النص المفهرس

صفحات 421-440

ويقضي دينه (١) ؛ لأنه يتوصل بذلك إلى أداء الواجب (٢).
مسألة (٣)
[ هل تتوقف أوامر الله لعباده على المصلحة ]
الأمر لا يقف على المصلحة . وقد يجوز أن يأمر بما لا مصلحة للمأمور
فيه ولكن التكليف منه إنما يقع على وجه المصلحة .
خلافاً للمعتزلة في قولهم : يقف على المصلحة (٤) .
والكلام في ذلك مبني على أصول :
أحدها : أنه يجوز أن يأمر بما لا يريد ، وما لا يريده لا مصلحة فيه .
وقد دل على هذا الأصل : أمره لابراهيم بذبح ولده ، ولم يرد وجوده
منه ؛ لأنه نهاه عن فعله ، وفداه بالكبش .
الأصل الثاني : أنه لا يجب عليه فعل الأصلح في خلقه ، وإذا لم يجب
عليه ذلك لم يقف أمره على المصلحة ؛ لأنها غير واجبة عليه .
وقد دل على هذا الأصل : أنه لو وجب عليه فعل الأصلح ، لم يستحق
(١) هذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. والرواية الأخرى : أنه لا يجبر على
التكسب .
انظر: ((المغني)) لابن قدامة ( ٤٠٠/٤ - ٤٠١ ) .
(٢) لم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى الاختلاف في المسألة، ولا دليل المخالف ، كما
هي عادته ، وإنما اكتفى بذكر اعتراض للمخالف مع الرد عليه .
(٣) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (٦٣ - ٦٥)، وشرح ((الكوكب المنير))
ص (٩٦) .
(٤) راجع في هذا ((المعتمد)) لأبي الحسين البصري (١٧٨/١ - ١٧٩).
٤٢١

الثناء والمدح ؛ لأنه فعل ما يجب عليه فعله ، ولمّا أجمعنا على أنه يستحق
ذلك ، علم أنه لا يجب عليه ذلك ، وإنما يفعله تفضلاً .
والأصل الثالث : أن من قال : يقف الأمر على المصلحة بناه على
أصل ، وهو : أنه يقبح في العقل أن يأمر بما لا مصلحة فيه .
ونحن نبينه على هذا الأصل، وأن (١) العقل لا يقبح ولا يحسن (٢) ،
وإذا لم يدل ذلك لم يقف على المصلحة ؛ إذ ليس هناك ما يمنع من ضد
المصلحة .
وقد دل على هذا الأصل قوله تعالى : ( وَمَا كنّا معَذَّبِينَ حَتّى
نَبْعَثَ رَسُولاً ) (٣) فأخبر أنهم آمنون من العذاب قبل بعثة الرسل إليهم ،
فعلم أن اللّه تعالى لم يوجب على العقلاء شيئاً من جهة العقل ، بل أوجب
ذلك عند مجيء الرسل .
وقوله تعالى: ( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكَوَنَ
(١) هكذا في الأصل : ( وأن) والإتيان بالواو هنا تعبير درج عليه المؤلف، وإلا
فالكلام لا يستقيم إلا بحذفها .
(٢) كون العقل لا يقبح ، ولا يحسن ، ولا يوجب ، ولا يحرم ، قول الإمام أحمد
وأكثر الأصحاب ، ومن أقوال الإمام أحمد في هذا ، ( ليس في السنة قياس ،
ولا يضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقل ، وإنما هو الاتباع ) .
وقد ذهب بعض الحنابلة إلى أن العقل يقبح ، ويحسن ، ويوجب ، ويحرم ،
منهم : أبو الحسن التميمي وأبو الخطاب وابن القيم .
ونقل عن الشيخ تقي الدين قوله : ( الحسن والقبح ثابتان ، والإيجاب والتحريم
بالخطاب ، والتعذيب متوقف على الإرسال ) .
راجع: (( شرح الكوكب المنير)) ص (٩٦).
(٣) (١٥) سورة الاسراء.
٤٢٢

لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرُّسُل) (١)؛ فلو كان العقل حجة
عليهم ، لما قال: ( لِثَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ
الرَّسُل) بل كان الواجب [٥٥/ب] أن يقول: لئلا يكون للناس على الله
حجة بعد العقل ، ولما لم يقل هذا ثبت أن العقل لا تأثير له في ذلك .
ويدل على هذه المسألة من غير بناء على أصل : أن اللّه تعالى أمر
إبراهيم بالذبح ومنعه منه قبل وقوع الفعل ، فلو كان أمره بالذبح مصلحة
لم ينهه عن فعله قبل فعله ، فلما نهاه عنه علمنا أنه لم يكن له مصلحة في
ذلك الأمر .
ويدل عليه أيضاً : اتفاق الجميع على أنه قد يأمر من قد سبق في علمه
أنه لا يفعل ما أُمر به ، كأمره للكفار بالإيمان ، وقد علم أنهم لا يؤمنون ،
ومعلوم أنه لا مصلحة لهم في هذا الأمر ؛ لأن تركه لا يوجب عليهم مأثماً ،
لأنه لا يوجد من جهتهم مخالفة ، وبالأمر يحصل منهم مخالفة ، فيستحقوا
على ذلك العذاب ، فكان ترك الأمر أنفع لهم منه . وجرى هذا مجرى من
علم من حاله أنه متى دفع إليه سيفاً يقاتل به ، قتل به نفسه ، فإن المصلحة
له أن لا يعطيه شيئاً ، وكذلك من علم من حاله أنه متى سافر قطع عليه
وقتل ، ولم يصل إلى ربح ، كان الأصلح له ترك ذلك . وهذه طريقة
جيدة على هذه المسألة (٢) .
(١) (١٦٥) سورة النساء.
(٢) في ((المسودة)) ص: (٦٤) تحرير لمحل النزاع، حيث جاء فيها : ( ... وذلك
أن عندنا للأمر بالشيء لمصلحة ثلاث جهات :
أحدها : نفس الأمر بقيد الاعتقاد والعزم .
وثانيها : الفعل من حيث هو مأمور به تعبداً وابتلاءً وامتحاناً .
وثالثها : نفس الفعل بما اشتمل عليه من المصلحة .
والمعتزلة تنكر القسمين الأولين .
٤٢٣
---- --

وقد ذكر بعضهم طريقة في هذا فقال : قد أمر الله تعالى بالدعاء
ولا مصلحة في ذلك على قول المخالف ؛ لأن الداعي إن كان عاصياً لم ينفعه
دعاؤه ؛ لأنه قد استحق الخلود في النار ، وإن كان طائعاً لم ينفعه دعاؤه ؛
لأنه قد استحق الثواب الدائم بالطاعة .
وهذه طريقة لينة ؛ لأن الأمر بالدعاء يفيد على قولهم زيادة في الآخرة ،
كما أن تكليفه عبادة بعد عبادة يفيد زيادة في الآخرة .
وبناء المخالف الكلام في هذه المسألة على الأصول التي ذكرناها .
والكلام معه في تلك الأصول .
سؤال إن قيل : هل يجوز أن يقول : افعل ما أردته منك إن لم أكرهه ؟
قيل : لا يجوز ؛ لأنه قد قام الدليل على قدم إرادته ، وكونه لم يزل
مريداً لما أراده ، واستحالة كونه كارهاً له بعد إرادته ، فلم يجز اشتراط
ذلك ، ذكر هذا السؤال أبو بكر ، ومنع منه (١) .
فعلى هذا يجوز أن يأمر بفعل لا مصلحة فيه ، بل في الأمر والتكليف به .
=
الثاني : أنه يجوز أن يأمر العبد بما لا مصلحة فيه ، على تقدير المخالفة فتكون
المصلحة في الفعل لو وقع ، لا مصلحة للعبد في نفس تكليفه ، كالأمر بالإيمان ،
وهذا مما لا يختلف أهل الشرائع فيه .
الثالث : أنه يجوز أن يأمر بما لا مصلحة فيه على تقدير الموافقة ، بمعنى : أن العبد
لو فعل المأمور به لم تكن له فيه مصلحة ، فهذا جائز لله ؛ لأنه يفعل ما يشاء ،
ويحكم بما يريد ، خلافاً للمعتزلة ( في قولهم ) : هو غير جائز له .. ).
(١) الحقيقة أن هذه المسألة من المسائل العويصة، ولكن المؤلف - رحمه الله - رسم
الخطوط العريضة لها .
وبقي عليه مسألة ، لم يتعرض لها ، وهي : جواز وقوع الأوامر لغير مصلحة ،
فنفاه الأكثرون من السلف والخلف .
وذهبت طائفة إلى جواز خلو المشروعات عن المصالح ، وهؤلاء على طرفي نقيض
مع المعتزلة .
راجع ((المسودة)) ص (٦٤ - ٦٥ ).
٤٢٤

باب النواهي
مسألة (١)
[ صيغة النهي ]
للنهي صيغة مبنية تدل بمجردها عليه ، وهو قول القائل لمن دونه :
لا تفعل ، كالأمر سواء .
نص عليه الإمام رضي الله في رواية عبد الله فقال: ما نهى النبي مع اله
عنه ، فمنه أشياء حرام ، مثل نهيه أن تنكح المرأة على عمتها وعلى خالتها(٢) ،
(١) راجع هذه المسألة: في كتاب ((التمهيد في أصول الفقه)) الورقة ( ٤٧/ب ) ،
و ((المسودة)) ص (٨٠) .
(٢) هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب النكاح ، باب لا تنكح المرأة على عمتها
عن جابر وعن أبي هريرة رضي الله عنهما (١٥/٧ ).
وأخرجه مسلم في كتاب النكاح ، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها
في النكاح عن أبي هريرة رضي الله عنه (١٠٢٩/٢ - ١٠٣٠).
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب النكاح ، باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء
(٤٧٦/١ ) .
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء لا تنكح المرأة على عمتها =
٤٢٥

