النص المفهرس

صفحات 461-480

وكذلك احتج ابن عباس : في أن الأخوات لا يرثن مع البنات (١)
بقوله [ تعالى]: (إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ
فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ) (٢)، فلما ورّث الأخت مع عدم الولد ثبت
أنها لا ترث مع وجوده ، وأقرته الصحابة على هذا الاحتجاج ، وعارضته
بالسنة .
وهذا احتجاج من دليل الخطاب ؛ لأن نطق الآية أفاد ثبوت الإرث
مع عدم الولد ، فأما سقوطه مع وجود الولد ، فإنما أفاده الدليل .
وكذلك امتنع من الرد واحتج : بقوله تعالى : ( إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ
لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ) ، فلا يجوز
أن تزاد على النصف ، والمنع من الزيادة عليه عقله من دليل الخطاب .
وكذلك من قال : لا يجب الغسل من التقاء الختانين ، إذا لم يكن معه
إنزال بقول النبي عَ لِ [٦١/أ]: (الماء من الماء)(٣)، وهذا احتجاج بدليل
الخطاب .
(١) هذا الأثر منسوب إلى ابن عباس وإلى ابن الزبير رضي الله عنهما، فإنهما كانا
يقولان : إن الأخت لا ترث مع البنت شيئاً ، استدلالاً بهذه الآية .
أما الجمهور : فقد ذهبوا إلى أن الأخوات مع البنات عصبة ، وإن لم يكن لهن أخ .
راجع في هذا: (( تفسير ابن جرير)) (٤٤٣/٩)، و ((تفسير القرطبي)) (٦/
٢٩)، و( تفسير القاسمي)) (١٧٧٧/٥)، و((تفسير الرازي)) (١٢١/١١).
(٢) (١٧٦) سورة النساء.
(٣) هذا الحديث أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً في كتاب
الحيض باب الماء من الماء (٢٦٩/١).
وأخرجه أبو داود عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه مرفوعاً في كتاب
الطهارة باب في الإكسال ( ٤٩/١ ).
٤٦١
=

ومن أوجب الغسل قال : هو منسوخ (١).
فدل هذا على أن القول بدليل الخطاب إجماع منهم .
فإن قيل على حديث يَعْلى بن أمية : أن اللّه تعالى أمر بالإتمام حال
الأمن (٢) بقوله: (فَإذَا اطْمَأْنَنْتُم فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ) (٣)، وخص
القصر بحل الخوف ، فكان عندهما : أن الإتمام واجب حال زوال الخوف
بالآية الأخرى ، لا بدليل اللفظ .
قيل : عُمر ويَعْلى رجعا إلى آية القصر دون الآية الأخرى ، فلم
يصح السؤال .
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الطهارة باب ما جاء : أن الماء من الماء (١٨٤/١ )،
=
وقال: (( حديث حسن صحيح )) .
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الطهارة باب الذي يحتلم ولا يرى الماء (٩٦/١).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة باب الماء من الماء (١٩٩/١).
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الطهارة باب الماء من الماء (١٥٩/١).
وأخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده (١١٥/٥ - ١١٦).
وقد تكلم الشيخ أحمد محمد شاكر على إسناد حديث أبي أيوب هذا ، وفصل
القول فيه، وذلك في حاشيته على سنن الترمذي (١٨٤/١ - ١٨٥).
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((تلخيص الحبير)) (١٣٥/١)، و((المنتقى من
أحاديث الأحكام)) ص (٦٢)، و ((نصب الراية)) (٨٠/١).
(١) القول بالنسخ مذهب الجمهور . والناسخ: حديث: (إذا التقى الختانان وجب
الغسل) . وابن عباس رضي الله عنه تأوله: بأن الماء من الماء في الاحتلام.
وقد انعقد الاجماع أخيراً على وجوب الغسل إذا التقى الختانان . هكذا نقله الحافظ
ابن حجر في كتابه: ((تلخيص الحبير)) (١٣٥/١) عن القاضي ابن العربي.
(٢) في الأصل : ( الأمر ) .
(٣) (١٠٣) سورة النساء.
٤٦٢

فإن قيل : من قال : لا يجب الغسل بالتقاء [ الختانين ] ، يحتمل أن
يكون علموا ذلك بدلالة أخرى لا بدليل اللفظ .
قيل : من ذهب إلى هذا رجع إلى قول النبي : ( الماء من الماء ) فلم
يصح السؤال .
فإن قيل : فقوله : ( الماء من الماء ) يقتضي الاستغراق ، فلهذا دل
على نفي ما عداه ، وخلافنا في تخصيص المحكوم فيه ببعض صفاته .
قيل : المعروف من مذهب المخالف : أنه لا فرق بين ما دخله الألف
واللام ، أو لم يدخله .
وأيضاً : فإن أبا عبيد (١) قد قال في قول النبي علام: (لَيُّ الواجد
يحل عرضه وعقوبته ) (٢) دليله: أن ليَّ غير الواجد لا يحل عرضه ولا
(١) هو القاسم بن سلام البغدادي ، أبو عبيد. لغوي ومحدث وفقيه . ذو دين ، وخلق
حسن ، أخذ عن أبي عبيدة والكسائي والفراء وغيرهم . تولى قضاء طرسوس .
له كتب كثيرة، منها: ((الغريب))، و((الأمثال)) و ((الأموال)). ولد بهراة
سنة ( ١٥٠ هـ) على الأصح ، وتوفي بمكة المكرمة ، وقيل : بالمدينة المنورة سنة
(٢٢٤) على الأرجح .
له ترجمة في: ((تذكرة الحفاظ)) ( ٤١٧/٢ )، و (( تاريخ
بغداد)) (٤٠٣/١٢)، و((شذرات الذهب)) (٥٤/٢)، و((طبقات الحنابلة))
(٢٥٩/١)، و((طبقات القراء الكبار)) للذهبي (١٤١/١)، و((طبقات
المفسرين)) الداودي (٣٢/٢)، و ((النجوم الزاهرة)) (٢٤١/٢).
(٢) حديث صحيح رواه الشريد بن سويد الثقفي رضي الله عنه مرفوعاً .
أخرجه عنه أبو داود في كتاب الأقضية باب في الحبس في الدین وغيره ( ٢/
٢٨١) .
وأخرجه عنه النسائي في كتاب البيوع باب مطل الغني (٢٧٨/٧).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الصدقات باب الحبس في الدين والملازمة ( ٢/
=
٨١١) .
٤٦٣

عقوبته . فصرح بالقول بدليل الخطاب ، وهو أوثق من نقل اللغة عن
أهلها ، فوجب المصير إلى ذلك .
فإن قيل : أبو عبيد لم يحك ذلك بعينه عن العرب ، ولا يجوز أن
يجعل ظاهر كلامه أنه عن العرب لكونه من أهل اللغة ؛ لأنه ممن يتكلم
في الأحكام ويختار المذاهب ، فجاز أن يكون قاله من جهة الحكم ، وطلب
فائدة اللفظ .
وقد عارض ذلك ما ذكره الأخفش (١) في قول القائل : ما جاءني غير
زيد ، أن ذلك لا يدل على مجيء زيد .
قيل : أن أبا عبيد ذكر هذا في كتب اللغة ، ولم يذكره في كتب
الأحكام ، والظاهر : أنه لغة العرب .
وقولهم : ما ذكره عن الأخفش لا يعارض قول أبي عبيد ؛ لأن
الأخفش لم يكن من أهل اللغة ، وإنما كان له معرفة بالنحو ، وأبو عبيد
إمام في اللغة ، وله غريب المصنف (٢) وغيره من الكتب في اللغة .
وقد علقه البخاري في كتاب الاستقراض باب لصاحب الحق مقال (١٤٧/٣ ).
=
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((فيض القدير)) (٤٠٠/٥).
(١) هو : سعيد بن مسعدة ، أبو الحسن ، الأخفش الأوسط ، مولى بني مجاشع .
سكن البصرة . ثم دخل بغداد ، وأقام بها مدة ، روى عن هشام بن عروة والنخعي
وغيرهما . وعنه أبو حاتم السجستاني . كان الأخفش معتزلياً . له مصنفات كثيرة ،
منها: ((معاني القرآن))، و((المقاييس في النحو)) و((الأوسط في النحو)).
مات سنة (٢١٠ هـ ) وقيل غير ذلك .
له ترجمة في: بغية الوعاة (٥٩٠/١)، و((شذرات الذهب)) (٣٦/٢)،
و ((طبقات المفسرين)) للداودي (١٨٥/١)، و((الفهرست)) ص (٧٧) ،
المطبعة التجارية، و((مرآة الجنان)) (٦١/٢).
(٢) هذا الكتاب من أجود الكتب اللغوية، وأنفعها ، وقد نسبه الخطيب البغدادي في =
٤٦٤

وأيضاً : فإن أهل اللغة لا يضمون الصفة إلى الاسم، ويقيدون الاسم
بها إلا للتمييز والمخالفة بينه وبين ما عداه .
يبين ذلك : أنهم لا يقولون : اشترِ عبداً أسود ، أو جارية بيضاء ،
أو خبزاً سميذاً (١)، أو لحماً نيئاً أو مشوياً، ولا يقولون: ادفع هذا المال
إلى بني فلان الفقراء منهم ، أو الفقهاء منهم ، وما أشبه ذلك ، إلا لتخصيص
الموصوف بهذا الوصف وتمييزه ، والمخالفة (٢) بينه وبين من عداه .
ومن كان عنده جميع الصفات واحدة لم يقيد خطابه بذلك ، بل
يطلق (٣) الاسم إطلاقاً، ومن قيده مع [٦١/ب] تساويهما عنده كان مسقطاً
في قوله ، ملغزاً في خطابه ، فوجب إذا قال صاحب الشريعة : ( في سائمة
الغنم الزكاة ) أن تكون الزكاة مختصة بالسائمة ، ولا تكون واجبة في المعلوفة ،
ولا يلزم على هذا الاسم المجرد إذا ضم الحكم إليه ؛ لأنا نقول فيه ما
نقوله في الصفة المضمومة إلى الاسم .
وقد صرح بهذا أحمد رضي الله عنه في رواية الميموني وقد سئل عن
((تاريخه)) (٤٠٤/١٢) . إلى القاسم بن سلام ، ونقل عن ابن درستويه النحوي
=
قوله في هذا الكتاب : ( .. وهو من أجل كتبه في اللغة ، فإنه احتذی فیه کتاب
النضر بن شميل المازني الذي يسميه كتاب الصفات ، وبدأ فيه بخلق الإنسان ، ثم
بخلق العرش ، ثم بالإبل فذكر صنفاً بعد صنف ، حتى أتى على جميع ذلك ، وهو
أكبر من كتاب أبي عبيد ، وأجود ) .
كما نسبه إليه الداودي في ((طبقات المفسرين)) (٣٥/٢).
(١) في كتاب ((فقه اللغة)) للثعالبي ص (٣١٧): (سميذاً) بالذال المعجمة لون من
ألوان، الخبز، والكلمة فارسية ، معربة.
(٢) في الأصل : ( المخالف ) .
(٣) في الأصل: ( أطلق ) .
٤٦٥
العدة في أصول الفقه - ٣٠

التيمم بالسهلاة (١) ، فقال : كيف يتيمم بهذه الأشياء ، ليست بصعيد ،
ولكن يتيمم ويعيد جميع ذلك ؛ لأن اسم الصعيد لا يتناوله ، والآية
تضمنت التيمم بما يسمى صعيداً بقوله : ( صعيداً ) فدل على أن غيره لا
يجوز التيمم به .
وكذلك قال في رواية الميموني : لا يتوضأ بماء الورد ، هذا ليس بماء ،
وإنما يخرج من الورد .
وأيضاً : فإن اسم الغنم عام في المعلوفة والسائمة ، فإذا ذكر الصفة معه
فقال : في سائمة الغنم ، فخص الاسم ، فوجب أن يكون مقصوراً عليها ،
كالحكم المعلق على الغاية ، والاستثناء إذا تعقب عدداً .
وقد قال بعضهم : ينظر الحكم ، بماذا اخترل (٢) عم الحكم . فوجب
أن يتضمن نفياً وإثباتاً ، كالاسم المقرون بالاستثناء والمقيد بالغاية .
وأيضاً: فإن النبي عَ لِ امتدح بالاختصار بقوله الله: (أُوتِيتُ
جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصاراً ) (٣) . فإذا قلنا : إن قوله :
(١) هكذا في الأصل : ولعل المراد : الأرض السِّهْلَة بكسر السين ، وهي تراب
کالرمل ، يجيء به الماء .
وعن الجوهري : أنها رمل خشن ، ليس بالدقاق الناعم .
انظر: اللسان (٣٧١/١٣ - ٣٧٢)، مادة: ( سهل) .
(٢) هكذا في الأصل ، ولم أتوصل إلى معرفة المراد .
(٣) هذا الحديث رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً. أخرجه عنه البخاري
في كتاب التعبير ، باب رؤيا الليل (٤٣/٩) بلفظ: (أعطيت مفاتيح الكلم ) .
وفي باب المفاتيح في اليد بلفظ ((بعثت بيجوامع الكلم)) وأخرجه عنه مسلم في
كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٣٧١/١ - ٣٧٢) بلفظ : (أوتيت جوامع
الكلم .. )، ولم يذكر: (واختصر لي الكلام اختصاراً ). وبمثل لفظ المؤلف
أخرجه الدارقطني في سنته بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما ، في
كتاب النوادر (١٤٤/٤ - ١٤٥). وفي إسناده: ((زكريا بن عطية))، قال فيه =
٤٦٦
:

( في سائمة الغنم الزكاة ) ، لم يفد ذكر السوم غير ما أفاده الإطلاق ، حملنا
الكلام على الإطالة من غير فائدة ، فكان حمله على فائدة أولى .
فإن قيل : فائدة تخصيص المذكور بيان الحكم فيه ، ليقف ما سواه
على تعريض المجتهد لطلب الثواب .
قيل : هذه الفائدة غير حاصلة من جهة اللفظ ، بل هي سابقة له ؛
لأن المجتهد معرض لطلب الثواب بالاجتهاد ، فامتنع أن يكون ورود
هذا اللفظ أفاد ذلك ، ولم يبق إلا أن تكون الفائدة ما ذكرنا .
واحتج المخالف :
بأنه لا يجوز أن يكون الله تعالى دليل على حكم من الأحكام ، ويوجد
ذلك الدليل عارياً من مدلوله ، فلما وجدنا الله تعالى قد خص أشياء بذكر
بعض أوصافها ، وعلق بها أحكاماً ، ولم يكن تخصيصها بها موجباً للحكم
بما عداها بخلافها ، نحو قوله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَ دَكُمْ خَشْيَةَ
إمْلاق ) (١) ، فخص النهي عن ذلك بحال خشية الإملاق ، ولم يختلف
النهي في الحالين .
وقوله تعالى: ( فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُم) (٢) ، فخص
أبو حاتم: ((منكر الحديث))، كما ذكر ذلك الذهبي في كتابه: ((المغني في الضعفاء))
=
(٢٣٩/١ ) .
وكذلك أخرجه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبو يعلى في مسنده ، كما حكى
ذلك السيوطي في ((الجامع الصغير)) (٥٦٣/١) مطبوع مع شرحه ((فيض القدير))،
وقد رمز له بالحسن .
وقد ذكر المناوي في كتابه: ((فيض القدير)) (٥٦٣/١ )، أن البيهقي أخرجه في
((الشعب)) عن عمر بن الخطاب أيضاً .
(١) (٣١) سورة الإسراء.
(٢) (٣٦) سورة التوبة .
٤٦٧

النهي عن الظلم لهذه الأشهر ، ثم كان الظلم منهياً عنه في سائر الشهور .
وقوله : (إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشَاهَا) (١) ، وهو عليه السلام
منذر البشر .
وقوله : (لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً)(٢).
علمنا : أن تخصيص الشيء ببعض [٦٢/أ] أو صافه وإيجاب الحكم فيه لا
يدل على أن ماعداه حكمه بخلافه .
والجواب : أن دليل الخطاب سقط في هذه المواضع لقيام الدلالة
عليه .
ثم لا يمنع ذلك لكونه موضوعاً في الأصل على ما اعتبرناه ، كما أن
قيام الدلالة على كون العموم غير مستغرق للجنس ، لا يدل على أنه غير
موضوع في الأصل للاستغراق ، نحو قوله تعالى: ( وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ
شَيْءٍ)(٣)، ومعلوم أنها لم تؤت مثل فرْج الرجل .
وقوله : ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) (٤)، ومعلوم أنه لم يخلق نفسه
سبحانه .
وقوله : ( تُدَمَّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرٍ رَبها ) (٥) ، ومعلوم أنها لم
تدمر السموات والأرض .
فلئن جاز أن يعترض بمثل هذا علينا في دليل الخطاب ، كان لأصحاب
(١) (٤٥) سورة النازعات.
(٢) (١٣٠) سورة آل عمران. وكلمة ((الربا)) ساقطة من الأصل.
(٣) (٢٣) سورة النمل.
(٤) (١٠٢) سورة الأنعام .
(٥) (٢٥) سورة الأحقاف.
٤٦٨

الخصوص أن يعترضوا على الجميع في القول بالعموم بهذه المواضع .
فإن قيل : العموم لا يجوز وجوده عارياً عن إيجاب حكم ، وها هنا
يوجد عارياً عن إيجاب حكم .
قيل : بالقياس يوجد عارياً عن إيجاب حكم ، وهو إن عارضه نص ،
ومع هذا لم يدل ذلك على أنه ليس بحجة .
واحتج : بأن ما يقتضيه الخطاب بصريحه أو دليله طريقه : اللغة دون
غيرها . وثبوته من طريق اللغة لا يخلو من أن يكون بالعقل أو بالنقل ، ولا
يجوز أن يكون بالعقل ؛ لأنه لا مدخل للعقل في إثبات اللغة ، ولا يجوز أن
يكون بالنقل لأنه لا يخلو : إما أن يكون متواتراً أو آحاداً ، ولا يجوز أن
يكون تواتراً ؛ لأنه لو نقل ذلك من طريق التواتر لعلمنا ؛ لأنه لا يجوز
أن يختص المخالف بعلم النقل المتواتر ، ولا يجوز أن يكون آحاداً ؛ لأن
هذه المسألة من مسائل الأصول ، ولا يجوز إثباتها بخبر الواحد الذي لا يوجب
العلم .
ے
والجواب : أنا أثبتناه بالنقل الذي قامت الحجة به ، كما يستدل
المخالف على إثبات العمل بخبر الواحد وبالإجماع بنقلٍ ليس بمتواتر ،
لقيام الحجة عنده بصحته .
وأثبتناه أيضاً بالعقل . وقول المخالف : إن العقل لا مدخل له في
إثباته : ليس بصحيح ؛ لأن له مدخلاً في الاستدلال بمخارج كلامهم على
مقاصدهم وموضوعاتهم ، وقد استدللنا بذلك على ما تقدم بيانه .
واحتج : بأنه لو كان يدل على المخالفة لم يجز أن يصرح بالتسوية
بينهما ، فلما جاز أن يقول : في سائمة الغنم وفي معلوفتها زكاة ، دل على أن
تخصيص السائمة بالذكر لا يدل على المخالفة ؛ لأنه لو دل على المخالفة
لكان ذلك متناقضاً .
٤٦٩

والجواب: أن هذا باطل ((بالغاية))؛ فإنها تدل على خلاف ما قبلها
وإن جاز الجمع بينهما نحو قوله : وأيديكم إلى المرافق واغسلوا ما بعد
المرافق .
وكذلك صيغة العموم تدل على الاستغراق ، وإن جاز أن يقترن بها
[٦٢/ب] دليل الاستثناء، فتقول: اقتلوا المشركين إلا زيداً، ولا يكون هذا
مناقضاً للفظ .
وجواب آخر : وهو أنه لا يمتنع أن يختلف حكم الاتصال والانفصال ،
فيجوز الجمع بينهما باللفظ المتصل، ولا (١) يجمع بينهما في المنقطع ، ألا
ترى أنه لو قال : ( لاَ إلهَ )، وسكت ، حكم بكفره ، ولو وصل ذلك
بقوله : ( إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ)(٢)، لم يكفر (٣)،
وكذلك لو قال لغير مدخول بها : أنت طالق ، وسكت ، طَلُقت ، ولو
قال : إن دخلت الدار ، لم تطلُق قبل وجود الصفة ، كذلك ها هنا .
واحتج : بأن المسموع إيجاب الزكاة في السائمة ، ولم يسمع في المعلوفة
ذكر حكمي ، فوجب التوقف ، كما أن أصل الأحكام قبل أن يرد السمع
على الوقف .
والجواب : أن قبل النطق لم يسمع للمعلوفة حكم بنفي ولا إثبات ،
وبعد النطق قد علم حكم بعضها سمعاً وبعضها مفهوماً من السمع من الوجه
الذي بينا .
يبين صحة هذا : أن الشرع قد يفهم من حكم اللفظ ، كما يفهم
(١) في الأصل: ( فلا ).
(٢) (٩٠) سورة يونس.
(٣) في الأصل: ( لم يكف)، والصواب ما أثبتناه بدلالة السياق . .
٤٧٠

بالنطق ، ألا ترى أن الوجوب معقول من الأمر ، وليس لفظ الوجوب
مسموعاً ، وكذلك حكم التعريض معقول ، وإن لم ينطق به ، كقول
القائل : ما أنا بزان ، ولا أمي يزانية ، في الخصومة ، وكذلك قوله :
( وَلَكِنِ لاَ تُوَاعِدُوهُنّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفً)(١)،
وقوله : (فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفَّ ) (٢) معقول أن لا يضربهما .
واحتج : بأنه لو كان تعليقه على صفة يدل على ضد حكمها لم يوضع
له عبارة تدل عليه ، ولما جاز أن يقول : في السائمة الزكاة ولا زكاة في
المعلوفة ، علم أن ذلك مأخوذ مما وضع له .
والجواب : أن نفي الزكاة في المعلوفة يحصل بالدليل ، والنطق يؤكد ،
كما يقول: اقتلوا المشركين أجمعين، ولو لم يقل ((أجمعين))، لوجب
قتل الجميع كذلك ها هنا .
واحتج : بأنه لو كان للخطاب دليل لوجب أن يبطل حكم
الخطاب ويبقى حكم الدليل ، كما جاز (٣) أن يبطل حكم الدليل
ويبقى حكم الخطاب، وهذا مثل قوله عزالتمٍ : أيما امرأة نكحت نفسها
بغير إذن وليها فنكاحها باطل ) (٤)، دليله : أنها إذا أُذِنت أن
(١) (٢٣٥) سورة البقرة، والآية في الأصل: ( ولا تواعدوهن ... ) وهو خطأ .
(٢) (٢٣) سورة الاسراء.
(٣) هكذا في الأصل، ولعل الصواب : ( كما وجب ) بدليل السياق.
(٤) هذا الحديث روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مرفوعاً . أخرجه أصحاب
السنن إلا النسائي كما أخرجه الإمام أحمد والدارمي والدار قطني والطيالسي
والحاكم والطحاوي ، وكلهم أخرجه في كتاب النكاح إلا الإمام أحمد ، فأبو
داود في باب الولي (٤٨٠/١ - ٤٨١)، والترمذي في باب ما جاء لا نكاح إلا
بولي (٣٩٨/٣ - ٣٩٩)، وقال: ((حديث حسن))، وابن ماجه في باب
لا نكاح إلا بولي (٦٠٥/١)، والإمام أحمد في مسنده (٤٧/٦)، والدارمي في=
٤٧١

يصح (١)، وعندكم: لا يصح ، فيبطل حكم الدليل، ويبقى حكم الخطاب .
وكذلك : قوله ( لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ) ، دليله : أن الثالثة
تحرم ، وعندكم : لا تحرم ، فسقط حكم الدليل ، ويبقى حكم الخطاب ،
ولهذا نظائر .
والجواب : أنه لا يمتنع أن نقول : يبطل حكم الخطاب ، ويبقى
حكم الدليل ؛ لأن النطق ودليله يجريان مجرى نطقين ، فيجوز أن يسقط
أحدهما ويبقى حكم الآخر .
وقد أومأ أحمد رحمه اللّه إلى هذا في [٦٣/أ] رواية محمد بن العباس
وقد سئل عن الرضاع فقال: ((عن النبي ◌ْ له: ( لا تحرم الرضعة ولا
الرضعتان )، فأرى أن الثالثة تحرم ))، فأسقط الخطاب في الرضعتين ،
وبقي حكم الدليل في الثالثة .
باب النهي عن النكاح بغير ولي (٦٢/٢)، والدار قطني (٢٢١/٣)، والطيالسي
=
في باب قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا نكاح إلا بولي))، وما جاء في العضل
(٣٠٥/١)، والحاكم في باب ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها
باطل)) (١٦٨/٢)، وقال: ((هذا حديث صحح على شرح الشيخين، ولم
يخرجاه))، والطحاوي في باب النكاح بغير ولي عصبة (٧/٣) من كتابه: ((شرح
معاني الآثار.)) .
وقد حكى الزيلعي في ((نصب الراية)) ( ١٨٤/٣ - ١٨٥ )، أن ابن حبان رواه
في (صحيحه))، كما رواه ابن عدي في ((كامله))، وتكلم عليه ابن الجوزي في
((التحقيق))، وابن عبد الهادي في ((التنقيح وراجع بالإضافة إلى ما سبق: ((تلخيص
الحبير)) (١٥٦/٣ - ١٥٧) و ((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٥٣٩)،
و ((التعليق المغني على الدار قطني)) لمحمد شمس الحق عظيم آبادي (٢٢١/٣).
(١) دليل الخطاب بعبارة أوضح : أن المرأة إذا نكحت نفسها بإذن وليها فنكاحها
صحيح .
٤٧٢

قال أبو بكر بن فورك : وهذا [ هو ] الصحيح .
ويحتمل : أن الدليل يسقط ، ويبقى حكم اللفظ ؛ لأن الدليل فرع
النطق ونتيجته ، فلا يصح ثبوت الفرع مع إسقاط الأصل ، وهذا هو
الأشبه ، ويفارق هذا النطقين ؛ لأن كل واحد منهما ليس بأصل للآخر .
واحتج : بأنه لو كان للخطاب دليل لوجب أن يكون ضد النطق
فقط ، لا يكون ضداً لغيره ، مثل قوله : ( في سائمة الغنم الزكاة ) ، كان
يجب أن يكون دليله : أن غير سائمة الغنم لا زكاة فيها ، وقد قلتم : إن
دليله في غير السائمة من الإبل والبقر [ و] اللفظ لم يتناول ذلك.
والجواب : أنه قد قيل : إنه يقتضي سقوط الزكاة عن معلوفة الغنم
فحسب ؛ لأن الدليل ما كان مضاداً للنطق ، فيتعلق به ضد ما تعلق بالنطق ،
ونطقه أفاد ثبوت الزكاة في الغنم حسبُ ، فيجب أن يكون دليله سقوط
الزكاة عن معلوفة الغنم حسبُ .
وقيل : إنه يقتضي سقوط الزكاة عن معلوفة الحيوان كله ، وهو
ظاهر كلام أحمد رحمه الله في رواية إبراهيم بن الحارث (١) ؛ لأنه ذكر
له حديث بَهْز بن حكيم (٢) عن أبيه عن جده عن النبي عَ لّهِ: (في كل
(١) هو : إبراهيم بن الحارث بن مصعب بن الوليد بن عبادة بن الصامت . من كبار
أصحاب الإمام أحمد وقد كان من المكرمين عنده . نقل عن أحمد كثيراً من
المسائل ، بلغت أربعة أجزاء .
له ترجمة في ((طبقات الحنابلة)) (٩٤/١ ).
(٢) هو : بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة ، أبو عبد الملك القشيري البصري . روی
عن أبيه وعن زرارة بن أوفى ، وعنه سفيان ويحيى القطان وغيرهما . اختلف
فيه: فوثقه ابن معين وابن المديني والنسائي. وقال أبو داود: ((أحاديثه صحاح)).
وقال أبو حاتم: ((هو شيخ ، يكتب حديثه، ولا يحتج به )) . وقال فيه الذهبي :
((صدوق، فيه لين)) والحق أنه حسن الحديث كما ذهب إليه غير واحد من المحققين .=
٤٧٣

إبل سائمة ) (١) ، هل يدخل في هذا أنه لا يكون إلا في السائمة ، ولا يكون
في العوامل زكاة ؟ فقال : أجل ، لا يكون في العوامل زكاة، ولا يكون
إلا في السائمة . فعم سقوط الزكاة في غير السائمة من سائر الحيوان باللفظ
المنصوص عليه في الإبل .
قال ابن فورك : هو الظاهر (٢)؛ وذلك لأن السوم يجري مجرى
العلة في تعلق الحكم به ، فوجب كذلك حيث وجد ، وعدمه حيث عدم
كالشرط المعلق عليه الحكم .
ويلزم هذا القائل : أن يقول : ما عدا السائمة من الغنم لا زكاة فيه من
الحيوان وغيره ، حتى لو استدل به على أن الزيتون لا زكاة فيه كذلك ،
جاز، لأنه ليس بغنم سائمة. وقد لا يلزمه ذلك؛ لأن النطق اقتضى إيجاب الزكاة
فيما فيه السوم ، فاقتضى إسقاطه فيما لا سوم فيه مما يدخله السوم .
واحتج : بأنه لو كان دليل الخطاب حجة في الإثبات لكان حجة في
النفي .
والجواب : أنه حجة في النفي ، كما هو حجة في الإثبات ، ولا
له ترجمة في: ((الجرح والتعديل)) (٤٣٠/٢ - ٤٣١)، و((المغنى في الضعفاء))
(١١٦/١)، و ((ميزان الاعتدال)) (٣٥٣/١).
(١) هذا الحديث أخرجه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعاً أبو داود في
كتاب الزكاة باب في زكاة السائمة (٣٦٣/١)، وأخرجه عنه النسائي في كتاب
الزكاة باب سقوط الزكاة عن الإبل ( ١٧/٥)، وأخرجه عنه الدارمي في كتاب
الزكاة باب ليس في عوامل الإبل صدقة ( ٣٣٣/١).
کما أخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده في ( ٢/٥) وسنده حسن .
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٣١١).
(٢) في الأصل : ( طر ) .
٤٧٤

فرق بين قوله: ((القطع في ربع دينار))، وبين قوله: ((لا قطع إلا في ربع
دينار)) .
وقد قال أحمد رحمه الله: قوله: ((لا وصية [٦٣/ب ] لوارث))
دليل على أنها تصح لغير وارث .
فصل (١)
والدلالة على أنه إذا كان معلقاً باسم دل على أن ما عداه بخلافه :
أن (٢) الصفة وضعت للتمييز بين الموصوف وغيره ، كما أن الاسم
وضع لتمييز المسمى من غيره ، فإذا قال : إدفع هذا إلى زيد أو إلى عمرو ،
واشترٍ لي شاةً أو جملاً ، وما أشبه ذلك ، لم يجز العدول عنه ، وكانت
التسمية للتميز والمخالفة بينه وبين ما عداه كالصفة سواء ، ثم لو علق الحكم
على صفة دل [ على ] أن ما عداه بخلافه ، كذلك إذا علقه بالاسم .
فإن قيل : الاسم لا يجوز أن يكون علة للحكم ، والصفة يجوز أن تكون
علة .
قيل : يجوز أن يكون الاسم علة كالصفة .
وقد قال أحمد رحمه الله في رواية الميموني: يتوضأ بماء الباقلاً،
وماء الحمص ؛ لأنه ماء ، وإنما أضفته إلى شيء لم يفسده ، وإنما غير
لونه . فقد جعل العلة في جواز الوضوء به : وقوع اسم الماء عليه .
فإن قيل : لو قال : أوجبت الزكاة في الغنم ، وأوجبتها في البقر ، لم
(١) راجع في هذا الفصل: ((المسودة)) ص (٣٥٢ - ٣٥٣)، و « شرح الكوكب
المنير)) ص (٢٤٩ - ٢٥٠)، و((نزهة الخاطر)) لابن بدران (٢٢٤/٢ - ٢٢٥).
(٢) ( أن ) مكررة في الأصل .
٤٧٥

