق المطلق ، فوجب أن لا يخص به . والجواب : أن المقيد يخالف المطلق ويعارضه ؛ لأن تقييده يدل على أن ما عداه بخلافه ، وإذا كان كذلك فقد خصصناه بما عارضه . وجواب آخر ، وهو : أن المطلق وإن كان معلوماً ، فإنه معلوم من حيث الظاهر ، والخاص معلوم من حيث القطع ، فيجب أن يحمل عليه ، كالخاص والعام إذا تعارضا في حكم واحد ، فإنه يقضي بالخاص عليه ؛ لأنه مقطوع عليه ، وإن كنا نعلم أن العام معلوم ظاهره ، فكان يجب أن يتعارضا فيسقطا ، أعني : العام والخاص ؛ لأن كل واحد منهما معلوم بظاهره ، ولما قضى بالخاص على العام ، كذلك ها هنا . وقولهم : إن التخصيص إنما يقع بما يخالف الظاهر ويعارضه ، وكذا نقول ، إلا أن دليل الخطاب الخاص يعارض الظاهر عندنا ويخالفه ، وقد بينا ذلك فيما تقدم من الكلام في دليل الخطاب . واحتج : بأن شرط الإيمان في كفارة الظهار زيادة في النص ، وذلك نسخ ؛ والنسخ لا يجوز بالقياس ولا بخبر الواحد ، قالوا : والذي يدل على أنه نسخ : أن النسخ هو خطر ما أباحته الآية ، وإباحة ما حظرته ، فلما كان شرط الإيمان في رقبة الظهار يوجب حظر ما أباحته الآية من جوازها عن الكفارة ، وجب أن تكون هذه الزيادة نسخاً . والجواب : أن هذا ليس بزيادة ، وإنما هو تخصيص ونقصان ؛ لأن قوله تعالى : ( فَتَحْرِيرُ رَقَةٍ ) (١) شائع في الجنس ، مؤمنة وكافرة ، (١) (٩٢) سورة النساء. ٦٤٥ وسليمة ومعيبة . وقوله : لا تجزي إلا مؤمنة نقصان ، فهو كما لو قال : اعط درهماً من شئت من هؤلاء العشرة ، فإذا قال : إلا زيداً فلا تعطه ، هذا نقصان وتخصيص ، كذلك ها هنا . وعلى أنها لو كانت زيادة في النص [٨٩/أ] لم تكن نسخاً، وإنما هي زيادة حكم ؛ لأن النسخ هو الإسقاط . واحتج : بأن الخصوص إنما يرد على الأعيان المنطوق بها ، دون المعاني التي لم ينطق بها . وقوله: ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) هو المنطوق بها ، فأما صفاتها مؤمنة وكافرة ، وسليمة ومعيبة ، فما تناولها . والجواب : أن التخصيص ما دخل إلا على الأعيان ؛ لأن قوله تعالى : ( فتحرير رقبة ) شائعة في الجنس أي رقبة كانت ، فإذا قلنا : إلا مؤمنة ، كان تخصيص الأعيان ، فكأنه أخرج من هذا الشائع في جنسه عيناً موصوفة ، فُالتخصيص دخل على الأعيان . ومثال هذا : لو قال : اعط درهماً من شئت من هؤلاء العشرة إلا الفقيه منهم ، فإنه قد أخرج منهم واحداً موصوفاً ، كذلك ها هنا . وإذا قال : أعتق رقبة إلا كافرة ، أخرج رقبة موصوفة . واحتج بأن قياس المنصوصات بعضها على بعض لا يجوز ؛ لأنها قد استغنت بدخولها تحت النص عن القياس على غيرها ، ولهذا لم يجز قياس التيمم على الوضوء في إيجاب مسح الرأس والقدمين ، ولا قياس السارق على المحارب في قطع رجله ، ولا قياس كفارة القتل على الظهار في إيجاب : الإطعام ؛ لأن كل واحد من ذلك منصوص عليه ، كذلك ها هنا . والجواب : أن هذا ليس بقياس المنصوص عليه على المنصوص ، وإنما هو حمل المسكوت عنه على المنصوص عليه . ٦٤٦ : وإنما لم يحمل التيمم على الوضوء في إيجاب [ مسح ] الرأس والقدمين ؛ لأنهما غير مذكورين في