النص المفهرس

صفحات 561-580

وكذلك نقل أبو داود في رجل قال لامرأته : أنت طالق ، ونوى
ثلاثاً ، فهي واحدة ، فقيل (١) : إسحاق (٢) يقول : هي ثلاث ، ويأخذ
بالحديث : ( الأعمال بالنيات ) (٣) ، فقال : ليس هذا من ذلك ، أرأيت إن
نوى أن يطلق امرأته ولم يتلفظ أيكون طلاقاً ؟ ! .
(١) هذا يشعر بأن القائل لما بعد (( قيل أحد الناس قال ذلك للإمام أحمد، بينما نجد
أبا داود في ((مسائله)) عن الإمام أحمد ص (١٦٩) ينقل عن الإمام أحمد قوله :
( ثم قال - أي الإمام أحمد - زعموا أن إسحاق يذهب إلى أنها ثلاث ... ) ،
وهذا يفيد : أن القائل لما بعد ((قيل )) هو الإمام أحمد .
(٢) المقصود هو : اسحاق بن راهويه ، كما جاء ذلك في مخطوطة المكتبة الظاهرية
لمسائل الإمام أحمد ، رواية أبي داود ، التي أثبت الفروق بينها وبين مخطوطة المدينة
المنورة للمسائل المذكورة الشيخ محمد بهجة البيطار ، وذلك بهامش ص (١٦٩)
من ( مسائل الإمام أحمد » رواية أبي داود .
وهو : إسحاق بن إبراهيم بن مخلد ، الحنظلي ، المروزي ، أبو يعقوب . الثقة ،
الحافظ ، المحدث الفقيه . رحل في طلب العلم إلى الحجاز واليمن والعراق وغيرها .
من أصحاب الإمام أحمد المكرمين عنده ، وممن نقل عنه . له مسند في الحديث ،
وله مسائل في الفقه ، رواها إسحاق بن منصور المروزي مع مسائل للإمام أحمد ،
ولا زالت مخطوطة في المكتبة الظاهرية بدمشق .
ولد ابن راهويه سنة (١٦٦ هـ)، ومات سنة (٢٤٣ هـ) بنيسابور .
انظر ترجمته في: (( تذكرة الحفاظ)) (٤٣٣/٢)، و((تهذيب التهذيب))
(٢١٦/١)، و((الخلاصة)) ص (٢٢)، و((طبقات الحنابلة (( (١٠٩/١)،
و((طبقات المفسرين)) الداودي (١٠٢/١)، و((ميزان الاعتدال)) (١/
١٨٢)، و ((النجوم الزاهرة)) (٢٩٣/٢).
(٣) سبق تخريج هذا الحديث ص (٢٠٥) عند تخريجنا لجزء منه هو: ( وإنما لامرىء
ما نوى) . ولكن نحب هنا أن نبين أمرين يتعلقان بقوله صلى الله عليه وسلم :
( إنما الأعمال بالنيات ) :
الأول : أن المؤلف حذف كلمة ( إنما ) ، ولكنها مثبتة في مسائل الإمام أحمد
التي رواها أبو داود ص (١٦٩).
=
٥٦١
العدة في أصول الفقه - ٣٦

وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز فيما وجدته في بعض تعاليق أبي إسحاق
ابن شاقلا قال : ألزمني الشيخ - يعني أبا بكر - على أن الظاهر يخص
بالقياس ، أن الله تعالى قد نص على الإماء في قوله: ( فَعَلَيْهِنَ نِصْفُ
مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) (١)، والعبيد مقيسون عليهن (٢).
قال أبو إسحاق : نظرت وإذا هذا ليس بحجة .
ومن أصحابنا من قال : لا يجوز ذلك ، ولم يفرق بين عموم الكتاب
والسنة وبين أخبار الآحاد أو التواتر ، وربما ذهبوا إلى ظاهر كلام أحمد
رحمه الله في رواية الحسن بن ثواب (٣): حديث رسول اللّه لافلم لا يرده
ويحذف أداة الحصر رواه الحاكم في الأربعين ، وابن حبان في صحيحه ،
=
والبيهقي في المعرفة ، وهذا كاف في الرد على من زعم أن الحديث بحذف : (إنما)
لم يصح إسناده .
الثاني: أن كلمة ( النية) جاءت مفردة ومجموعة، فقد جاءت مفردة في (( مسائل
الإمام أحمد )) رواية أبي داود في هامش ص (١٠٥) عن المخطوطة الظاهرية .
وبالإفراد رواها البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ، وبالجمع رواها أبو داود
وابن ماجه .
راجع في هذا : المصادر التي ذكرناها في تخريج الحديث ص ( ١٢٣ - ١٢٤ )
ولا داعي لإعادتها .
(١) (٢٥) سورة النساء.
(٢) العبارة في الأصل: (مقيساً عليه)، والصواب: (مقيسون عليهن)، كما أثبتناه.
(٣) هو الحسن بن ثواب ، أبو علي ، الثعلبي، الخرمي ، البغدادي . ثقة . من خاصة
أصحاب الإمام أحمد المقدمين عنده . روى عن الإمام أحمد ویزید بن هارون
وغيرهما . وعنه عبد الله بن محمد المروزي وأبو بكر الخلال وغيرهما . مات
سنة ( ٢٦٨ هـ ) .
له ترجمة في: ((الإنصاف)) للمرداوي (٢٨٤/١٢)، و((طبقات الحنابلة))
(١٣١/١ - ١٣٢)، و((المنتظم)) لابن الجوزي (٦٤/٥).
٥٦٢
!

