النص المفهرس
صفحات 541-560
فالدلالة على أنه حقيقة في الباقي : ما روي أن فاطمة رضي الله عنها احتجت بقول الله تعالى: ( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَ دِكُم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) (١) فلم ينكر أحد احتجاجها بهذه الآية (٢) ، وإن كان قد خص منها : الولد الكافر ، والرقيق ، والقاتل ، وإنما خصوا منها ميراث النبي ◌ُ اللهِ بسنة خاصة (٣) . فدل على أن تخصيص العموم لا يمنع من الاحتجاج به فيما لم يخص منه . وكذلك روي عن عثمان وعلي رضي الله عنهما : أنهما قالا في الجمع بين الأختين بملك اليمين ، أحلتهما آية (٤)، وحرمتهما آية (٥) ، وكل واحدة من الآيتين دخلها التخصيص (٦) . (١) (١١) سورة النساء. (٢) سبق تخريج هذا الأثر عن فاطمة رضي الله عنها (ص٤٩٣). (٣) وذلك ما رواه أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : ( لا نورث ما تركناه صدقة ) متفق عليه ، وقد سبق تخريجه . (٤) يشير إلى قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُم مَا وَرَاءَ ذَلِكُم) الآية، كما ذهب إليه القرطبي في ((تفسيره)) (١١٧/٥)، وقال الجصاص: المراد قوله تعالى : ( وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) قال ذلك في كتابه : ((أحكام القرآن)) (٧٤/٣) . (٥) يشير إلى قوله تعالى: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُم ... ) إلى قوله: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ اْلْأُخْتَيْنِ ) الآية . (٦) هذا الأثر نسب إلى عثمان رضي الله عنه، وفيه لما سئل عن الجمع بين الأختين بملك اليمين قال: ((لا آمرك، ولا أنهاك، أحلتهما آية، وحرمتهما آية)). وقد روى الشعبي عن علي رضي الله عنه قوله: (( أحلتهما آية ، وحرمتهما آية ، والتحريم أولى)). كما روي عنه أنه لما سئل عن قوله: ((أحلتهما آية، وحرمتهما آية))، قال: ((كذبوا)). وهذا كما قال الجصاص: ( محمول على نفي المساواة في مقتضى الآيتين ) . وكون حرمتهما آية ، وأحلتهما آية: إنما هو في الظاهر، وإلا فلا يمكن بحال أن = ٥٤١ i وأيضاً فإن اللفظ فيما عدا الخصوص حقيقة ؛ لأن اسم المشركين يقع حقيقة على من بقي بعد التخصيص ، فوجب أن تكون دلالة اللفظ قائمة بعد التخصيص ، كهي قبل التخصيص . وقيل : بأن دلالة اللفظ سقطت فيما عارضه ، وهي فيما عداه باقية ؛ لأنه لا معارض فيه ، فجاز الاحتجاج به . ولا يلزم على هذا العلة إذا خصت ، أنه لا يجوز الاحتجاج بها ؛ لأنها إذا خصت كانت منتقضة ، ولم تكن علة ، كذلك الحكم ، وليس كذلك العموم ، فإنه اذا خص منه شيء كانت دلالته باقية ، فيما لم يخص منه لأنه إنما كان دليلاً في جميع ما تناوله الخبر ؛ لكونه قولاً لصاحب الشريعة ، لا معارض ، وهذا موجود فيما لم يخص منه . [٧٤/أ] وأيضاً : فان دلالة التخصيص بمنزلة الاستثناء المتصل بالجملة، فلما كان الاستثناء غير مانع من بقاء دلالة اللفظ فيما بقي ، وصارت الجملة مع الاستثناء عبارة عن الباقي بالاتفاق ، كذلك لفظ العموم ، يصير مع دلالة التخصيص عبارة عما عدا الخصوص . فإن قيل : إنما كان كذلك في الاستثناء ؛ لأن الاستثناء يصير مع الجملة عبارة عن الباقي ؛ لأن التسعة لها اسمان : أحدهما تسعة، والآخر عشرة إلا واحداً، فأيهما عبر عنهما، كان الاسم حقيقة فيها ، كما أنه لا فرق بين أن يقول : اثنان ، وبين أن يقول : واحد = يجتمع في محل واحد التحليل والتحريم . ويمكن أن يحمل عليه قول علي رضي اللّه عنه: ((كذبوا))، كما أشار إليه الجصاص. ونقل هذا الأثر عن ابن عباس رضي الله عنه . راجع في هذا: ((تفسير القرطبي)): (١١٧/٥)، و((أحكام القرآن)) للجصاص : (٧٤/٣ - ٧٥) . ٥٤٢ ! وواحد ، في أن الغبارتين تفيدان معنى واحداً ، وكذلك : دلالة التخصيص إذا كانت مقارنة ، ويفارق المنفصل ؛ لأنه لا يجعل كالمتصل ، كما لم يفعل ذلك في الاستثناء . قيل : وكذلك التخصيص المنفصل يصير مع الجملة عبارة عن الباقي ، كالتخصيص المتصل ، ولا فرق بينهما . واحتج المخالف : بأن اللفظ صار مستعملاً في غير ما وضع له ، فاحتاج إلى دليل يدل على أن المراد به بمنزلة المجمل الذي لا يدل على المراد بلفظه ، يحتاج إلى قرينة تفسره وتدل على المراد به . والجواب : أنا لا نسلم أنه يستعمل في غير ما وضع له ؛ لأن هذا اللفظ موضوع للعموم بمجرده ، وللخصوص بقرينة ، وهذا غير ممتنع في اللغة ، ألا ترى أنا أجمعنا : أنه موضوع بمجرده للعموم ، وللخصوص بقرينة متصلة به ، مثل الاستثناء ، وكذلك يقول القائل : خرج زيد ، فيكون إخباراً عن خروجه، ويضم إليه (( ما )) فيكون إخباراً عن ضده ، وتضيف إليه ألفاً ، فيكون استفهاماً ، وذلك حقيقة، كذلك في مسألتنا . فإن قيل : هذا يؤدي إلى أن لا يكون في اللغة مجاز ، ويقال : قولنا : ((بحر))، موضوع للماء الكثير بمجرده ، وللعالم أو الجواد بقرينة ، وكذلك : ((الأسد))، موضوع للبهيمة بمجرده، وللرجل الشديد بقرينة، و((الحمار)) موضوع للبهيمة بمجرده ، وللبليد بقرينة . قيل : إن لزمنا هذا في التخصيص ، لزمك في الاستثناء ، فإن المخالف يقول في الاستثناء ما نقوله نحن في التخصيص . وجواب آخر وهو : أن هذه المواضع أثبتناها مجازاً بالتوقيف من جهة أهل اللغة ، فليس في تخصيص العموم أنه مجاز توقيف ، ولا يشبه ٥٤٣ هذا المجمل ؛ لأن المجمل غير دال بلفظه على شيء ، والعموم دال على ما تناوله وإنما خرج بعضه بدليل أقوى منه ، وبقي الباقي على موجب اللفظ . ولا يشبه هذا استعمال اللفظ في الرجل الشجاع سبعاً ، والبليد حماراً ، أنه مجاز ؛ لأنه عدل باللفظ عما وضع له في أصل اللغة ، وها هنا لم يعدل باللفظ فيما بقي عما وضع له ؛ لأن اسم المشركين حقيقة [٧٤/ب] فيما بقي . مسألة (١) يجوز تخصيص العموم إلى أن يبقى واحد (٢). خلافاً لأبي بكر الرازي ، فيما حكاه الجرجاني عنه وأبي بكر القفال (١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (١١٦ - ١١٧)، و((روضة الناظر)) ص (١٢٥)، و (( شرح الكوكب المنير)) ص (١٨١). (٢) قال أبو البقاء الفتوحي: ((وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد وأصحابه ، ونقل عن ابن مفلح قوله: ((يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى واحد عند أصحابنا)). وقد اختاره ابن قدامة . وبهذا قال مالك فيما حكاه عنه القاضى عبد الوهاب . وبه قال بعض الشافعية ، واختاره منهم : أبو اسحاق الشيرازي . وهو مختار الحنفية . راجع في هذا: ((شرح الكوكب المنير)) ص (١٨١)، و((شرح تنقيح الفصول)) للقرافي ص (٢٢٤)، و ((شرح الجلال على جمع الجوامع)) (٣/٢)، و ((اللمع)) الشيرازي ص (١٧)، و ((فواتح الرحموت على مسلم الثبوت)) (٣٠٦/١)، و((روضة الناظر)) ص (١٢٥). ويلاحظ : أن القاضي هنا اختار القول بتخصيص العموم إلى أن يبقى واحد . ٥٤٤ 1 في قولهما : يجوز تخصيص لفظ الجمع ، إذا كان الباقي جمعاً في الحقيقة ، ولا يجوز النقصان منه إلا بما يجوز به النسخ (١) . دليلنا : أن ما جاز تخصيصه إلى الثلاثة ، جاز تخصيصه إلى ما دونها . أصله: ((من وما ))، وذلك أنه لو قال : من دخل الدار من بني تميم فاقتلوه إلا فلاناً وفلاناً ، حتى يبقى منهم واحد ، وكذلك : ما في الدار ولكن في ((المسودة)) ص (١١٧) نقل عنه قوله في ((الكفاية)): ( إنه لا يجوز = تخصيص جميع ألفاظ العموم إلا أن يبقى كثرة ، وإن لم يقدر إلا أن تستعمل في الواحد على سبيل التعظيم ) . وكذلك نسب أبو البقاء هذا الرأي إليه، وذلك في كتابه: (( شرح الكوكب المنير )) ص (١٨١) : (١) بقي بعض الآراء في المسألة لم يذكرها المؤلف ، وهي : يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى واحد ، إن لم يكن لفظ العام جمعاً . واختاره أ) عبد الوهاب بن السبكي في كتابه (( جمع الجوامع )) . ب) وقيل : يجوز إلى أقل الجمع . واختلف في أقل الجمع، فقيل : ثلاثة، وقيل: اثنان . جـ) وقيل : يجوز إلى أن يبقى قريب من مدلول اللفظ العام قبل التخصيص ، وبه قال ابن حمدان من الحنابلة . وقيل : يجوز تخصيصه إلى أن يبقى كثرة ، وإن لم تقدر ، وبه قال أبو يعلى د) في كتابه ((الكفاية)). هـ) وقيل : يجوز إلى أن يبقى أفراد العام بعد التخصيص غير محصورة . و) وقيل: يجوز تخصيصه إلى الأكثر. وفسر الأكثر بالزائد على النصف. راجع في هذا: ((شرح الكوكب المنير ص: (١٨١)، و ((المسودة)) ص (١١٧)، و ((شرح الجلال على جمع الجوامع)) (٣/٢). و((فواتح الرحموت على مسلم الثبوت)) (٣٠٦/١) . ٥٤٥ العدة في أصول الفقه - ٣٥ من عبيد أو دواب فهو لفلان إلا كذا وكذا ، حتى يبقى واحد . ولأن القرينة المتصلة بمنزلة المنفصلة ؛ لأن كلام صاحب الشريعة ، وإن تفرق فإنه يجب ضم بعضه إلى بعض ، وبناء بعضه على بعض ، فإذا كان كذلك وكان المتصل صحيحاً ما بقي من اللفظ شيء ، كذلك التخصيص . واحتج المخالف : بأن لفظ الجمع موضوع للثلاثة فصاعداً ، فإخراج اللفظ عن الثلاثة إخراج عن موضوعه وترك الحقيقة ، وهذا لا يجوز إلا بما يجوز به النسخ ، ويكون بمنزلة إسقاط حكم جميع اللفظ . والجواب : أنه يجوز عندنا ترك حقيقة اللفظ وصرفه إلى المجاز والاتساع بما يجوز التخصيص به ، ولا يكون بمنزلة النسخ ، وإنما يكون بمنزلة التخصيص ، ولهذا نقول في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) (١)، إن المراد به: موضع الصلاة (٢)، وتحمله على المجاز بضرب من الاستدلال . وعلى أنه إذا وجب بناء بعض كلامه على بعض ، وجب أن تكون (١) (٤٣) سورة النساء. (٢) هذا أحد الآراء ، وقد اختاره ابن عباس وابن مسعود . وبه قال الإمام الشافعي . ويكون الكلام على تقدير مضاف ، أي : لا تقربوا مواضع الصلاة . وذلك سائغ في لغة العرب. وقد جاء في القرآن الكريم، كقوله تعالى: (لَهُدَّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ) ، والمعنى : مواضع صلوات، التي هي المساجد . وذهب فريق ثانٍ إلى أن المراد بالآية : الصلاة نفسها . وذهب فريق ثالث إلى أن المراد بالآية : الصلاة وموضعها ، لما بينهما من الملازمة . راجع: (( تفسير القرطبي)) : (٢٠٢/٥)، و((تفسير الفخر الرازي)) ( ١٠ / ١٠٢ - ١٠٣ ) . ٥٤٦ القرينة المنفصلة بمنزلة المتصلة ، وتكون بمنزلة الاستثناء ، فلا يكون ذلك تركاً لموضوع اللفظ وحقيقته . فإن قيل : أليس من مذهبكم : أنه لا يجوز رفع الأكثر بالاستثناء وكذلك لا يجوز في التخصيص ؟ قيل : هذا لا يصح على أصل المخالف ؛ لأنه يجوز الاستثناء ما بقي من اللفظ شيء ، وأما على أصلنا فلا يعتبر أن يبقى لفظ الجمع ؛ لأنه لو قال: له علي عشرة إلا ستة، فقد (١) بقي لفظ الجمع وزيادة، ولا نجيزه، وإنما امتنع أن يرفع بالاستثناء الأكثر أن الاستثناء لغة ، وأهل اللغة منعوا من استثناء الأكثر. وسنبين ذلك في مسائل الاستثناء إن شاء الله تعالى (٢)، فأما في تخصيص العموم فلم يرد عنهم منع ذلك .. وجواب آخر وهو : أن التخصيص أوسع ؛ لأنه يصح منفصلاً ومتصلاً ، والاستثناء لا يكون إلا متصلاً ؛ ولأن التخصيص من جنس ما يرفع الجملة ، وهو النسخ ؛ لأن التخصيص هو تخصيص الأعيان ، والنسخ تخصيص الزمان ، وليس من جنس الاستثناء ما يرفع [٧٥/أ] الجملة . مسألة (٣) يجوز تخصيص العموم بدلالة العقل . نحو قوله تعالى: ( اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) (٤)، ومعلوم أنه لم (١) في الأصل (قد) . (٢) وذلك ص (٦٥٩ - ٦٨٣ ). (٣) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (١١٨ - ١١٩)، و((روضة الناظر)) ص (١٢٧)، و ((شرح الكوكب المنير)) ص (١٨٢ - ١٨٣). (٤) (٦٢) سورة الزمر . ٥٤٧ يخلق نفسه . وقوله : ( يَا أَيّهَا النَّاسُ) (١)، ولم يدخل تحته الصبيان والمجانين . وقد تكلم الإمام أحمد رحمه الله فيما خرجه في محبسه على قوله تعالى: ( وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأرْضِ) (٢) فقال: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة، ليس فيها من عظم الرب شيء، أحشاؤكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والوحش والأماكن القذرة ، وقد أخبرنا أنه في السماء، فقال تعالى: (أَأَمِنْتَمُ مَن فِي السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ)(٣). فقد عارض الظاهر بالعقل والشرع ، وهو قول أكثر أهل العلم . وقال قوم : لا يجوز ذلك (٤) . دليلنا : أنه يفضي بنا العلم ، كالكتاب والسنة المتواترة والإجماع ، فلما جاز تخصيص العموم بالكتاب والسنة والإجماع ، كذلك يجوز تخصيصه بدليل العقل . (١) (٢١) سورة البقرة . (٢) (٣) سورة الأنعام . (٣) (١٦) سورة الملك . (٤) ونسبه الآمدي في كتابه ((الإحكام)) (٢٦٧/٢) إلى طائفة شاذة من المتكلمين . ومما يجدر ذكره : أن الإمام الشافعي رحمه اللّه ، لم يسمه تخصيصاً ؛ لأن ما خصصه العقل لا يشمله حكم العام عنده . وعلى هذا فالخلاف بينه وبين الجمهور لفظي ؛ لأن ما خصصه العقل عند الجمهور ، لا يدخل تحت لفظ العام عند الشافعي حتى يحتاج إلى تخصيص . انظر: ((الرسالة)) ص (٣٣)، و((شرح الجلال على جمع الجوامع)) (٢٤/٢ - ٢٥ ) . ٥٤٨ : واحتج المخالف : بأنه لو جاز تخصيص العموم بالعقل ، لجاز نسخه بذلك ، كما أن الكتاب والسنة والإجماع لما جاز التخصيص بها ، جاز النسخ بها . والجواب : أن القياس يخصص به ، ولا ينسخ ، وكذلك الإجماع ، وعلى أن النسخ إنما لم يجز بالعقل ؛ لأن النسخ بيان مدة الحكم ، والعقل يجوز بقاء الحكم من غير زوال ، فلا يجوز أن يكون له تأثير في إزالة ما يجوز بقاؤه ، وليس كذلك التخصيص ؛ لأنه بيان مراد المخاطب ، وهذا المعنى يصح ثبوته بدليل العقل ، ألا ترى أن الله تعالى قال: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتّقُوا رَبَّكُم) (١)، وكان مخصوصاً في المكلفين، دون الأطفال والمجانين ، وكان خصوصه معلوماً بدليل العقل . وجواب آخر وهو : أن دليل العقل له تأثير فيما هو في معنى النسخ ، وإن لم يسمّ نسخاً ؛ لأن معنى النسخ هو المنع من أن يلزم في المستقبل، مثل ما كان لازماً فيما مضى من الوقت ، وهذا يثبت بدليل العقل ، ألا ترى أن دليل العقل يمنع من لزوم الفرض عند العجز عنه ، كما يمنع من ذلك دلالة السمع ، إلا أن ذلك لا يطلق عليه اسم النسخ ؛ لأن اسم النسخ يختص بما كان ثابتاً من جهة السمع دون العقل ، ألا ترى أن فرض التوجه إلى بيت المقدس ، لما كان ثابتاً من جهة السمع ، كان زواله نسخاً ؟ وأن إباحة شرب الخمر ، لما لم تكن ثابتة من جهة السمع ، لكن من جهة العقل ، لم يسم زوالها نسخاً ، فإذا كان كذلك ، وكان سقوط التكليف بدلالة العقل غير ثابت من جهة السمع ، لم يكن نسخاً ، ولم تجر عليه هذه التسمية، وإن كانت تجري عليه لو كان [٧٥/ب] متعلقاً بدلالة من جهة السمع . (١) (١) سورة النساء. ٥٤٩ واحتج بأن دلالة العقل مقدمة على العموم ، والتخصيص إنما يكون بما يقارب العموم أو يتأخر عنه . والجواب : أنه يجوز أن يتقدم دليل الخطاب على العموم ؛ لأن الدليل يجوز أن يتقدم عن مدلوله (١) ، ألا ترى أن الدليل قد دل على أن الله يثيب المؤمنين بالجنة ، ويعاقب الكفار بالنار ؟ وإن كان مدلول هذا الدليل متأخراً عن دليله ، كذلك لا ينكر أن يسبق دلالة التخصيص لفظ العموم . واحتج بأن التخصيص بمنزلة الاستثناء ، ثم لا يجوز أن يتقدم الاستثناء الجملة ، كذلك دليل التخصيص . والجواب : أن تقدم الاستثناء لا يفيد شيئاً ، ألا ترى أنه لو قال : (زيداً) لم يكن لهذا الكلام معنى ؟ وأما التخصيص فإن انفراده قد يكون مفيداً ، ألا ترى أنه لو قال : خطابي إنما يتناول العقلاء ، دون الأطفال والمجانين ، لكان هذا كلاماً مفيداً ، كذلك إذا تقدمت دلالة العقل على هذا المعنى ، ثم قال ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ) (٢) كان ذلك مخصوصاً بالعقلاء ، بدلالة العقل السابقة للخطاب ، وهكذا كل عموم هذه صفته، فإن دليل العقل يكون مخصصاً، لمنع كونه متقدماً عليه . مسألة (٣) يجوز تخصيص عموم الكتاب بأخبار الآحاد ، سواء كان العموم قد (١) في الأصل : (من أوله ) . (٢) (٢١) سورة البقرة. (٣) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (١١٩)، و((روضة الناظر)) ص ٥٥٠ i دخله التخصيص ، أو لم يدخله . نص على هذا رحمه الله في رواية عبد اللّه في الآية إذا كانت عامة ، ينظر ما جاءت به السنة ، فتكون السنة هي دليلاً على ظاهر الآية ، مثل قوله تعالى: ( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَ دِ كُم) (١) ، فلو كانت