1
يتنافيا (١) ذلك، ولو قال : في سائمة الغنم وفي المعلوفة زكاة تنافيا ،
وسقط أن يكون الحكم متعلقاً بصفة السوم أو بصفة العلف ، وصار
الوجوب متعلقاً (٢) باسم الغنم فحسب .
ولأنهم يسمون كل واحد من الجماعة باسم مع تساويهم في الحكم ،
فيقولون : أعط زيداً وعمراً وخالداً وبكراً ، واشتر لحماً وتمراً ، ولا
يضمون صفة إلى اسم ، والموصوف بالصفة وبضدها سواء عندهم في
الحكم ، فلا يقولون : إدفع إلى رجل فقير أو إلى رجل غني ، والفقير
والغني سواء عندهم (٣).
قيل : لا فرق بينهما ، وذلك أنهم يضمون صفة الى اسم الموصوف ،
كما يضمون اسماً إلى اسم ، فيقولون : إعط الفقراء والأغنياء .
وعلى أن هذا باطل ؛ ((- الغاية))، فإن ما بعدها (٤) مخالف لما قبلها ،
وإن كان يجوز الجمع بين ما بعد الغاية وما قبلها ، فيقول : اغسلوا أيديكم
إلى المرافق، واغسلوا ما فوق المرافق، كذلك لا يمتنع في الحكم إذا علق باسم
يجوز الجمع بينه وبين ضده ، ومع هذا إطلاقه يدل على خلافه .
فإن قيل: لو قال: زيد أَكَلَ ، لم يدل على أن غيره لم يأكل ، ألا
ترى أنه لو أفاد ذلك لما حسن أن يخبر من بعد . أن عمراً أَكَلَ ؛ لأنه
يكون متناقضاً (٥) في كلامه ، وكذلك لو قال : جاء زيد الطويل ، دل على
أن ما عداه بخلافه ؛ لأن هذه زيادة صفة .
قيل : لا نسلم هذا ، بل نقول : قوله : زيد أَكَلَ ، يدل على أن
(١) في الأصل : ( يتنافا ) .
(٢) في الأصل ( منطلقاً ).
(٣) في الأصل: ( عنده)، والصواب ما أثبتناه ؛ لعود الضمير على جمع .
(٤) في الأصل: (بعده) ، والصواب ما أثبتناه ، لعود الضمير على مؤنث .
(٥) في الأصل : ( مناقضاً ).
٤٧٦

غيره لم يأكل ، ثم هذا باطل بالصفة ، فإنه لو قال : السائمة أكلت ،
وجاءت السائمة ، لم يدل ذلك على أن المعلوفة لم تأكل ولم تجىء ، ومع هذا
تعليق الحكم بها يدل على خلافها .
وما ذكروه من أنه يحسن أن يخبر [٦٤/أ] بعد ذلك أن عمراً قد أكل ،
فإنه يبطل بالصفة ، فإنه يصح أن يخبر (١) [ أن في ] السائمة زكاة ، ويخبر
بعد ذلك في المعلوفة .
فإن قيل : استعمال دليل الخطاب في الاسم يسد باب القياس ؛ لأنه
إذا قال: لا تبيعوا البر بالبر، يجب أن لا يقاس الأرز عليه ؛ لأن تخصيص البر
بالذكر يوجب إباحة التفاضل في غيره ، فلما كان مانعاً من القياس الثابت
وجب اطراحه .
قيل : هذا لا يصح لوجوه :
أحدها : أن الكلام في هذه المسألة في أصل اللغة ، وهل للخطاب دليل
أم لا ؟ والقياس حكم شرعي ، فكان يجب أن يثبت له دليل في أصل اللغة
وإن منع منه الشرع .
وعلى أن هذا يبطل بالصفة ، فإنه يمنع القياس فيما عداها ، كذلك
الاسم يمنع القياس فيما عداه ، ولا فرق بينهما .
وعلى أنه كان يجب استعماله ما لم يعترض(٢) على معنى اللفظ فإذا
اعترض (٣) عليه سقط ، كما استعملنا الدليل ما لم يعارض التنبيه ، نحو قوله :
( فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفَّ) (٤) دليله : أن غير التأفيف يجوز، لكن لما كان
ذلك يسقط معنى اللفظ سقط .
(١) في الأصل : ( غير ) .
(٢) في الأصل. ( يعرض ).
(٣) في الاصل : (أعرض ).
(٤) (٢٣) سورة الاسراء ، والآية في الأصل: (ولا تقل ... ) بالواو ، وهو خطأ .
٤٧٧

فصل (١)
أفعال النبي مماترٍ لها دليل
وقد قال أحمد رحمه اللّه في رواية حنبل : لا يصلى على القبر بعد
شهر، على ما فعل النبي عَ لِ على قبر أم سعد (٢) بعد شهر (٣). فجعل
صلاته بعد شهر دليلاً على المنع فيما زاد عليه ، لأن الفعل كالقول في
أنه يقتضي الإيجاب ، ويخصص به (٤) العموم .
(٥)
فصل (٥)
قوله عليه السلام : ( إنما الولاء لمن أعتق ) ، يقتضي نطقه : إثبات
(١) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (٣٥٣)، و (( شرح الكوكب المنير))
ص (٢٥٠ ) .
(٢) هي : كبشة بنت رافع بن عبيد ، أم سعد بن معاذ الخزرجية . صحابية . عاشت
إلى أن توفي ابنها سعد بن معاذ ..
لها ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٩٠٦/٤)، و((الإصابة)» القسم الثامن ص
(٩١)، طبعة دار نهضة مصر.
(٣) هذا الحديث أخرجه البيهقي في كتاب الجنائز ، باب الصلاة على القبر بعدما يدفن
الميت (٤٨/٤ - ٤٩ )، عن ابن عباس رضي الله عنه موصولاً وفي إسناده
( سويد بن سعيد ) ، متكلم فيه .
وأخرجه البيهقي عن سعيد بن المسيب مرسلاً في الموضع السابق ، وقال : ( وهو
مرسل صحيح ) ، كما قال : ( والمشهور عن قتادة عن ابن المسيب عن النبي صلى
اللّه عليه وسلم مرسلاً ) .
ووافقه ابن حجر على ذلك في كتابه: ((تلخيص الحبير)) ( ١٢٥/٢)، وأخرجه
مرسلاً الترمذي في كتاب الجنائز ، باب ما جاء في الصلاة على القبر (٣٤٧/٣).
(٤) في الأصل : ( بها ) .
(٥) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (٣٥٤)، و (( شرح الكوكب المنير )) ص
(٢٥٠ - ٢٥٢)، و((روضة الناظر)) ص (١٤٣).
٤٧٨
1

الولاء للمعتق ، وانتقاء الولاء لغير المعتق مستفاد من ناحية الدليل (١)
وقال قوم : النطق أفاد الأمرين معاً (٢)، وهو اختيار أبي عبدالله
الجرجاني ؛ لأنه ذكر هذا الخبر وقال : قد قيل : إن ذلك يدل على نفي
غيره ، قال : وهو قول محتمل ؛ لأنه يستعمل على وجه التأكيد للمذكور
وتحقيقه، مثل قوله : ( إنَّما اللّهُ إلهٌ وَاحِدٌ) (٣).
ولأنه يشبه الاستثناء من الجملة ؛ لأن هذه إنما يستحق الإلهية إله
واحد ، وإنما الولاء يستحقه الذي يعتق، فأشبه (٤) النفي والإثبات في
الأشياء (٥) .
دليلنا :
إن قوله : ( إنما الولاء لمن أعتق ) ، إنما فيه الولاء للمعتق فحسب ،
وأما النفي فليس في اللفظ ما يقتضيه ، فلم يجز أن يدعي انتفاء الولاء من
نفس اللفظ ، وإنما هو مستفاد من الدليل ، فلا يشبه هذا قوله : ( لا صلاة
إلا بطهور ) .
(١) وبهذا قال ابن عقيل والحلواني من الحنابلة .
انظر المراجع السابق ذكرها .
(٢) وبهذا قال أبو الخطاب والموفق ابن قدامة من الحنابلة .
انظر المراجع السابق ذكرها .
(٣) (١٧١) سورة النساء .
(٤) في الأصل : ( فنبه ) .
(٥) هناك رأي ثالث في المسألة، لم يذكره المؤلف، وهو: أن (إنما ) لا تفيد الحصر
نطقاً ولا فهماً ، وإنما تؤكد الإثبات ، وبه قال أكثر الحنفية واختاره الآمدي
والطوفي ، وإليه مال أبو حيان ..
راجع في هذا: ((الإحكام)) للآمدي (٩١/٣)، و ((شرح الكوكب المنير)):
ص (٢٥١)، و((فواتح الرحموت على مسلم الثبوت)) (٤٣٤/١).
٤٧٩

1
ولأن في اللفظ نفياً وإثباتاً ، فحكم بأن الأمرين معاً استفيدا من نفس
اللفظ .
وما ذكروه من انها تستعمل على وجه التأكيد للمذكور [٦٤/ب]
وتحقيقه ، فهو كما قال ، إلا أن المذكور هو إثبات الولاء للمعتق ، فأما
نفيه عن غير المعتق فغير مذكور .
وقوله : يشبه الاستثناء من الجملة ، دعوى .
فصل (١)
مفهوم الخطاب والتنبيه واحد
وهو مثل قوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ
بِقِنْطَارٍ يُؤَدَّهٍ إلَيْكَ) (٢)، نبه على أنه إذا أمن (٣) بدينار أدّاه.
وكذلك قوله تعالى: ( فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفّ ) (٤)، نبه على المنع
من الضرب وهذا مستفاد من فحوى الخطاب ومفهومه ، لا من نطقه .
وقد احتج أحمد بمثل هذا في مسائله فقال رحمه اللّه في رواية أحمد
ابن سعيد (٥): لا شفعة لذمي، واحتج بقول النبي معَ اللّه: (إذا لقيتموهم
(١) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (٣٤٦ - ٣٤٧)، و (( شرح الكوكب
المنير)) ص (٢٤٠ - ٢٤١). و ((روضة الناظر)) ص (١٣٨).
(٢) (٧٥) سورة آل عمران . والآية في الأصل: (ومنهم من إن تأمنه .. ) ، وقد
صوب الناسخ الآية في الهامش بما هو ثابت في المصحف الكريم .
(٣) في الأصل : ( أمر ).
(٤) (٢٣) سورة الاسراء ، والآية في الأصل: ( ولا تقل ... ) بالواو ، وهو خطأ .
(٥) في ((طبقات الحنابلة)) (٤٥/١ - ٤٦)، ثلاثة بهذا الإسم. فالأول : أبو العباس
اللحياني، والثاني : أبو عبد الله الرباطي، والثالث: أبو جعفر الدارمي، وكلهم =
٤٨٠