إلا مثله (١) . وقع إليّ جزء فيه مسائل في أصول الفقه ، إملاء أبي الحسن
الجزري (٢)، وذكرفيه هذه المسألة ، وحكى فيها خلافاً بين أصحابنا .
واختار أبو الحسن : أنه لا يجوز تخصيصه بالقياس ، وذكر فيها كلاماً
كثيراً .
وذكر أبو إسحاق في جزء وقع إليَّ من شرح الخِرَفي فقال : أصحابنا
على وجهين : فمنهم من يرى تخصيص العلة ، ومنهم من لا يرى ذلك .
وقال أصحاب أبي حنيفة : إن كان عموماً دخله التخصيص باتفاق ،
جاز تخصيصه بالقياس ، وإن لم يكن دخله ، فالحكم في القياس عندهم ،
كالحكم في الخبر الواحد (٣).
واختلف أصحاب الشافعي : فذهب الأكثر منهم إلى جواز ذلك على
(١) هذه الرواية منقولة في ((المسودة)) بنصها ضمن ما نقل عن القاضي ص (١٢٠).
(٢) هو : أبو الحسن الجزري ، البغدادي ، الحنبلي . الفقيه ، الأصولي . صَحِب أبا
علي النجاد .
له ترجمة في: ((طبقات الحنابلة)) ( ١٦٧/٢ ) .
(٣) راجع في تحقيق مذهب الحنفية: ((تيسير التحرير)) (٣٢١/١ - ٣٢٦)، و ((أصول
السرخسي)) (١٣٣/١ - ١٣٤)، و((فواتح الرحموت)) (٣٥٧/١ - ٣٦٠).
وقد رأيت صاحب ((مسلم الثبوت)) (٣٥٧/١) نسب القول بجواز التخصيص
إلى الأئمة الأربعة ، بما فيهم الإمام أبو حنيفة ، وكذلك السرخسي في أصوله
(١٣٣/١) حكى القول بجواز التخصيص عن أكثر الحنفية
لكن الشيخ بخيت في حاشيته (( سلم الوصول)) (٤٦٣/٢ )، ذكر أن القول عن
أبي حنيفة مقيد بما إذا خصص بغيره .
٥٦٣

الاطلاق (١)، ومنهم من منع ذلك على الاطلاق (٢).
فالدلالة على جوازه : ما تقدم من الكلام في المسألة التي قبلها ، وهو :
أن القياس وإن لم يكن معلوماً فإنه يثبت العمل به بأمر مقطوع به ، وما
ثبت عن أمر مقطوع جرى مجراه في العمل ، ألا ترى أن النبي معت التم لو
قال : إذا زالت الشمس ، فصلوا ركعتين ، وما أخبركم به عني فلان فهو
شرعي؟ فإن ((به)) من قوله كالذي يخبر به عنه ، وإن لم يكن مقطوعاً ،
كذلك ها هنا .
ولأن صيغة العموم معرضة للتخصيص محتملة له ، والقياس غير محتمل ،
فجاز أن يقضي بغير المحتمل على المحتمل ، كالمجمل وتفسير المجمل ،
فإنا نقضى بتفسيره عليه ، كذلك ها هنا .
ولأن القياس حجة في نفسه إذا انفرد ، فإذا اجتمع معه غيره وأمكن
(١) وهذا هو الصحيح عندهم، كما حكاه الأسنوي في كتابه ((نهاية السول)): (٢/
٤٦٣)، وهو المنقول عن الإمام الشافعي .
وهو أيضاً مذهب المالكية ، كما نص على ذلك القرافي في كتابه : (( شرح تنقيح
الفصول)) ص (٢٠٣).
(٢) ونسبه الأسنوي في كتابه: ((نهاية السول)) (٤٦٤/٢) إلى الفخر الرازي .
وهناك أربعة آراء في المسألة ، هي :
الأول : أن القياس الجلي يخصص العموم ، دون الخفي ، وبه قال ابن سريج .
الثاني : يعمل بأرجح الظنين إذا تفاوتا ، وإن تساويا فالوقف . وبه قال الغزالي
في كتابه: ((المستصفى)) (١٣٤/٢ ).
الثالث : التوقف ، وهو منسوب لإمام الحرمين وأبي بكر الباقلاني .
. الرابع : يجوز التخصيص بالقياس إذا كانت علته ثابتة بنص أو إجماع ، وإلا
فلا، وهو مختار الآمدي في كتابه ((الإحكام)) (٣١٣/٢).
راجع بالإضافة إلى ((الإحكام)) للآمدي: ((جمع الجوامع وشرحه مع حاشية
البناني)): ( ٣٠/٢ ).
٥٦٤
1