ونهى عن جلود السباع أن تفترش (١) ، فهذا حرام . ومنه أشياء نهي
عنها نهي أدب .
خلافاً للمعتزلة في قولهم: لا يكون [٥٦/أ] نهياً لصيغته، وإنما يكون
نهياً بإرادة الناهي كراهية المنهى عنه .
وخلافاً للأشعرية في قولهم : لا صيغة له ، وإنما هو معنى قائم في
النفس .
والكلام في هذا كالكلام في الأمر سواء ، وقد دللنا بما فيه كفاية .
ويدل عليه أيضاً إجماع الصحابة ، فإنهم كانوا يرجعون إلى ظواهر
النواهي في ترك الشيء .
ولا على خالتها (٤٢٤/٣).
=
وأخرجه عنه النسائي في كتاب النكاح ، باب تحريم الجمع بين المرأة وخالتها
(٨٠/٦ - ٨١).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب النكاح ، باب لا تنكح المرأة على عمتها ولا على
خالتها ( ٦٢١/١ ) .
وأخرجه عنه الطيالسي في أبواب الأنكحة المنهي عنها ، باب تحريم الجمع بين
المحارم ( ٣٠٨/١ ) .
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) (١٦٩/٣ - ١٧٠).
(١) هذا الحديث رواه أبو المليح عن أبيه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مرفوعاً أخرجه
عنه الترمذي في كتاب اللباس ، باب ما جاء في النهي عن جلود السباع (٢٤١/٤) ،
. بمثل لفظ المؤلف مرة ، ومرة لم يذكر قوله : ( أن تفترش) .
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الفرع والعتيرة ، باب النهي عن الانتفاع بجلود
السباع ( ١٥٦/٧ ) .
والحديث روي مسنداً ومرسلاً ، والمرسل أصح كما قال الترمذي فيما سبق ،
والمناوي في: ((فيض القدير)) (٣٢٨/٦).
٤٢٦

من ذلك قول ابن عمر رضي الله عنه : كنا نخابر أربعين عاماً ، لا
نرى بذلك بأساً ، حتى أتانا رافع فقال: نهى رسول اللّه ◌َ الله عن المخابرة،
فانتهينا بقول رافع (١) . وغير ذلك من الظواهر .
ولأن السيد إذا قال لعبده : لا تفعل كذا ، ففعل صلح أن يعاقبه عليه .
وقد ورد لفظ (( لا تفعل)) في القرآن على وجوه :
منها : ما ورد على وجه الرغبة والسؤال، مثل قوله: (لاَ تُؤَاخِذْنَا
إِنْ نَسِينَا) (٢).
ومنها : ما ورد بلفظ التقرير مثل قوله : ( إنْ سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ
بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي) (٣).
وقد ورد على وجه التحذير ، مثل قول القائل لعبده : الآن قد أمرتك ،
لا تفعل (٤).
:
وورد على وجه الاستقلال ، مثل أن يقول : لا تكلمني ، فإنك لست
بأهل للكلام (٥) ولا موضعاً له .
ويرد لتسكين النفس مثل قوله : ( فَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُم) (٦).
ويرد على وجه الأمان من الخوف ، مثل قوله تعالى : (لاَ تَعْتَذِرُوا
الْيَوْمَ ) (٧) .
(١) هذا الحديث سبق تخريجه .
(٢) (٢٨٦) سورة البقرة .
(٣) (٧٦) سورة الكهف .
(٤) في الأصل : ( فلا تفعل ) ، والتصويب من الناسخ في هامش الأصل نقلاً عن
ابن حمدان .
(٥) في الأصل : الكلام .
(٦) (٧٦) سورة يس .
(٧) (٧) سورة التحريم.
٤٢٧

وورد للعظة، مثل قوله تعالى : ( لاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم) (١)،
( وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم) (٢)، (وَلاَ تَقْرَبُوا الزَّنَى) (٣)، (لاَ
تَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ كَذِباً ) (٤).
مسألة (٥)
[ النهي المطلق يقتضي الفور والتكرار ]
والنهي يقتضي المبادرة إلى ترك المنهى عنه على الفور ، كالأمر وأنه
يقتضي التكرار كالأمر سواء .
وقال أبو بكر ابن الباقلاني : لا يقتضي التكرار، كالأمر ، ولا يقتضي
الفور .
وما ذكرناه في الأوامر فهو دلالة في النهي ، فلا وجه لإعادته .
ولأن الواحد من أهل اللغة متى قال لعبده : لا تدخل هذه الدار ،
فترك المأمورُ دخولها ساعة ، ثم دخلها استحق الذم عند سائر العقلاء ،
فدل على أنه يقتضي التكرار .
مسألة (٦)
[ النهي عن أشياء بلفظ التخيير يقتضي المنع من أحدها ]
النهي إذا تعلق بأحد أشياء بلفظ التخيير ، مثل: أن لا تكلم زيداً أو
(١) (٢٩) سورة النساء.
(٢) (٣١) سورة الاسراء.
(٣) (٣٢) سورة الاسراء.
(٤) (٦١) سورة طه .
(٥) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (٨١)، و ((شرح الكوكب المنير)) ص
(٣٤٢ - ٣٤٣) من الملحق .
(٦) راجع هذه المسألة في: ((التمهيد)) لأبي الخطاب الورقة (٤٨/ب)، و((المسودة) =
٤٢٨

عمراً ، فإنه يقتضي المنع من كلام أحدهما على وجه التخيير ، على ظاهر
كلام أحمد رضي الله عنه في رواية البغوي : كل ما في كتاب الله تعالى
((أو)) فهو على التخيير.
خلافاً للمعتزلة في قولهم : إنه يقتضي المنع من كليهما (١) جميعاً (٢)،
وهو اختيار الجرجاني .
وقال أبو بكر بن الباقلاني : يقتضي المنع من كلام أحدهما على وجه
التخيير .
دليلنا :
أن النهي كالأمر في باب الكف ، ثم ثبت أنه لو قال : تصدق بدرهم
أو دينار ، لم يجب الجمع بينهما ، كذلك النهي (٣).
واحتج المخالف :
بقوله تعالى: ( وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ [٥٦/ب] آثِماً أَوْ كَفُوراً(٤))،
معناه : ولا كفوراً (٥) .
والجواب : أنا حملناه على الجمع بدليل .
ص (٨١)، و ((شرح الكوكب المنير)) ص (٣٤٣) من الملحق .
=
(١) في الأصل : ( كلاهما).
(٢) راجع: ((المعتمد)) لأبي الحسين البصري (١٨٢/١ - ١٨٣).
(٣) في الأصل: ( الأمر )، وقد ذكر الناسخ في هامش الأصل : أن ابن حمدان
صوبه بما أثبتناه .
(٤) (٢٤) سورة الانسان .
(٥) ووجه الاستدلال من هذه الآية : أن اللّه تعالى نهى عن الطاعة للآثم والكفور ،
مع أن الآية ذكرت ذلك بصيغة التخيير (أو ) .
٤٢٩

واحتج : بأنا وجدنا أهل اللغة يقولون : لا تطع زيداً أو عمراً ،
المعنى : اتق طاعتهما ، كأنه قال : لا تطع زيداً ولا عمراً .
والجواب : أنا لا نسلم هذا .
واحتج : بأن في المنع منهما احتياطاً ، حتى لا يواقع المحظور ، ولهذا
قلنا فيمن اشتبهت عليه جاريته بجارية (١) غيره : أنه لا يطأ واحدة منهما .
والجواب : أنه يلزم عليه التخيير في الواجب ؛ لأن فعل كل واحد
منهما احتياطاً ؛ لأنه بفعل أحدهما لا يأمن ترك واجب ، ومع هذا لا
يجب .
واحتج : بأن ما وجب تركه مع غيره وجب تركه بانفراده .
والجواب : أنه يبطل بالجمع بين الأختين يجب من ترك كل واحدة
منهما مع وجود الأخرى عنده ، ولا يجب مع عدمها .
مسألة (٢)
[ النهي عن شيء له ضد واحد أمر بضده ]
إذا ورد النهي عن فعل شيء له ضد واحد كان أمراً بضده من جهة
المعنى ، نحو قوله: (لاَ تَكْفُرْ) (٣) يكون أمراً بضده، وهو الإيمان .
وإذا كان للمنهي عنه أضداد ، تضمن ذلك أمراً بضد واحد من
الأضداد ، كقوله : لا تسجد .
(١) في الأصل ( من جارية ).
(٢) راجع هذه المسألة في: ((العمدة في أصول الفقه)) للمؤلف الورقة (١/ب )،
و((التمهيد)) لأبي الخطاب الورقة (٤٨/أ)، و((المسودة)) ص (٨١ - ٨٢).
(٣) (١٠٢) سورة البقرة .
٤٣٠

وقال أبو عبد الله الجرجاني : لا يكون أمراً بشيء منها (١).
دليلنا :
أنه إذا نهى عن فعل شيء تضمن ذلك وجوب الكف عنه ، ولا يمكنه
الكف عنه إلا بفعل واحد من الأضداد ، فثبت أن النهي عنه تضمن واحداً
من أضداده لا محالة ، ألا ترى أنه لا يتوصل إلى ترك الحركة إلا بفعل
ضدها من السكون ، فصار كأنه ترك الحركة بالسكون ، فتضمن ذلك
إيجاب فعله عليه .
ويبين صحة هذا ما ذكرناه : أن الأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلا به ، .
ولهذا جعل الأمر بالطهارة والأمر بالكفارة ، لكن بطلب ما يتوصل به إليه .
واحتج المخالف :
بأن اللفظ يصح وروده مقترناً بذكر إباحة جميع أضداده ، فلو كان
النهي يتناول ذلك ، لم يجز نفيه بما يقترن به .
والجواب : أنا لا نسلم هذا ، وإنما يصح أن يرد بإباحة بعض أضداده ،
لا جميعها .
(١) في الأصل: (منهما)، والتصويب من ((العمدة في أصول الفقه)) للمؤلف الورقة
(١/ب).
٤٣١