التيمم ، وإنما يحمل المطلق على المقيد إذا كان الحكم المختلف فيه مذكوراً في الموضعين إلا أنه مطلق في أحدهما مقيد في الآخر كالرقبة هي مذكورة في الظهار والقتل ، إلا أنها مقيدة في أحدهما ، مطلقة في الآخر . وكذلك الإطعام غير مذكور في كفارة القتل . وكذلك قطع الرجل غير مذكور في قطع السارق . وإنما اعتبرنا وجود الحكم المختلف فيه في الموضعين ؛ لأن المطلق والمقيد كالفرع والأصل في القياس ، ثم لا بد من وجودهما ، كذلك ها هنا ، المطلق كالفرع والمقيد کالأصل . واحتج : بأنه ليس حمل المطلق على المقيد بأولى من حمل المقيد على المطلق . والجواب : أن في بناء المقيد على المطلق إسقاط ما تناوله النص ، وبناء المطلق على المقيد تخصيص ، والتخصيص جائز ، والإسقاط غير جائز ، فهو كما قلنا في العموم والخصوص : يخص العموم ، ولا يسقط الخصوص . وهكذا الجواب عن أن الرقبة لو كانت مفسرة لم يجز البناء ، كذلك إذا كانت مطلقة ؛ لأنها إذا كانت مقيدة ، كان في البناء إسقاط النص ، وهذا معدوم في بناء المطلق على المقيد . فإن قيل : أليس قد قلتم : إذا كان أول الآية عاماً وآخرها خاصاً ، أو كان [٨٩/ب] أولها مطلقاً وآخرها مفسراً، لم تقضوا بآخرها على أولها، نحو [٨٩/ب] قوله تعالى: ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) (١) ثم قال: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ) (٢) ، حملتم أولها (١) (٢٢٨) سورة البقرة . (٢) (٢٢٨) سورة البقرة. ٦٤٧ على عمومه في البوائن والرجعيات ، ولم تخصوه بآخرها في الرجعيات . قيل : هذا ليس من قبيل (١) المطلق والمقيد ، لما بينا أن من شرطه أن يكون الحكم المختلف فيه مذكوراً في الموضعين ، وهذا غير مذكور في آخر الآية ، ولا هو أيضاً من قبيل الخاص والعام بآيتين ؛ لأنه إذا قضينا بآخرها على أولها ، منعنا (٢) صيغة العموم في أولها ، وإذا كان آيتين لم يمنع العموم من أحدهما . واحتج : بأن حمل العام على الخاص إهمال العام ؛ لأنه يقتضي الاستغراق ، فإذا خصصناه أهملناه . والجواب : أنه ليس بإهمال ، وإنما هو جمع ، ولا يمكن إلا على هذا الوجه . واحتج من قال : يحمل عليه بالقياس : بأن هذا تخصيص في الحقيقة ؛ لأنه إذا قال : أعتق رقبة ، فإن هذا لفظ شائع عام في الرقاب كلها ، فإذا قلنا : إن الرقبة الكافرة لا تجزي ، خصصنا بعض الرقاب ، وأخرجناها عن كونها مجزئة ، فيكون ذلك تخصيصاً للعموم والتخصيص جائز بالقياس . والجواب : أنه تخصيص كما ذكرت ، ولكن ليس يجب أن يكون التخصيص بالقياس ، بل يجوز أن يكون التخصيص بالقياس وبلفظ خاص ، كما كان تخصيص العموم بالخصوص إذ تعارضا في حكم واحد . واحتج: بأن قوله: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)(٣) (١) في الأصل : (حمص ) بدون إعجام . (٢) في الأصل: (ومنعنا) ، وهذه الواو زائدة ، لذلك حذفناها . (٣) (٩٢) سورة النساء . ٦٤٨ لا يصلح لقوله ( وَالّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) (١) ، فلم يجز أن يكون أحدهما قاضياً على الآخر بلفظه ، ولا مشاركاً له من جهة العطف ، فوجب اعتبار