النص المفهرس

صفحات 521-540

كألفاظ الجمع (١).
واحتج المخالف :
بأن اللام للتعريف عندهم ، فإذا قال : دخلت السوق فرأيت رجلاً ،
ثم عدت إلى السوق فرأيت الرجل ، كان تعريفاً لما تقدم ذكره ، ولهذا قال
اللّه تعالى: ( كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَونُ
الرَّسُولَ ) (٢).
ويدل عليه [٧١/أ] قول ابن عباس في قوله تعالى: (فَإنَّ مَعَ الْعُسْرِ
يُسْرَا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرَأ) (٣) لن يغلب عسر يسرين (٤) . فجعل
العسر الثاني هو الأول ، لما كان معرفاً (٥) بالألف واللام ، وليس الثاني
(١) ذكر أبو الحسين البصري في كتابه ((المعتمد في أصول الفقه)) (٢٤٤/١ - ٢٤٥)
جوابين عن وجه الاستدلال بهذه الآية هما :
أ - (الاستثناء في هذه الآية جار مجرى الاستثناء من غير الجنس لأنه غير مطرد،
ولو كان حقيقة لاطرد .
ب - أو أن تكون الخسارة لما لزمت جميع الناس إلا المؤمنين ، جاز هذا
الاستثناء ) .
(٢) (١٦) سورة المزمل.
(٣) (٥ - ٦) سورة الانشراح.
(٤) هذا الأثر أخرجه الإمام مالك في كتابه ((الموطأ)) في كتاب الجهاد ، باب الترغيب
في الجهاد (٩/٣) مطبوع مع شرح الزرقاني ، أخرجه موقوفاً على عمر
ابن الخطاب رضي الله عنه .
كما روي مرسلاً من طريق الحسن قال : ( خرج النبي صلى اللّه عليه وسلم يوماً
مسروراً فرحاً، وهو يضحك ويقول : (( لن يغلب عسر يسرين ، لن يغلب عسر
يسرين ، فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً))).
انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٥٢٥/٤)، و ((تفسير القاسمي)) (٦١٩٢/١٧).
(٥) في الأصل : ( معروفاً ) .
٥٢١
L

عين الأول ، لما كان منكراً ، فوجب أن يكون تعريفاً لما اقتضاه الاسم ،
وهو واحد من الجنس ، ولا يكون تعريفاً للجنس ؛ لأن الاسم لا يصلح
له ، إذا لم يكن فيه الألف واللام ، فلا يقتضيه ، فكان تعريفاً لمقتضاه .
والجواب : عن قولهم : إنه تعريف لما يقتضيه الاسم ، فهو منتقض
باسم الجمع ، فإنه إذا كان معرفاً كان للجنس ، وإذا كان منكراً ، كان
لبعض الجنس .
ولأن المنكر لا يصلح إلا للواحد ، والمعرف يصلح للجنس ، كما
قال تعالى: ( إنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ(١))، وقال: (قُتِلَ الإنْسَانُ
مَا أَكْفَرَهُ)(٢)، [وقال]: ( يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إلَى
رَبَّكَ كَدْحاً) (٣)، و[قولهم ] : أهلك الناس الدرهم والدينار ، فدل
على الفرق بينهما .
وأما قوله: ((دخلت السوق فرأيت رجلاً ، ثم عدت إلى السوق
فرأيت الرجلَ))، فهو أنه ها هنا رجع إلى المذكور قبله ؛ لأن التعريف
إذا تقدمته نكرة ، كان الظاهر أنه راجع إليه ، وتعريف له ، وليس
كذلك إذا لم يتقدمه نكرة ، فإنه ليس في الكلام ما يوجب تخصيصه ،
فوجب حمله على تعريف الجنس (٤) .
(١) (٢) سورة العصر.
(٢) (١٧) سورة عبس .
(٣) (٦) سورة الانشقاق .
(٤) رأيت أبا الحسين البصري ساق لهم دليلين في كتابه ((المعتمد)) (٢٤٤/١) هما
- في رأيي - أبرز ما استدل به المانعون :
الأول : أنه لا يصح تأكيده بكل وجميع ، كلفظ ( من ) من ألفاظ العموم فلا =
٥٢٢
:

فصل (١)
ألفاظ الجموع: كالمشركين ، والمسلمين ، والقائلين ، إذا لم يدخلها
الألف واللام ، فقيل : مشركون ، ومسلمون ، وقائلون ، لم يحمل على
العموم ، ولم يكن للجنس ، ويحمل على أقل الجمع ، كما قال أصحاب
الخصوص والعموم .
وقد أشار أحمد رحمه اللّه إلى هذا في رواية أبي طالب ، إذا قال :
ما أحله اللّه عليَّ حرام ، يعني به الطلاق ، أجاب: إنه (٢) يكون ثلاثاً ،
وإذا قال : أعني به طلاقاً ، فهذه واحدة ، لأن طلاقاً غير الطلاق .
فقد فرق بين دخول الألف واللام على الطلاق في أنه يقتضي الجنس ،
وبين حذفها في أنه لا يقتضي جنسه .
واختلف أصحاب الشافعي : فمنهم من قال : مثل قولنا ، ومنهم
من حمله على العموم واستغراق الجنس .
وحكي ذلك عن الجبائي (٣).
وقد أشار إليه الإمام أحمد في رواية صالح وقد سأله رضي الله عنه :
يصح أن تقول : جاءني الرجل كلهم ، ولا أجمعون ، ولو كان يقتضي العموم
=
لصح توكيده بذلك .
الثاني : أنه يقبح الاستثناء منه نحو قولك: رأيت الإنسان إلا المؤمنين ، ولو كان
يقتضي العموم لحسن ذلك .
(١) راجع في هذا الفصل: ((المسودة)) ص (١٠٦)، و(( شرح الكوكب المنير)) ص
(٣٥٧) من الملحق .
(٢) في الأصل : ( إن ).
(٣) هو : محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران الجبائي ، أبو علي .
المتكلم، الأصولي ، من كبار المعتزلة . له مناظرات مع أبي الحسن الأشعري . =
٥٢٣