مسالة (١)
[ إطلاق النهي يقتضي الفساد (٢)]
وقد قال أحمد رضي الله عنه في رواية (٣) أبي القاسم إسماعيل بن
عبد الله بن ميمون العجلي (٤) في الشغار(٥): يفرق بينهما؛ لأن النبي لتع
(١) راجع هذه المسألة في: ((العمدة في أصول الفقه)) للمؤلف الورقة (١/ب)،
و ((الواضح في أصول الفقه)) الجزء الثاني الورقة (٤٠ - ٤٨)، و((التمهيد في
أصول الفقه)) الورقة (٤٨)، و((المسودة)) ص (٨٢ - ٨٣)، و ((شرح الكوكب
المنير)) ص (٣٣٩ - ٣٤٣) من الملحق، و((روضة الناظر)) ص (١١٣ - ١١٥).
(٢) وهذا مذهب جماهير العلماء من الحنابلة والشافعية ، والمالكية والحنفية وبه قالت
الظاهرية ، وهو قول بعض المتكلمين .
راجع في هذا بالإضافة للمراجع السابقة: ((الإحكام للآمدي)) (١٧٥/٢ ) ،
و((شرح تنقيح الفصول)) للقرافي ص (١٧٣)، و(( شرح الجلال على جمع
الجوامع)) (٣٩٣/١)، و((تيسير التحرير)) (٣٧٦/١ - ٣٧٧).
(٣) نقل ابن أبي يعلى في ((طبقاته)) في ترجمة أبي القاسم العجلي (١٠٥/١) هذه
الرواية .
(٤) من أصحاب الإمام أحمد ، وممن نقلوا عنه بعض المسائل التي أفتى فيها . انظر
ترجمته في: ((طبقات الحنابلة)) (١٠٥/١).
(٥) الشغار في اللغة: خلو المكان بعد أن كان مشغولاً . ومنه : شَغَرَت البلد إذا
خلت من ساكنيها ، وشَغَر الكلب إذا رفع أحد رجليه ليبول .
راجع مادة ((شغر)) في: ((المصباح المنير)) (٤٨٣/١)، و((مختار الصحاح))
ص (٣٦٣) .
والشغار عند الحنابلة - كما يقول الخرقي في مختصره ص (١٣٨) -: (إذا زوجه
ولّيته ، على أن يزوجه الآخر وَليّته ، فلا نكاح بينهما ، وإن سموا مع ذلك
مهراً أيضاً ) .
وأما ابن قدامة في كتابه (( المغني)) (١٠٠/٧ ) فيحكي : أن النصوص عن أحمد
رحمه اللّه تفید أنه إذا سمي صداقاً صح العقد .
٤٣٢

قد نهى عنه (١) ، وقال : أرأيت لو تزوج امرأة أبيه، أليس قال الله
تعالى: (وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النَّسَاءِ) (٢).
وقال رضي الله عنه في رواية أبي طالب وقد سئل عن بيع الباقلا (٣)
[٥٧/أ] قبل أن تحمل وهو ورد، فقال: [نهى] النبي عد اله عن بيع
الثمار حتى يبدو صلاحها (٤) ، هذا بيع فاسد . وهو قول جماعة الفقهاء.
(١) كما في حديث ابن عمر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى
عن الشغار ، والشغار : أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته ، وليس بينهما
صداق .
وهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب الشغار (١٥/٧ ).
وأخرجه مسلم في كتاب النكاح باب تحريم نكاح الشغار وبطلانه (١٠٣٤/٢).
وأخرجه الترمذي في كتاب النكاح باب ما جاء في النهي عن نكاح الشغار (٣/
٤٢٢) ، ولم يذكر في الحديث تفسير الشغار .
وأخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح باب النهي عن الشغار ( ٦٠٦/١).
وأخرجه أبو داود في كتاب النكاح باب في الشغار ( ٤٧٩/١ ).
وأخرجه النسائي في كتاب النكاح باب تفسير الشغار (٩٢/٦).
(٢) (٢٢) سورة النساء.
(٣) الباقلاً ، إذا شددت اللام صارت مقصورة، وإذا خففت صارت ممدودة .
انظر: مادة ( بقل) في ((مختار الصحاح)) ص (٧٣)، و ((المصباح المنير)) (١/
٩٣ - ٩٤ ) .
(٤) هذا الحديث رواه ابن عمر رضي الله عنهما : أخرجه عنه البخاري في كتاب
البيوع باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ( ٩٥/٣ ) ، وفي باب بيع النخل قبل
أن يبدو صلاحها ( ٩٦/٣ ) .
وأخرجه عنه مسلم في كتاب البيوع باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها
(١١٦٥/٣ ) .
==
٤٣٣
العدة في أصول الفقه - ٢٨
1
٠

خلافاً للمعتزلة (١) والأشعرية في قولهم : لا يقتضي فساد المنهي عنه
بإطلاقه (٢).
دليلنا :
ما روت عائشة عن النبي ◌َ الثم قال : ( من عمل عملاً ليس عليه
أمرنا فهو ردّ ) ، وفي بعض الألفاظ : ( من أحدث في أمرنا ما ليس
منه فهو رَدّ). وروي: ( من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رَدّ) (٣).
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب البيوع باب في بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها
=
(٢٢٦/٢ - ٢٢٧).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب التجارات باب النهي عن بيع الثمار قبل أن يبدو
صلاحها ( ٧٤٦/٢ - ٧٤٧ ) .
وأخرجه عنه النسائي في كتاب البيوع باب بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه ( ٧/
٢٣٠ ) .
وأخرجه عنه مالك في الموطأ في كتاب البيوع باب النهي عن بيع الثمار حتى يبدو
صلاحه (٢٦٠/٣٠ ) .
وأخرجه عنه الطيالسي في مسنده في كتاب البيوع باب النهي عن بيع الثمر حتى
يبدو صلاحها ( ٢٦٠/٣ ) .
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) (٥/٤ - ٦)، و ((فيض القدير))
(٢٠٦/٦)، و(( المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٤٤٣).
(١) هكذا هو في ((المعتمد)) لأبي الحسين البصري (١٨٤/١)، إلا أن أبا الحسين
البصري اختار قولاً آخر هو: (( أنه يقتضي فساد المنهي عنه في العبادات ، دون
العقود والإيقاعات )).
(٢) وقد اختار القول بعدم الفساد إمام الحرمين والقفال ، كما حكاه الآمدي في
((الإحكام)) (١٧٥/٢)، وكذلك الغزالي في ((المستصفى)) (٢٥/٢) وإن كان
في (( المنخول)) ص (١٢٦) قد اختار العكس .
(٣) حديث عائشة - رضي الله عنها - هذا أخرجه البخاري في كتاب الصلح ، =
٤٣٤
i

فإن قيل : معنى الرد : أنه غير مقبول، والقبول من اللّه تعالى هو
الإثابة عليه ، ونحن نقول : إنه لا يثاب على فعله .
قيل : الرد يحتمل ذلك ، ويحتمل الإبطال والإفساد ، كما يقال :
ردّ فلان على فلان، إذا أبطل قوله وأفسده ، فوجب حمله عليهما .
وأيضاً : ما روي عن النبي عائل قال: ( لا صلاة إلا بطهور) (١)،
باب : إذا اصطلحوا على صلح جور ، فالصلح مردود (٢٢٨/٣)، بمثل لفظ
=
المؤلف الأول .
وأخرجه عنها مسلم في كتاب الأقضية ، باب نقض الأحكام الباطلة ، ورد
محدثات الأمور ( ١٣٤٣/٣ - ١٣٤٤) بمثل لفظ المؤلف الأول ، وبمثل لفظه
الثاني .
وأخرجه عنها أبو داود في كتاب السنة ، باب في لزوم السنة ( ٥٠٦/٢ ) ، بمثل
لفظ المؤلف الثاني .
وأخرجه عنها ابن ماجه في مقدمة سننه ، باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم والتغليظ على من عارضه (٧/١) ، بمثل لفظ المؤلف الثاني .
وأخرجه عنها الإمام أحمد في ((مسنده)) (١٤٦/٦) بمثل لفظ المؤلف الأول .
وأخرجه عنها الطيالسي في (( مسنده )) في كتاب العلم ، باب التحذير من الابتداع
في الدين (٤٠/١) ، بلفظ : (من فعل في أمرنا ما لا يجوز، فهو رَدّ).
(١) هذا الحديث رواه ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً، أخرجه عنه مسلم في كتاب
الطهارة باب وجوب الطهارة للصلاة (٢٠٤/١ ) .
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الطهارة باب ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور
(٥/١ -٦).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة باب لا يقبل الله صلاة بغير طهور (١/
١٠٠)، كما أخرجه عن أبي المليح عن أبيه مرفوعاً .
٠
وعن ابن عمر أخرجه الطيالسي في مسنده في كتاب الطهارة باب ما جاء في
فضل الوضوء، وأن الصلاة لا تقبل بدونه (٤٩/١ ) .
=
٤٣٥

1
و ( لا نكاح إلا بولي")(١) و ( لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل ) ،
ومعلوم أنه لم يرد بذلك نفس الفعل ؛ لأن الفعل لا يمكن رفعه ، وإنما
أراد نفي حكمه ، فاقتضى ذلك : أن الفعل إذا وجد على الصفة المنهي
عنها لم يكن له حكم ، وكان وجوده كعدمه ، فيكون الفرض باقياً على
حالته ، فوجب الإتيان به .
وأيضاً : فإن الصحابة رضي الله عنهم استدلوا على فساد العقود
بالنهي عنها .
فمن ذلك : احتجاج ابن عمر في فساد نكاح المشركات بقوله تعالى :
( وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ) (٢).
وعن أبي المليح عن أبيه مرفوعاً أخرجه النسائي في كتاب الطهارة باب فرض
=
الوضوء (٧٥/١) بلفظ: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور .. ).
وعنه أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة باب فرض الوضوء ( ١٤/١ ) بمثل
لفظ النسائي .
وانظر في هذا الحديث: ((فيض القدير)) (٤١٥/٦)، و ((المنتقى من أحاديث
الأحكام )) ص (٥٧) .
(١) هذا الحديث أخرجه الترمذي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعاً،
في كتاب النكاح باب ما جاء لا نكاح إلا بولي (٣٩٨/٣ - ٤٠٢ )، وقال :
((حديث فيه اختلاف)).
وعنه أخرجه أبو داود في كتاب النكاح باب في الولي (٤٨١/١ ) .
وعنه أخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح باب لا نكاح إلا بولي (٦٠٥/١).
وعنه أخرجه الدارمي في كتاب النكاح باب النهي عن النكاح بغير ولي (٦٢/٢).
وعنه أخرجه الطيالسي في مسنده في كتاب النكاح باب قول النبي صلى الله عليه
وسلم: ((لا نكاح إلا بولي))، وما جاء في العضل (٣٠٥/١).
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) ( ١٨٣/٣ - ١٨٤)، والمنتقى
من أحاديث الأحكام)) ص (٥٣٩).
(٢) (٢٢١) سورة البقرة .
٤٣٦
٢

وكذلك احتجاجهم في إفساد عقود الربا بقوله مع الفهم: ( لا تبيعوا
الذهب بالذهب ، ولا الورق بالورق ، ولا البر بالبر ، ولا الشعير بالشعير ،
ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، إلا سواءً بسواءٍ عيناً بعين يداً بيدٍ)(١).
وما أشبه ذلك ، [ فلو ] كان إطلاقه لا يفيد الفساد لم يرجعوا إلى ظاهر
الكلام .
فإن قيل : إنما رجعوا إلى ذلك لدلالة مقترنة إلى هذه الألفاظ دلت
في الحال على ذلك .
قيل : لو كان الذي يفيد الفساد دلالة غير اللفظ لطالب بعضهم من
بعض حال ورود المنازعة ، ولكانت تنقل ذلك للعصر الثاني والثالث حتى
لا يؤدي إلى تضييع الشرع .
(١) هذا الحديث رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه عنه مسلم
في كتاب المساقاة باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً (١٢١١/٣ ).
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب البيوع باب ما جاء أن الحنطة بالحنطة مثلاً بمثل
(٥٣٢/٣)، وقال: ((حديث حسن صحيح)).
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب البيوع باب في الصرف (٢٢٢/٢ -٢٢٣).
وأخرجه عنه النسائي في كتاب البيوع باب بيع البر بالبر ، وباب بيع الشعير
بالشعير (٢٤٠/٧ - ٢٤٣ ) .
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب التجارات باب الصرف ، وما لا يجوز متفاضلاً
يداً بيد ( ٧٥٧/٢ - ٧٥٨ ) .
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب البيوع باب النهي عن الصرف (١٧٤/٢ ).
وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب البيوع (١٨/٣ ).
وأخرجه عنه الشافعي في كتاب البيوع باب جامع الأصناف يجري فيها الربا
(١٧٧/٢ ) .
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) (٣٥/٤ - ٣٦)، و (( فيض
القدير)) (٥٧٠/٣ - ٥٧٢)، و((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٤٥٠).
٤٣٧

وأيضاً : فإن النهي يخرجه عن أن يكون شرعاً ، والصحة والجواز من
أحكام الشرع ، فما أخرجه من أن يكون موافقاً للشرع وجب أن يخرجه
من أن يكون موافقاً لحكمه .
ويعبر عن هذا بعبارة أخرى وهو: أن ما يفعل على وجه منهي
عنه لا يجوز أن يكون هو المفروض ولا المندوب والمباح ؛ لأن المنهي عنه لا
يكون مأموراً به ولا مندوباً إليه ؛ لاستحالة اجتماع الشيء وضده ، فإذا
لم يكن [٥٧/ب] هو المأمور به لم يؤثر فعله في إسقاط حكم الأمر الآخر،
فكان حكمه باقياً عليه ، فيلزمه الإتيان به ، وهذا معنى قولنا : النهي
يقتضي الفساد ، ولهذا قال أصحابنا : النهي إذا كان لمعنى في غير المنهي
عنه وجب فساد المنهي عنه أيضاً للمعنى الذي ذكرنا .
وأيضاً : فإن الأمر يدل على الصحة والجواز ، فوجب أن يدل النهي
على البطلان والفساد ؛ لأن النهي ضد الأمر ، فما أفاده الأمر في المأمور
يجب أن يفيد النهي ضده في المنهى ، ولهذا لما أفاد الأمر وجوب الفعل ،
أفاد النهي وجوب الترك .
وأيضاً : فإن النهي متعلق بصفة ، وعدمها شرط في الفعل ، فإذا
فعله بطل لعدم الشرط .
وبيان هذا: أن النبي مع الم قال: ( لا يَنكح المحرم ولا يُنكح) (١)
(١) هذا الحديث رواه عثمان بن عفان رضي الله عنه مرفوعاً. أخرجه عنه مسلم
كتاب النكاح باب تحريم نكاح المحرم وكراهية خطبته (١٠٣٠/٢ - ١٠٣١).
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الحج باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم (٣/
١٩٠ - ١٩١)، وقال: ((حديث حسن صحيح)).
=
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب المناسك باب المحرم يتزوج (٤٢٧/١ ).
٤٣٨
١

ظاهر النهي لأجل إحرامه ، ولأن الإحلال شرط في صحة العقد ، وهذا
على أصلنا في القول بدليل الخطاب ؛ لأنه إذا قال : لا ينكح المحرم ،
يدل على أن المُحِلِ ينكح ، ويكون الإحلال شرطاً في صحته .
فإن قيل : هذا لا يدل على أن عدم الصفة شرط في صحة الفعل ، وإنما
يدل على أنه شرط في إباحة الفعل .
قيل : الأمر والإباحة يدلان على الصحة ؛ لأن صاحب الشريعة إذا
قال : أمرتك بأن تفعل النكاح في حال الإحلال ، فإذا عقده دل على أنه
صحيح مجزىء؛ لكونه محلاً ، وكذلك إذا قال : أبحت لك أن تفعل النكاح
في حال الإحلال ، فإذا عقده كان صحيحاً لإحلاله .
واحتج المخالف :
بأن الدليل لا يجوز وجوده وليس معه مدلوله ، وقد وجدنا في الشريعة
نهياً وتحريماً يقارن الصحة والإجزاء ، فدل على أنه لا يدل على الفساد ،
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الحج باب النهي عن النكاح المحرم ( ١٥١/٥).
=
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب النكاح باب المحرم يتزوج (٦٣٢/١).
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب مناسك الحج باب في تزويج المحرم (٣٦٨/١).
وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الحج (٢٦٧/٢) .
وأخرجه عنه الامام مالك في كتاب الحجج باب نكاح المحرم (٢٧٣/٢ ) .
وأخرجه عنه الطيالسي في مسنده في كتاب الحج باب في نكاح المحرم (٢١٣/١).
وأخرجه عنه الامام الشافعي في كتاب الحج باب ما جاء في نكاح المحرم وإنكاحه
(١٨/٢ ).
وأخرجه عنه الطحاوي في كتابه شرح معاني الآثار في كتاب مناسك الحج باب
نكاح المحرم (٢٦٨/٢ ) .
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) (١٧٠/٣ - ١٧١)، و((المنتقى
من أحاديث الأحكام )) ص (٣٨٧) .
٤٣٩

وذلك مثل البيع في حال النداء ، والطلاق في حال الحيض والوطء فيه ،
والذبح بالسكين المغصوبة ، والصلاة في الدار المغصوبة ، وفي السترة
المغصوبة ، والوضوء بالماء المغصوب ، وإقامة الحد بالسوط المغصوب ،
وما أشبه ذلك ، فإنه يقع موقع الجائز مع كونه محرماً منهياً عنه .
والجواب : أن هذا لا يمنع وجوده ، ولا يقتضي الفساد ، كما لم يمنع
وجوده ولا يقتضي التحريم ، وقد ثبت أن إطلاق النهي يقتضي التحريم ،
وإن دل الدليل على أنه لا يوجب الفساد .
فإن قيل : إن دل الدليل على أنه لا يوجب التحريم خرج من أن
يكون نهياً .
قيل : لا يوجب خروجه من أن يكون نهياً، كما لا يجب أن يخرج الأمر
بسقوط وجوبه - بدليل - من أن يكون أمراً ، وعلى أن هناك دليلاً (١)
دل على الفساد ولم يدل الدليل على غيره .
وأجاب [٥٨/أ] بعضهم عن هذا بجواب آخر فقال : المفعول على هذا
الوجه في المواضع التي ذكروها لم يتضمنه الأمر الأول ، إلا أن الله تعالى
أسقط موجب الأمر عن (٢) المكلف بمثل هذا الفعل ، كما يسقط عنه
بالعجز .
واحتج بأن الفساد صفة زائدة لا يقتضيها لفظ النهي ، فلم يجز إثباتها
به .
والجواب : أن هذا باطل بالتحريم ، فإنه صفة زائدة ، لا يقتضيها
النهي ، وقد أثبتها باللفظ .
(١) في الأصل : (دليل) بالرفع .
(٢) في الأصل : ( من ).
٤٤٠