استعمالهما كان أولى ، كالمطلق والمقيد .
[٧٨/أ] وأيضاً: فإن الاسم الخاص إذا نافى بعض ما شمله الاسم العام،
وجب تخصيصه به ، كذلك إذا نافاه معناه ؛ لأن العلة في الاسم أنه نافى
بخصوصه بعض ما شمله الاسم العام .
وبيان ذلك: أن الله تعالى (١) قال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا
كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) (٢) ، ولم يفرق بين الحر والرقيق.
ثم قال عز من قائل: (وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ
الْمُحْصَّنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَّتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُم
الْمُؤْمِنَاتِ ) إلى قوله: (فَإذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَة
فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَىَ الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ )(٣)، مخصصاً
به قوله : ( الزّانِيَةُ ) ، وأخرجنا الإماء منه ، وقضينا بالاسم الخاص على
الاسم العام ، ثم وجدنا أن المعنى الموجب لنقصان الحد في الإماء هو الرق ؛
لأنها إذا اعتقت وجب الحد كاملاً ، ولم يزل بالعتق غير الرق ، فثبت
أن نقصان الحد كان متعلقاً به ، وهذه العلة موجودة في العبد ، فنقصنا حده ،
وجعلناه خمسين ، وخصصنا بهذا المعنى قوله تبارك وتعالى : ( وَالزّانِي ) ،
وأخرجنا العبيد منه ؛ لأن معنى الاسم الخاص نافى بعض ما شمله الاسم
العام ، كمنافاة الاسم إياه .
فإن قيل : إنما كان كذلك في الاسم الخاص مع الاسم العام ؛ لأنهما
نطقان ، فتساويا في القوة ، وانفرد الخاص بقوة الخصوص ، وليس كذلك
المعنى ، فإنه ليس بنطق .
قيل : المعنى مثل الاسم ، في وجوب العمل به ، والمصير إلى موجبه ،
(١) في الأصل: (إن شاء الله تعالى) ..
(٢) (٢) سورة النور .
(٣) (٢٥) سورة النساء.
٥٦٥

وتخصيص الاسم العام من العمل بموجبه ، فاستويا فيه .
واحتج من يمنع ذلك :
بما روي عن النبي عز له أنه قال لمعاذ بن جبل: ( فإن لم تجد في سنة
رسول اللّه، قال: أجتهد رأيي ولا آلو) (١) ، فدل على أن القياس مع عدم
السنة .
(١) حديث معاذ هذا اشتهر كثيراً على ألسنة الأصوليين والفقهاء ، حتى قال إمام
الحرمين - فيما نقله الحافظ ابن حجر - : إنه حديث مدون في الصحاح ، متفق
على صحته ، لا يتطرق إليه التأويل .
واستدل أبو العباس بن القاص على صحته : بتلقي أئمة الفقه والاجتهاد له بالقبول ،
وقال : وهذا القدر مغن عن مجرد الرواية .
راجع: (( تلخيص الحبير)) (١٨٣/٤ ).
وقد نقل صاحب (( فواتح الرحموت)) (٣٥٩/١)، أن الباقلاني والطبري: وثقا
هذا الحديث .
وأخرجه الترمذي في كتاب الأحكام، باب ما جاء في القاضي كيف يقضي ( ٣/
٦٠٧ - ٦٠٨)، وقال فيه: ((لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وليس إسناده عندي
بمتصل)).
وأخرجه أبو داود في كتاب الأقضية ، باب اجتهاد الرأي في القضاء (٢٧٢/٢).
وأخرجه الطيالسي في كتاب القضاء والدعاوى والبينات ، باب آداب القضاء
والقاضي وكيف يقضي (٢٨٦/١ ) .
وتكميلاً للفائدة أورد بعض أقوال العلماء في هذا الحديث :
قال البخاري في ((تأريخه)): ( الحارث بن عمرو - أحد رواة الحديث - عن
أصحاب معاذ، وعنه أبو عون ، لا يصح ، ولا يعرف إلا بهذا).
وقال ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)): ( لا يصح ، وإن كان الفقهاء كلهم
يذكرونه في كتبهم ، ويعتمدون عليه ، وإن كان معناه صحيحاً) .
وقال ابن طاهر ما معناه : بعد البحث الطويل في مصادر الحديث ، وجد له طريقان ،
وكلاهما لا يصح.
=
٥٦٦

والجواب : أن ما عارضه القياس من العموم ، فليس من السنة كما
أن ما عارضه لفظ السنة من عموم القرآن ، ليس من القرآن ، ووجب القضاء
بخاص السنة على عموم القرآن ها هنا .
واحتج : بأنه لا يجوز أن ينزع من الاسم معنى يخصه ، كذلك لا
يجوز أن يخص به اسم غيره .
والجواب : أن الحكم إذا كان مطلقاً ، فإن المطلوب هو علة الحكم
المطلق ، فلا يجوز أن تكون مخصصة له مسقطة لإطلاقه ؛ لأنها إذا كانت
هكذا ، لم تكن هي المأمور بطلبها ، وليس كذلك اسم آخر فإن المطلوب
مخالف له ، فجاز أن يكون مخصصاً له ؛ ولأن الاسم لا يجوز أن يخص
نفسه ، كذلك معناه . ويجوز أن يخص اسماً آخر ، كذلك معناه يجوز أن
يخص اسماً آخر .
واحتج: [٧٨/ب] بأن العموم أعلى رتبة في الحجة من القياس، ألا ترى
أن القياس قد يمنع في كثير من الأصول ، والعموم لا يجوز وجوده عارياً عن
إيجاب حكم ، فلم يجز ترك الأقوى بالأضعف .
والجواب : أن هذا يبطل بخبر الواحد ، يجوز أن يخص به العموم وإن
كان القرآن أعلى رتبة .
على أن امتناع القياس في مواضع فيها نص يعارض القياس ، وأما في
مواضع فيه عمومه يجوز تخصيصه فلا .
وقال الدار قطني في ((العلل)) : ( رواه شعبة عن أبي عون هكذا ، وأرسله ابن
=
مهدي وجماعات عنه ، والمرسل أصح ) .
وقال ابن حزم : ( لا يصح ؛ لأن الحارث مجهول ، وشيوخه لا يعرفون) .
وقال عبد الحق : ( لا يسند ، ولا يوجد من وجه صحيح ) . انتهى ملخصاً من
((تلخيص الحبير)) (١٨٢/٤ - ١٨٣ ).
٥٦٧