عن لبس الحرير، فقال، لا، إنما هو للإناث، يروى عن النبي معَ له في
الحرير والذهب : ( هذان حرامان على ذكور أمتي ) (١) .
فقد حمل قوله : ( ذكور أمتي ) على العموم في الصغيرة والكبيرة
وإن كان جمعاً ليس فيه الألف واللام .
وجه الأول :
أن أهل اللغة سموا هذه الألفاظ عند حذف الألف واللام منها نكرة ،
=
ولد سنة ( ٢٣٥ هـ)، ومات سنة (٣٠٣ هـ).
له ترجمة في: ((شذرات الذهب)) (٢٤١/٢)، و((طبقات المعتزلة)) ص (٢٨٧ -
٢٩٦)، و((لسان الميزان)) (٢٧١/٥)، و((مفتاح السعادة)) (١٦٥/٢)،
و ((وفيات الأعيان)) (٤٨٠/١).
(١) هذا الحديث رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه عنه أبو
داود في كتاب اللباس ، باب في الحرير للنساء بلفظ: ( إن النبي صلى الله عليه
وسلم أخذ حريراً، فجعله في يمينه ، وأخذ ذهباً ، فجعله في شماله ثم قال: ((إن
هذين حرام على ذكور أمتي))) (٣٧٣/٢).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب اللباس ، باب لبس الحرير والذهب للنساء ( ٢/
١١٨٩) ، وزاد فيه : (حل لإناثهم ) .
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الزينة ، باب تحريم الذهب على الرجال (١٣٨/٨).
وأخرجه عنه الطحاوي في كتابه (( شرح معاني الآثار)) ، في كتاب الكراهية باب
لبس الحرير ، بمثل رواية أبي داود . وبمثل رواية الإمام أحمد التي ذكرها
المؤلف ، إلا أنه زاد فيها: (وحل لإناثها)، (٢٥٠/٤ - ٢٥١).
وأخرجه ابن حبان عنه في صحيحه، كما نقل ذلك الزيلعي في ((نصب الراية))
في كتاب الكراهية ، فصل في اللباس (٢٢٢/٤ - ٢٢٣).
وأخرجه أبو داود الطيالسي في ((مسنده )) عن ابن عمر رضي الله عنهما، وذلك
في كتاب اللباس والزينة ، باب ما جاء في تحريم لبس الذهب والحرير على الرجال
دون النساء ( ٣٥٥/١ ) .
٥٢٤

فلو كانت متناولة لجميع الجنس ، لما كانت نكرة ، بل كانت معرفة ؛
لأن جميع الجنس معرف ، ألا ترى أنه إذا دخلها الألف واللام لم تكن
نكرة بل تكون معرفة ؛ لأنه يصح تأكيدها بلفظة ((ما)) الدالة [٧١/ب]
[على] الخصوص فتقول: أقتل مشركين ما، ورأيت رجالاً [ما]، وهذه
اللفظة لا يصح دخولها على لفظ العموم ، فإنه لا يصح أن تقول : أقتل
المشركين [ ما ]، ولا رأيت الرجال ما .
واحتج المخالف :
بأنه لما صح دخول الاستثناء عليه ، فخرج بعضه ، ثبت أنه من ألفاظ
العموم ، كالجمع المعرف .
والجواب : أن الاستثناء يخرج البعض من الكل ، ويخرج البعض من
البعض ، فها هنا يخرج البعض من البعض ، الذي هو أقل الجمع .
مسألة (١)
إذا ورد لفظ العموم الدالّ بمجرده على استغراق الجنس، فهل يجب
العمل بموجبه واعتقاد عمومه في الحال قبل البحث عن دليل يخصه أم لا ؟ .
فيه روايتان :
إحداهما يجب العمل بموجبه (٢) في الحال (٣) ، وهذا ظاهر كلام
(١) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (١١٠ - ١١١)، و((روضة الناظر))
ص (١٢٦) .
(٢) في الأصل : ( بموجبها ) .
(٣) واختار هذه الرواية من الحنابلة : ابن عقيل وأبو بكر عبد العزيز والحلواني وابن
قدامة .
راجع: ((المسودة)) ص (١٠٩)، و((روضة الناظر)) ص (١٢٦) .
٥٢٥