الآية على ظاهرها ، ورث كل من وقع عليه اسم ولد ، وإن كان يهودياً أو نصرانياً أو عبداً أو قاتلاً ، فلما جاءت السنة أنه لا يرث مسلم كافراً ، ولا كافر مسلماً ، ولا يرث قاتل ولا عبد، كانت هي دليلاً على ما أراد اللّه تعالى من ذلك، ونحو هذا قال في رواية [ أبي ] عبد الرحيم الجوز جاني . وهو قول أصحاب الشافعي . (٢) وقال أصحاب أبي حنيفة : إن كان العموم قد دخله التخصيص بالاتفاق (٣) جاز تخصيصه بخبر الواحد ، وإن لم يكن دخله التخصيص ، لم يجز تخصيصه بخبر الواحد (٤) . = (١٢٧ - ١٢٩)، و((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٠٥ - ٢٠٦). (١) (١١) سورة النساء. (٢) وهذا القول نسبه الآمدي في كتابه («الإحكام)) (٣٠١/٢) إلى الأئمة الأربعة رحمهم الله، واختاره. وحكاه عبد الوهاب بن السبكي في ((جمع الجوامع)) (٢٧/٢) عن الجمهور، واختاره. كما حكاه القرافي في كتابه (( شرح تنقيح الفصول)) ص (٢٠٨) عن المالكية والشافعي وأبي حنيفة . (٣) وهو الذي خص بمقطوع ، فإنه متفق على القول به . (٤) راجع في هذا: ((مسلم الثبوت)) مع شرحه ((فواتح الرحموت)) (٣٤٩/١) و ((أصول السرخسي)) (١٣٣/١، ١٤٢). == ٥٥١ وذهب بعض المتكلمين إلى أنه لا يجوز التخصيص بخبر الواحد في الجملة(١). فالدلالة على جوازه في الجملة : إجماع الصحابة ، روي عنهم : أنهم خصوا قوله تعالى : ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم) (٢)، بحديث أبي هريرة عن النبي صَ الِ: قال: ( لا تنكح المرأة على عمتها ، ولا على خالتها ) الخبر . وقبلوا ما روي عن النبي عْظ ◌ِلّهِ: ( لا يرث القاتل ) (٣) وخصوا به آية [٧٦/أ] المواريث. ونظائر ذلك يطول [ذكره]. وإذا انعقد إجماعهم على ذلك ، لم يجز مخالفته . فإن قيل: فقد رد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حديث فاطمة بنت قيس (٤) لما روت : أن النبي ◌َ افلم ( لم يجعل لها سكنى ولا نفقة)، وقال : = وقد رأيت الآمدي في كتابه: ((الإحكام)) (٣٠١/٢)، وابن السبكي في : ((جمع الجوامع)) (٢٧/٢ - ٢٨) ذكرا عن الكرخي قوله: ((إن خص العام بمنفصل جاز تخصيصه بخبر الواحد ، وإن لم يخص أو خص بمتصل فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد . (١) وهناك قول آخر ، وهو: التوقف ، وهو منسوب لأبي بكر الباقلاني . انظر المراجع الآنفة الذكر . (٢) (٢٤) سورة النساء. (٣) هذا الحديث أخرجه الإمام مالك في الموطأ عن عمر رضي الله عنه في كتاب العقول ، باب ما جاء في ميراث العقل والتغليظ فيه ص (٥٤٠) . وأخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في کتاب الدیات ، باب ديات الأعضاء ( ٤٩٦/٢ ) . وأخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب الفرائض ، باب ميراث القاتل (٩١٣/٢ ) . (٤) هي: فاطمة بنت قيس بن خالد الأكبر القرشية الفهرية. صحابية، من المهاجرات = ٥٥٢ لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة (١) . قيل : عمر لم يمتنع من قبول هذا الخبر ، لأنه يعارض الظاهر ، لكن لم يتقبله ؛ لأنه عارضه بغيره ، فاعتقد خطأ فاطمة وسهوها في الرواية ، يدل عليه ؛ أنه قال : لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة ، لعلها نسيت أو شبه لها ، سمعت رسول اللّه ◌ُ اللهٍ يقول: لها السكنى والنفقة (٢). الأول . ذات عقل وكمال . في بيتها اجتمع أهل الشورى عند قتل عمر بن الخطاب . == روى عنها جماعة منهم أبو سلمة والشعبي والنخعي . لها ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٩٠١/٤)، و((الإصابة)) (١٦٤/٨). (١) حديث عمر - رضي الله عنه - أخرجه عنه مسلم في كتاب الطلاق ، باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها ( ١١١٨/٢ ) . وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الطلاق ، باب ما جاء في المطلقة ثلاثاً لا سكنى لها ولا نفقة ( ٤٧٥/٣ ) . وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الطلاق ، باب من أنكر ذلك على فاطمة بنت قيس ( ٥٣٤/١ ) . وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الطلاق ، باب في المطلقة ثلاثاً لها السكنى والنفقة أم لا؟ (٨٧/٢). وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الطلاق والخلع ( ٢٥/٤) . وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) (٢٧٣/٣). (٢) حديث عمر - رضي الله عنه - رواه الشعبي، وقد حدث به في حضرة الأسود ابن يزيد ، فما كان من الأسود إلا أن أخذ كفاً من حصى ، فحصب به الشعبي ، وقال له : ( ويلك ، تحدث بمثل هذا ! قال عمر : لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى اللّه عليه وسلم لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت، أو نسيت ، لها السكنى والنفقة، قال الله عز وجل: ((لاَ تُخْرِ جُوهُنَّ مِنْ بُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ )). هذا لفظ مسلم في: ((صحيحه))، في كتاب الطلاق ، باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها ( ١١١٨/٢ - ١١٩ ). ٥٥٣ وأجاب عنه أحمد رحمه اللّه في رواية اسماعيل بن سعيد فقال : كان ذلك منه على [ وجه ] احتياط ، وقد كان يقبل من غير واحد قوله وحده . مع أن هذا الخبر مطرح الظاهر ؛ لأن السكنى مخصوصة في حق الصغيرة ، فإنه لا سكنى لها ، وخبر الواحد يخص به الظاهر المخصوص عند أبي حنيفة ، فعلم أن الخبر مطرح الظاهر . فإن قيل : فقد قبلوا خبر الواحد فيما يوجب النسخ ، بدلالة : أن أهل قباء قبلوا قول المخبر الواحد بتحويل القبلة ، فكان يجب أن يتبعوهم فيه ، كما اتبعوهم في التخصيص بخبر الواحد . قيل : هكذا نقول ، ونتبعهم في النسخ ، كما فعلنا في التخصيص . وقد نص أحمد رضي الله عنه على هذا في رواية الفضل بن زياد وأبي الحارث في خبر الواحد إذا كان إسناده صحيحاً : وجب العمل به ، ثم قال : أليس قصة القبلة حين حولت ، أتاهم الخبر ، وهم في الصلاة فتحولوا نحو الكعبة (١) ؟ وكذلك أخرجه الترمذي في كتاب الطلاق ، باب ما جاء في المطلقة ثلاثاً لا نفقة = لها ولا سكنى (٤٧٥/٣ - ٤٧٦)، وزاد فيه : ( وكان عمر يجعل لها السكنى والنفقة ) . راجع أيضاً : المنتقى من أحاديث الأحكام ص (٦٠٤)، ونصب الراية ( ٣/ ٢٧٣ ) . (١) هذه القصة رواها البراء بن عازب رضي الله عنه. أخرجها عنه البخاري في كتاب الصلاة ، باب التوجه نحو القبلة حيث كان (١٠٤/١ - ١٠٥) وأخرجها عنه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة كما أخرجه عن ابن عمر وأنس بن مالك رضي الله عنهما (٣٧٤/١ - ٣٧٥) . وأخرجها الترمذي عن البراء بن عازب في كتاب الصلاة ، باب ما جاء في ابتداء القبلة ( ١٦٩/٢ - ١٧٠ ). = ٥٥٤ وخبر الخمر أهراقوها(١)، ولم ينتظروا غيره . فقد أخذ بخبر الواحد . واحتج : بقصة أهل قباء ، وأن الصحابة أخذت بهذا الخبر ، وإن كان فيه نسخ . وأيضاً : فإن خبر الواحد يجب العمل به ، كما يجب بخبر التواتر ، ثم ثبت أنه يجوز التخصيص بخبر التواتر للعموم ، الذي دخله التخصيص والذي لم يدخله ، كذلك خبر الواحد . فإن قيل : خبر التواتر يوجب العلم كالعموم ، فلهذا جاز التخصيص به ، وليس كذلك خبر الواحد ، فإنه لا يوجب العلم . قيل : هذا المعنى لا يوجب الفرق بينهما في باب التخصيص ، كما لم يوجب الفرق بينهما في باب العمل ، ولأن خبر التواتر وإن أوجب العلم ، فليس له رتبة العموم ؛ لأن الكتاب ينفرد بأنه معجز ، وخبر التواتر ليس كذلك . ولأن خبر الواحد وإن لم يوجب العلم ، فإنه لا يرفع ما هو مقطوع به ؛ لأن المقطوع به هو صيغة العموم ، والخبر لا يرفعها وإنما يخص ما تناوله [٧٦/ب] من الحكم، وذلك غير مقطوع [به] ، بل يثبت بالتخصيص وأخرجها عنه النسائي في كتاب القبلة، باب استقبال القبلة (٤٧/٢ ). = وأخرجها عنه ابن ماجه في كتاب الصلاة ، باب القبلة (٣٢٢/١). وأخرجها الطيالسي في: ((مسنده))، في كتاب الصلاة ، باب وجوب استقبال القبلة ( ٨٥/١ ). وراجع في هذا الحديث أيضاً: (! نصب الراية)) (٣٠٥/١ - ٣٠٦). (١) هذا الخبر رواه أنس بن مالك رضي الله عنه. أخرجه عنه البخاري في كتاب الأشربة ، باب تحريم الخمر ، وهي من البسر والتمر ( ١٣٦/٧ ). وأخرجه مسلم في كتاب الأشربة ، باب تحريم الخمر ، وبيان أنها تكون من عصير العنب ومن التمر والبسر .. (١٥٧١/٣ ) . وأخرجه أبو داود في كتاب الأشربة ، باب في تحريم الخمر (٢٩٢/٢). وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) (٢٩٦/٤) : ٥٥٥ أنه لم يكن مراداً بالعموم. وهذا معنى قول أحمد رضي الله عنه : (( . 4 دليل على ما أراد الله تعالى من ذلك)). وجواب آخر ، وهو : أنه لا يمتنع أن لا يوجب العلم ، ويزيل ما يوجب العلم ، ألا ترى أن خبر الواحد مقبول فيما يقتضي العقل خلافه ، مثل تحريم الربا وشرب الخمر ، وما يجري لليقين ، وخبر الواحد لا يوجب إلا غلبة الظن . وكذلك لو قال النبي : إن هذه الدار ملك لفلان ، ثم قامت بعد ذلك بينةً على أن زيداً قد ملك الدار على فلان ، فإنا نزيل ملكه الثابت من جهة اليقين ، بالبينة التي لا توجب إلا غلبة الظن ، كذلك ها هنا . وأيضاً : فإن صيغة العموم معرضة للتخصيص ومحتملة له ، وخبر الواحد غير محتمل ، فجاز أن يقضي بغير المحتمل على المحتمل ، كالمجمل وتفسيره ، فإنه يقضي بتفسيره عليه ، كذلك ها هنا . وأيضاً : فإن خبر الواحد وإن لم يكن مقطوعاً به ، فإنه يثبت العمل به بأمر مقطوع به ، وكذلك شهادة الشاهدين لا يقطع الحاكم بها ، ولكن ثبتت بأمر مقطوع به ، وما ثبت عن أمر مقطوع به جرى مجراه في العمل ، ألا ترى أن النبي مع لتم لو قال : إذا زالت الشمس فصليا ركعتين ، وما أخبركم به فلان عني فهو شرعي ، فإن المقطوع به من قوله كالذي يخبر به عنه ، وإن لم يكن مقطوعاً به ، كذلك ها هنا . واحتج المخالف : بأن الكتاب مقطوع عليه ، وخبر الواحد محتمل ، فلا يخص المقطوع به بأمر محتمل . والجواب عنه : ما تقدم من أن هذا لم يمنع العمل ، ومن أن خبر التواتر ليس له رتبة الظاهر ، ومع هذا جاز تخصيصه به ، ومن أن هذا لا يمتنع - كما قلنا - في الأشياء التي ينتجها العقل ، تطرح بخبر الواحد ، ٥٥٦ أ 1 : وبقول الشاهد . ومن أن الصيغة مقطوع عليها ، ولسنا نرفعها ، وإنما نخص ما تناولته من الحكم ، وما تناولته (١) من الحكم لا يقطع به أنه مراد ، وإنما يخص ما كان محتملاً . وجواب آخر ، وهو : أن السنة ، وإن لم يكن مقطوعاً بها ، فإن حكمها ثبت بأمر مقطوع به . واحتج : بأن الكتاب أقوى من السنة ، بدليل أنهما لو تعارضا أسقطنا الخبر للكتاب (٢)، واذا كان أقوى منه ، لم يخص القوي بالضعيف . والجواب : أنا لا نسقط الكتاب بالسنة ، بل نستعمل كل واحد منهما ، ولا يمتنع أن يجمع بين القوي وما هو دونه ، ألا ترى أن خبر التواتر دون الكتاب ؛ لأنه وإن كان كل واحد منهما مقطوعاً به ، فإن الكتاب ينفرد بأنه معجز ، ومع هذا يخص بخبر التواتر . وعلى أن هذا يبطل بما ذكرنا . وفيما ذكرنا دلالة على أصحاب أبي حنيفة في فرقهم بين العموم المخصوص والذي لم يخص ، وذلك [٧٧/أ] أن العموم الذي لم يخص ، صيغته معرضة للتخصيص ومحتملة له ، وخبر الواحد غير محتمل ، فجاز أن يقضي به عليه ، كخبر التواتر ، وكالمجمل والمفسر . ولأن خبر الواحد وإن لم يكن مقطوعاً به ، فإنه قد يثبت العمل به بأمر مقطوع به ، وما ثبت عن أمر مقطوع جرى مجراه في العمل ، كخبر (١) في الأصل : ( تناوله) . (٢) وذلك إذا تكافئا في الدلالة ، بأن كان كل منهما مقطوعاً به أو مظنوناً ، أو كانت دلالة الكتاب مقطوعاً بها ، والسنة ظنية الدلالة . أما إذا كانت السنة قطعية والكتاب ظنياً ، فإنه يقدم السنة على الكتاب في هذه الحالة . وذلك إذا لم يمكن الجمع بينهما ، وهو ما أشار إليه المؤلف في جوابه . ٥٥٧ التواتر . وكما لو قال النبي عْ لِ : إذا زالت الشمس فصلوا ركعتين ، وما أخبركم به عني فلان فهو شرعي ، فإن المقطوع به من قوله كالذي يخبر به عنه وإن لم يكن مقطوعاً . ولأن ما جاز أن يزاد في تخصيص اللفظ به ، جاز أن يبتدأ تخصيصه ، قياساً على اللفظ الخاص . ولأنه لما جاز أن يزاد في تخصيصه به لخصوصه ومنافاته لبعض ما شمله اللفظ العام ، وهذا المعنى موجود في ابتداء التخصيص . واحتج المخالف : بأن العموم الذي لم يتفق على تخصيصه مقطوع فيما يتضمنه من المسميات ؛ لأن صاحب الشريعة لو قال بخصوصه لذكره مع لفظه ، ولو ذكره لنقل ، ويفارق هذا ما دخله التخصيص ؛ لأنه غير مقطوع على ما تضمنه من المسميات ؛ لأنه قد صار مجازاً فيما بقي ، على قول جماعة من أهل العلم ، وإذا كان مقطوعاً به ، لم يجز أن يعترض عليه بما ليس بمقطوع به ، كما لا يعترض عليه بالنسخ بخبر (١) الواحد . والجواب : أنا لا نسلم أنه مقطوع [ به ] فيما يتضمنه من المسميات؛ لأنه محتمل للعموم وللخصوص ، والخبر أخص منه ، فهو مبين له . وقولهم : لو كان مخصوصاً لذكره مع لفظه غير صحيح ؛ لأنه يجوز تأخير البيان عندنا . وأما نسخ الظاهر بخبر الواحد ، فإنما لم يجز ، لا لأجل أنه مقطوع عليه ، ألا ترى أنه لا يجوز نسخه بخبر التواتر على أصلنا . وعلى أنه ليس إذا لم ينسخ به لم يخصص به ، بدليل القياس مع خبر (١) في الأصل : ( غير ) . ٥٥٨ i الواحد يخصصه ولا ينسخه ، وكذلك قول الصحابي . وعلى أن هذا يلزم عليه ما ذكرناه على الطائفة الأولى من تلك الوجوه كلها . وجواب آخر . وهو : أن التخصيص إزالة بعض الحكم ، وجمع بين الدليلين ، وليس كذلك النسخ ، فإنه إزالة حكم جميع اللفظ وإسقاطه بخبر الواحد ، وهذا لا يجوز . ولأن النسخ ابتداءه والزيادة فيه سواء ، كذلك يجب أن تستوي الزيادة والابتداء . مسألة (١) يجوز تخصيص العموم بالقياس (٢) أومأ إليه الإمام أحمد رضي الله عنه في مواضع : فقال في رواية بكر بن محمد (٣) : إذا قذفها بعد الثلاث ، وله منها ولد ، يريد نفيه، يلاعن ، فقيل: أليس اللّه تعالى يقول: ( وَالّذِينَ (١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (١٢٠ - ١٢٢)، و((روضة الناظر)) ص (١٣٠)، و ((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٠٩). (٢) ينبغي تحرير محل النزاع هنا ، فالقياس إذا كان قطعياً ، فإنه يجوز التخصيص به بلا خلاف . راجع في هذا: ((نهاية السول)) (٤٦٣/٢)، و((حاشية البناني)) (٢٩/٢). وعليه فالخلاف الذي ذكره المؤلف إنما هو في القياس الظني . (٣) هو : بكر بن محمد ، أبو أحمد ، النسائي الأصل ، البغدادي النشأة . من أصحاب الإمام أحمد المقربين إليه ، الذين نقلوا عنه كثيراً من المسائل. له ترجمة في: ((طبقات الحنابلة)) ( ١١٩/١). ٥٥٩ ---- يَرْمُونَ أَزْواجَهُم) (١)، وهذه ليست بزوجة ؟ فاحتج : بأن الرجل يطلق ثلاثاً ، وهو مريض فترثه ؛ لأنه فارّ من الميراث ، وهذا فارّ من الولد (٢). فقد عارض الظاهر بضرب من القياس (٣) . وكذلك قال - في رواية الأثرم في المرأة : تنفي بغير [٧٧/ب] محرم، فقيل له: فالنبي عَ له يقول: ( لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ) (٤)، فقال : هذا أمر قد لزمها ، يُسَافَر [ بها ] (٥) ، فهم يقولون : لو وجب عليها حق ، والقاضي على أيام رفعت إلى القاضي ، ولو أصابت حداً في البادية ، جيء بها ، حتى يقام عليها . (١) (٦) سورة النور . (٢) ذكرت هذه الرواية في ((المسودة)) ص (١٢٠ - ١٢١). ومسألة : اللعان للزوجة المبتوتة ، فصل القول فيها : الموفق ابن قدامة في كتابه ((المغني)) (١٢/٧ - ١٣). (٣) وجه استدلال المؤلف هذا، تعقب في ((المسودة)) ص (١٢١)، بأنه : ليس من قبيل تخصيص العموم بالقياس ، بل من قبيل معارضة ظاهر المفهوم بالقياس ؛ لأن تخصيص الحكم بالأزواج يقتضي نفيه عمن سواهم . (٤) هذا الحديث رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما . أخرجه عنه البخاري في كتاب الحج ، باب حج النساء ( ٢٣/٣ ). وأخرجه عنه مسلم في صحيحه في كتاب الحج ، باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره ( ٩٧٨/٢ ) . وأخرجه عنه أبو داود في كتاب المناسك ، باب المرأة تحج بغير محرم ( ٤٠١/١ ). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب المناسك ، باب المرأة تحج بغير ولي (٩٦٨/٢ ). راجع في هذا الحديث أيضاً: ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) (٣٩٨/٦)، و ((بلوغ المرام)) ص (٨٥)، و (( المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٣٦٦)، و ((نصب الراية)) (١١/٣ ). (٥) الزيادة من ((المسودة)) ص (١٢١). ٥٦٠ ١