واحتج : بأن النسخ كالتخصيص ؛ لأن النسخ تخصيص الزمان ،
والتخصيص يختص الأعيان ، ثم ثبت أنه لا يجوز نسخ العموم به ، كذلك
لا يجوز التخصيص .
والجواب : أنه يبطل بخبر الواحد ، لا ينسخ ، ويخص ، وكذلك
الإجماع . على أنا قد بينا الفرق بين النسخ وبين التخصيص في التي قبلها .
واحتج : بأن القياس فرع للكتاب ، فلا يجوز أن يخص الفرع أصله
ويسقطه .
والجواب : أنا لا نخص الأصل بفرعه ، وإنما نخص غير أصله ؛ لأن
القیاس متی استنبط من أصله، یکون مماثلاً له في حکمه، فلا يخصص به،
وإنما يخص أصلاً آخر يضاده ، وينافيه .
واحتج : بأنه إنما يصح القياس ، إذا جرى على الأصول واطراد ،
وهذا العموم من جملتها ، وهو ينافيه ، فيجب أن لا يصح القياس معه ،
كما لا يجوز مع وجود الإجماع على ضده ؛ لأنه لم يجر على الأصول ،
كذلك ها هنا .
والجواب : أنا لا نسلم أن ما خصصه القياس كان مراداً بالعموم حتى
يكون معارضاً له ومضاداً له ، بل يتبين بالقياس ، أنه لم يكن مراداً ولا
داخلاً تحته .
واحتج : بأن العموم مقطوع عليه ، والقياس مظنون .
والجواب : أن المقطوع عليه هو الصيغة ، وذلك لا يرفعها بالقياس ،
وإنما يخص بعض الحكم ، وذلك غير مقطوع على أنه مراد ، وعلى أنه
إن لم يكن مقطوعاً عليه ، فقد ثبت بدليل مقطوع عليه ، فهو كالحكم
بشهادة الشاهدين ، غير مقطوع عليه ، لكن ثبت بدليل مقطوع عليه .
٥٦٨

واعتمد أصحاب أبي حنيفة في الفرق بين العموم المخصوص (١) وغير
المخصوص ، بما حكيناه عنه في المسألة التي قبلها ، وقد أجبنا عنه بما فيه
كفاية .
مسألة (٢)
يجوز تخصيص عام السنة بخاص القرآن .
أومأ إليه أحمد رحمه اللّه في نسخ السنة بالقرآن ، فقال في رواية عبد
اللّه، وذكر قصة أبي جندل (٣) فقال: ذلك صالح على أن يرد من جاءهم
مسلماً ، فرد النبي ◌َ الِ الرجال ، ومنع النساء ، ونزل (٤) قوله تعالى :
(فَإنْ عَلِمْتُمُوهُن [٧٩/أ] مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُن إلَى
الْكُفَّارِ ) (٥) فظاهر هذا أنه أثبت نسخ القصة بالقرآن .
وبهذا قال الجماعة من الفقهاء والمتكلمين .
(١) في الأصل: (أو المخصوص)، و((أو)) هنا زائدة، لا معنى لها .
(٢) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (١٢٢)، و ((شرح الكوكب المنير)) ص
(٢٠٥)، و((روضة الناظر)) ص (١٢٨).
(٣) هو: أبو جندل بن سهيل بن عمرو القرشي العامري . صحابي جليل . أسلم
بمكة قبل صلح الحديبية وقد عذب بسبب إسلامه . مات في خلافة عمر .
له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٦٢١/٤)، و ((الإصابة)) القسم السابع ص
(٦٩)، طبعة دار نهضة مصر، و ((البداية والنهاية)) (١٦٩/٤) نشر مكتبة
المعارف ببيروت ومكتبة النصر بالرياض .
(٤) في الأصل : ( نزلت ) .
(٥) (١٠) سورة الممتحنة .
٥٦٩

وخرج الشيخ أبو عبد الله (١) في ذلك وجهاً آخر : أنه لا يجوز.
أومأ إليه أحمد رحمه الله في رواية حنبل وغيره ، فقال : السنة مفسرة
للقرآن ، ومبينة له . وظاهر هذا: أن البيان بها يقع (٢).
وقال أيضاً في رواية محمد بن أشرس (٣): إذا كان الحديث صحيحاً معه
ظاهر القرآن ، وحديثان مجردان في ضد ذلك ، فالحديثان أحب إليَّ إذا
صحاً .
وظاهر هذا أيضاً : أنه لم يجعل ظاهر الآية يخص أحد الحديثين ولا
يقابله .
وبهذا قال أصحاب الشافعي (٤).
(١) هو : الحسن بن حامد بن علي بن مروان ، أبو عبد الله البغدادي . شيخ الحنابلة
في وقته . فقيه ، أصولي . أشهر تلاميذه القاضي أبو يعلى .
له كتب منها: (( الجامع في المذهب))، وشرح مختصر الخرقي . مات راجعاً من
مكة المكرمة سنة ( ٤٠٣ هـ ) .
له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (٣٠٣/٧)، و((شذرات الذهب)) (١٦٦/٣ )،
و((طبقات الحنابلة)) (١٧١/٢)، و((المنتظم)): (٢٦٤/٧)، و((المنهج الأحمد))
(٨٣/٢) .
(٢) وتكملة وجه الاستدلال بكلام الإمام أحمد : ولو جعلنا القرآن مخصصاً لعموم
السنة ، لكان القرآن هو المبين للسنة .
(٣) محمد بن أشرس السلمي النيسابوري . روى عن مكي بن إبراهيم وإبراهيم بن
رستم وغيرهما . متهم في الحديث ، وتركه الأخرم وغيره . وقال أبو الفضل
السليماني : لا بأس به .
له ترجمة في: ((تنزيه الشريعة)) (١٠١/١)، و((المغني في الضعفاء)) (٥٥٧/٢)،
و((ميزان الاعتدال)) (٤٨٥/٣ ) .
(٤) كلام المصنف هنا غير محرر، فالأصح عند الشافعية هو: جواز التخصيص، صرح =
٥٧٠