أحمد رحمه الله في رواية عبد الله لما سأله عن الآية إذا كانت عامة مثل :
( السّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا ) (١)، وذكر له قوماً يقولون: لو لم
يجيء فيها بيان عن النبي عِ المِ توقفنا (٢)، فقال: قوله: ( يُوصِيكُمُ
اللّهُ فِي أَوْلاَ دِكُمْ) (٣)، كنا نقف عند ذكر الولد [ لا نورثه ] (٤)
حتى ينزل الله، أن لا يرث قاتل ولا عبد (٥) .
وظاهر هذا : الحكم به في الحال من غير توقف .
وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا ، ذكر (٦) في أول كتاب التنبيه
فقال : وإذا ورد الخطاب من الله تعالى أو من الرسول بحكم عام أو
خاص ، حكم بوروده على عمومه ، حتى ترد الدلالة على تخصيصه أو
تخصيص بعضه .
وفيه رواية أخرى : لا يحمل على العموم في الحال ، حتى يتطلب دليل
التخصيص ، فإن وجد ، حمل اللفظ على الخصوص ، وإن لم يوجد حمل
حينئذ على العموم (٧) .
وهذا ظاهر كلام أحمد رحمه الله في رواية ابنه صالح وأبي الحارث
وغيرهما ، فقال في رواية صالح ، إذا كان للآية ظاهر ، ينظر ما عملت
السنة ، فهو دليل على ظاهرها ، ومنه قوله تعالى: ( يُوصِيكُمُ اللّهُ
(١) (٣٨) سورة المائدة.
(٢) في ((المسودة)) ص (٩٠) زيادة في الرواية هي ( .. توقفنا عنده ، فلم نقطع حتى
يبين الله لنا فيها أو يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فقال ... ).
(٣) (١١) سورة النساء .
(٤) غير موجودة في الأصل، والمقام يقتضيها، وهي ثابتة في ((المسودة)) ص (٩٠).
(٥) في المسودة ص (٩٠): (أن القاتل لا يرث ولا عبد ولا مشرك).
(٦) هكذا في الأصل، ولعل الصواب : ( ذكره).
(٧) وقد اختار هذه الرواية من الحنابلة : أبو الخطاب .
انظر: ((المسودة)) ص (١٠٩)، و((روضة الناظر)) ص (١٢٦).
٥٢٦

فِي أَوْلاَ دِكُم ) (١) ، فلو كانت على ظاهرها لزم من قال بالظاهر أن
يورث كل من وقع عليه اسم ولد ، وإن كان قاتلاً [ أ] ويهودياً .
وقال أيضاً فيما كتب به إلى [ أبي ] (٢) عبد الرحيم الجوزجاني (٣):
فأما من تأوله على ظاهر [٥] (٤) - يعني القرآن - بلا دلالة من رسول
اللّه ، ولا أحد من أصحابه ، فهو تأويل أهل البدع ؛ لأن الآية قد تكون
خاصة ، ويكون حكمها حكماً عاماً ، ويكون ظاهرها في العموم ، وإنما
قصدت لشيء بعينه ، ورسول اللّه عَ لِ المعبر عن كتاب الله تعالى وما
أراد ، وأصحابه أعلم بذلك منا، لمشاهدتهم الأمر ، وما أريد بذلك .
وظاهر هذا : أنه لا يجب اعتقاده ، ولا العمل به في الحال ، حتى
يبحث وينظر ، هل هناك دليل تخصيص (٥) ؟
واختلف أصحاب الشافعي : فذهب الأكثر منهم إلى التوقف فيه حتى
ينظر .
وذهب بعضهم إلى [٧٢/أ] العمل به في الحال .
واختلف أصحاب أبي حنيفة : فحكى أبو عبد اللّه الجرجاني في
(١) (١١) سورة النساء.
(٢) ((الزيادة)) من ((المسودة)) ص (١٧٩)، عندما نقل كلام المؤلف.
(٣) هو: محمد بن أحمد بن الجراح ، أبو عبد الرحيم الجوزجاني ، والجوزجاني :
نسبة إلى مدينة بخراسان مما يلي ((بلخ))، يقال لها: ((جوزجانان)) والجوزجاني
هذا : أحد أصحاب الإمام أحمد ، وممن نقلوا عنه . كان ثقة جليل القدر .
انظر: ((طبقات الحنابلة)) (٢٦٢/١)، و ((اللباب في تهذيب الانساب)) (١/
٣٠٨ ) .
(٤) الزيادة هذه من المسودة ص (١١٢)، وهي زيادة يقتضيها المقام.
(٥) من أول المسألة إلى هنا منقول بنصه في ((المسودة)) ص (١١٠ - ١١٢).
٥٢٧

كتابه : أن السامع متى سمعه من رسول اللّه مَ اقلٍ على طريق تعليم الحكم ،
فالواجب اعتقاد عمومه . وإن سمعه من غيره لزمه التثبت وطلب ما يقتضي
تخصيصه ، فإن فقده حمل اللفظ على مقتضاه في العموم .
وحكى أبو سفيان في مسائله : وجوب اعتقاد عمومه من غير توقف ،
على الاطلاق من غير تفصيل ، فقال في أثناء الكلام في مسألة العموم :
ما تقولون في عموم اللفظ إذا ورد ابتداء هل ترجعون عند سماعه إلى
الأصول في طلب دلالة التخصيص ، أو تحملوا به على الاستغراق ؟ فقال :
تحمله على عمومه ، ولو كان خصوصاً لم يخله الله من بيان عند وروده من
غير توقف .
فالدلالة على أنه يجب العمل من غير توقف : أن صيغة العموم إذا
وردت متجردة عن قرينة ظاهرة ، كانت حقيقة في الجنس كله ، ووجب
المصير إليه قبل البحث كما قلنا في اسماء الحقائق من الأعداد وغيرها ، متى
وردت وجب المصير إلى موجبها ، ولا يجب التوقف على ما يدل على
مجازها ، كذلك ها هنا .
فإن قيل : لا نسلم أنها متجردة عن القرينة ؛ لأن التجرد ما ثبت ،
وهذا كما يقول : إذا شهد عند الحاكم شاهدان ، لا يعرف حالهما ، فإنه
لا يحكم قبل السؤال عنهما ، كذلك ها هنا .
قيل : الأصل عدم القرينة ، فوجب الاعتماد على ذلك الأصل ؛
لأن هذا هو الظاهر ، وجرى هذا مجرى شاهدين شهدا بحق ، فإن الحاكم
يحكم بشهادتهما ، وإن جاز أن يكون قد حصل هناك إبراء من ذلك الحق ،
أو قضاء للحق وهما لا يعلمان به ؛ لأن الظاهر عدم ذلك .
وأما عدالة الشهود : فإن الظاهر يقتضي عدالتهما ؛ لأن الأصل
العدالة ، ولكن لم يقتصر في الشهادة على الظاهر ، ألا ترى أن الظاهر صدق
الشاهد الواحد ، ولكن اعتبر فيه العدد ، كذلك الظاهر العدالة ، لكن
٥٢٨
۔۔.
م

