النص المفهرس
صفحات 561-580
وكذلك نقل أبو داود في رجل قال لامرأته : أنت طالق ، ونوى ثلاثاً ، فهي واحدة ، فقيل (١) : إسحاق (٢) يقول : هي ثلاث ، ويأخذ بالحديث : ( الأعمال بالنيات ) (٣) ، فقال : ليس هذا من ذلك ، أرأيت إن نوى أن يطلق امرأته ولم يتلفظ أيكون طلاقاً ؟ ! . (١) هذا يشعر بأن القائل لما بعد (( قيل أحد الناس قال ذلك للإمام أحمد، بينما نجد أبا داود في ((مسائله)) عن الإمام أحمد ص (١٦٩) ينقل عن الإمام أحمد قوله : ( ثم قال - أي الإمام أحمد - زعموا أن إسحاق يذهب إلى أنها ثلاث ... ) ، وهذا يفيد : أن القائل لما بعد ((قيل )) هو الإمام أحمد . (٢) المقصود هو : اسحاق بن راهويه ، كما جاء ذلك في مخطوطة المكتبة الظاهرية لمسائل الإمام أحمد ، رواية أبي داود ، التي أثبت الفروق بينها وبين مخطوطة المدينة المنورة للمسائل المذكورة الشيخ محمد بهجة البيطار ، وذلك بهامش ص (١٦٩) من ( مسائل الإمام أحمد » رواية أبي داود . وهو : إسحاق بن إبراهيم بن مخلد ، الحنظلي ، المروزي ، أبو يعقوب . الثقة ، الحافظ ، المحدث الفقيه . رحل في طلب العلم إلى الحجاز واليمن والعراق وغيرها . من أصحاب الإمام أحمد المكرمين عنده ، وممن نقل عنه . له مسند في الحديث ، وله مسائل في الفقه ، رواها إسحاق بن منصور المروزي مع مسائل للإمام أحمد ، ولا زالت مخطوطة في المكتبة الظاهرية بدمشق . ولد ابن راهويه سنة (١٦٦ هـ)، ومات سنة (٢٤٣ هـ) بنيسابور . انظر ترجمته في: (( تذكرة الحفاظ)) (٤٣٣/٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٢١٦/١)، و((الخلاصة)) ص (٢٢)، و((طبقات الحنابلة (( (١٠٩/١)، و((طبقات المفسرين)) الداودي (١٠٢/١)، و((ميزان الاعتدال)) (١/ ١٨٢)، و ((النجوم الزاهرة)) (٢٩٣/٢). (٣) سبق تخريج هذا الحديث ص (٢٠٥) عند تخريجنا لجزء منه هو: ( وإنما لامرىء ما نوى) . ولكن نحب هنا أن نبين أمرين يتعلقان بقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ) : الأول : أن المؤلف حذف كلمة ( إنما ) ، ولكنها مثبتة في مسائل الإمام أحمد التي رواها أبو داود ص (١٦٩). = ٥٦١ العدة في أصول الفقه - ٣٦ وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز فيما وجدته في بعض تعاليق أبي إسحاق ابن شاقلا قال : ألزمني الشيخ - يعني أبا بكر - على أن الظاهر يخص بالقياس ، أن الله تعالى قد نص على الإماء في قوله: ( فَعَلَيْهِنَ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) (١)، والعبيد مقيسون عليهن (٢). قال أبو إسحاق : نظرت وإذا هذا ليس بحجة . ومن أصحابنا من قال : لا يجوز ذلك ، ولم يفرق بين عموم الكتاب والسنة وبين أخبار الآحاد أو التواتر ، وربما ذهبوا إلى ظاهر كلام أحمد رحمه الله في رواية الحسن بن ثواب (٣): حديث رسول اللّه لافلم لا يرده ويحذف أداة الحصر رواه الحاكم في الأربعين ، وابن حبان في صحيحه ، = والبيهقي في المعرفة ، وهذا كاف في الرد على من زعم أن الحديث بحذف : (إنما) لم يصح إسناده . الثاني: أن كلمة ( النية) جاءت مفردة ومجموعة، فقد جاءت مفردة في (( مسائل الإمام أحمد )) رواية أبي داود في هامش ص (١٠٥) عن المخطوطة الظاهرية . وبالإفراد رواها البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ، وبالجمع رواها أبو داود وابن ماجه . راجع في هذا : المصادر التي ذكرناها في تخريج الحديث ص ( ١٢٣ - ١٢٤ ) ولا داعي لإعادتها . (١) (٢٥) سورة النساء. (٢) العبارة في الأصل: (مقيساً عليه)، والصواب: (مقيسون عليهن)، كما أثبتناه. (٣) هو الحسن بن ثواب ، أبو علي ، الثعلبي، الخرمي ، البغدادي . ثقة . من خاصة أصحاب الإمام أحمد المقدمين عنده . روى عن الإمام أحمد ویزید بن هارون وغيرهما . وعنه عبد الله بن محمد المروزي وأبو بكر الخلال وغيرهما . مات سنة ( ٢٦٨ هـ ) . له ترجمة في: ((الإنصاف)) للمرداوي (٢٨٤/١٢)، و((طبقات الحنابلة)) (١٣١/١ - ١٣٢)، و((المنتظم)) لابن الجوزي (٦٤/٥). ٥٦٢ ! إلا مثله (١) . وقع إليّ جزء فيه مسائل في أصول الفقه ، إملاء أبي الحسن الجزري (٢)، وذكرفيه هذه المسألة ، وحكى فيها خلافاً بين أصحابنا . واختار أبو الحسن : أنه لا يجوز تخصيصه بالقياس ، وذكر فيها كلاماً كثيراً . وذكر أبو إسحاق في جزء وقع إليَّ من شرح الخِرَفي فقال : أصحابنا على وجهين : فمنهم من يرى تخصيص العلة ، ومنهم من لا يرى ذلك . وقال أصحاب أبي حنيفة : إن كان عموماً دخله التخصيص باتفاق ، جاز تخصيصه بالقياس ، وإن لم يكن دخله ، فالحكم في القياس عندهم ، كالحكم في الخبر الواحد (٣). واختلف أصحاب الشافعي : فذهب الأكثر منهم إلى جواز ذلك على (١) هذه الرواية منقولة في ((المسودة)) بنصها ضمن ما نقل عن القاضي ص (١٢٠). (٢) هو : أبو الحسن الجزري ، البغدادي ، الحنبلي . الفقيه ، الأصولي . صَحِب أبا علي النجاد . له ترجمة في: ((طبقات الحنابلة)) ( ١٦٧/٢ ) . (٣) راجع في تحقيق مذهب الحنفية: ((تيسير التحرير)) (٣٢١/١ - ٣٢٦)، و ((أصول السرخسي)) (١٣٣/١ - ١٣٤)، و((فواتح الرحموت)) (٣٥٧/١ - ٣٦٠). وقد رأيت صاحب ((مسلم الثبوت)) (٣٥٧/١) نسب القول بجواز التخصيص إلى الأئمة الأربعة ، بما فيهم الإمام أبو حنيفة ، وكذلك السرخسي في أصوله (١٣٣/١) حكى القول بجواز التخصيص عن أكثر الحنفية لكن الشيخ بخيت في حاشيته (( سلم الوصول)) (٤٦٣/٢ )، ذكر أن القول عن أبي حنيفة مقيد بما إذا خصص بغيره . ٥٦٣ الاطلاق (١)، ومنهم من منع ذلك على الاطلاق (٢). فالدلالة على جوازه : ما تقدم من الكلام في المسألة التي قبلها ، وهو : أن القياس وإن لم يكن معلوماً فإنه يثبت العمل به بأمر مقطوع به ، وما ثبت عن أمر مقطوع جرى مجراه في العمل ، ألا ترى أن النبي معت التم لو قال : إذا زالت الشمس ، فصلوا ركعتين ، وما أخبركم به عني فلان فهو شرعي؟ فإن ((به)) من قوله كالذي يخبر به عنه ، وإن لم يكن مقطوعاً ، كذلك ها هنا . ولأن صيغة العموم معرضة للتخصيص محتملة له ، والقياس غير محتمل ، فجاز أن يقضي بغير المحتمل على المحتمل ، كالمجمل وتفسير المجمل ، فإنا نقضى بتفسيره عليه ، كذلك ها هنا . ولأن القياس حجة في نفسه إذا انفرد ، فإذا اجتمع معه غيره وأمكن (١) وهذا هو الصحيح عندهم، كما حكاه الأسنوي في كتابه ((نهاية السول)): (٢/ ٤٦٣)، وهو المنقول عن الإمام الشافعي . وهو أيضاً مذهب المالكية ، كما نص على ذلك القرافي في كتابه : (( شرح تنقيح الفصول)) ص (٢٠٣). (٢) ونسبه الأسنوي في كتابه: ((نهاية السول)) (٤٦٤/٢) إلى الفخر الرازي . وهناك أربعة آراء في المسألة ، هي : الأول : أن القياس الجلي يخصص العموم ، دون الخفي ، وبه قال ابن سريج . الثاني : يعمل بأرجح الظنين إذا تفاوتا ، وإن تساويا فالوقف . وبه قال الغزالي في كتابه: ((المستصفى)) (١٣٤/٢ ). الثالث : التوقف ، وهو منسوب لإمام الحرمين وأبي بكر الباقلاني . . الرابع : يجوز التخصيص بالقياس إذا كانت علته ثابتة بنص أو إجماع ، وإلا فلا، وهو مختار الآمدي في كتابه ((الإحكام)) (٣١٣/٢). راجع بالإضافة إلى ((الإحكام)) للآمدي: ((جمع الجوامع وشرحه مع حاشية البناني)): ( ٣٠/٢ ). ٥٦٤ 1 استعمالهما كان أولى ، كالمطلق والمقيد . [٧٨/أ] وأيضاً: فإن الاسم الخاص إذا نافى بعض ما شمله الاسم العام، وجب تخصيصه به ، كذلك إذا نافاه معناه ؛ لأن العلة في الاسم أنه نافى بخصوصه بعض ما شمله الاسم العام . وبيان ذلك: أن الله تعالى (١) قال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) (٢) ، ولم يفرق بين الحر والرقيق. ثم قال عز من قائل: (وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَّنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَّتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُم الْمُؤْمِنَاتِ ) إلى قوله: (فَإذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَىَ الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ )(٣)، مخصصاً به قوله : ( الزّانِيَةُ ) ، وأخرجنا الإماء منه ، وقضينا بالاسم الخاص على الاسم العام ، ثم وجدنا أن المعنى الموجب لنقصان الحد في الإماء هو الرق ؛ لأنها إذا اعتقت وجب الحد كاملاً ، ولم يزل بالعتق غير الرق ، فثبت أن نقصان الحد كان متعلقاً به ، وهذه العلة موجودة في العبد ، فنقصنا حده ، وجعلناه