والدلالة على جواز التخصيص :
قوله تعالى: (وَنَزَّلْناَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ)(١).
ولأن الكتاب أقوى من السنة ، فإنه مقطوع على جميعه ، والسنة إنما
يقطع على البعض منها .
ولأن فيه إعجازاً ، والسنة لا إعجاز فيها ، فإذا جاز تخصيص القرآن
بالضعيف ، فانه يجوز تخصيص الضعيف بالقوي [ من باب ] أولى ، ألا
ترى أن من جوز نسخ الكتاب بالسنة ، كان تجويزه لنسخ السنة بالكتاب
أولى ؟
واحتج من منع من ذلك :
بقوله تعالى : (لِتُبَيِّنَ للِنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِم) (٢).
= بذلك ابن السبكي في كتابه: ((جمع الجوامع)) (٢٦/٢)، كما صرح به الآمدي
في كتابه ((الإحكام)) (٣٠٠/٢)، حيث قال: ( يجوز تخصيص عموم السنة
بخصوص القرآن عندنا ) .
(١) (٨٩) سورة النحل.
والآية في الأصل : ( وأنزلنا إليك) ، وهو خطأ ، والصواب : ما أثبتناه متابعة لما
في المصحف . ولم يذكر المؤلف وجه الاستدلال من الآية ، وقد ذكره الآمدي
في كتابه («الإحكام)) (٣٠٠/٢)، بقوله : ( وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
من الأشياء ، فكانت داخلة تحت العموم ، إلا أنه قد خص في البعض ، فيلزم
العمل به في الباقي .
(٢) (٤٤) سورة النحل .
لم يذكر المؤلف وجه الاستشهاد من الآية ، ووجه الاستدلال من وجهين :
الأول : أن الله تعالى جعل النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً للقرآن ، وبيانه إنما
يكون بسنته ، ولو خصصنا عموم السنة بخصوص القرآن ، لكان القرآن مبيناً
للسنة ، وهو ممتنع للآية .
=
٥٧١

والجواب : أن المراد بالبيان هاهنا : الإظهار لا التخصيص ، فإن
الكلام يقتضي أن يبين جميع المنزل ، وجميع المنزل لا يحتاج إلى تخصيص
وإنما يحتاج إلى الإظهار .
وعلى أنا تحمل الكلام على أن المراد به : لتبين للناس ما يحتاج إلى بيان
وهو ما لم يبين بالكتاب ، فأما ما بيّن بالكتاب فبيانه مأخوذ منه لا من
السنة (١) .
واحتج : بأنا لو خصصنا السنة بالآية ، جعلنا السنة أصلاً ، والقرآن
تابعاً له ومفسراً ، وهذا فيه نقصان منزلته .
والجواب : أنه لا يوجب جعلها أصلاً والقرآن تابعاً ، كما لم يجب
ذلك في تخصيص أخبار الآحاد بأخبار التواتر ، وقد ثبت جواز ذلك ، ولا
يقول أحد : إن أخبار الآحاد أصل ، وأخبار التواتر تابعة لها ومفسرة لها .
الثاني : وقد ذكره المؤلف في صورة دليل ، ولكن لم يذكر ارتباطه بالآية الكريمة ،
=
وقد ذكره الآمدي في كتابه: ((الإحكام) (٣٠٠/٢)، بقوله: ( ... وأيضاً،
فإن المبين أصل ، والبيان تبع له ، ومقصود من أجله فلو كان القرآن مبيناً للسنة ،
لكانت السنة أصلاً ، والقرآن تبعاً ، وهو محال ) .
(١) وهناك جواب آخر هو: أن القرآن والسنة كلاهما منزلان من عند الله تعالى.
وهناك جواب آخر أيضاً ، ذكره كثير من الأصوليين ، وهو - كما يقول الآمدي
في كتابه («الإحكام)) (٣٠٠/٢) -: (إنه لا يلزم من وصف النبي صلى الله عليه
وسلم بكونه مبيناً لما أنزل امتناع كونه مبيناً للسنة بما يرد على لسانه من القرآن ،
إذ السنة أيضاً منزلة على ما قال تعالى: ((وَمَا يَنْطِقُ عَن الهَوَى، إِنْ هُوَ إلاَّ
وَحْيٌ يُوحَى)) ، غير أن الوحي منه ما يتلى، فيسمى كتاباً ، ومنه ما لا يتلى ،
فيسمى سنة ، وبيان أحد المنزلين بالآخر غير ممتنع ) .
٥٧٢