اعتبر زيادة معنى ، وهو الحث ، ويفارق هذا ألفاظ صاحب الشريعة ؛
لأن الاعتبار فيها بالظاهرة ، ألا ترى أنه يقبل خبر الواحد ، ولا يبحث عن
عدالته في الباطن .
فإن قيل : لا نسلم لكم أسماء الحقائق ، بل نقول : يقف على الطلب ،
فإذا لم يجد ما يدل على المجاز صار إليه .
قيل : إن لم نسلم الأصل فالاستدلال قائم بنفسه ، وهو : أن اللفظ قد
تجرد عن قرينة ظاهرة ؛ لأن الأصل عدمها .
فإن قيل : فإن سلمنا لكم ذلك ، ما الفرق بينهما ؟ إن في العدول عنها
ترك الحقيقة ، وليس في تخصيص العموم ترك الحقيقة .
قيل : فيه ترك حقيقة اللفظ ؛ لأنه موضوع للاستغراق، [٧٢/ب] فلا
فرق بينهما .
وطريقة أخرى ، وهي (١) : أن هذه الصيغة ترد في عموم الأزمان ،
كما ترد في عموم الأعيان ، ثم ثبت أن ما ورد عاماً في الأزمان لزم العمل
بعمومه قبل البحث عن دليل الخصوص ، كذلك ما ورد عاماً في الأعيان .
فإن قيل : الفرق بينهما : أن ما يخص الزمان نسخ ، والنسخ يرد بعد
ورود الصيغة ، ولا يصح أن يرد معها ولا قبلها ، فلهذا ألزم العمل
بموجبها ، وليس كذلك تخصيص العموم ؛ لأن ما يخصه يرد معه أو قبله ،
فلهذا لم يعتقد وجوبه قبل البحث .
قيل : وقد يرد بعده ؛ لأن تأخير البيان جائز ، فإذا لم تكن هناك قرينة
ظاهرة ، فالأصل عدمها .
وجواب آخر وهو : أن هذا يوجب أن يقول : إذا سمع العموم من
٠٠
(١) في الأصل: ( وهو ) .
٥٢٩
العدة في أصول الفقه - ٣٤

غير النبي ع التم أن لا يلزمه العمل بعمومه في الأزمان ؛ لأنه يجوز أن يكون
النسخ معه ، ولكن الراوي لم يعرفه ، ومع هذا فإنه يجب اعتقاده في العموم
في الأزمان في الحالين ، فبطل ما قاله .
ولأن من قال بهذا يلحق بأصحاب الوقف ؛ لأنه لا يحكم حتى ينظر
دليل التخصيص ، كما يفعل أصحاب الوقف .
فإن قيل : [ إن ] احتاج العبد إلى استعماله، فله أن يحمله على
الاستغراق ، دون بيان زائد ، وعندهم : لا يجوز .
قيل : إذا حمله على الاستغراق ، قبل أن ينظر دليل التخصيص ،
كان رجوعاً عن المسألة .
والقائل الأول يجيب عن هذا : بأن أهل الوقف يقفون فيه بعد البحث ،
حتى يرد لفظ صريح ، أنه أراد العموم .
وقد ذكربعض من نصر هذه الطريقة أشياء أُخر ، لا تلزم المخالف .
منها : أن الأصول غير محصورة ، فلا يمكن المجتهد أن ينظر في
جميعها ، وإنما ينظر في بعضها ، ويجوز أن يكون قد بقي شيء لم يبلغه
نظره ، ويكون ذلك الباقي فيه ما يدل على التخصيص ، فيفضي إلى الوقف
في العموم أبداً، ويدخل في وقف الأشعري ، وهذا لا يلزم المخالف ؛
لأن الحاكم إذا توقف عن الحكم بشهادة الشاهدين حتى يسأل عنهما ،
وجب أن يتوقف أبداً ، كذلك ها هنا .
ولأنه لا يمتنع أن يكون النظر الأول مستحقاً دون التكرار ، ألا ترى
أن الحاكم إذا نزلت به نازلة ليس فيها نص ولا إجماع ، وجب أن
يجتهد ، وينظر فما غلب على ظنه حكم به ، ولا يجب أن يكرر النظر،
كذلك ها هنا .
ولا يفضي ذلك إلى مقالة الأشعرية ؛ لأن هذا القائل يقول : إذا لم
٥٣٠

يجد في الأصول ما يخصه ، حمله على عمومه ، والأشعرية لا تقول ذلك ،
وتتوقف حتى يدل الدليل على أحدهما دون الآخر .
وذكر أيضاً : أن السامع للعموم لا يمكنه أن يخلو من الاعتقاد ، فإما
أن يعتقد عمومه أو خصوصه ، ولا يجوز أن يعتقد الخصوص ، فوجب
اعتقاد العموم .
وهذا لا يلزمه [٧٣/أ] أيضاً؛ لأن هذا القائل يقول : يعتقد عمومه
ان تجرد عما يخصه، فلا يقطع باعتقاد العموم، والمعتمد لنصرة هذا القول:
ما ذكرناه .
واحتج من قال بالوقف (١):
بأن الدلالة على العموم وجود الصيغة المتجردة عن دليل التخصيص ،
والتجرد لم يثبت لجواز أن يكون في الأصول لفظ أو معنى يوجب
التخصيص ، فوجب الوقف .
(١) لم يقل أحد بالوقف في العصور الثلاثة الأولى، وإنما قال بذلك قوم جاءوا بعد ذلك.
وهذا رأي ، يؤدي الأخذ به إلى تعطيل النصوص العامة ، وترك العمل بها .
على أن هناك كثيراً من القضايا استدل الصحابة على حكمها بالعام ، وما توقفوا،
ولا رد أحدهم دليل مخالفة بمثل هذا .
والعجب أن حجة الإسلام الغزالي، والآمدي، وابن الحاجب - رحمهم الله تعالى-
حكوا الاجماع على التوقف ، والمنع من الاستدلال بالعام ، حتى يبحث عن
المخصص .
وحكاية الإجماع هذه مردودة بما هو مسطور في كتب أصول الفقه التي تحكي
الخلاف الكبير في المسألة .
راجع : أصول السرخسي (١٣٢/١)، وفواتح الرحموت مع مسلم الثبوت
(٢٦٧/١)، ونهاية السول (٤٠٣/٢)، وفواتح الرحموت (٢٦٧/١).
٥٣١
i

والجواب : أنا قد بينا أن الأصل عدم القرينة ، وأن الظاهر تجرده ،
ولأن هذا يلزم عليه الأعداد وغيرها من أسماء الحقائق ، ويلزم عليه
الزمان ؛ فإن هذا الاحتمال موجود فيه من الوجه الذي ذكرنا ، ومع هذا
يجب العمل بعمومه ، فبطل هذا .
واحتج : بأن من سمع قول الله: (اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (١)،
لا يخلو إما أن يقول : يلزمه أن يعتقد عمومه ، فأمره باعتقاد خلق القرآن
وهذا اعتقاد باطل ، وإن قال : أنظرُ في الدلالة ، فقد ترك قوله .
والجواب : أن هذا الظاهر مع قرينة ظاهرة من جهة العقل ، يمتنع
اعتقاد عمومه في خلق القرآن وصفات اللّه تعالى ، فلهذا لم يجز حمله على
عمومه ، وخلافنا في عموم خلا عن دلالة ظاهرة عقلاً أو شرعاً .
وأما أصحاب أبي حنيفة (٢) ، فإنهم اعتمدوا في الفرق بين أن يسمعه
من رسول الله عز لته ، أو غيره ، فإنه يجوز أن يكون في أدلة الشرع ما
يمنع العموم، فلهذا يوقف حتى ينظر، وإذا سمعه من رسول الله مع الترٍ على
وجه بيان الحكم ، [ و] لو كان في الشرع ما يمنع حمل اللفظ على العموم
لبينه حال خطابه (٣) .
والجواب : أنه يجوز تأخير البيان عندنا .
(١) (٦٢) سورة الزمر. والآية في الأصل: ( والله خالق .. )، بإثبات الواو، وهو
خطأ ، والصواب حذفها متابعة لما في المصحف الشريف .
(٢) هنا تسامح في التعبير ، وإلا فهذا الرأي لبعض أصحاب أبي حنيفة ، وقد سبق
للمؤلف قريباً أن حكى هذا الرأي عن الجرجاني .
(٣) الذي استقر الأمر عليه من مذهب الحنفية في هذه المسألة هو: القول بوجوب العمل
بالعموم قبل البحث عن المخصص. صرح بهذا صاحب ((فواتح الرحموت ))
(٢٦٧/١) .
٥٣٢

(
مسألة (١)
العموم إذا دخله التخصيص ، فهو حقيقة فيما بقي ، ويستدل به فيما
خلا المخصوص .
وكلام أحمد رحمه اللّه يدل على هذا ؛ لأنه احتج فيمن ابتاع عبداً
أو أَمةً واستعملت ثم ظهر على عيب : أنه يرده ، ويمسك الغلة (٢) ؛ لقوله
عليه السلام : (الخراج بالضمان ) (٣)،
(١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (١١٥ - ١١٦)، و((روضة الناظر))
ص (١٢٤ - ١٢٥ ).
(٢) الرد وإمساك الغلة واضح في العبد وفي الأمة في غير النكاح .
أما في النكاح فلا يخلو الأمر من حالين :
أولاهما : أن تكون الأمة ثيباً ، فوطئها المشتري قبل العلم بالعيب ، فله ردها ،
وليس معها شيء وفي رواية أخرى لا يجوز الرد .
وذهب بعض العلماء : إلى جواز ردها ، ومعها أرش . واختلفوا في تقدير الأرش .
فعن أحمد : لها مهر المثل ، ذكره ابن أبي موسى عنه .
ثانيهما : أن تكون الأمة بكراً ، فوطئها المشتري قبل العلم بالعيب ، فهناك عن
أحمد روايتان :
الأولى : أنه لا يجوز له الرد ، وله أخذ أرش العيب ، وهو الصحيح عند الإمام
أحمد كما قال ابن أبي موسى .
الثانية : يجوز له ردها ، ومعها شيء ، وهو : ما نقص من قيمتها بسبب الوطء .
انتهى ملخصاً من ((المغني)) لابن قدامة (١٣١/٤ - ١٣٣).
(٣) هذا الحديث روته عائشة رضي الله عنها مرفوعاً . أخرجه أبو داود في كتاب
البيوع باب فيمن اشترى عبداً، فاستعمله، ثم وجد به عيباً (٢٥٤/١) ، بمثل
لفظ المؤلف .
وأخرجه الترمذي في كتاب البيوع باب ما جاء فيمن يشتري العبد ، ويستغله ثم
يجد به عيباً، (٥٧٢/٣ - ٥٧٣)، وقال فيه: ((حديث حسن صحيح))، ولفظه :
( قضى أن الخراج بالضمان ) .
=
٥٣٣

وهو مخصوص بلبن المصراة (١)، فإنه إذا ردها ردّ قيمة
-
= وأخرجه النسائي في كتاب البيوع باب الخراج بالضمان (٢٢٣/٧)، بمثل لفظ
الترمذي .
وأخرجه ابن ماجه في كتاب التجارات باب الخراج بالضمان ( ٧٥٤/٢ ) ،
بمثل لفظ المؤلف ، وبلفظ : ( قضى أن خراج العهد بضمانه ) الذي سيذكره
المؤلف بعد قليل .
وأخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (٤٩/٦، ٢٠٨، ٢٣٧).
وأخرجه الإمام الشافعي في كتاب البيوع باب ما جاء في بيع الرقيق ، وأن الكسب
الحادث لا يمنع الرد بالعيب ، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ( الخراج
بالضمان ) ( ١٦٤/٢ ) .
وأخرجه الطيالسي في: ((مسنده)) في كتاب البيوع باب ما جاء في المصراة والمحفلة
وعهدة الرقيق : ( ٢٦٧/١) .
وأخرجه الطحاوي في كتابه: (( شرح معاني الآثار )) في كتاب البيوع باب بيع
المصراة (٢١/٤ - ٢٢) .
وأخرجه ابن حبان، كما نقل ذلك الهيثمي في كتابه: (( موارد الضمان إلى زوائد
ابن حبان))، في كتاب البيوع باب الخراج بالضمان ص (٢٧٥) .
وقد تكلم ابن حجر على إسناد هذا الحديث في كتابه: ((تلخيص الحبير)) ( ٣/
٢٢)، وذكر: أن ابن القطان صححه، كما نقل عن ابن حزم قوله: ((لا
يصح)).
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناوي
(٥٠٣/٣)، و((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص: (٤٥٦)، و ((كشف
الخفاء)): (٤٥١/١ - ٤٥٢)، و((تيسير الوصول إلى جامع الأصول)) (١/
٧٥ - ٧٦ ) .
(١) ((التّصْرِيّة)) في اللغة مأخوذة من ((الصري))، وهو الحبس، ومنه المصراة،
وهي التي حبس لبنها في ضرعها .
انظر ((الفائق في غريب الحديث)) للزمخشري)) (٢٩٣/٢)، و«المصباح المنير))
(٥١٨/١ - ٥١٩ ).
٥٣٤

اللبن (١)، وإن كانت مضمونة عليه .
فقال في رواية عبدالله: حديث عائشة: ( أن النبي عَ لّ قضى أن
خراج العبد بضمانه ) (٢) ، أذهب إليه ، في العبد له وجهه ، وفي المصراة
له وجهه ، لهذا وجه ، ولهذا وجه .
واحتج أيضاً بحديث حكيم بن حزام (٣) ((في بيع ما ليس عنده )) وهو
مخصوص بالسلم .
قال رحمه الله في رواية الميموني : لو ضربت بعضها ببعض رددت
أحدهما ، حكيم ببيع شيئاً حاضراً ، والسلم بيع بصفة .
واحتج: أيضاً رحمه اللّه بنهي النبي مع الله ((عن الصلاة بعد العصر
(١) قيمة اللبن : صاع من تمر ، كما جاء في الحديث : ( إن شاء ردها وصاعاً من
تمر ) .
وذهب قوم إلى : أنه يرد صاعاً من غالب قوت البلد ؛ لأن التنصيص على التمر
في الحديث ؛ لأنه غالب قوت أهل المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم .
وذهب فريق ثالث : إلى أن اللبن يقوم كسائر المتلفات .
راجع في هذا: ((المغني)) لابن قدامة ( ١٢٣/٤ ).
(٢) هذه رواية من روايات حديث : (الخراج بالضمان ) ، بل هي رواية ابن ماجه ،
وقد سبق التنبيه على ذلك في الحديث المذكور .
(٣) هو : حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد .. القرشي الأسدي . أبو خالد من أشراف
قريش جاهلية واسلاماً . أسلم في الفتح . اشتهر بالفضل والتقى . ولد بالكعبة
قبل الفيل بثلاث عشر سنة ، أو اثنتي عشر سنة . ومات بالمدينة سنة (٥٤ هـ)
وعمره (١٢٠) سنة .
انظر ترجمته في ((الاستيعاب)) (٣٦٢/١)، و((الإصابة)) القسم الثاني
ص (١١٢) طبعة دار نهضة مصر .
٥٣٥

حتى تغرب الشمس ، وبعد الفجر حتى تطلع الشمس (١) )) وهو مخصوص
عنده بالفوائت (٢) ، وبركعتي الطواف (٣) والصلاة على الجنازة (٤)،
(١) أحاديث النهي عن الصلاة في هذين الوقتين رواها كثير من الصحابة منهم عمر بن
الخطاب ، وأبو سعيد الخدري ، وعمرو بن عبسة رضي الله عنهم.
وقد أخرج ذلك البخاري في كتاب مواقيت الصلاة ، باب الصلاة بعد الفجر حتى
ترتفع الشمس (١٤٣/١ ) .
وأخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين ، باب الأوقات التي نهى عن الصلاة
فيها ( ٥٦٦/١ - ٥٦٧ ) .
وأخرجه الترمذي في كتاب الصلاة ، باب ما جاء في كراهية الصلاة بعد العصر
وبعد الفجر (٣٤٣/١ - ٣٤٤) .
وأخرجه أبو داود في كتاب الصلاة ، باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس
مرتفعة (٢٩٣/١ - ٢٩٤) .
وأخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها ، باب النهي عن الصلاة
بعد الفجر وبعد العصر (٣٩٥/١ - ٣٩٦).
وأخرجه النسائي في كتاب المواقيت ، باب النهي عن الصلاة بعد الصبح ، وباب
النهي عن الصلاة بعد العصر (٢٢٢/١ - ٢٢٣).
وأخرجه الطيالسي في مسنده في كتاب الصلاة باب النهي عن الصلاة بعد صلاتي
الصبح والعصر (٧٥/١ ).
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((فيض القدير)) للمناوي (٣١٨/٦)، و((المنتقى
من أحاديث الأحكام)) ص (٢٠٤)، و ((نصب الراية)) (٢٥٢/١).
(٢) هكذا هو في كتاب: ((المغني)) لابن قدامة (٩٠/٢)، وبه أخذ النخعي والشعبي
وحماد والأوزاعي وابن المنذر وأبو ثور وإسحاق .
(٣) هو كذلك في ((المغني )) لابن قدامة (٩١/٢ ) ، وقد فعله ابن عمرو وابن عباس
وابن الزبير رضي الله عنهم . وبه قال عطاء وأبو ثور وجماعة .
(٤) الصلاة على الجنازة في الأوقات المنهي عنها على قسمين :
القسم الأول متفق عليه، وهو : الصلاة على الجنازة بعد الصبح حتى تطلع الشمس،=
٥٣٦

1
وإعادة الصلاة في الجماعة (١) .
وقد صرح بذلك رضي الله عنه في رواية حنبل وصالح فقال: [٧٣/ب]
((نهى رسول اللّه عَ ل عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح))، والنهي من
النبي جملة ، وقال : ( من نام عن صلاة أو نسيها ، فليصلّها إذا
ذكرها ) وقال : ( من أدرك من صلاة العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس ،
فقد أدركها ) (٢)، فكان هذا مخصوصاً من جملة نهيه عن الصلاة بعد
وبعد العصر حتى تغرب الشمس ، حكاه ابن المنذر إجماعاً ، وقال ابن قدامة :
لا خلاف فيه .
القسم الثاني : مختلف فيه ، وهو : الصلاة عليها حين بزوغ الشمس حتى ترتفع ،
وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس ، وحين تضيف الشمس للغروب
حتى تغرب .
ففي الصلاة على الجنازة في هذه الأوقات الثلاثة خلاف ، وعن أحمد روايتان :
إحداهما : لا تجوز الصلاة ، واختارها القاضي أبو يعلى ، وهي المذهب .
الثانية : تجوز الصلاة ، حكاها أبو الخطاب .
راجع في هذا: ((المغني)) لابن قدامة (٩١/٢ - ٩٢).
(١) إعادة الصلاة في الجماعة جائز عند الإمام أحمد رحمه اللّه، واختار ذلك الخرقي ،
حيث أطلق الكلام في ذلك . واشترط أبو يعلى : أن تكون الجماعة مع إمام الحي .
انظر: ((المغني)) لابن قدامة (٩٢/٢).
(٢) هذا الحديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعاً. أخرحه عنه البخاري في
كتاب مواقيت الصلاة ، باب من أدرك من الفجر ركعة (١٤٣/١).
وأخرجه عنه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب من أدرك ركعة
من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة (٤٢٤/١ ) .
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الصلاة ، باب ما جاء فيمن أدرك ركعة من العصر
قبل أن تغرب الشمس (٣٥٣/١ - ٣٥٤)، وقال ((حديث حسن صحيح)).
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة، باب في وقت صلاة العصر (٩٨/١).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الصلاة باب وقت الصلاة في العذر والضرورة =
٥٣٧

العصر ، يستعمل كل خبر منها على وجهه ، ولا يضرب أحدهما
بالآخر . فلهذا وجه لا يبتدأ بصلاة بعد العصر متطوعاً بها ، ولو أدرك صلاة
فائتة ، صلاها بعد العصر ، لقوله : ( من نام عن صلاة أو نسيها ) ،
فقد صرح بالأخذ بالنهي ، مع حصول التخصيص فيه .
وبهذا قال أصحاب الشافعي (١) .
واختلف أصحاب أبي حنيفة :
فحكى أبو عبد الله الجرجاني في كتابه عن عيسى بن أبان : أنه مجاز
=
( ٢٢٩/١ ) .
وأخرجه عنه النسائي في كتاب المواقيت ، باب من أدرك ركعتين من العصر ،
(٢٠٥/١ - ٢٠٦). وقد أخرجه بمثل لفظ الجماعة بتعيين ركعة واحدة في صلاة
الصبح ، ومثلها في صلاة العصر ، غير أنه ساق رواية أخرى بلفظ ( من أدرك
ركعتين من صلاة العصر ، قبل أن تغرب الشمس أو ركعة من صلاة الصبح قبل
أن تطلع الشمس ، فقد أدرك ) .
وأخرجه عنه الطيالسي في كتاب الصلاة ، باب من أدرك ركعة من الصبح أو
العصر قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها ، فقد أدركها (٧٤/١ ).
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (١٠١)،
و( نصب الراية)) (٢٢٨/١ - ٢٢٩).
(١) ليس هذا قول كل أصحاب الشافعي ، بل هو قول أكثرهم ، كما عبر الجلال ،
أو كثير منهم ، كما عبر الآمدي . وقد اختار البيضاوي وابن الحاجب : أنه
مجاز .
راجع: ((حاشية البناني مع شرح جمع الجوامع)) (٥/٢ - ٦)، و((نهاية السول
شرح منهاج الأصول)): (٣٩٤/٢ - ٣٩٥)، و((الإحكام)) للآمدي: (٢/
٢٠٩ - ٢١٠ ) .
ونقل الغزالي في كتابه: ((المنخول)) ص (١٥٣)، عن الإمام الشافعي في العام
إذا دخله التخصيص ((أنه حقيقة في الباقي، يجب العمل به)).
٥٣٨