خمسين ، وخصصنا بهذا المعنى قوله تبارك وتعالى : ( وَالزّانِي ) ، وأخرجنا العبيد منه ؛ لأن معنى الاسم الخاص نافى بعض ما شمله الاسم العام ، كمنافاة الاسم إياه . فإن قيل : إنما كان كذلك في الاسم الخاص مع الاسم العام ؛ لأنهما نطقان ، فتساويا في القوة ، وانفرد الخاص بقوة الخصوص ، وليس كذلك المعنى ، فإنه ليس بنطق . قيل : المعنى مثل الاسم ، في وجوب العمل به ، والمصير إلى موجبه ، (١) في الأصل: (إن شاء الله تعالى) .. (٢) (٢) سورة النور . (٣) (٢٥) سورة النساء. ٥٦٥ وتخصيص الاسم العام من العمل بموجبه ، فاستويا فيه . واحتج من يمنع ذلك : بما روي عن النبي عز له أنه قال لمعاذ بن جبل: ( فإن لم تجد في سنة رسول اللّه، قال: أجتهد رأيي ولا آلو) (١) ، فدل على أن القياس مع عدم السنة . (١) حديث معاذ هذا اشتهر كثيراً على ألسنة الأصوليين والفقهاء ، حتى قال إمام الحرمين - فيما نقله الحافظ ابن حجر - : إنه حديث مدون في الصحاح ، متفق على صحته ، لا يتطرق إليه التأويل . واستدل أبو العباس بن القاص على صحته : بتلقي أئمة الفقه والاجتهاد له بالقبول ، وقال : وهذا القدر مغن عن مجرد الرواية . راجع: (( تلخيص الحبير)) (١٨٣/٤ ). وقد نقل صاحب (( فواتح الرحموت)) (٣٥٩/١)، أن الباقلاني والطبري: وثقا هذا الحديث . وأخرجه الترمذي في كتاب الأحكام، باب ما جاء في القاضي كيف يقضي ( ٣/ ٦٠٧ - ٦٠٨)، وقال فيه: ((لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وليس إسناده عندي بمتصل)). وأخرجه أبو داود في كتاب الأقضية ، باب اجتهاد الرأي في القضاء (٢٧٢/٢). وأخرجه الطيالسي في كتاب القضاء والدعاوى والبينات ، باب آداب القضاء والقاضي وكيف يقضي (٢٨٦/١ ) . وتكميلاً للفائدة أورد بعض أقوال العلماء في هذا الحديث : قال البخاري في ((تأريخه)): ( الحارث بن عمرو - أحد رواة الحديث - عن أصحاب معاذ، وعنه أبو عون ، لا يصح ، ولا يعرف إلا بهذا). وقال ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)): ( لا يصح ، وإن كان الفقهاء كلهم يذكرونه في كتبهم ، ويعتمدون عليه ، وإن كان معناه صحيحاً) . وقال ابن طاهر ما معناه : بعد البحث الطويل في مصادر الحديث ، وجد له طريقان ، وكلاهما لا يصح. = ٥٦٦ والجواب : أن ما عارضه القياس من العموم ، فليس من السنة كما أن ما عارضه لفظ السنة من عموم القرآن ، ليس من القرآن ، ووجب القضاء بخاص السنة على عموم القرآن ها هنا . واحتج : بأنه لا يجوز أن ينزع من الاسم معنى يخصه ، كذلك لا يجوز أن يخص به اسم غيره . والجواب : أن الحكم إذا كان مطلقاً ، فإن المطلوب هو علة الحكم المطلق ، فلا يجوز أن تكون مخصصة له مسقطة لإطلاقه ؛ لأنها إذا كانت هكذا ، لم تكن هي المأمور بطلبها ، وليس كذلك اسم آخر فإن المطلوب مخالف له ، فجاز أن يكون مخصصاً له ؛ ولأن الاسم لا يجوز أن يخص نفسه ، كذلك معناه . ويجوز أن يخص اسماً آخر ، كذلك معناه يجوز أن يخص اسماً آخر . واحتج: [٧٨/ب] بأن العموم أعلى رتبة في الحجة من القياس، ألا ترى أن القياس قد يمنع في كثير من الأصول ، والعموم لا يجوز وجوده عارياً عن إيجاب حكم ، فلم يجز ترك الأقوى بالأضعف . والجواب : أن هذا يبطل بخبر الواحد ، يجوز أن يخص به العموم وإن كان القرآن أعلى رتبة . على أن امتناع القياس في مواضع فيها نص يعارض القياس ، وأما في مواضع فيه عمومه يجوز تخصيصه فلا . وقال الدار قطني في ((العلل)) : ( رواه شعبة عن أبي عون هكذا ، وأرسله ابن = مهدي وجماعات عنه ، والمرسل أصح ) . وقال ابن حزم : ( لا يصح ؛ لأن الحارث مجهول ، وشيوخه لا يعرفون) . وقال عبد الحق : ( لا يسند ، ولا يوجد من وجه صحيح ) . انتهى ملخصاً من ((تلخيص الحبير)) (١٨٢/٤ - ١٨٣ ). ٥٦٧ واحتج : بأن النسخ كالتخصيص ؛ لأن النسخ تخصيص الزمان ، والتخصيص يختص الأعيان ، ثم ثبت أنه لا يجوز نسخ العموم به ، كذلك لا يجوز التخصيص . والجواب : أنه يبطل بخبر الواحد ، لا ينسخ ، ويخص ، وكذلك الإجماع . على أنا قد بينا الفرق بين النسخ وبين التخصيص في التي قبلها . واحتج : بأن القياس فرع للكتاب ، فلا يجوز أن يخص الفرع أصله ويسقطه . والجواب : أنا لا نخص الأصل بفرعه ، وإنما نخص غير أصله ؛ لأن القیاس متی استنبط من أصله، یکون مماثلاً له في حکمه، فلا يخصص به، وإنما يخص أصلاً آخر يضاده ، وينافيه . واحتج : بأنه إنما يصح القياس ، إذا جرى على الأصول واطراد ، وهذا العموم من جملتها ، وهو ينافيه ، فيجب أن لا يصح القياس معه ، كما لا يجوز مع وجود الإجماع على ضده ؛ لأنه لم يجر على الأصول ، كذلك ها هنا . والجواب : أنا لا نسلم أن ما خصصه القياس كان مراداً بالعموم حتى يكون معارضاً له ومضاداً له ، بل يتبين بالقياس ، أنه لم يكن مراداً ولا داخلاً تحته . واحتج : بأن العموم مقطوع عليه ، والقياس مظنون . والجواب : أن المقطوع عليه هو الصيغة ، وذلك لا يرفعها بالقياس ، وإنما يخص بعض الحكم ، وذلك غير مقطوع على أنه مراد ، وعلى أنه إن لم يكن مقطوعاً عليه ، فقد ثبت بدليل مقطوع عليه ، فهو كالحكم بشهادة الشاهدين ، غير مقطوع عليه ، لكن ثبت بدليل مقطوع عليه . ٥٦٨ واعتمد أصحاب أبي حنيفة في الفرق بين العموم المخصوص (١) وغير المخصوص ، بما حكيناه عنه في المسألة التي قبلها ، وقد أجبنا عنه بما فيه كفاية . مسألة (٢) يجوز تخصيص عام السنة بخاص القرآن . أومأ إليه أحمد رحمه اللّه في نسخ السنة بالقرآن ، فقال في رواية عبد اللّه، وذكر قصة أبي جندل (٣) فقال: ذلك صالح على أن يرد من جاءهم مسلماً ، فرد النبي ◌َ الِ الرجال ، ومنع النساء ، ونزل (٤) قوله تعالى : (فَإنْ عَلِمْتُمُوهُن [٧٩/أ] مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُن إلَى الْكُفَّارِ ) (٥) فظاهر هذا أنه أثبت نسخ القصة بالقرآن . وبهذا قال الجماعة من الفقهاء والمتكلمين . (١) في الأصل: (أو المخصوص)، و((أو)) هنا زائدة، لا معنى لها . (٢) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (١٢٢)، و ((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٠٥)، و((روضة الناظر)) ص (١٢٨). (٣) هو: أبو جندل بن سهيل بن عمرو القرشي العامري . صحابي جليل . أسلم بمكة قبل صلح الحديبية وقد عذب بسبب إسلامه . مات في خلافة عمر . له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٦٢١/٤)، و ((الإصابة)) القسم السابع ص (٦٩)، طبعة دار نهضة مصر، و ((البداية والنهاية)) (١٦٩/٤) نشر مكتبة المعارف ببيروت ومكتبة النصر بالرياض . (٤) في الأصل : ( نزلت ) . (٥) (١٠) سورة الممتحنة . ٥٦٩ وخرج الشيخ أبو عبد الله (١) في ذلك وجهاً آخر : أنه لا يجوز. أومأ إليه أحمد رحمه الله في رواية حنبل وغيره ، فقال : السنة مفسرة للقرآن ، ومبينة له . وظاهر هذا: أن البيان بها يقع (٢). وقال أيضاً في رواية محمد بن أشرس (٣): إذا كان الحديث صحيحاً معه ظاهر القرآن ، وحديثان مجردان في ضد ذلك ، فالحديثان أحب إليَّ إذا صحاً . وظاهر هذا أيضاً : أنه لم يجعل ظاهر الآية يخص أحد الحديثين ولا يقابله . وبهذا قال أصحاب الشافعي (٤). (١) هو : الحسن بن حامد بن علي بن مروان ، أبو عبد الله البغدادي . شيخ الحنابلة في وقته . فقيه ، أصولي . أشهر تلاميذه القاضي أبو يعلى . له كتب منها: (( الجامع في المذهب))، وشرح مختصر الخرقي . مات راجعاً من مكة المكرمة سنة ( ٤٠٣ هـ ) . له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (٣٠٣/٧)، و((شذرات الذهب)) (١٦٦/٣ )، و((طبقات الحنابلة)) (١٧١/٢)، و((المنتظم)): (٢٦٤/٧)، و((المنهج الأحمد)) (٨٣/٢) . (٢) وتكملة وجه الاستدلال بكلام الإمام أحمد : ولو جعلنا القرآن مخصصاً لعموم السنة ، لكان القرآن هو المبين للسنة . (٣) محمد بن أشرس السلمي النيسابوري . روى عن مكي بن إبراهيم وإبراهيم بن رستم وغيرهما . متهم في الحديث ، وتركه الأخرم وغيره . وقال أبو الفضل السليماني : لا بأس به . له ترجمة في: ((تنزيه الشريعة)) (١٠١/١)، و((المغني في الضعفاء)) (٥٥٧/٢)، و((ميزان الاعتدال)) (٤٨٥/٣ ) . (٤) كلام المصنف هنا غير محرر، فالأصح عند الشافعية هو: جواز التخصيص، صرح = ٥٧٠ والدلالة على جواز التخصيص : قوله تعالى: (وَنَزَّلْناَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ)(١). ولأن الكتاب أقوى من السنة ، فإنه مقطوع على جميعه ، والسنة إنما يقطع على البعض منها . ولأن فيه إعجازاً ، والسنة لا إعجاز فيها ، فإذا جاز تخصيص القرآن بالضعيف ، فانه يجوز تخصيص الضعيف بالقوي [ من باب ] أولى ، ألا ترى أن من جوز نسخ الكتاب بالسنة ، كان تجويزه لنسخ السنة بالكتاب أولى ؟ واحتج من منع من ذلك : بقوله تعالى : (لِتُبَيِّنَ للِنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِم) (٢). = بذلك ابن السبكي في كتابه: ((جمع الجوامع)) (٢٦/٢)، كما صرح به الآمدي في كتابه ((الإحكام)) (٣٠٠/٢)، حيث قال: ( يجوز تخصيص عموم السنة بخصوص القرآن عندنا ) . (١) (٨٩) سورة النحل. والآية في الأصل : ( وأنزلنا إليك) ، وهو خطأ ، والصواب : ما أثبتناه متابعة لما في المصحف . ولم يذكر المؤلف وجه الاستدلال من الآية ، وقد ذكره الآمدي في كتابه («الإحكام)) (٣٠٠/٢)، بقوله : ( وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأشياء ، فكانت داخلة تحت العموم ، إلا أنه قد خص في البعض ، فيلزم العمل به في الباقي . (٢) (٤٤) سورة النحل . لم يذكر المؤلف وجه الاستشهاد من الآية ، ووجه الاستدلال من وجهين : الأول : أن الله تعالى جعل النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً للقرآن ، وبيانه إنما يكون بسنته ، ولو خصصنا عموم السنة بخصوص القرآن ، لكان القرآن مبيناً للسنة ، وهو ممتنع للآية . = ٥٧١ والجواب : أن المراد بالبيان هاهنا : الإظهار لا التخصيص ، فإن الكلام يقتضي أن يبين جميع المنزل ، وجميع المنزل لا يحتاج إلى تخصيص وإنما يحتاج إلى الإظهار . وعلى أنا تحمل الكلام على أن المراد به : لتبين للناس ما يحتاج إلى بيان وهو ما لم يبين بالكتاب ، فأما ما بيّن بالكتاب فبيانه مأخوذ منه لا من السنة (١) . واحتج : بأنا لو خصصنا السنة بالآية ، جعلنا السنة أصلاً ، والقرآن تابعاً له ومفسراً ، وهذا فيه نقصان منزلته . والجواب : أنه لا يوجب جعلها أصلاً والقرآن تابعاً ، كما لم يجب ذلك في تخصيص أخبار الآحاد بأخبار التواتر ، وقد ثبت جواز ذلك ، ولا يقول أحد : إن أخبار الآحاد أصل ، وأخبار التواتر تابعة لها ومفسرة لها . الثاني : وقد ذكره المؤلف في صورة دليل ، ولكن لم يذكر ارتباطه بالآية الكريمة ، = وقد ذكره الآمدي في كتابه: ((الإحكام) (٣٠٠/٢)، بقوله: ( ... وأيضاً، فإن المبين أصل ، والبيان تبع له ، ومقصود من أجله فلو كان القرآن مبيناً للسنة ، لكانت السنة أصلاً ، والقرآن تبعاً ، وهو محال ) . (١) وهناك جواب آخر هو: أن القرآن والسنة كلاهما منزلان من عند الله تعالى. وهناك جواب آخر أيضاً ، ذكره كثير من الأصوليين ، وهو - كما يقول الآمدي في كتابه («الإحكام)) (٣٠٠/٢) -: (إنه لا يلزم من وصف النبي صلى الله عليه وسلم بكونه مبيناً لما أنزل امتناع كونه مبيناً للسنة بما يرد على لسانه من القرآن ، إذ السنة أيضاً منزلة على ما قال تعالى: ((وَمَا يَنْطِقُ عَن الهَوَى، إِنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)) ، غير أن الوحي منه ما يتلى، فيسمى كتاباً ، ومنه ما لا يتلى ، فيسمى سنة ، وبيان أحد المنزلين بالآخر غير ممتنع ) . ٥٧٢ مسألة(١) يجوز تخصيص العموم بأفعال النبي محمد له . فإذا وقع من النبي فعل يخالف عموم قول تعلق بسائر المكلفين ، كان ذلك موجباً لتخصيصه ، إن أمكن حمله عليه . وكذلك الإقرار على فعل ، مثل أن يفعل عنده فعل يخالف العموم ، فأقر عليه ، فإنه يختص به . وقد أشار أحمد رحمه اللّه إلى هذا في مواضع : فقال في رواية صالح: قوله تعالى : ( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَ دِكُم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظ الأنْفَيَيْنِ) (٢)، ولما ورث النبي ◌َّهِ [٧٩/ب] ابنتي سعد بن الربيع (٣) الثلثين (٤)، دل على أن الآية إنما قصدت الإثنتين فما فوق . (١) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (١٢٥)، و((روضة الناظر)) ص (١٢٩)، و (( شرح الكوكب المنير)) ص (٢٠٨). (٢) (١١) سورة النساء. ولا يكمل الاستدلال إلا بذكر المقطع الثاني من الآية، وهو قوله تعالى: ( فَإنْ كُنَّ نِسَاءَ فَوْقَ الْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ). (٣) هو : سعد بن الربيع بن عمرو ، الخزرجي ، الأنصاري . صحابي جليل شهد العقبتين. وشهد بدراً . واستشهد يوم أُحد بعد أن أبلى بلاءً حسناً . رضي اللّه عنه وأرضاه . له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (٥٨٩/٢)، و((الإصابة)) القسم الثالث ص (٥٨) ، طبعة دار نهضة مصر . (٤) هذا الحديث رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنه مرفوعاً. أخرجه عنه أبو داود في كتاب الفرائض ، باب ما جاء في ميراث الصلب (١٠٩/٢). ٥٧٣ وقال أيضاً في رواية صالح : قوله تعالى: ( ولاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتى يَطْهُرْنَ ) (١) فلما قالت عائشة وميمونة (٢): كانت إحدانا إذا حاضت انفردت، ودخلت مع رسول اللّه مع الله في شعاره (٣)، دل على أنه أراد الجماع . وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الفرائض ، باب ما جاء في ميراث البنات ( ٤/ = ٤١٤ ) . وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الفرائض ، باب فرائض الصلب (٩٠٨/٣). وأخرجه عنه الدار قطنى في كتاب الفرائض ( ٧٩/٤ ). وأخرجه عنه الطحاوي في كتابه: ((شرح معاني الآثار)) في كتاب الفرائض باب الرجل يموت ، ويترك بنتاً وأختاً وعصبة سواها (٣٩٥/٤). وأخرجه عنه الحاكم في كتاب الفرائض ، باب إذا تحدثتم ، فتحدثوا بالفرائض ( ٣٣٣/٤ - ٣٣٤ ) . راجع في هذا الحديث أيضاً: ((تلخيص الحبير)): (٨٣/٤). (١) (٢٢٢) سورة البقرة . (٢) هي: أم المؤمنين، ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية. كان اسمها : ((برة))، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم: ((ميمونة)). تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام في شهر ذي القعدة على الأرجح سنة سبع ، في عمرة القضاء . اختلف في سنة وفاتها ، ورجح الحافظ ابن حجر أنها ماتت سنة (٤٩ هـ). لها ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٩١٤/٤)، و((الإصابة)) (١٩١/٨). (٣) حديث عائشة رضي الله عنها ، أخرجه البخاري في كتاب الحيض ، باب مباشرة الحائض ، بلفظ : ( كانت إحدانا إذا كانت حائضاً ، فأراد النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يباشرها ، أمرها أن تتزر في فور حيضتها ، ثم يباشرها .. ) الحديث . كما أخرج حديث ميمونة رضي الله عنها ، عقب حديث عائشة رضي الله عنها ، بلفظ : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه ، أمرها فاتزرت ، وهي حائض .. ) (٧٩/١). وأخرج الحديثين مسلم في كتاب الحيض ، باب مباشرة الحائض فوق الإزار ( ٢٤٢/١ ) . = ٥٧٤ 1 وهو قول أصحاب الشافعي (١) وأصحاب أبي حنيفة (٢) إلا الكرخي ، فإن أبا عبد الله الجرجاني حكى عن بعض أصحابه ، أنه حكي عنه أنه يحمل فعله عليه السلام على أنه مخصوص به ، مثل نهية عن استقبال القبلة وأخرجهما الترمذي في كتاب الطهارة ، باب ما جاء في مباشرة الحائض ( ١/ = ٢٣٩ ) . وأخرجهما أبو داود في كتاب الطهارة ، باب في الرجل يصيب منها - أي الحائض - ما دون الجماع ( ٦١/١ ). وأخرجهما الدارمي في كتاب الطهارة ، باب مباشرة الحائض (١٩٤/١ ) . وأخرج ابن ماجه حديث عائشة في كتاب الطهارة ، باب ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً ( ٢٠٨/١) . وراجع في هذا أيضاً: ((تلخيص الحبير)) ( ١٦٧/١). (١) هكذا عزاه الآمدي إلى أصحاب الشافعي في كتابه: ((الإحكام)) (٣٠٦/٢ - ٣٠٨) في فعل النبي صلى الله عليه وسلم. أما بالنسبة لتقريره وكونه يخصص ، فقد نسبه للأكثرين ، خلافاً لطائفة شاذة . ولكن رأيت ابن السبكي في كتابه: ((جمع الجوامع)) (٣١/٢) يذكر أن تخصيص العموم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره جائز في الأصح . وكلامه هذا يدل على أن هناك خلافاً بين الشافعية في هاتين المسألتين . (٢) اشترط صاحب ((فواتح الرحموت)): (٣٥٤/١) لجواز التخصيص بالفعل شرطين : الأول : أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم داخلاً في العموم لغة ، بخلاف ما لا يدخل فيه ، أو كان مشكو كاً في دخوله . الثاني : أن يكون الفعل موصولاً بالعموم . هذا بالنسبة للفعل ، أما التقرير فيجوز التخصيص به ، إذا توفر فيه الشرط الثاني . ٥٧٥ واستدبارها (١) ، وما روي من فعله بخلاف ذلك (٢) ، لا يجعله تخصيصاً. (١) حديث النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة ، رواه أبو أيوب الأنصاري رضي اللّه عنه مرفوعاً . أخرجه عنه البخاري في كتاب الوضوء ، باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول ، إلا عند البناء جدار أو نحوه بلفظ : ( اذا أتى أحدكم الغائط ، فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره ، شرقوا أو غربوا) ( ١/ ٤٧ ) . وأخرجه عنه مسلم في كتاب الطهارة ، باب الاستطابة (٢٢٤/١) . وأخرجه عنه الإمام مالك في الموطأ في باب النهي عن استقبال القبلة والإنسان على حاجته (٣٩٠/١ ) . وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة ، باب النهي عن استقبال القبلة بالغائط والبول ( ١١٥/١ ). وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الطهارة ، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة ( ٣/١ ) . وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الطهارة ، باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول (١٣/١). وأخرجه عنه النسائي في كتاب الطهارة ، باب النهي عن استدبار القبلة عند الحاجة (١/ ٢٤ ) . وأخرجه عنه الدارمى في كتاب الطهارة ، باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول ( ١٣٥/١ ) . وأخرجه عنه الدار قطنى في كتاب الطهارة، باب استقبال القبلة في الخلاء (٦٠/١). وأخرجه الإمام الشافعي في كتاب الطهارة ، باب ما جاء في التخلي وآدابه ( ١/ ٢٥) من ((بدائع المتن)). وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((تيسير الوصول)) (٢٩٨/٢) و ((تلخيص الحبير)) (١٠٣/١). (٢) حديث استدباره صلى اللّه عليه وسلم للقبلة ، رواه ابن عمر رضي الله عنه، أخرجه عنه البخاري في كتاب الوضوء ، باب التبرز في البيوت ( ٤٨/١ ) ، بلفظ : ( قال - أي ابن عمر - : ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي ،= ٥٧٦ دليلنا : أن النبي ◌ُ الته وأمته في أحكام الشرع سواء ، إلا ما دل الدليل على تخصيصه به ، ألا تراه إذا فعل شيئاً ابتداءً ، لا على وجه البيان والتخصيص ، كنا نحن وهو فيه على السواء ، حتى يخصه دليل ، كذلك هذا الفعل الوارد على وجه البيان والتخصيص ، يجب أن يتساويا فيه أيضاً . = فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام). وأخرجه عنه مسلم في كتاب الطهارة ، باب الاستطابة (٢٢٥/١ ) . وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الطهارة ، باب الرخصة في استقبال القبلة عند قضاء الحاجة ( ٣/١ ). وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الطهارة باب ما جاء في الرخصة في ذلك - أي في استقبال القبلة بالغائط أو البول - ( ١٦/١ ). وأخرجه عنه النسائي في كتاب الطهارة ، باب الرخصة في ذلك في البيوت ( ١/ ٢٥ ) . وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة ، باب الرخصة في استقبال القبلة في الكنيف ، وإباحته ، دون الصحارى ( ١١٦/١). وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الطهارة ، باب الرخصة في استقبال القبلة ( ١/ ١٣٦ ) . وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الطهارة ، باب استقبال القبلة في الخلاء ١/ ٦١ ) . وأخرجه عنه الإمام مالك في الموطأ في باب الرخصة في استقبال القبلة لبول أو غائط (٣٩١/١ ) . وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب الطهارة ، باب ما جاء في التخلي وآدابه (٢٦/١) من ((بدائع المتن)). وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((تيسير الوصول)) (٢٩٨/٢)، و (( تلخيص الحبير)) (١٠٤/١). ٥٧٧ العدة في أصول الفقه - ٣٧ واحتج المخالف : بأنه يحتمل أن يكون مخصوصاً بهذا الفعل ، ويحتمل أن يكون هو وغيره فيه سواء ، ولا يجوز تخصيص العموم بالشك . والجواب : أن هذا يدخل عليه الفعل الوارد من جهته ابتداءً . وعلى أنه ليس ها هنا شك، بل ها هنا ظاهر يدل على مساواتنا له في أفعاله. فصل ويجوز التخصيص بالإجماع (١) ؛ لأن الإجماع حجة مقطوع بها ، فإذا جاز التخصيص بخبر الواحد والقياس ، كان بالإجماع أحق . ويفارق هذا النسخ بالإجماع أنه لا يجوز ؛ لأن الإجماع إنما ينعقد بعد وفاة النبي پاتلم ، وبعد وفاته انقطع النسخ ، فلا يصح أن ینسخ به ، وليس كذلك التخصيص ؛ لأنه يقترن باللفظ دليل يخرج منه ما ليس مراداً ، فإذا انعقد الإجماع على تخصيصه ، علم أنه خطاب عام أريد به الخاص ، والنسخ بالإجماع على هذا يتصور ، فإن المسلمين إذا أجمعوا على ترك خبر ، تبينا بالإجماع : أنه منسوخ ، لا أن (٢) الإجماع ينسخه . فصل ويجوز تخصيص العموم بدليل الخطاب (٣) ، سواء دل دليل هو مفهومه (١) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (١٢٦)، و((روضة الناظر))، ص (١٢٧)، و((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٠٧). (٢) في الأصل : (لان ) . (٣) راجع في هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (١٢٧)، و((روضة الناظر)) ص (١٢٩)، و (( شرح الكوكب المنير)) ص (٢٠٦). ٥٧٨ ١ : وفحواه، وهو: التنبيه، نحو قوله تعالى: (فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفّ) (١) فدل [ على ] المنع من (٢) الضرب ، فيقع به التخصيص. أو كان في ضد النطق ، كقوله : ( في سائمة الغنم الزكاة ) دل على أنه : لا زكاة في المعلوفة ، فيخص به العموم (٣) ؛ لأن الدليل خارج مخرج النطق ، ومعناه معنى النطق في باب الاحتجاج به ، [ وقد ] ثبت جواز التخصيص بالنطق ، كذلك بما هو جارٍ مجراه (٤) . فصل [٨٠/أ] يجوز تخصيص العموم بقول الصحابي إذا لم يظهر خلافه وكذلك تفسير الآية المحتملة (٥) . وهذا على الرواية التي تجعل قوله حجة ، مقدماً على القياس . وقد نص على هذا في رواية صالح وأبي الحارث : في الآية إذا جاءت تحتمل أن تكون عامة ، وتحتمل أن تكون خاصة ، نظرت ما عملت عليه السنة ، فإن لم يكن فعن الصحابة ، وإن كانوا على قولين ، أخذ بأشبه القولين بكتاب الله تعالى . (١) (٢٣) سورة الاسراء. (٢) في الأصل : (على ) . (٣) في الأصل: ( المفهوم). هكذا ذهب المؤلف إلى جواز تخصيص العموم بالمفهوم بما فيه مفهوم المخالفة ، لكن نقل عنه في ((المسودة)) ص (١٢٧) القول بتقديم العموم على المفهوم ، ومعنى ذلك : عدم جواز التخصيص . .(٥) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (١٢٧)، و((روضة الناظر)) ص (١٢٩)، و((القواعد والفوائد الأصولية)) لابن اللحام ص (٢٩٦). ٥٧٩ وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة (١) . واختلف أصحاب الشافعي على القول القديم ، الذي يجعلون قوله حجة ، فمنهم من خص به ، ومنهم من لم يخص (٢). ودليلنا : أن قول الصحابي أقوى من القياس ، بدليل أنه يترك له القياس ، فيجب أن يخص به الظاهر ، كخبر الواحد . ولأنه مقدم على القياس ، والقياس يخص ، فبأن يخص خبر الواحد أولى وأحرى . واحتج المخالف : بأن الصحابي يترك مذهبه وقول نفسه للعموم ، ألا ترى أن ابن عمر قال : كنا نخابر أربعين سنة ، ولا نرى به بأساً ، حتى أتانا رافع بن خديج ، فأخبر أن النبي مَ لِ نهى عنه، فتركناها (٣) لقول رافع. والجواب : أنه يترك قوله للنص ، فأما العموم فلا ؛ لأنه فيما ذهب (١) راجع في هذا: ((مسلم الثبوت)) مع شرحه ((فواتح الرحموت)) (٣٥٥/١)، و ((حاشية)) الشيخ بخيت المطيعي على ((نهاية السول)) (٤٨١/٢ - ٤٨٤). (٢) لكن الأصح من مذهب الشافعية - كما يقول ابن السبكي في كتابه: (( جمع الجوامع)) (٣٤/٢) -: عدم التخصيص. وصرح الآمدي في كتابه: ((الإحكام)) (٣٠٩/٢)، بأن مذهب الشافعي في القول الجديد هو عدم التخصيص . وقد اختار ذلك الغزالي في كتابه: ((المستصفى)) (١١٢/٢). (٣) هكذا في الأصل ، ولو أُنث الضمير في قوله : ( به بأساً) ، وفي قوله : (نهى عنه ) ، لكان سليماً ، ولكنه ذكر الضمير في ذلك ، وأنثه هنا ، فكان الأولى أن يعبر بقوله: (فتركناه) حتى تعود الضمائر إلى ((فعل المخابرة))، أو إلى (الخبر)، كما جاء في بعض الروايات . ٥٨٠ 1 :