مسألة(١)
يجوز تخصيص العموم بأفعال النبي محمد له .
فإذا وقع من النبي فعل يخالف عموم قول تعلق بسائر المكلفين ، كان
ذلك موجباً لتخصيصه ، إن أمكن حمله عليه .
وكذلك الإقرار على فعل ، مثل أن يفعل عنده فعل يخالف العموم ،
فأقر عليه ، فإنه يختص به .
وقد أشار أحمد رحمه اللّه إلى هذا في مواضع :
فقال في رواية صالح: قوله تعالى : ( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَ دِكُم
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظ الأنْفَيَيْنِ) (٢)، ولما ورث النبي ◌َّهِ [٧٩/ب]
ابنتي سعد بن الربيع (٣) الثلثين (٤)، دل على أن الآية إنما قصدت الإثنتين
فما فوق .
(١) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (١٢٥)، و((روضة الناظر)) ص
(١٢٩)، و (( شرح الكوكب المنير)) ص (٢٠٨).
(٢) (١١) سورة النساء.
ولا يكمل الاستدلال إلا بذكر المقطع الثاني من الآية، وهو قوله تعالى: ( فَإنْ
كُنَّ نِسَاءَ فَوْقَ الْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ).
(٣) هو : سعد بن الربيع بن عمرو ، الخزرجي ، الأنصاري . صحابي جليل شهد
العقبتين. وشهد بدراً . واستشهد يوم أُحد بعد أن أبلى بلاءً حسناً . رضي اللّه
عنه وأرضاه .
له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (٥٨٩/٢)، و((الإصابة)) القسم الثالث ص (٥٨) ،
طبعة دار نهضة مصر .
(٤) هذا الحديث رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنه مرفوعاً. أخرجه عنه أبو داود
في كتاب الفرائض ، باب ما جاء في ميراث الصلب (١٠٩/٢).
٥٧٣

وقال أيضاً في رواية صالح : قوله تعالى: ( ولاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتى
يَطْهُرْنَ ) (١) فلما قالت عائشة وميمونة (٢): كانت إحدانا إذا حاضت
انفردت، ودخلت مع رسول اللّه مع الله في شعاره (٣)، دل على أنه أراد
الجماع .
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الفرائض ، باب ما جاء في ميراث البنات ( ٤/
=
٤١٤ ) .
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الفرائض ، باب فرائض الصلب (٩٠٨/٣).
وأخرجه عنه الدار قطنى في كتاب الفرائض ( ٧٩/٤ ).
وأخرجه عنه الطحاوي في كتابه: ((شرح معاني الآثار)) في كتاب الفرائض
باب الرجل يموت ، ويترك بنتاً وأختاً وعصبة سواها (٣٩٥/٤).
وأخرجه عنه الحاكم في كتاب الفرائض ، باب إذا تحدثتم ، فتحدثوا بالفرائض
( ٣٣٣/٤ - ٣٣٤ ) .
راجع في هذا الحديث أيضاً: ((تلخيص الحبير)): (٨٣/٤).
(١) (٢٢٢) سورة البقرة .
(٢) هي: أم المؤمنين، ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية. كان اسمها : ((برة))،
فسماها النبي صلى الله عليه وسلم: ((ميمونة)). تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام
في شهر ذي القعدة على الأرجح سنة سبع ، في عمرة القضاء . اختلف في سنة
وفاتها ، ورجح الحافظ ابن حجر أنها ماتت سنة (٤٩ هـ).
لها ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٩١٤/٤)، و((الإصابة)) (١٩١/٨).
(٣) حديث عائشة رضي الله عنها ، أخرجه البخاري في كتاب الحيض ، باب مباشرة
الحائض ، بلفظ : ( كانت إحدانا إذا كانت حائضاً ، فأراد النبي صلى اللّه عليه
وسلم أن يباشرها ، أمرها أن تتزر في فور حيضتها ، ثم يباشرها .. ) الحديث .
كما أخرج حديث ميمونة رضي الله عنها ، عقب حديث عائشة رضي الله عنها ،
بلفظ : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه ،
أمرها فاتزرت ، وهي حائض .. ) (٧٩/١).
وأخرج الحديثين مسلم في كتاب الحيض ، باب مباشرة الحائض فوق الإزار
( ٢٤٢/١ ) .
=
٥٧٤
1