ويمنع من التعلق بظاهره ، ولم يفصل بين الدليل المتصل وغيره (١).
وحكي عن أبي الحسن الكرخي أنه كان يقول : يصير مجازاً إذا
كان المخصص له منفصلاً ، ولا يوجب ذلك إذا كان متصلاً .
وحكي عن أبي بكر الرازي : أنه حقيقة فيما بقي ، إذا كان الباقي
جمعاً في الحقيقة (٢).
وحكي عن المعتزلة والأشعرية : أنه يصير مجازاً، ولا يحتج به (٣)
وإنما يصح هذا على قول الأشعرية ، إذا علم أن العموم غير مراد ؛ لأن
عندهم : لا صيغة للعموم (٤).
(١) بل روي عنه مفصلاً ، حيث قال : إن خص بمتصل غير مستقل ، فهو حجة ،
وإلا فلا .
راجع: ((فواتح الرحموت)) (٣٠٨/١).
وقد رأيت في ((فواتح الرحموت)) (٣١١/١): أن الحنفية لا خلاف بينهم في
أن العام المقرون بشرط أو صفة أو غاية أو استثناء ليس مجازاً .
وعلى هذا يبقى خلافهم مع المذاهب الأخرى فيما لو خص بمنفصل .
(٢) هكذا نقل عنه الآمدي في ((الإحكام)) (٢٠٩/٢)، و ((فواتح الرحموت))
(٣١١/١)، وكذلك ((المسودة)) ص (١١٦).
إلا أن صاحب فواتح الرحموت نقل عنه رأياً آخر ، محصله : أن العام المخصص
حقيقة إن بقي غير منحصر ، وبين بعد ذلك : أن الرأي الأول هو الذي نقله
الحنفية عنه ، وهم أدرى بأقواله .
(٣) ليس هذا مذهب المعتزلة كلهم ، بل مذهب كثير منهم ، فقد ذهب أبو الحسن
البصري إلى غير هذا ، كما نقل عن عبد الجبار خلاف ما هنا ، كما سيأتي .
(٤) المؤلف هنا خلط بين مسألتين :
الأولى : هل العام بعد التخصيص حقيقة أو مجازاً ؟
الثانية : هل العام بعد التخصيص حجة أو لا ؟
٥٣٩
=

٠٠٠،
....
....
...
وقد ذكر المؤلف في المسألة الأولى أربعة آراء :
=
١ - حقيقة مطلقاً .
٢ - مجاز مطلقاً .
٣ - حقيقة إن خص بمتصل ، مجاز إن خص بمنفصل .
٤ - حقيقة إذا كان الباقي جمعاً .
وهناك أربعة آراء ، لم يذكرها المؤلف هي :
١ - إن خص العام بدليل لفظي فهو حقيقة ، وإلا فلا .
٢ - إن خص العام بشرط أو صفة ، فهو حقيقة ، وإلا فلا ، وهو للقاضي عبد
الجبار من المعتزلة .
٣ - يكون حقيقة في الباقي ، مجاز في الاقتصار عليه .
٤ - إذا خص العام بدليل متصل ، من شرط أو استثناء ، فهو حقيقة ، وإلا
فلا ، وهو منسوب للقاضي أبي بكر .
أما المسألة الثانية وهي : هل العموم حجة بعد التخصيص أو لا ؟ فالكلام في مقامين :
المقام الأول : إذا خص العام بمبهم ، فقد نقل الآمدي الاتفاق على عدم الاحتجاج
به . وتعقب بأن هناك خلافاً ، وقد نقله ابن برهان ، ورجح كونه حجة .
المقام الثاني : إذا خص بمعين ، وهذا فيه آراء ثلاثة :
١ - حجة مطلقاً، وهو منسوب للفقهاء ، واختاره القاضي أبو يعلى كما هنا ،
كما اختاره أبو الخطاب .
٢ - غير حجة مطلقاً ، وهو منسوب لعيسى بن أبان وأبي ثور .
٣ - التفصيل ، والمفصلون لهم آراء كثيرة ، أشهرها :
أ ) حجة إن خص بمتصل ، وهو منسوب للكرخي .
ب) حجة إن لم يمنع المخصص من تعلق الحكم بالاسم العام ، وإليه مال .
أبو الحسين البصري .
جـ) حجة في أقل الجمع .
راجع في هذا: ((المعتمد)) لأبي الحسين البصري: (٢٨٢/١ - ٢٩٤)، و ((الإحكام))
للآمدي: (٢٠٩/٢)، و ((فواتح الرحموت)) (٣١١/١)، و((حاشية البناني مع
شرح جمع الجوامع))، (٦/٢ -٧)، و((المسودة)) ص (١١٦).
٥٤٠
١