النص المفهرس
صفحات 481-500
في طريق فألجئوهم إلى أضيقه ) (١) ، فإذا كان ليس لهم في الطريق حق ، فالشفعة أحرى أن لا يكون لهم فيها حق (٢) . وقال أيضاً في رواية الفضل بن زياد وقد سئل عن رهن المصحف عند أهل الذمة قال: لا، ((نهى النبي عَ الله أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (٣) )). وحكي عن قوم : أنه لا مفهوم للخطاب ، وإنما دل الخطاب على المنع من أصحاب الإمام أحمد ، الذين نقلوا عنه كثيراً من المسائل . ولم أهتد إلى معرفة == مراد المؤلف بهذا الاسم . (١) هذا الحديث رواه أبو هريرة رضي اللّه عنه مرفوعاً، أخرجه عنه مسلم في كتاب السلام ، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام ، وكيف يرد عليهم ( ٤/ ١٧٠٧ ) . وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الأدب ، باب ما جاء في التسليم على أهل الذمة (٦٠/٥)، وقال: ((حديث حسن صحيح)). وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الأدب ، باب في السلام على أهل الذمة ( ٢/ ٦٤٣ ) . وأخرجه عنه الطيالسي في مسنده في كتاب السلام والاستئذان باب الأمر بإفشاء السلام، وما جاء في السلام على أهل الكتاب والرد عليهم (٣٦٢/١). وأخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) ( ٢٦٣/٢) . وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((فيض القدير)) (٣٨٦/٦)، و ((تيسير الوصول)) (٢٧٣/٢) . (٢) من أول الرواية إلى هنا منقول في ((المسودة)) ص (٣٤٧). وكذلك رواية الفضل ابن زياد الآتية غير أنه لم يذكر اسم الراوي في الموضعين . (٣) هذا الحديث رواه ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار (١٤٩٠/٣)، وأخرجه عنه الإمام الشافعي، انظر: (( بدائع المنن )) في كتاب الجهاد باب النهي عن السفر بالمصحف إلى بلاد العدو ( ١٠٥/٢ ) . ٤٨١ العدة في أصول الفقه - ٣١ من التأفيف حسبُ ، سمعت أبا القاسم الجزري (١) يحكي أنه قول داود . وحكي عن قوم : أن المنع من التأفيف وسائر أنواع الأذى مستفاد من اللفظ (٢). أما من قال : لا مفهوم للخطاب ، فقول ظاهر الفساد ؛ لأنه قال : ( لاَ تَقُل لهُمَا أُفّ)(٣) واضْرِبْه، مراد بالأول نفي الأذية عنه، كان ذلك نقضاً لموضوع كلامه ومفهوم نطقه ، فلا يجوز أن يقال : إن اللفظ ما تضمن المنع من الضرب . وأما من قال : إن اللفظ تضمن ذلك فهو ظاهر الفساد أيضاً ، لأن قوله : ( فَلاَ تَقُل لهُمَا أُفّ ) (٤) اقتضى نطقه المنع من التأفيف، وليس في لفظه المنع من غيره ، فلا يجوز أن يكون غير التأفيف ممنوعاً بالنطق ، لكن لما منع من التأفيف لما فيه من الأذى ، فكان الضرب فيه أكثر من الأذى ، كان المعنى الذي يمنع من التأفيف لأجله موجوداً في الضرب وزيادة ، فكان ممنوعاً منه (٥) . (١) كان حياً سنة (٤٠٢) ومن الذين وقعوا محضر الطعن في نسب العبيديين في هذه السنة . انظر: ((المنتظم)) ( ٢٥٦/٧ ) . (٢) المؤلف هنا : خلط بين مسألتين ، الأولى : هل مفهوم الموافقة حجة أو لا ؟ . والثانية الذين يقولون بمفهوم الموافقة اختلفوا في الدلالة هل هي لفظية أو قياسية ؟ . (٣) (٢٣) سورة الإسراء . (٤) (٢٣) سورة الإسراء، والآية في الأصل: (ولا تقل ... ) بالواو ، وهو خطأ . (٥) فات المؤلف هنا : أن ينبه على أمرين هما : الأول : شرط مفهوم الموافقة ، وهو : أن يكون الحكم في المسكوت عنه أولى من المنطوق عند جماعة ، وزاد آخرون : أو مساوياً له . ومثلوا للأول : بقوله تعالى : ( فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ)، فالضرب أولى بالحكم من التأفيف . ٤٨٢ ومثلوا الثاني: بقوله تعالى: ( إن الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً)، = فإحراق أموالهم مساوٍ لأكلها في الإتلاف . الثاني : تقسيم مفهوم الموافقة ، وهو ينقسم إلى قسمين : ١ - قطعي، ومثلوا له بآية التأفيف، فإنه يقطع بأن الضرب للوالدين أشد إيذاءً من التأفيف . ٢ - ظني، ومثلوا له بقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ )، فإن الآية دلت على وجوب الكفارة في القتل الخطأ ، فيظن : أنّ القتل العمد أولى بالكفارة . وإنما قلنا : ظني؛ لاحتمال أن لا تقوى الكفارة على رفع إثم القتل العمد ، بخلاف القتل الخطأ . راجع في هذا: ((الإحكام)) للآمدي (٦٥/٣)، و((روضة الناظر)) ص (١٥٤)، و(( حاشية البناني مع شرح الجلال على جمع الجوامع)) (٢٤٠/١ - ٢٤٣). وربما أشار المؤلف إلى ذلك في الروايتين اللتين نقلهما عن الإمام أحمد ، الأولى : من رواية أحمد بن سعيد ، والثانية : من رواية الفضل بن زياد . وقد رأيت صاحب ((المسودة)) ص (٣٤٧) نقل الرواية الأولى على أنها مثال للقطعي ، فرهن المصحف عند الذمي أولى بالتحريم من السفر به إلى أرض العدو خشية أن ينالوا منه . كما نقل الرواية الثانية على أنها مثال للظني ؛ لأنه إذا لم يكن لهم حق في الطريق ، فأولى أن لا يكون لهم حق في الشفعة . . قلت : بل ذلك لاحتمال أن لا يكون المراد من الحديث : ليس لهم حق في الطريق ، بل المراد : أن لا يوسع لهم فيه على سبيل التعظيم لهم . والله أعلم . ٤٨٣ ! باب العموم (١) العموم (٢) على أربعة أضرب: (٣) [ الأول ] لفظ الجمع ، مثل : المسلمين ، والمشركين ، والرجال ، والجبال ، والأبرار ، والفجّار (٤). الثاني : لفظ الجنس (٥) ، مثل الناس ، والنساء ، والإبل ، والحيوان وليس ذلك من ألفاظ الجمع ، لأنه ليس له من جنسه واحد . (١) سبق تعريف العام في باب ذكر الحدود ص (١٤٠) . (٢) لو عبر : بألفاظ العموم ، كان أولى ؛ لأن التقسيم لألفاظ العموم لا للعموم نفسه . (٣) راجع في هذا: ((المسودة)) ص (٨٩ - ٩٠)، و ((شرح الكوكب المنير)) ص (٣٤٦ - ٣٤٧) من الملحق)) و ((روضة الناظر)) ص (١١٦ - ١١٩). (٤) يشترط في هذا الضرب والضرب الثاني والضرب الرابع : أن تكون : ( أل ) لغير معهود ، وقد جمع ابن قدامة هذه الأضرب الثلاثة تحت قسم واحد عبر عنه بقوله : ( كل اسم عرف بالألف واللام لغير المعهود )، ((روضة الناظر )) ص (١١٦ ) . (٥) الجنس : - كما في: ((روضة الناظر)) -: ( ما لا واحد له من لفظه)، كما مثل المصنف هنا . ٤٨٤ الثالث: الألفاظ المبهمة، مثل ((من)) في العقلاء، و((ما)) في غيرهم إذا كان في الاستفهام أو في [٦٥/أ] الشرط والجزاء، و((أي)) في الجمع، و((أين)) في المكان، و ((متى)) للزمان الرابع : الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام ، مثل : الإنسان ، والسارق ، والزاني ، والقاتل ، والكافر ، والبيع ، والصيد ، والدينار وما أشبهه (١) . [ صيغة العموم ] وله صيغة موضوعة له في اللغة ، إذا وردت متجردة عن القرائن دلت على استغراق الجنس ، نص على هذا في رواية ابنه عبد الله رحمهما الله، (١) هناك بعض صيغ العموم ، لم يذكرها المؤلف ، وإليك هي : الأولى : ( كل) نحو قوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ). وكذلك: (جميع)، وقد ذكرها الآمدي في ((الأحكام)) (١٨٣/٢)، وابن قدامة في (( روضة الناظر)) ص (١١٦)، ولم يمثلالها. وقد ذكر الجلال المحلى في ((شرحه لجمع الجوامع)) (٤٠٩/١): أن ابن السبكي كتبها بعد ( كل ) ، ثم شطب عليها ، وذلك لأنها تضاف إلى المعرفة ، فالعموم من المضاف إليه لا من المضاف . ولكن البناني في حاشيته في الموضع المشار إليه ، مثل لها بقوله : (جميع زيد حسن) ، واتبعه بقوله : (لا عموم في المضاف إليه قطعاً ) ، ولم يسلم له ذلك فقد ذكر الشربيني في تقريره : أن السعد تعقبه بقوله : ( قد يقال على معنى .. جميع أجزاء زيد ) . الثانية : ما أضيف من ألفاظ الجموع والأجناس ولفظ الواحد إلى معرفة كقولك : نساء زيد ، وإبل عمرو . الثالثة : النكرة في سياق النفي ، كقولك : لا رجل في الدار . ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى: (( الإحكام للآمدي)) (١٨٣/٢)، و((روضة الناظر)) ص (١١٦). ٤٨٥ وقد سأله عن الآية إذا جاءت عامة ، مثل قوله تعالى: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِ يَهُمَا ) (١)، وأخبره أن قوماً يقولون : لو لم يجىء فيها خبر عن النبي عِ لم توقفنا عندها ، فلم نقطع حتى يبين الله لنا فيها ، أو يخبر الرسول، فقال: قال اللّه تعالى: ( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَ دِ كُمْ) (٢) فكنا نقف عند الولد لا نورثه ، حتى ينزل الله تعالى : أن لا يرث قاتل ، ولا عبد ، ولا مشرك . وقال في كتاب طاعة الرسول : قوله تعالى: ( وَالسَّارِقُ وَالسََّرِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِ يَهُمَا ) (٣)، فالظاهر يدل على أنه من وقع عليه اسم ((سارق)) وإن قلّ ، فقد وجب عليه القطع. وكما قال رسول الله عز له: (لا يقطع في ثمر ولا كثر ) (٤) دل ذلك (١) (٣٨) سورة المائدة . (٢) (١١) سورة النساء. (٣) (٣٨) سورة المائدة . (٤) لفظ الحديث هذا: ( لا قطع في ثمر ولا كثر)، وقد رواه رافع بن خديج رضي اللّه عنه مرفوعاً . أخرجه عنه الترمذي في كتاب الحدود باب ما جاء لا قطع في ثمر ولا كثر بسنده المتصل عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن رافع بن خديج رضي الله عنه ( ٥٢/٤ - ٥٣)، ثم قال بعد ذلك : ( هكذا روی بعضهم ) ، ثم قال : ( وروى مالك بن أنس وغير واحد هذا الحديث .. ولم يذكروا فيه عن واسع بن حبان ) . وأخرجه أبو داود في كتاب الحدود باب ما لا قطع فيه بالسند المذكور (٤٤٩/٢ )، غير أنه لم يذكر: (( واسع بن حبان )) ، فيكون السند على هذا منقطع ؛ لأن : ((محمد بن يحيى))، لم يسمع من ((رافع بن خديج)). وأخرجه النسائي في كتاب قطع السرقة ، باب ما لا قطع فيه، بمثل سند الترمذي الذي ذكرته متصلاً ومنقطعاً، كما أخرجه عن رافع أيضاً، وفيه: (( ميمون)) قال : إنه لا يعرفه ، كما أخرجه عن رافع بسند آخر هو : ( أخبرنا محمد بن خالد = ٤٨٦ ابن خلي قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا سلمة ، يعني ابن عبد الملك العوصي عن الحسن وهو ابن صالح ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن رافع بن خديج .. )، (٧٩/٨ - ٨١) . وأخرجه عن رافع بن ماجه في كتاب الحدود باب : لا يقطع في ثمر ولا كثر (٨٦٥/٢) بسند متصل ، كما أخرجه في نفس الباب عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، وفي سنده: ((سعد بن سعيد المقبري))، وأخوه: ((عبد الله بن سعيد المقبري))، اما الأول: فقد قال فيه ابن عيينة: ((كان قدرياً)). وقال فيه ابن عدي: ((لم أرَ للمتقدمين في ((سعد)) كلاماً وعامة ما يرويه لا يتابع عليه)). وقال أبو حاتم: ((مستقيم في نفسه، بليته من أخيه)). وقال فيه الذهبي: (( واهٍ ، ورمى بالقدر أيضاً)). انظر ترجمته في: ((المغني في الضعفاء)) (٢٥٤/١)، و ((ميزان الاعتدال)) (٢/ ١٢٠ ) . أما الثاني : فمتروك ، كما قال أحمد والدار قطني والبخاري وغيرهم . انظر ترجمته في: ((المغني في الضعفاء)) (٣٤٠/١)، و ((ميزان الاعتدال)) (٢/ ٤٢٩ ) . وأخرجه الدارمي كذلك متصلاً ومنقطعاً ، وبإسناد ثالث فيه مجهول ، وذلك في سنته في كتاب الحدود ، باب : ما لا يقطع فيه من الثمار (٩٥/٢ - ٩٦ ) وأخرجه الطحاوي في كتابه: ((شرح معاني الآثار)) عن رافع في كتاب الحدود باب سرقة الثمر والكثر ، متصلاً ومنقطعاً (١٧٢/٣). وأخرجه عنه الإمام الشافعي في أبواب القطع في السرقة باب ما لا قطع فيه ، بسند متصل ( ٣٠١/٣ ) . وأخرجه عنه الإمام مالك في الموطأ في كتاب الحدود باب ما لا قطع فيه ، بسند منقطع (١٦٣/٤ ) . وأخرجه عنه الطيالسي في (( مسنده )) في كتاب الحدود باب ما لا قطع فيه ، بسند متصل (٣٠١/١ ) . وراجع في هذا الحديث أيضاً : ((نصب الراية)) (٣٦١/٣ - ٣٦٢) ، و (( تلخيص = ٤٨٧ [ على ] (١) أنها ليست على ظاهرها، وأنه على بعض السراق دون بعض . واحتجاجه في المسائل بالعموم كثير ، ورأيت في مجموع لأبي بكر بخطه : قد أبان أبو عبد الله رحمه الله عموم الخطاب، فلا يخصه إلا بدليل ، واستدل على ذلك بكلام كثير (٢) ، وقال بعد ذلك : قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِ بَهُمَا) (٣) كقوله : ( اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) (٤)، فلو لم يجىء بيان من يقتل من المشركين ، الحبير)) (٦٥/٤)، و((فيض القدير)) (٤٣٦/٦). = ومن هذا العرض للحديث تبين : أن الحديث روي مسنداً ، كما روي منقطعاً . . والانقطاع حصل بحذف الواسطة بين: ((محمد بن يحيى بن حبان)) وبين: ((رافع ابن خديج))، وهذه الواسطة هو: (( واسع بن حبان)) ، الذي قد جاء ذكره في الأسانيد المتصلة . وبهذا يصبح الحديث صالحاً للاحتجاج به ، وبخاصة : وقد تلقته الأمة بالقبول ، كما يقول الطحاوي فيما نقله عنه ابن حجر في التلخيص . وقد نقل الزرقاني في شرحه على ((موطأ مالك)) عن ابن العربي قوله : ( فإن كان فيه كلام ، فلا يلتفت إليه) (١٦٤/٤) ، والله أعلم . معنى: ((الثمر)) : ما كان على رؤوس النخل ، ويطلق على الثمار كلها قبل أن تجذ . وقيل : كل ما يسرع إليه الفساد . معنى: (( الكثر)) : جمار النخل ، وهو : شحمه الذي في وسطه . وقيل هو : الطلع ، وهو : أول ما يبدو من ثمر النخل . انظر: ((الفائق في غريب الحديث)) (٢٤٧/٣). (١) زدنا هذه الكلمة ليستقيم الكلام، علماً أن صاحب ((المسودة )) ص (٩٠) ، ذكرها ، عندما نقل كلام المؤلف هنا . (٢) من قول المؤلف : ( وله صيغة موضوعة في اللغة ... ) إلى هنا منقول بنصه في ((المسودة)) ص (٨٩ - ٩٠)، مع العزو للمؤلف . (٣) (٣٨) سورة المائدة. (٤) (٥) سورة التوبة . ٤٨٨ 1 ويقطع من السراق ، لاقتضى الحكم على العموم ، وحكى قول من قال بالوقف . وبهذا قال جماعة الفقهاء : أبو حنيفة ومالك والشافعي وداود (١) . وذهب أبو الحسن الأشعري وأصحابه : إلى أن العموم لا صيغة له ، وأن الألفاظ التي تصلح للعموم والخصوص يجب التوقف فيها إلى أن يدل الدليل على أحدهما فيحمل عليه (٢) . وحكي عن محمد بن شجاع الثَّلْجِي (٣) أنه قال: يحمل على الثلاثة ، (١) راجع في نسبة هذا الرأي بالنسبة للحنفية: ((تيسير التحرير)) (١٩٧/١) وما بعدها، و((أصول السرخسي)) (١٥١/١ - ١٦٢)، وبالنسبة للمالكية: ((شرح تنقيح الفصول)) للقرافي ص (١٧٨ - ١٨٢)، وبالنسبة للشافعية: ((الإحكام)) للآمدي (١٨٥/٢ - ٢٠٤) و((شرح الجلال المحلى على جمع الجوامع)) (١/ ٤٠٨ - ٤١٤)، وبالنسبة للظاهرية: ((الإحكام)) لابن حزم (٣٣٨/٣ - ٣٦٢). (٢) هذا أحد القولين المنقولين عن أبي الحسن الأشعري رحمه الله، وقد وافقه عليه القاضي أبو بكر الباقلاني . وهناك قول آخر هو : القول بالاشتراك بين العموم والخصوص .. حكى هذا الآمدي في كتابه: ((الإحكام)) (١٨٦/٢ ). (٣) هكذا ضبطه المصنف: ((الثّلْجِي)) بالمثلثة الفوقية بعدها لام ساكنة فجيم معجمة ولكن الناسخ صوبه في الهامش بقوله : ( هكذا في الأصل ، وصوابه : البلخي ) أي بالموحدة التحتية بعدها لام ساكنة فخاء معجمة وهو كذلك في ((المسودة)) ص (٨٩) . وما ضبطه به المؤلف هو الصواب، الموافق لما في ((تاريخ بغداد)) ( ٣٥٠/٥) ، و((شذرات الذهب)) (١٥١/٢)، و((المغني في الضعفاء)) (٥٩١/٢). وهو محمد بن شجاع ، أبو عبد الله، المعروف بالثلجي . فقيه الحنفية في وقته . سمع من يحيى بن آدم وابن علية وغيرهما . وتفقه على الحسن بن زياد اللؤلؤي . اتهم بالوضع ، وبالوقف في القرآن ، وبالكذب . قال فيه أحمد: مبتدع صاحب = ٤٨٩ ويتوقف فيما زاد عليه ، حتى يقوم الدليل على المراد به . وحكي ذلك عن جماعة من المعتزلة . ومن الناس من فرق بين الأوامر والأخبار ، فقال : في الأوامر تحمل على العموم ، ووقف في الأخبار . دليلنا : قوله تعالى: (إِنَّكُم وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه حَصَبُ جَهَنّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) (١)، فروي أن عبد الله بن الزَّبعرى (٢) قال : - لما نزل ذلك - الأخاصمنّ محمداً، وجاء إلى رسول الله مع الله فقال له : قد عُبدت الملائكة وعبد المسيح أفيدخلون النار ؟ ، فأنزل الله تعالى (٣): (إنّ [٦٥/ب] الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم منَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مَبْعَدُونَ ) (٤). فحمل لفظ (( ما )) على عمومه ، وهو حجة في اللغة . وأكد ذلك: أن النبي عز الته لم ينكر ذلك عليه ، وبين اللّه تعالى مراده هوى. مات فجأة سنة (٢٦٦ هـ)، وله من العمر (٩٠)، سنة تقريباً . = انظر ترجمته في المراجع السابق ذكرها . (١) (٩٨) سورة الأنبياء. (٢) هو عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدي ... القرشي، السهمي ، أبو سعد ، صحابي جليل . كان من شعراء قريش المشهورين . هجا المسلمين بشعره قبل إسلامه . ثم أسلم عام الفتح ، وشهد المشاهد بعد الفتح . له ترجمة في ((الاستيعاب)) (٩٠١/٣)، و ((الإصابة)) (٦٨/٤). (٣) أخرج هذه الحادثة الواحدي بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما وذلك في كتابه : ((أسباب النزول)) ص (٣١٥). كما ذكر ذلك الفخر الرازي في ((تفسيره)) (٢٢٣/٢٢) . (٤) (١٠١) سورة الأنبياء. ٤٩٠ : فيه ، فأنزل قوله سبحانه : ( إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم منَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ )، يدل على أن ((ما)) للعموم. ثم أسلم عبدالله، واعتذر إلى رسول اللّه ◌ِ العمل بقصيدة، يقول فيه (١) : أيام يأمرني بأغوى خطة سهمٌ ويأمرني بها مخزومُ فاليوم آمنَ بالنبي محمدٍ قلبي ، ومخطىء هذه محرومٌ فاغفر فدى لك والديَّ كلاهما ذنبي فإنك راحم مرحومُ (٢) ويدل عليه قوله تعالى : ( وَنَادَى نُوحٌ رَبّهُ فَقَالَ رَبّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقّ ) (٣)، فقال الله تعالى: ( إنّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)، فحمل نوح لفظ ((الأهل)) على عمومه ، فلم ينكر اللّه تعالى عليه ذلك ، وإنما بين أن مراده خاص ، وهو : المصلح منهم . (١) الضمير في قوله : ( فيه ) إن كان يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فالكلام مستقيم ، وإن كان يعود إلى القصيدة ، فيجب أن يقول : ( فيها ) . (٢) هذه الأبيات، ذكر منها الحافظ ابن حجر في كتابه: ((الإصابة)) عند ترجمة عبد الله بن الزبعري (٦٨/٤) بيتين ، الأول والثاني ، وذكر بينهما بيتاً ثالثاً غير مذكور هنا . وكذلك. ذكرها الحافظ ابن عبد البر في كتابه: ((الاستيعاب)) (٩٠٣/٣ - ٩٠٤) ، ذكرها ضمن أبيات. ويلاحظ : أنه أبدل كلمة: (ذنبي ) في الشطر الثاني من البيت الأخير ، أبدلها بكلمة : ( فارحم ) . (٣) (٤٥) سورة هود . ٤٩١ ويدل عليه قوله تعالى - في قصة إبراهيم -: ( وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ) (١)، علم من ذلك أنهم مهلكون لجميع أهلها ، فقال : ( إنَ فِيهَا لُوَطاً ) ، فأخبرته الملائكة أنهم ينجونه وأهله ، واستثنوه من جملة أهل القرية ، فعلم أن إطلاق اللفظ اقتضى العموم . فإن قيل : اللفظ يصلح للعموم ؛ فلذلك حكم عليه في الآيات التي ذكر فيها . قيل : لا يجوز حمله عليه بالصلاح له ، بل يجب التوقف فيه ، ومن فعل ذلك فقد أخطأ عند المخالف ، فلا يجوز حمله على الخطأ . وعلى أن نوحاً عليه السلام قد قطع به بقوله : ( إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقّ )، والصلاح لا يوجب القطع . وأما قصة إبراهيم فلا يصلح هذا السؤال فيها أيضاً ؛ لأنه لو كان الصلاح لكان الكلام يخرج مخرج الاستفهام والمسألة ، فيقول : ألوط فيهم ؟ أتهلكونه فيمن يهلكون ؟ فلما ذكر لفظ التخيير والتخويف ، يعني لا تهلكوهم، فإن فيهم لوطاً ، علم أنه كان قد عقل من ظاهر اللفظ : أنه مقتضٍ للعموم والشمول . وأيضاً : فإن المسألة إجماع الصحابة رضي الله عنهم. من ذلك : أن عمر احتج على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما في منعه من قتال ما نعي الزكاة لعموم قول رسول الله ماتهم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ) ، فلم ينكر عليه ذلك ، وإنما عدل إلى الاستثناء ، (١) (٣١) سورة العنكبوت . ٤٩٢ فقال : الزكاة من حقها ، وقال النبي : ( إلا بحقها ) . وكذلك مطالبة فاطمة (١) أبا بكر رضي الله عنهما بالميراث (٢) من النبي صلى اللّه [٦٦/أ] عليه وسلم، واحتجاجها بقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَ دِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْفَيَيْنِ) (٣)، فأقرها على العموم ، وقابلها بقوله : ( لا نورث ما تركنا صدقة ) (٤). (١) هي فاطمة الزهراء بنت محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أم الحسن والحسين ، زوجة علي بن أبي طالب رضي اللّه عن الجميع . ولدت قبل البعثة بنحو ستة أشهر . وماتت بعد وفاة والدها بستة أشهر ، كما صح ذلك عن عائشة رضي الله عنها فيما أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجهاد والسير باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا نورث ما تركناه صدقة)) (١٣٧٩/٣ - ١٣٨٠). لها ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٨٩٣/٤)، و((الإصابة)) (١٥٧/٨ - ١٦٠). (٢) ذكر مجيء فاطمة رضي الله عنها تطلب ميراثها من أبي بكر رضي الله عنه .. أورده ابن الجوزي في كتابه: ((الموضوعات)) (٢٨١/٣)، ونقل عن ابن قتيبة قوله : ( وكنت أرى أن لهذا أصلاً ، فقال بعض نقلة الأخبار : أنا أسنّ من هذا الحديث ، وأعرف من عَمِلَه ) . ولم يذكر ابن الجوزي ذلك بالسند ، حتى ينظر فيه . وقد تعقب السيوطي في كتابه: ((اللآلى المصنوعة)) (٤٤١/٢ - ٤٤٢ )، ابن الجوزي في ذكره لهذا الحديث في كتابه: ((الموضوعات)) بقوله: ( قلتُ - أي السيوطي - : في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة أن فاطمة أتت أبا بكر تلتمس ميراثها من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لها أبو بكر : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ((لا نورث)) الحديث . (٣) (١١) سورة النساء . (٤) هذا الحديث أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها وذلك في كتاب الفرائض ، باب قول النبي صلى اللّه عليه وسلم: ((لا نورث ما تركنا صدقة)) (١٨٥/٨ - ١٨٧ ) . = ٤٩٣ وكذلك لما اختلف عثمان (١) وعلي رضي الله عنهما [ في الجمع بين الأختين بملك اليمين ] فقال عثمان : يجوز ، واحتج بعموم (٢) قوله تعالى: (إِلاَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم) (٣)، وقال علي : لا يجوز ، واحتج بعموم قوله: ( وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ ) (٤). = وعنها أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا نورث)) الحديث (١٣٧٩/٣ - ١٣٨٣). وأخرجه عنها أبو داود في كتاب الخراج ، باب في صفايا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الأموال (١٢٦/٢ - ١٢٨ ). وعن أبي هريرة أخرجه الترمذي في كتاب السير ، باب ما جاء في تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم (١٥٧/٤ - ١٥٨). : وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((مسند أبي بكر رضي الله عنه)) ص (٣٢، ٣٣، ٣٤، ٣٥)، و ((تيسير الوصول إلى جامع الأصول)) (١٤٨/٣ - ١٤٩) و((المنتقى من أحاديث الأحكام )) ص (٥٢٤) . (١) هو عثمان بن عفان الأموي ، ذو النورين . ثالث الخلفاء الراشدين . من السابقين إلى الإسلام . هاجر إلى الحبشة ، ثم إلى المدينة . استشهد سنة (٣٥ هـ ) بعد خلافة دامت (١٢) سنة ، وله من العمر بضع وثمانون سنة . له ترجمة في: ((الاستيعاب (١٠٣٧/٣) وأسد الغابة (٥٨٤/٣)، و(( تذكرة الحفاظ)) (٨/١)، و((شذرات الذهب)) (٤٠/١)، و((النجوم الزاهرة)) (٩٢/١ ) . (٢) في الأصل : ( لعموم ) . (٣) (٣٠) سورة المعارج. (٤) (٢٣) سورة النساء. وهذا الأثر أخرجه الإمام مالك في ((الموطأ)) في كتاب النكاح باب ما جاء في كراهية إصابة الأختين بملك اليمين ( ١٤٨/٣ - ١٤٩ ). وراجع في هذا الأثر: ((تيسير الوصول)) في كتاب النكاح ، الفصل الثاني: ما لا = ٤٩٤ i واحتج أيضاً من كان يبيح شرب الخمر (١) بقوله تعالى: ( لَيْسَ. عَلَىَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَواْ وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْاَ وَآمَنُواَ ) (٢) ، ولم ينكر سائر الصحابة ذلك ، وإنما بيَّنوا لقائل هذا أنه منسوخ . وروي عن عثمان (٣) أنه لما سمع قوله : وكل نعيم لا محالة زائل (٤) يوجب حرمة مؤبدة (١٦٨/٢)، و((تفسير القرطبي)) (١١٧/٥)، ((تفسير = الفخر الرازي)) (٣٤/١٠ - ٣٥)، و ((أحكام القرآن)) ((للجصاص)) ( ٣/ ٧٤ - ٧٥ ) . (١) ينسب القول بإباحة الخمر إلى قدامة بن مظعون رضي الله عنه، فقد روى أنه شربها متأولاً الآية التي ذكرها المؤلف . كما روى ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه : أن قوماً بالشام شربوا الخمر متأولين لهذه الآية ، فقال عمر وعلي رضي الله عنهما : يستتابوا ، فإن تابوا وإلا قتلوا . راجع: (( سنن الدار قطني)) (١٦٦/٣)، فإنه أخرج قصة شارب الخمر من الصحابة، ولم يذكر اسمه، وراجع أيضاً: ((التعليق المغني على الدار قطني)) في الموضع السابق، وانظر: ((تفسير الفخر الرازي)) (٣٤/١٠ - ٣٥). (٢) (٩٣) سورة المائدة . (٣) هو عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب .. القرشي الجمحي ، أبو السائب ، صحابي جليل . هاجر الهجرتين، وشهد بدراً. مات بالمدينة سنة ( ٢ هـ ) ، ودفن بالبقيع . له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٠٥٣/٣) و((الإصابة)) القسم الرابع ص (٤٦١) طبعة دار نهضة مصر . (٤) هذا عجز بيت للشاعر لبيد بن ربيعة العامري رضي الله عنه، ورد البيت في ديوانه = ص (٢٥٦) ، وصدر البيت هو : ٤٩٥ قال : كذبت ، نعيم أهل الجنة لا یزول . وهذا يدل على أنه يجب حمل اللفظ على عمومه عندهم . فإن قيل : يحتمل أن يكون مع كل لفظ قرينة تدل على أن المراد بها الجنس ، وهو دلالة الحال . قيل : لو كان لنقل ؛ لأن ما لا يتم الدليل [ إلا ] به لا يسوغ للراوي ترك نقله ، وحيث لم ينقل ، ثبت أنه ما كان ، يبين صحة هذا أنه معلوم أن الجماعة لم تشترك في معرفة القرينة ، فلو كان موضوع اللفظ لا يفيد ما قلنا ، لم يقتصروا على هذا اللفظ دون القرينة . فإن قيل : يحتمل أن يكون سكوت الصحابة عن الرد على من احتج بالعموم ، لأجل علمها أن هذا الخطأ لا يبلغ بصاحبه المأثم . قيل : هذا لا يصح ؛ لأن ألفاظ العموم جرت في احتجاج بعضها على بعض في الأحكام ، فلو كان عند المحجوج عليه أن لا دلالة في اللفظ ، لسأله عما أوجب القول بعمومه ، كما سأله عن حجاج قوله ، ألا ترى : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل وهو من قصيدة يقول في مطلعها : ألا تسألان المرء ماذا يحاول أُنحب فیقضی أم ضلال وباطل كما ورد البيت منسوباً إلى لبيد في كتاب ((الشعر والشعراء)) لابن قتيبة (٢٩٧/١). وفي كتاب الموشح للمرزباني ص (١٠٠) . وقد نسب المرزباني التكذيب للشاعر إلى عثمان بن مظعون ، كما نسبه إلى أبي بكر الصديق رضي اللّه عن الجميع. المرجع السابق ( ١٠٠ - ١٠١). ولبيد هذا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ، وأسلم ، وحسن إسلامه ، مات سنة (٤١ هـ) وله من العمر (١٤٠ سنة)، وقيل أكثر من ذلك . انظر ترجمته في: ((الاستيعاب)) (١٣٣٥/٣)، و((الإصابة)) القسم الخامس ص (٦٧٥) طبعة دار نهضة مصر. و((الشعر والشعراء)) (٢٧٤/١). ٤٩٦ أن من ألزم غيره ما لا حجة فيه ، لم يلزم ، ولم تجر العادة بسكوته عنده ، ولأنه لو كان هذا لبطل تعلقنا بإجماع الصحابة في إثبات خبر الواحد والقياس ، ولجاز أن يقال : إن سكوت الصحابة في ذلك ؛ لأجل ما ذكره هذا القائل ، دون تصويب الاجتهاد وقبول خبر الواحد . فإن قيل : ما ذكرتموه من أخبار الآحاد ، فلا يجوز أن يثبت بها أصل يقطع به . قيل : أكثرها ثبت من جهة الاستفاضة فيما بينهم وانتشر ، ولكن نقل إلينا نقل آحاد ، وفي جملتها ما يقطع على صحته (١) ، فهو مثل ما نقوله في الإخبار عن شجاعة عنترة وسخاء حاتم (٢) ، ثم نقل إلينا نقل آحاد، ويجب العمل به ؛ لأنه تواتر في المعنى . وأيضاً : فإن أهل اللغة متى أرادوا توكيد العموم أكدوه بلفظ مخصوص لا يؤكدون به الخصوص فقالوا في العموم : رأيت القوم أجمعين ، ورأيتهم كلهم ، وقالوا في الخصوص : رأيت زيداً نفسه ، فلو لا [٦٦/ب] أن للعموم صيغة يتميز بها من الخصوص لما اختلف حكمهما في التوكيد . وقد عبر عن هذا بعبارة أخرى فقيل : لا يستعمل لفظ التأكيد مع اسم العموم إلا في الجنس كله ، فيجب أن يكون الاسم موضوعاً للجنس ، (١) في الأصل : ( صحة ). (٢) هو : حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرىء القيس ، أبو عدي الطائي القحطاني . يضرب به المثل في الجود والكرم . کان فارساً شاعراً ، له دیوان صغير مطبوع. قال صاحب تاريخ الخميس: (( توفي حاتم في السنة الثامنة من مولد النبي صلى الله عليه وسلم)). له ترجمة في: ((الأعلام)) (١٥١/٢)، و((تاريخ الخميس)) (٢٥٥/١)، وفي هامش الأعلام . مراجع أخرى في ترجمته . ٤٩٧ العدة في أصول الفقه - ٣٢ وإلا خرج اللفظ المعرف بالاسم من أن يكون تأكيداً ، لأنه لا يكون تأكيداً إلا أن يكون معناهما واحداً . فإن قيل : قد يؤكد العموم والخصوص بالإشارة ، وإن لم يكن لها صيغة يختص بها أحدهما دون الآخر . قيل : الإشارة لم توضع لتوكيد العموم ، وإنما هي موضوعة للاستعانة بها (١) لينظر بها المخالف الى قصد المشير (٢). فإن قيل : فلو كان للعموم صيغة لاستغني بها عن التوكيد ؛ لأن التأكيد لا يفيد إلا ما أفادته الصيغة ، فلما حسن توكيد العموم بما ذكرتموه علمنا أن العموم لا صيغة له . قيل : هذا يبطل بالاسم الخاص ؛ لأنه يحسن توكيده بأن يقول : رأيت زيداً نفسه ، ثم لا يدل ذلك على أن الخصوص لا صيغة له ، وكذلك الأعداد يحسن توكيدها ، كقولك : عشرة كاملة ، ثم لا يدل ذلك على أن ((العشرة)) ليست موضوعة لعدد مخصوص يفيد ذلك عند إطلاقه من غير تو کید . وجواب آخر وهو : أن الشيء الواحد ، لمّا جاز أن يدل عليه بدليلين وثلاثة وأربعة ، ثم لا يفيد الدليل الثاني والثالث والرابع إلا ما أفاده الأول ، كذلك لا يمتنع أن يؤكد العموم بتأكيد لا يفيد إلا ما أفاده العموم ومع ذلك يكون للعموم صيغة . وأيضاً : فإنا وجدنا أهل اللغة يقولون : هذا اللفظ عموم ، وهذا اللفظ (١) في الأصل: ( بهاء ) . (٢) في الأصل: ( ليضطر بها المخالف إلى قصة المسير )، وهو خطأ من الناسخ ، والصواب ما أثبتناه. وهذا الجواب موجود بمعناه في كتاب: (( المعتمد في أصول الفقه)) لأبي الحسين البصري (٢٢٣/١)، ولم يذكر فيه نص العبارة المشار إليها . ٤٩٨ ! خصوص ، كما يقولون : هذا خبر وهذا استخبار ، ويقولون : هذا اسم واحد ، وهذا اسم تثنية و [ هذا اسم ] جمع ، فلما كان لاسم الواحد والاثنين والجمع والخبر والاستخبار صيغة تختص بها ، كذلك العموم والخصوص (١) . وأيضاً : فإن قوله : ( اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) (٢) لا يخلو إما أن يحمل على العموم لظاهره ، أو على الخصوص ، أو يتوقف فيه ، ولا يجوز حمله على الخصوص لوجهين : أحدهما : أن للخصوص لفظاً هو أخص به من هذا ، فلو أراده لعبر عنه باللفظ المختص به . ولا يصح أن يستثني منه أكثر من قدر الخصوص (٣). ولا يجوز حمله على الوقف ؛ لأن اللفظ يتضمن اقتضاء فعل القتل ، ومن حمله على الوقف لا يعدوه فعلاً ، بل يخرجه (٤) عن الإفادة ، ويكون وجوده كعدمه ، وهذا محال في صفة الحكيم أن يذكر ما لافائدة فيه ، فلم يبق إلا حمله على العموم به . وأيضاً : فإن حسن الاستثناء يدل على الصيغة فإنه يقول: ((اقتلوا المشركين إلا المعاهدين))، ((ومن وصلني وصلته إلا بني فلان))، وحسن (١) هذا الدليل موجود مع اختلاف قليل في كتاب: ((المعتمد في أصول الفقه)) لأبي الحسين البصري (٢٢٢/١) . (٢) (٥) سورة التوبة. (٣) لم يذكر المؤلف الوجه الثاني ، ولعل قوله: ( لا يصح أن يستثنى .. ) إلى هنا ، هو الوجه الثاني . (٤) مشى المؤلف على اعتبار معنى ( من ) ، فلذلك جمع الفعل : ( يعدُّوه ) ، وكان الأولى أن يجمع الفعل المعطوف عليه ، وهو : ( يخرجه ) . ٤٩٩ الاستثناء يدل على أن اللفظ عام في الجنس؛ لأن الاستثناء [٦٧/أ] إخراج ما لولاه لوجب دخوله فيه . فإن قيل : جواز الاستثناء لصلاح اللفظ له ؛ لا لأنه أوجبه . قيل : هذا لا يصح لوجوه : أحدها : أنه قد قيل : أن الاستثناء مشتق من قولهم: (( ثنيت فلاناً عن رأيه ، وثنيت إليه عنان فرسي إذا صرفه إليه)) . وقيل : إنه سُمي استثناء ؛ لأنه تثنية الخبر ، وأيها كان ، فإنه يقتضي أن يكون اللفظ عاماً فيه متناولاً له لو لم يكن الاستثناء (١). وجواب آخر وهو : أن الاستثناء من أسماء العدد يقتضي إخراج بعض ما تناوله اللفظ ، كذلك الاستثناء من ألفاظ الجمع ، والألفاظ المبهمة مثل ذلك ، ولا فرق بينهما . وجواب آخر وهو : أنه لو كان دخول الاستثناء فيه لأنه يصلح ، الصلح أن يُستثنى من جنسه وغير جنسه فنقول : جاء القوم إلا زيداً والا حماراً، كان (( الناس)) يعبر بهم عن الحمير مجازاً لأجل البلادة ، فلما لم يصح هذا ، ثبت أن الاستثناء دخل ؛ لأن اللفظ أوجبه ، لا أنه يصلح له . وجواب آخر وهو : لو كان ؛ لأنه يصلح له ، لا أنه أوجبه ، لما افترق الحال بين أن يقع الاستثناء موصولاً أو مفصولاً ؛ لأنه يخبر عما صلح [ له ] ، فلما ثبت أن الاستثناء لو وقع مفصولاً كان تخصيصاً ، أو نسخاً عند من لا يقول بتخصيص العموم ، بطل أن يكون دخوله فيه ؛ لأنه يصلح له ، وثبت أن دخوله فيه ؛ لأنه يتناوله . وأيضاً: فإنه إذا قال: ((اقتلوا رجلاً من المشركين))، كان الرجل (١) لم يذكر المؤلف بقية الوجوه ، ولكنه ساقها بعد ذلك على شكل جوابات . ٥٠٠ !