وهو قول أصحاب الشافعي (١) وأصحاب أبي حنيفة (٢) إلا الكرخي ،
فإن أبا عبد الله الجرجاني حكى عن بعض أصحابه ، أنه حكي عنه أنه يحمل
فعله عليه السلام على أنه مخصوص به ، مثل نهية عن استقبال القبلة
وأخرجهما الترمذي في كتاب الطهارة ، باب ما جاء في مباشرة الحائض ( ١/
=
٢٣٩ ) .
وأخرجهما أبو داود في كتاب الطهارة ، باب في الرجل يصيب منها - أي
الحائض - ما دون الجماع ( ٦١/١ ).
وأخرجهما الدارمي في كتاب الطهارة ، باب مباشرة الحائض (١٩٤/١ ) .
وأخرج ابن ماجه حديث عائشة في كتاب الطهارة ، باب ما للرجل من امرأته
إذا كانت حائضاً ( ٢٠٨/١) .
وراجع في هذا أيضاً: ((تلخيص الحبير)) ( ١٦٧/١).
(١) هكذا عزاه الآمدي إلى أصحاب الشافعي في كتابه: ((الإحكام)) (٣٠٦/٢ -
٣٠٨) في فعل النبي صلى الله عليه وسلم. أما بالنسبة لتقريره وكونه يخصص ،
فقد نسبه للأكثرين ، خلافاً لطائفة شاذة .
ولكن رأيت ابن السبكي في كتابه: ((جمع الجوامع)) (٣١/٢) يذكر أن تخصيص
العموم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره جائز في الأصح . وكلامه هذا
يدل على أن هناك خلافاً بين الشافعية في هاتين المسألتين .
(٢) اشترط صاحب ((فواتح الرحموت)): (٣٥٤/١) لجواز التخصيص بالفعل
شرطين :
الأول : أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم داخلاً في العموم لغة ، بخلاف ما
لا يدخل فيه ، أو كان مشكو كاً في دخوله .
الثاني : أن يكون الفعل موصولاً بالعموم .
هذا بالنسبة للفعل ، أما التقرير فيجوز التخصيص به ، إذا توفر فيه الشرط الثاني .
٥٧٥

واستدبارها (١) ، وما روي من فعله بخلاف ذلك (٢) ، لا يجعله تخصيصاً.
(١) حديث النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة ، رواه أبو أيوب
الأنصاري رضي اللّه عنه مرفوعاً . أخرجه عنه البخاري في كتاب الوضوء ،
باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول ، إلا عند البناء جدار أو نحوه بلفظ : ( اذا
أتى أحدكم الغائط ، فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره ، شرقوا أو غربوا) ( ١/
٤٧ ) .
وأخرجه عنه مسلم في كتاب الطهارة ، باب الاستطابة (٢٢٤/١) .
وأخرجه عنه الإمام مالك في الموطأ في باب النهي عن استقبال القبلة والإنسان على
حاجته (٣٩٠/١ ) .
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة ، باب النهي عن استقبال القبلة بالغائط
والبول ( ١١٥/١ ).
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الطهارة ، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء
الحاجة ( ٣/١ ) .
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الطهارة ، باب النهي عن استقبال القبلة بغائط
أو بول (١٣/١).
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الطهارة ، باب النهي عن استدبار القبلة عند الحاجة
(١/ ٢٤ ) .
وأخرجه عنه الدارمى في كتاب الطهارة ، باب النهي عن استقبال القبلة بغائط
أو بول ( ١٣٥/١ ) .
وأخرجه عنه الدار قطنى في كتاب الطهارة، باب استقبال القبلة في الخلاء (٦٠/١).
وأخرجه الإمام الشافعي في كتاب الطهارة ، باب ما جاء في التخلي وآدابه ( ١/
٢٥) من ((بدائع المتن)).
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((تيسير الوصول)) (٢٩٨/٢) و ((تلخيص
الحبير)) (١٠٣/١).
(٢) حديث استدباره صلى اللّه عليه وسلم للقبلة ، رواه ابن عمر رضي الله عنه،
أخرجه عنه البخاري في كتاب الوضوء ، باب التبرز في البيوت ( ٤٨/١ ) ،
بلفظ : ( قال - أي ابن عمر - : ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي ،=
٥٧٦

دليلنا :
أن النبي ◌ُ الته وأمته في أحكام الشرع سواء ، إلا ما دل الدليل
على تخصيصه به ، ألا تراه إذا فعل شيئاً ابتداءً ، لا على وجه البيان
والتخصيص ، كنا نحن وهو فيه على السواء ، حتى يخصه دليل ، كذلك
هذا الفعل الوارد على وجه البيان والتخصيص ، يجب أن يتساويا فيه أيضاً .
= فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام).
وأخرجه عنه مسلم في كتاب الطهارة ، باب الاستطابة (٢٢٥/١ ) .
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الطهارة ، باب الرخصة في استقبال القبلة عند
قضاء الحاجة ( ٣/١ ).
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الطهارة باب ما جاء في الرخصة في ذلك - أي
في استقبال القبلة بالغائط أو البول - ( ١٦/١ ).
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الطهارة ، باب الرخصة في ذلك في البيوت ( ١/
٢٥ ) .
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة ، باب الرخصة في استقبال القبلة في
الكنيف ، وإباحته ، دون الصحارى ( ١١٦/١).
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الطهارة ، باب الرخصة في استقبال القبلة ( ١/
١٣٦ ) .
وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الطهارة ، باب استقبال القبلة في الخلاء ١/
٦١ ) .
وأخرجه عنه الإمام مالك في الموطأ في باب الرخصة في استقبال القبلة لبول أو
غائط (٣٩١/١ ) .
وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب الطهارة ، باب ما جاء في التخلي وآدابه
(٢٦/١) من ((بدائع المتن)).
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((تيسير الوصول)) (٢٩٨/٢)، و (( تلخيص
الحبير)) (١٠٤/١).
٥٧٧
العدة في أصول الفقه - ٣٧