المعنى . والجواب : أن قوله: ( وَالذَّاكِرَاتٍ) (٢)، لا يصلح ، لقوله : ( وَالذَّاكِرِينَ ) ومع هذا فقد قضى بأحدهما على الآخر . وكذلك قوله : (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَّمَالِ قَعِيد) (٣) . وكذلك قوله: (وَالأنْفُسِ وَالثّمَرَاتِ ) (٤) لا يُصلح، لَقوله: (مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ)، وقد منعنا أن يكون الموجب لذلك حرف العطف ، وبينا أن الموجب لذلك الإطلاق ، بدليل أنه لو قيد العطف ، لم يجب حمله على المعطوف عليه . مسألة (٥) أقلّ الجمع المطلق ثلاثة . وعلى هذا الأصل قال أحمد رحمه اللّه في رواية حنبل في رجل وصَّى أن يكفّر عنه فقال : أقلّ ما يكفّر ثلاثة أيمان . قال الخرقي فيمن قالت له زوجته : اخلعني على ما في يدي من الدراهم ، ففعل ، فلم يكن في يدها شيء : لزمها ثلاثة دراهم (٦). (١) (٣) سورة المجادلة. (٢) (٣٥) سورة الأحزاب. (٣) (١٧) سورة ق. (٤) (١٥٥) سورة البقرة . (٥) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (١٤٩)، و((روضة الناظر)) وشرحها ، ((نزهة الخاطر العاطر)) (١٣٧/٢ - ١٤٠ ). (٦) كلام الخرقي هذا موجود بنصه في ((مختصره))، في كتاب الخلع ص (١٥١). ٦٤٩ وقال رحمه الله في رواية صالح: قوله تعالى: (فَإنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فلأمِّهِ السُّدُسُ)(١) فيلزمه أن لا [٩٠/أ] يحجب بالأخوين؛ لأنه قال: (فَإنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُّسُ)، والإخوة ثلاثة . وبهذا قال مالك (٢) وأصحاب أبي حنيفة (٣) وأكثر أصحاب الشافعي (٤) . وحكى عن أصحاب مالك(٥)، وقوم من النحويين منهم علي بن عيسى(٦)، (١) (١١) سورة النساء. (٢) نقله عبد الوهاب عن الإمام مالك، كما حكى ذلك القرافي في كتابه: (( شرح تنقيح الفصول)) ص (٢٣٣) . (٣) راجع في مذهب الحنفية: ((أصول السرخسي)) (١٥١/١ - ١٥٤)، و « تيسير التحرير)) (٢٠٦/١ - ٢٠٩)، و((مسلم الثبوت)) الطبعة المجردة (٢٠٣/١ - ٢٠٥ ) . (٤) راجع في هذا: ((نهاية السول)) (٣٤٩/٢)، و((جع الجوامع)) مع شرحها للجلال المحلى (٤١٩/١) ونسبه الآمدي في كتابه ((الإحكام)) (٢٠٤/٢)، إلى الامام الشافعي وجماعة من أصحابه . (٥) نقله القاضي أبو بكر عن الإمام مالك، ذكر ذلك القرافي في كتابه: ((تنقيح الفصول)) ص (٢٣٣) . (٦) هو : علي بن عيسى بن الفرج بن صالح أبو الحسن الربعي الزهري . من أئمة النحو وحذاقهم. أخذعن السيرافي، ورحل إلى ((شيراز)) فأخذ عن أبي علي الفارسي ، ولازمه مدة عشرين سنة تقريباً ، وبعد ذلك عاد إلى بغداد ، وأقام بها بقية عمره. له مؤلفات، منها: ((البديع)) في النحو، و((شرح كتاب الإيضاح)) لأبي علي الفارسي . مات لعشر بقين من شهر محرم سنة ( ٤٢٠ هـ ) ، وله من العمر اثنتان وتسعون سنة . له ترجمة في: ((البداية والنهاية)) (٢٧/١٢)، و((بغية الوعاة)) (١٨١/٢)، و((شذرات الذهب)) (٢١٦/٣)، و((نزهة الألباء)) ص (٤١٤). ٦٥٠ 1 وأبو بكر ابن الباقلاني (١) ، وبعض الشافعية: أقله اثنان (٢). دليلنا : إجماع الصحابة ، روي عن عبدالله بن عباس أنه قال لعثمان بن عفان رضي الله عنهما : إن الأخوين لا يردان الأم إلى السدس ، إنما قال اللّه تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلَأمَّهِ السُّدُّسُ) (٣)، وليس أخوان إخوة في لسان قومك ، فقال عثمان : لا أستطيع أن أنقض (٤) أمراً كان قبلي ، وتوارثه الناس ، ومضى في الأمصار (٥) . وهذا يدل على أن أقل الجمع ثلاثة ؛ لأن ابن عباس قاله ، وأقره عثمان عليه ، وإنما صرفه عنه بالإجماع الذي ذكره . (١) حكى ذلك عنه القرافي في كتابه: ((تنقيح الفصول)) ص (٢٣٣). (٢) وعلى رأس هؤلاء الغزالي، كما حكى ذلك عنه الآمدي في ((الإحكام)) (٢٠٤/٢)، ولكن الأصح عند الشافعية أن أقل الجمع ثلاثة ، كما صرح بذلك الجلال المحلى في شرحه على ((جمع الجوامع)) (٤١٩/١). (٣) (١١) سورة النساء. (٤) في الأصل : (انقص) بالصاد المهملة، وفي رواية الحاكم والبيهقي ( .. أن أُرُدّ ). (٥) أثر ابن عباس - رضي الله عنه - هذا أخرجه الحاكم في: ((المستدرك)» في كتاب الفرائض، باب ميراث الأخوة من الأب والأم (٣٣٥/٤) ، وقال بعد ذلك: ((هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه) ، ووافقه على ذلك الذهبي في تعليقه على المستدرك . وتعقب الحافظ ابن حجر في كتابه ((تلخيص الحبير)) (٨٥/٣) الحاكم في تصحيحه ، حيث قال : ( وفيه نظر ، فإن فيه شعبة مولى ابن عباس ، وقد ضعفه النسائي ) . وأخرجه البيهقي في: ((السنن الكبرى ))، وفي كتاب الفرائض ، باب : فرض الأم (٢٢٧/٦ ) . ٦٥١ فإن قيل : فقد روي عن زيد بن ثابت : أقل الجمع اثنان (١) . قيل : إن صح هذا ، فيحتمل أن يكون معناه ، أن الاثنين في حكم الجمع في حجب الأم . وأيضاً : فإن أسماء الحقائق لا تنتفى عن مسمياتها ، فلو كان اسم الجمع يقع على الاثنين حقيقة ، لم يحسن أن يقول القائل : ما رأيت رجالاً وإنما رأيت رجلين ، فلما صح نفى ذلك ، دل على أن الرجلين إذا سميا رجالاً كان مجازاً ، وكان بمنزلة قوله : ما هذا أبي وإنما هو جدي ، وما هذا بابني وإنما هو ابن انبي . وأيضاً : فإن أهل اللغة فرقوا بين التوحيد والتثنية والجمع ، وجعلوا للإفراد باباً وللتثنية باباً وللجمع باباً ، ولا يخلو لهم كتاب من هذا الترتيب، وإذا كان كذلك وجب أن يختص الجمع بما زاد على الاثنين ، كما اختصت التثنية بما زاد على الواحد . وأيضاً : فإنهم إذا أرادوا بيان عدد الجمع ومقداره ، بدأُوا من الثلاثة، فقالوا: ((ثلاثة رجال))، و((أربعة رجال)) ولم يقولوا: ((اثنان رجال))، وقالوا: ((جماعة رجال))، ولم يقولوا: ((جماعة رجلين))، فدل هذا على ما ذكرنا . واحتج المخالف : بقوله تعالى لموسى وهارون: ( فاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إنّا مَعَكُم (١) هذا الأثر عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، أخرجه عنه الحاكم في: ((المستدرك)) في كتاب الفرائض ، باب ميراث الإخوة (٣٣٥/٤)، ولفظه : ( ... عن خارجة ابن زيد بن ثابت عن أبيه أنه كان يقول: (( الإخوة في كلام العرب أخوان فصاعداً))). ثم عقب عليه بقوله : ( هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه). وأخرجه عنه البيهقي في: (( السنن الكبرى )) ، في كتاب الفرائض ، باب فرض الأم (٢٢٧/٦ ) . ٦٥٢ 1 مُسْتُمِعُونَ ) (١) ولم يقل: معكما ، فدل على أن معنى اللفظين واحد . والجواب : أن الله تعالى إنما أراد بذلك : موسى وهارون ومن آمن معهما من قومهما . واحتج : بقوله تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم ) (٢) ، فعبر عن الإخوة بالأخوين . والجواب : أن المراد به : أيها المؤمنون أنتم إخوة ، يعني كل واحد منكم أخ لصاحبه ، فأصلحوا بين كل أخ قاتل أخاه . ويحتمل أن يكون المراد بالأخوين: الطائفتين [ و] الجماعتين [٩٠/ب] والقبيلتين لأن اسم الأخوين يقع على ذلك . قال الشاعر : فالحق بحلفك في قضاعة إنما قيس عليك وخندف أخوان (٣) فسمى القبيلتين أخوين ، فيصير تقدير الآية : أيها المؤمنون أنتم الإخوة ، فأصلحوا بين كل طائفتين من المؤمنين اقتتلوا . وعلى أنه لا حجة في ذلك ؛ لأنه عبر عن الإخوة بالأخوين . واحتج: بقوله: ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ) (٤) فجعلهما طائفتين ، ثم أضاف الفعل إليهما بلفظ الجمع . والجواب : أن الطائفة اسم للجماعة ، بدلالة قوله : ( وَلْتَأْتِ (١) (١٥) سورة الشعراء. (٢) (١٠) سورة الحجرات . (٣) لم أقف على قائله . (٤) (٩) سورة الحجرات . ٦٥٣ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا) (١)، ولو كانت الطائفة واحداً، لم يقل: ( لَمْ يُصَلُّوا ) ، فصار المراد به : وإن جماعة من المؤمنين اقتتلوا . واحتج: بقوله تعالى: (إنْ تَتُوبًا إلى اللّه فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) (٢)، وإنما هما قلبان . والجواب : أن هذا ليس مما نحن فيه بشيء (٣) ؛ لأن كل شيء يكون بعضاً لشيء ، فإن أهل اللسان يعبرون عنه في حال التثنية بلفظ الجمع ؛ ليفصلوا به بين ذلك وبين الشيء الذي ليس بعضاً من المضاف إليه ، يقولون للاثنين : هذه رؤوسكما ، وهذه وجوهكما، ألا ترى أن الشيء إذا لم يكن بعضاً من المضاف إليه ، لم يصح ذلك فيه ، ألا ترى أنه لا يصح أن يقول : هذه أثوابكما (٤) ، وهذه دور كما ، ویرید به ثوبيهما وداريهما ، ولكن يقول : هذان ثوبا كما ودارا كما . وقيل فيه : إنه لما كان أكثر ما في البدن من الجوارح اثنين اثنين ، أقيم القلب أيضاً مقام عضوين ، فصار في التقدير : كان لهما (٥) أربعة قلوب ، فلهذا صح أن يقول : (قَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) . واحتج بقوله تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِم)(٦) ، فأضاف الفعل إليهما بلفظ الجمع . (١) (١٠٢) سورة النساء. والآية في الأصل: (وليأت) بالمثناة التحتية. (٢) (٤) سورة التحريم. (٣) في الأصل: (يسيل)، بدون إعجام للحرف الأول والثاني . (٤) في الأصل : ( أبوابكما ) . (٥) في الأصل : ( كان لها ) . (٦) (١٩) سورة الحج. ٦٥٤ والجواب : أن الخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة ، يقال : رجل خصم، ورجال خصم، وإذا كان كذلك احتمل أن يكون ذلك عبارة عن جمعين . فإن قيل : كان جبريل وميكائيل . قيل : يجوز أن يكون مع كل واحد منهما ملائكة ، وهكذا الجواب عن قوله تعالى: (وَهَلْ أَنَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابِ)(١)؛ لأنه يجوز أن يكون المراد به الجماعة ، وتكلم الواحد منهم ، وهو القائل منهم : ( هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةٌ ) (٢)، يبين ذلك قوله : ( خَصْمَانٍ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ ) (٣)، ولو كانا اثنين؛ لقال : بغى أحدنا على الآخر . ولم يقل : بغى بعضنا على بعض ؛ لأن ذلك إنما يقال : في الجماعتين والقبيلتين . واحتج بقوله تعالى: ((وَدَاودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ ) إلى قوله: (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ) (٤) ، فأضاف الفعل إليهما في أول الآية بلفظ التثنية ، وفي آخرها [٩١/أ] بلفظ الجمع . والجواب : أنه يحتمل أن يكون المراد به : حكم داود وسليمان وقومهما ؛ لأنه تعالى قال : (إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ). ويحتمل أن يكون المراد به : الحكم المشروع لأمة داود، كما يقال : هذا حكم المسلمين، يريد به : الحكم المشروع لهم . وقيل : المراد به : حكم الأنبياء ، والكناية عن جماعتهم . (١) (٢١) سورة ص . (٢) (٢٣) سورة ص. (٣) (٢٢) سورة ص. (٤) (٧٨) سورة الأنبياء. ٦٥٥ وقيل : إنه لا بد من محكوم له ، فیکون داود وسليمان والمحكوم له ، وهو صاحب الكَرْم ؛ لأن الحكم يضاف إلى الحاكم بفعله ، وإلى المحكوم له باستحقاقه ، ولذلك يجوز له مطالبة الحاكم به ، فلهذا قال : ( وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ). فإن قيل : لم يجر ذكر المحكوم له ، وإنما جرى ذكر الحاكمين . قيل : ذكر الحاكمين يتضمن ذكر المحكوم له ، فكني عن الجميع . وقيل : إنه على سبيل التفخيم والتعظيم ، كما قال : (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهدينَ )، وهو واحد لا شريك له. وقال: ( مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ) (١) وأراد به عائشة رضي الله عنها (٢). وقال: (إنَّ الَّذِينَ" جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرَاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُم ) (٣) ، يعني عائشة . واحتج بقوله تعالى: (فَإنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلْأُمِّهِ السُّدُّسُ) (٤) وكان الاثنان في حكم الثلاثة . والجواب : أن ظاهر الآية كان يقتضي أن لا يحجبها عن الثلث إلى السدس إلا ثلاثة إخوة ، إلا أنا عدلنا بالآية عن ظاهرها لقيام الدلالة . واحتج بقوله تعالى في يوسف وأخيه : ( عَسَى اللّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ) (٥) . (١) (٢٦) سورة النور (٢) وقال ابن قتيبة في كتابه: ((تأويل مشكل القرآن)) ص (٢٨٤): ( يعني عائشة وصفوان بن المعطل ) . (٣) (١١) سورة النور . (٤) (١١) سورة النساء. (٥) (٨٣) سورة يوسف . ٦٥٦ والجواب : أنه يحتمل أن يكون المراد به : يوسف وأخوه الذي وجدت السقاية في رحله ، والأخ الذي يخالف وقال: ( لَنْ أَبْرَحَ الأرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (١). ويحتمل أن يكون أطلق لفظ الجمع مجازاً ، كقوله تعالى : (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونٍ ) (٢)، وقوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ) (٣) قيل: إنه كان واحداً . واحتج بقوله عليه السلام : ( الاثنان فما فوقهما جماعة ) (٤). (١) (٨٠) سورة يوسف، والآية في الأصل بحذف كلمة (لي) الأخيرة في الآية. (٢) (٩٩) سورة المؤمنون . (٣) (١٧٣) سورة آل عمران. (٤) هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في كتاب الصلاة، باب الاثنان جماعة (٣١٢/١)، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ : (اثنان فما فوقهما جماعة). وأخرجه عنه الحاكم في كتابه ((المستدرك)) في كتاب الفرائض ، باب الاثنان فما فوقهما جماعة ( ٣٣٤/٤ ) . وفي إسنادهما: ((الربيع بن بدر))، وهو - كما يقول الحافظ ابن حجر في كتابه ((التلخيص)) (٨١/٣ -٨٢) -: ضعيف ، وأبوه مجهول . وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الصلاة ، باب الاثنان جماعة (٢٨٠/١ - ٢٨١)، وفيه: ((الربيع بن بدر)) كما أخرجه في الموضع المذكور عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، ولفظه فيهما مثل لفظ ابن ماجه ، وفي إسناده الأخير : عثمان بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن أبي وقاص ، قال فيه البخاري : ((تركوه))، وبمثل قوله قال الحافظ في التلخيص . وأخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعاً، ولفظه مثل لفظ ابن ماجه : قال الحافظ الهيثمى في كتابه الزوائد (٤٥/٢)، بعد سياق الحديث : ( وفيه : مسلمة بن علي ، وهو ضعيف ) . = ٦٥٧ العدة في أصول الفقه - ٤٢ والجواب : أنه قصد به بيان حكم الجمع في الصلاة ، وأنه يحصل بالاثنين ، وإن لم يكن في اللغة جمعاً ، ولم يقصد به بيان الجمع ؛ لمشاركة الصحابة له في معرفة الأسماء اللغوية . واحتج : بأن الجمع معناه : الضم ، فإذا ضمَّ واحد إلى واحد ، وجد معنى الجمع . والجواب : أن الاشتقاق لا يدل على حقيقة الاسم ؛ لأن اسم الدابة مشتق من دب يدب على الأرض ، ولا يسمى الآدمي دابة ، وسائر ما يدب على الأرض دابة حقيقة ؛ لوجود المعنى الذي اشتق منه. وكذلك سميت الخابية (١) ؛ لما يخبأ فيها ، ولا يسمى الصندوق خابية ، وإن كان يخبأ فيه . وجواب آخر ، وهو : أن الضمّ قد يوجد في الأعداد المختلفة ، والأجسام المتقاربة، ولم يكن ذلك [٩١/ب] موجباً لكون جميع ما ضم في حكم الشيء الواحد . وهكذا الجواب عن قولهم : إن الواو حقيقتها الجمع . كما أخرجه عنه الطبراني أيضاً والإمام أحمد بلفظ: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم = رأى رجلاً يصلي وحده، فقال: ((ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه))؟ فقام رجل ، فصلى معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هذان جماعة))) قال الهيثمي - بعد سياقه : ( وله طرق كلها ضعيفة ) . وقد بوَّب البخاري في ((صحيحه)) في كتاب الأذان (١٥٨/١) بقوله : ( باب اثنان فما فوقهما جماعة ، وساق حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه : ٠ ( فأذنا وأقيما ، وليؤمكما أكبركما ) . (١) ((الخابية)) أصلها: ((الخابئة)) بالهمز، ولكن العرب تركت الهمزة استثقالاً لها . انظر: ((اللسان))، مادة ( خبأ): (٥٥/١). ٦٥٨ ٠ 1 واحتج : بأن الاثنين قد يخبران عن أنفسهما بلفظ الجمع ، فيقولان : فعلنا كذا وكذا . والجواب : أنه باطل بالواحد يخبر عن نفسه بلفظ الجمع ، قال تعالى : ( إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (١)، على أنه إنما يخبر بذلك الاثنان عن أنفسهما ؛ لأن الإضافة إليهما كافية في التمييز ، يعلم (٢) بهذا أن هذا اسم للاثنين . فأما حالة الإطلاق ، فليس هناك ما يقع به التمييز لتعرفه بلفظ التثنية والجمع . ثم نعارض هذا بمثله ، فنقول : قد فرقوا بين الاثنين والجماعة في المواجهة ، فقالوا : أنت وأنتما وأنتم ، وكذلك : هو (٣) وهما وهم ، فسقط ما قالوه . مسائل الاستثناء (٤) الاستثناء : كلام ذو صيغ (٥) محصورة ، تدل على أن المذكور فيه لم يرد بالقول الأول (٦). (١) (٩) سورة الحجر. (٢) كلمة ( يعلم ) بدون إعجام في الأصل . (٣) في الأصل : ( هذا ) . (٤) راجع مسائل الاستثناء في: ((المسودة)) ص (١٥٢ - ١٦٠)، و (( شرح الكوكب المنير)) ص ( ١٨٣ - ١٩٩ ). (٥) في الأصل: ( ذو صيغة )، وقد ذكر المؤلف بعد ذلك الكلمة: (صيغ ) كما أثبتناها . (٦) تعقب المؤلف في ((المسودة)) ص (١٥٤)، بأن هذا التعريف، إنما هو تعريف ((الاستثناء)) عند النحاة، أما تعريفه عند الفقهاء، فهو أعم من ذلك، إذ أن = ٦٥٩ ولا يدخل على هذا التخصيص وأدلته المنفصلة ، أنها ليست باستثناء وإن كان هذا المعنى موجوداً فيها ؛ لأن تلك الأشياء ليست تختص بالقول ، ألا ترى أن التخصيص يكون تارة بقول صاحب الشريعة ، وتارة يكون بدليل العقول ، وليس ذلك بقول ؟ ولا يلزم عليه القول المتصل بلفظ العموم، نحو قولهم: «رأيت المؤمنين، وما رأيت زيداً، ولم أر عمراً وخالداً))، لقولنا: ((كلام ذو صيغ محصورة)) . وحروف الاستثناء محصورة ، وليس الواو منها . مسألة (١) الاستثناء إنما يصح إذا اتصل بالكلام ، فأما إذا انقطع فإنه لا يعمل . وقد ذكره الخرقي في كتاب الإقرار (٢) فقال: ((ومن أقر بعشرة دراهم وسكت (٣) سكوتاً يمكنه (٤) الكلام فيه ، ثم قال : زيوفاً ، أو صغاراً، أو إلى شهر ، كانت عشرةً وافيةً جياداً (٥) حالةً )). وقد اختلفت الرواية عنه في الاستثناء في اليمين (٦) . الاستثناء عندهم ، يكون بالمفرد ، كما عند النحاة ، ويكون بالجملة ، كقولك : = له هذه الدار ، ولي منها هذا البيت . (١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (١٥٢ - ١٥٣)، و (( شرح الكوكب المنير)) ص ( ١٨٨ - ١٩٠ ). (٢) ص (٩٩) من ((مختصر الخرقي)). (٣) في ((مختصر الخرقي)) ص (٩٩): (ثم سكت ... ). (٤) في ((مختصر الخرقي)) ص (٩٩): ( ... كان يمكنه الكلام فيه .. ). (٥) في ((مختصر الخرقي)) ص (٩٩) تقديم كلمة: (جياد) على كلمة (وافية). (٦) فصل المرداوي في كتابه: ((الإنصاف)) في كتاب ((الأيمان)) (٢٥/١١ - ٢٧) = ٦٦٠ ١ ١