واحتج المخالف :
بأنه يحتمل أن يكون مخصوصاً بهذا الفعل ، ويحتمل أن يكون هو
وغيره فيه سواء ، ولا يجوز تخصيص العموم بالشك .
والجواب : أن هذا يدخل عليه الفعل الوارد من جهته ابتداءً . وعلى
أنه ليس ها هنا شك، بل ها هنا ظاهر يدل على مساواتنا له في أفعاله.
فصل
ويجوز التخصيص بالإجماع (١) ؛ لأن الإجماع حجة مقطوع بها ،
فإذا جاز التخصيص بخبر الواحد والقياس ، كان بالإجماع أحق .
ويفارق هذا النسخ بالإجماع أنه لا يجوز ؛ لأن الإجماع إنما ينعقد بعد
وفاة النبي پاتلم ، وبعد وفاته انقطع النسخ ، فلا يصح أن ینسخ به ، وليس
كذلك التخصيص ؛ لأنه يقترن باللفظ دليل يخرج منه ما ليس مراداً ،
فإذا انعقد الإجماع على تخصيصه ، علم أنه خطاب عام أريد به الخاص ،
والنسخ بالإجماع على هذا يتصور ، فإن المسلمين إذا أجمعوا على ترك
خبر ، تبينا بالإجماع : أنه منسوخ ، لا أن (٢) الإجماع ينسخه .
فصل
ويجوز تخصيص العموم بدليل الخطاب (٣) ، سواء دل دليل هو مفهومه
(١) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (١٢٦)، و((روضة الناظر))، ص
(١٢٧)، و((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٠٧).
(٢) في الأصل : (لان ) .
(٣) راجع في هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (١٢٧)، و((روضة الناظر)) ص
(١٢٩)، و (( شرح الكوكب المنير)) ص (٢٠٦).
٥٧٨
١

:
وفحواه، وهو: التنبيه، نحو قوله تعالى: (فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفّ) (١)
فدل [ على ] المنع من (٢) الضرب ، فيقع به التخصيص.
أو كان في ضد النطق ، كقوله : ( في سائمة الغنم الزكاة ) دل على
أنه : لا زكاة في المعلوفة ، فيخص به العموم (٣) ؛ لأن الدليل خارج مخرج
النطق ، ومعناه معنى النطق في باب الاحتجاج به ، [ وقد ] ثبت جواز
التخصيص بالنطق ، كذلك بما هو جارٍ مجراه (٤) .
فصل
[٨٠/أ] يجوز تخصيص العموم بقول الصحابي إذا لم يظهر خلافه وكذلك
تفسير الآية المحتملة (٥) .
وهذا على الرواية التي تجعل قوله حجة ، مقدماً على القياس .
وقد نص على هذا في رواية صالح وأبي الحارث : في الآية إذا جاءت
تحتمل أن تكون عامة ، وتحتمل أن تكون خاصة ، نظرت ما عملت عليه
السنة ، فإن لم يكن فعن الصحابة ، وإن كانوا على قولين ، أخذ بأشبه
القولين بكتاب الله تعالى .
(١) (٢٣) سورة الاسراء.
(٢) في الأصل : (على ) .
(٣) في الأصل: ( المفهوم).
هكذا ذهب المؤلف إلى جواز تخصيص العموم بالمفهوم بما فيه مفهوم المخالفة ،
لكن نقل عنه في ((المسودة)) ص (١٢٧) القول بتقديم العموم على المفهوم ،
ومعنى ذلك : عدم جواز التخصيص .
.(٥) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (١٢٧)، و((روضة الناظر)) ص
(١٢٩)، و((القواعد والفوائد الأصولية)) لابن اللحام ص (٢٩٦).
٥٧٩

وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة (١) .
واختلف أصحاب الشافعي على القول القديم ، الذي يجعلون قوله
حجة ، فمنهم من خص به ، ومنهم من لم يخص (٢).
ودليلنا :
أن قول الصحابي أقوى من القياس ، بدليل أنه يترك له القياس ،
فيجب أن يخص به الظاهر ، كخبر الواحد .
ولأنه مقدم على القياس ، والقياس يخص ، فبأن يخص خبر الواحد أولى
وأحرى .
واحتج المخالف :
بأن الصحابي يترك مذهبه وقول نفسه للعموم ، ألا ترى أن ابن عمر
قال : كنا نخابر أربعين سنة ، ولا نرى به بأساً ، حتى أتانا رافع بن
خديج ، فأخبر أن النبي مَ لِ نهى عنه، فتركناها (٣) لقول رافع.
والجواب : أنه يترك قوله للنص ، فأما العموم فلا ؛ لأنه فيما ذهب
(١) راجع في هذا: ((مسلم الثبوت)) مع شرحه ((فواتح الرحموت)) (٣٥٥/١)،
و ((حاشية)) الشيخ بخيت المطيعي على ((نهاية السول)) (٤٨١/٢ - ٤٨٤).
(٢) لكن الأصح من مذهب الشافعية - كما يقول ابن السبكي في كتابه: (( جمع
الجوامع)) (٣٤/٢) -: عدم التخصيص. وصرح الآمدي في كتابه: ((الإحكام))
(٣٠٩/٢)، بأن مذهب الشافعي في القول الجديد هو عدم التخصيص . وقد
اختار ذلك الغزالي في كتابه: ((المستصفى)) (١١٢/٢).
(٣) هكذا في الأصل ، ولو أُنث الضمير في قوله : ( به بأساً) ، وفي قوله : (نهى
عنه ) ، لكان سليماً ، ولكنه ذكر الضمير في ذلك ، وأنثه هنا ، فكان الأولى أن
يعبر بقوله: (فتركناه) حتى تعود الضمائر إلى ((فعل المخابرة))، أو إلى (الخبر)،
كما جاء في بعض الروايات .
٥٨٠
1
: