النص المفهرس

صفحات 341-360

أن يضحي في مصره ، ودخل العشر ، لم يمس من شعره ولا من أظفاره ،
فقد عارض نهيه وهو قوله : ( فلا يمس من شعره ، ولا من بشرته )
بفعله ، وهو أنه ما كان يمتنع عن شيء مما كان عليه ، فلو كان نهيه
لغيره مما يختص به الغير ، وفعله مما يختص به هو ، لم يقابل النهي بالفعل ؛
إذ كل واحد منهما لا يلزمه حكم الخطاب الآخر (١) .
وكذلك قال رحمه الله في رواية الميموني وقد سأله رجل أيتوضأ
بالنبيذ ؟ فقال : كل شيء غير الماء لا يتوضأ به . فقيل له : فحديث ابن
مسعود ؟ فقال : يرويه هذا الرجل الواحد ليس بمعروف (٢) ، يمنع من
الوضوء بالنبيذ . واحتج في ذلك بالآية، فعورض بفعل النبي محمد لته وهو
وأخرجه الطيالسي في كتاب الهدايا والضحايا باب ما جاء في إشعار البدن ، وتقليد
=
الهدي كله (٢٢٨/١ - ٢٢٩ ).
وراجع نصب الراية (١١٥/٣)، والمنتقى من أحاديث الأحكام ص (٤٢٣).
(١) تعقبه أبو الخطاب في استدلاله بما روي عن أحمد بقوله: ( .. وجميعها لا تدل
على هذه المسألة ، بل تدل على أن فعله يجب أن يتبع فيه ، كما أن أمره ونهيه يتبع
فيه ، فيتعارضان ، فأما أن يدل على أنه يدخل في الأمر ، أو لا يدخل فلا) التمهيد
الورقة ( ٣٦/ب ) .
(٢) حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي يشير اليه السائل أخرجه الترمذي وأبو
داود وابن ماجه وأحمد والدار قطني والطحاوي ، وكلهم أخرجوه في كتاب
الطهارة .
فالترمذي أخرجه في باب ما جاء في الوضوء من النبيذ ( ١٤٧/١ ) وفي إسناده :
(( أبو زيد))، وهو مجهول، كما أن في إسناده: (( أبا فزارة )) ، وهو مجهول عند
بعضهم ، وسيأتي بيان ذلك .
وأخرجه أبو داود في باب الوضوء بالنبيذ (٢٠/١) وفي اسناده ((أبو زيد))
و ((أبو فزارة)).
وأخرجه ابن ماجه في باب الوضوء بالنبيذ باسنادين الأول فيه ((أبو زيد))،
و((أبو فزارة)) كما سبق وفي الثاني: ((ابن لهيعة)) وهو ضعيف (١٣٥/١-١٣٦) . =
٣٤١

:
وأخرجه أحمد كما في الفتح الرباني باب حكم الطهارة بالنبيذ إذا لم يوجد الماء
=
(٢٠٤/١ - ٢٠٥) من ثلاث طرق. طريقان فيهما ((أبو زيد))، و(( أبو
فزارة))، والثالثة فيها: ((ابن لهيعة)).
وأخرجه الدار قطني في باب الوضوء بالنبيذ (٧٥/١ ) من عدة طرق فيها المرفوع
والموقوف والمقطوع وكلها لا تقوم بمثلها حجة .
وأخرجه الطحاوي في باب الرجل لا يجد إلا نبيذ التمر هل يتوضأ به أو يتيمم ؟
(٩٤/١ - ٩٥)، بإسنادين في أحدهما: ((علي بن زيد بن جدعان)) وهو متكلم
فيه: قال فيه أحمد: ((ليس بشيء)) وقال أبو حاتم: (( لا يحتج به )) وقال حماد
ابن زيد: ((كان يقلب الأحاديث)). وقال شعبة: ((إنه اختلط)) وقال الذهبي :
((صالح الحديث)). وقد أخرج له مسلم مقروناً. راجع في هذا: المغني في الضعفاء
للذهبي (٤٤٧/٢ ) .
أما الإسناد الثاني: ففيه ((ابن لهيعة)).
ثم عقب الطحاوي على ذلك بقوله: (( وليست هذه الطرق طرقاً تقوم بها الحجة
عند من يقبل خبر الواحد ، ولم يجيء أيضاً المجيء الظاهر)).
والرجل المجهول هو: (( أبو زيد)) قد تكلم فيه علماء الجرح والتعديل . إليك
بعض أقوالهم : نقل الزيلعي في نصب الراية (١٣٧/١ ) عن ابن عبد البر قوله
في كتابه: ((الاستيعاب)): ( وأما أبو زيد مولى عمرو بن حريث ، مجهول
عندهم ، لا يعرفه بغير رواية أبي فزارة . وحديثه عن ابن مسعود في الوضوء
بالنبيذ ، منكر لا أصل له ، ولا رواه من يوثق به ، ولا يثبت ) .
ونقل الزيلعي أيضاً عن ابن حبان قوله في كتابه الضعفاء : ( أبو زيد شيخ ، يروي
عن ابن مسعود ، ليس يدري من هو ؟ ، ولا يعرف أبوه ، ولا بلده . ومن كان
بهذا النعت ، ثم لم يرو إلا خبراً واحداً ، خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع
والقياس ، استحق مجانبة ما رواه ) .
كما نقل عن ابن عدي عن البخاري قوله : ( أبو زيد الذي روی حدیث ابن
مسعود في الوضوء بالنبيذ ، مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله ، ولا يصح هذا
الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو خلاف القرآن ).
٣٤٢
i
;

حديث ابن مسعود ، فتكلم عليه، ولم ينكر على السائل هذه المعارضة ، فلولا
أن النبي عُلِ لّه كان داخلاً في عموم الآية لأنكر عليه ذلك. خلافاً لأكثر
الفقهاء والمتكلمين في قولهم : لا يدخل في الأمر (١) .
= وقال ابن أبي حاتم في كتابه علل الحديث (١٧/١): ( سمعت أبا زرعة يقول:
حديث أبي فزارة ليس بصحيح ، وأبو زيد مجهول . يعني في الوضوء بالنبيذ ) .
ونقل الساعاتي في كتابه الفتح الرباني (٢٠٥/١) عن القارىء قوله: ( قال السيد
جمال : أجمع المحدثون على أن هذا الحديث ضعيف ) .
كما نقل عن الحافظ قوله : ( هذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه ) .
وقيل: الرجل المجهول هو: ((أبو فزارة))، فهو ليس راشد بن كيسان الثقة
المشهور ، وإنما هو رجل آخر مجهول .
وهو رأي نقل عن الإمام أحمد وعن الإمام البخاري .
وتعقب الزيلعي ما نقل عنهما بأنه قد روى عنه جماعة ، فيخرج بذلك من الجهالة
إلا أن يراد جهالة الحال . كيف وقد صرح ابن عدي وابن عبد البر بأن (( أبا
فزارة)) أسمه: ((راشد بن كيسان)). وحكي عن الدار قطني مثل ذلك.
وخلاصة القول في ذلك : أن الحديث مردود لثلاث علل كما ذكر الزيلعي في
نصب الراية ( ١٣٧/١ - ١٤٨ ) .
الأولى: جهالة: ((أبو زيد)).
الثانية: التردد في جهالة: (( أبي فزارة)).
الثالثة: جاء في حديث: ((الوضوء بالنبيذ)) أن ابن مسعود شهد ليلة الجن مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثابت في صحيح مسلم وغيره خلاف ذلك ،
حيث ثبت أنه لم يكن معه عليه الصلاة والسلام أحد في هذه الليلة .
ولو سلم صحة الحديث ، فهو منسوخ بآيتي النساء والمائدة : (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
فَتَيَمّمُوا صَعِيداً طَيِّبًا) (٤٣) النساء ، و (٦) المائدة . وذلك لأن قصة ابن
مسعود وقعت ليلة الجن ، وذلك قبل الهجرة ، وآيتي النساء والمائدة مدنيتان بلا
خلاف . انظر: تعليق الشيخ أحمد شاكر على سنن الترمذي ( ١٤٩/١ ).
(١) وبهذا قال أبو الخطاب من الحنابلة كما في كتابه التمهيد الورقة (٣٧/ب )، وبه =
٣٤٣

دليلنا :
أن النبي مع اللهٍ لما أمر الصحابة بالفسخ، قالوا : أتأمرنا بالفسخ وأنت لا
تفسخ ، فقال : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة ،
ولحللت كما تحلون) (١) ، فلولا أنه داخل في الأمر ، لم يستدعوا الفعل منه ،
ولم يقرهم على ذلك ، ويعتذر إليهم بعذر منعه من دخوله فيه .
[و] [٤١/ب] رواه الأثرم في مسائله بإسناده عن ابن عمر قال : ( لما
أمرنا رسول الله صل للم أن نحل بعمرة ، قلنا : فما يمنعك يا رسول الله
أن تحل معنا؟ قال: ((إني أهديت ولَبَّدت، فلا أحل حتى أنحر
هديي))) (٢).
قال أبو الطيب ، كما نقل ذلك في المسودة ص (٣٤).
=
(١) هذا الحديث أخرجه البخاري عن جابر رضي الله عنه في كتاب الحج باب التمتع
والاقران والإفراد بالحج وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي (١٦٧/٢ - ١٦٨).
وعنه أخرجه مسلم في كتاب الحج باب بيان وجوه الاحرام ، وأنه يجوز إفراد
الحج والتمتع والقران (٨٨٣/٢ - ٨٨٥ ) .
وعنه أخرجه أبو داود في كتاب الحج باب إفراد الحج ، كما أخرجه عن عائشة
رضي الله عنها (٤١٤/١ - ٤١٥) .
وعنه أخرجه الطيالسي في مسنده في كتاب الحج والعمرة باب فسخ الحج إلى
العمرة ( ٢١٧/١ ) .
وعنه أخرجه الشافعي في كتاب الحج باب ما جاء في فسخ الحج إلى العمرة ( ١/
٣٠٩ - ٣١٠) .
وراجع في هذا أيضاً : تيسير الوصول ( ٢٥٥/١)، والمنتقى ص (٣٧٩) ،
والتلخيص (٢٣١/٢ ) .
(٢) حديث ابن عمر رضي الله عنه أخرجه البخاري عنه عن حفصة رضي الله عنها
وذلك في كتاب الحج باب التمتع والإقران والإفراد بالحج (١٦٧/٢ - ١٦٨)،=
٣٤٤
1

ولأن النبي ماتم مبلغ عن اللّه تعالى أمره، فيكون بمنزلة قول الله تعالى :
افعلوا كذا ، فيجب أن يدخل فيه .
فإن قيل : لو قال اللّه تعالى : قل لأمتك : افعلوا كذا ، لم يدخل هو في
الخطاب ، ولا فرق بينهما .
قيل له : قد بينا في المسألة التي قبلها فساد هذا ، وقلنا : إن تخصيص
النبي بالخطاب يوجب دخول أمته ، وتخصيص بعض الصحابة يوجب دخول
الباقين فيه ، كذلك أمره لغيره يوجب دخوله فيه ؛ لأن الجميع شرع ، فلا
يختص به بعض المخاطبين .
فإن قيل : الأمر مضاف إلى الأقوال ، قال الله تعالى: ( فَلْيَحْذَرٍ
الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهٍ) (١)، وليس بمضاف إلى اللّه تعالى.
قيل : إنما أضافه إليه لوجوده من جهته .
فإن قيل : ما اجتهد فيه النبي هو غير مبلغ فيه عن اللّه تعالى أمره ، فكان
يجب أن لا يدخل فيه .
قيل : إذا اجتهد وأقر عليه ، فهو مبلغ فيه عن اللّه تعالى ؛ لأن إقراره
عليه أمر به .
وفي باب قتل القلائد للبدن والبقر (١٩٧/٢)، وفي باب من لبد رأسه عن الإحرام
==
وحلق ( ٢٠٣/٢ ) .
وأخرجه كذلك أبو داود في كتاب الحج باب في الإقران (٤٢٠/١ ) .
وأخرجه الإمام الشافعي في كتاب الحج باب ما جاء في فسخ الحج إلى العمرة
(٣١٢/١) .
وراجع في هذا الحديث أيضاً : نصب الراية ( ١٠٤/٣ ) .
(١) (٦٣) سورة النور .
٣٤٥

٦
فإن قيل : فقد نقل الميموني عن أحمد رحمه الله في قوم يقولون :
ما كان في القرآن أَخَذْنَا به (١)، ففي القرآن تحريم لحوم الحمر
الأهلية ؟!
وهذا من أحمد رحمه الله يمنع أن يكون جميع كلام النبي عن الله
تعالى .
قيل : هذا يمنع أن يكون جميع كلامه في القرآن ، وغير ممتنع أن يكون
اللّه تعالى أمر غير القرآن .
واحتج المخالف :
بأن النبي آمر ، فلا يجوز أن يكون مأموراً به ، لأنه لا يجوز أن يكون
مأموراً به بما هو آمر به ، كما لا يجوز أن يكون آمراً بما هو مأمور به ، ولأنه
لا يجوز أن يكون مطلوباً بما هو طالب به ، ومسئولاً بما هو سائل به ،
كذلك لا يجوز أن يكون مأموراً بما هو آمر به .
والجواب : أنا لا نسلم أنه أمره ، وإنما هو من جهة اللّه تعالى وهو
مخبر عنه .
واحتج : بأنه لا يجوز أن يكون آمراً نفسه بلفظ يخصه ، كذلك لا يجوز
أن يكون آمراً نفسه بلفظ يعمه وغيره .
والجواب : أنه ليس بآمر نفسه ، وإنما الأمر من جهة اللّه تعالى له
ولغيره ، على أنه قد قيل : إن ذلك جائز أن يقول لنفسه : افعل ، ويريد
منها الفعل .
(١) هذه فرقة ضالة مضلة ، ترمي من وراء ذلك إلى التنصل من الأحكام الشرعية ،
التي جاءت بها السنة المحمدية الشريفة ، وهي تظهر في كل زمان وفي كل مكان .
وقد ظهرت في زماننا هذا ، وهم في هذا يتعلقون بأسباب ، هي أوهى من بيت
العنكبوت ، وتصورها ممن لديه أدنى فهم ، يكفي في دحضها والرد عليها .
٣٤٦
:
1

واحتج : بأن من شرط الأمر أن يكون الآمر أعلى من المأمور ، وهذا
الشرط مفقود ها هنا ؛ لأنه لا يكون أعلى رتبة من نفسه .
والجواب : أن هذا يصح إذا كان هو الآمر ، فأما والآمر هو اللّه
تعالى فلا يلزم هذا .
واحتج: [٤٢/أ] بأن الأمر يتضمن إعلام المأمور به وجوب الفعل ،
ولا يجوز أن يكون معلماً نفسه بلفظه ، فلم يجز أن يكون آمراً نفسه .
والجواب : أن الله تعالى هو المعلم له ، وليس هو المعلم نفسه .
واحتج : بأن المأمور عليه أن يمتثل الأمر ، سواء كان عليه فيه ضرر
أَوْ لَهُ فيه نفع ، والإنسان يتوقى ما يضره ويأتي ما ينفعه قبل الأمر، فثبت
أن الآمر لا يدخل في الأمر .
والجواب : أن هذا يصح لو كان هو الآمر لنفسه .
واحتج : بأن الأمر في اللغة ، لاقتضاء الفعل من غيره ، ألا ترى إذا
قال : افعل كذا ، صلح أن يقول له المخاطب : قد فعلت ، ويكون امتثالاً
فلا يصح أن يقول هو : قد فعلت .
ولأنه لو قال لعبده : اسقني ماءً، كان الأمر متوجهاً إلى غلامه ،
دون نفسه ؛ لأنه لا يأمر نفسه أن يسقيه ماءً.
والجواب : أنا هكذا نقول ، وأن الفعل مقتضاه من غيره ، وهو الله
سبحانه ، ولا يشبه هذا، إذا قال لعبده : اسقني الماءَ ؛ لأن الأمر من
جهته صدر ، فلا يدخل هو فيه .
فإن قيل : فهل يدخل المخبر تحت الخبر ؟
قیل : لا يدخل ؛ لأنه لا فائدة أن يخبر نفسه ؛ لأنه ليس يخفی عنه حال
المخبر عنه ، والأمر بخلافه .
٣٤٧

مسألة (١)
العبيد يدخلون في الخطاب المطلق (٢).
وقد قال أحمد رحمه الله في رواية إسماعيل بن سعيد (٣) : تجوز شهادة
المملوك، إذا كان عدلاً؛ لأن اللّه تعالى يقول: ( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَّ
الشُّهَدَاءِ ) (٤)، وقال: ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (٥).
وقال أيضاً في رواية ابن منصور (٦): على العبد إيلاء، وإيلاؤه أربعة
أشهر. وإنما قال: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسَائِهِم تَرَبُّصُ أَرْبعَةِ
(١) راجع في هذه المسألة الواضح الجزء الأول الورقة (٣٠١ - ٣٠٣)، والتمهيد
الورقة (٣٨ -٣٩)، والمسودة ص (٣٤)، وشرح الكوكب المنير ص (١٧٣) ،
وروضة الناظر ( ١٢٣ - ١٢٤ ).
(٢) وبهذا الرأي قال أكثر الأصوليين، واختاره الغزالي في المنخول ص (١٤٣) ،
وفي المستصفى (٧٧/٢ - ٧٨)، والآمدي في الإحكام (٢٤٨/٢ - ٢٥٠)،
وهو الأصح عند الشافعية كما في جمع الجوامع (٤٢٧/١).
(٣) هو : إسماعيل بن سعيد الشّالَنْجي، أبو إسحاق . كان عالماً بالفقه . وكان من
أصحاب الإمام أحمد . وقد نقل عنه مسائل كثيرة ذات فائدة علمية كبيرة .
له ترجمة في : طبقات الحنابلة (١٠٤/١ - ١٠٥).
(٤) و (٥) (٢٨٢) سورة البقرة .
(٦) هو : إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج ، أبو يعقوب المروزي . من أصحاب
الإمام أحمد الذين رووا عنه ، ونقلوا عنه مسائل فقهية كثيرة . ثقة مأمون ،
كما يقول مسلم . قال فيه الخطيب : كان عالماً فقيهاً. مات بنيسابور سنة (٢٥١هـ).
له ترجمة في : تذكرة الحفاظ (٥٢٤/٢)، وتهذيب التهذيب (٢٤٩/١)،
وشذرات الذهب (١٢٣/٢)، وطبقات الحفاظ ص (٢٢٩)، وطبقات الحنابلة
(١١٣/١).
٣٤٨

أَشْهِرٍ ) (١)، ولم يذكر العبيد، ولا اليهود (٢).
وقال في كتاب طاعة الرسول قوله : ( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ من
نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةٍ أَشْهُرٍ ) (٣)، فالظاهر أنه على العبد والحر.
وقال أيضاً رحمه الله في رواية الميموني ، وقد سأله عن المملوكين أو
المملوك وتحته حرة يلاعنها : كل زوجين [ يتلاعنان] على ظاهر الآية .
فظاهر كلام أحمد رحمه الله : أنه أدخلهم في عموم قوله تعالى :
( لِلَّذِينَ (٤) يُؤْلُونَ مِن نِسَائِهِم)، وفي عموم قوله تعالى: ( وَالَّذِ ينَ
يَرَّمُونَ أَزْوَاجَهُم ) (٥) ، وهو اختيار أبي بكر الباقلاني وأبي عبد الله
الجرجاني (٦) .
وحكى أبو سفيان عن الرازي : أنه ما تعلق بحقوق الآدميين لم يدخل
فيه ، قال : ولهذا لم يجز أصحابنا شهادة العبد .
واختلف أصحاب الشافعي : فمنهم من قال : يدخل فيه ، ومنهم من
يمنع (٧).
(١) (٢٢٦) سورة البقرة.
(٢) هكذا في الأصل: (اليهود)، وقد صوبه الناسخ في الهامش بقوله: (الشهور) ،
وهو خطأ ؛ لأن المقصود أن الخطاب عام يشمل العبيد والكفار ، کاليهود .
(٣) (٢٢٦) سورة البقرة.
(٤) في الأصل : (الذين يؤلون) ، وهو خطأ .
(٥) (٦) سورة النور .
(٦) هو : محمد بن يحيى بن مهدي ، وقد سبقت ترجمته ص (٢٦٩) .
(٧) لكن الأصح عندهم : دخول العبيد في الأمر المطلق ، صرح بذلك في : جمع
الجوامع (٤٢٧/١).
٣٤٩

دليلنا :
أن العبد يصح تكليفه ، والخطاب متناول له ، فوجب دخوله فيه
كالحر .
ولأنه يدخل في الخطاب الخاص ، فوجب أن يدخل في الخطاب
العام ؛ [٤٢/ب] لأن دخوله في الخاص لتناوله إياه، وهذا المعنى موجود في
العام .
ولأن الرق حق يثبت للغيرِ قبَلَه ، فلا يؤثر ذلك في خطابه ، مثل من
عليه دين أو قصاص .
واحتج المخالف :
بأن رقابهم ومنافعهم كلها مملوكة للمولى ، فلا يجوز أن يتصرفوا
في شيء إلا بإذنهم ، وإذا لم يجز ذلك ، لم يجز إدخالهم في الخطاب
المطلق .
والجواب : أن ذلك لا يمنع من دخوله في الخطاب الخاص ، وكل
جواب عنه فهو جوابنا عن العام .
ولأن فعل العبادة يصير مستثنى في حق مولاه ، كما يكون مستثنى في
حق الزوجة ، وفي حق (١) المستأجر .
واحتج : بأن العبد لا يملك فعل ما هو من حقوق الآدميين ؛ لأنه لا
يملك شيئاً من العقود ، ولا الإقرار بالأموال ، فلم يدخل تحت الخطاب
الذي يتضمن حقوقهم ؛ لأنه لا يملك فعل ما خوطب عليه (٢) ، ويفارق هذا
الخطاب الذي يتضمن حقوق اللّه تعالى كالصوم والصلاة ونحوهما (٣) ؛ لأن
(١) مكررة في الأصل .
(٢) هكذا في الأصل ، ولعل الأولى : (به).
(٣) في الأصل ( ونحوها ) .
٣٥٠

العبد يملك فعل ذلك من نفسه ، بدليل أن المولى لا يملكه عليه .
والجواب : أنه إنما لم يملك حقوق الآدميين لدليل دل ، وخلافنا في
مطلق الأمر الخاص ، ويلزم عليه أيضاً حقوق اللّه سبحانه ، فإن منافعهم
ملوكة لغيرهم ، وتلزمهم .
مسألة
[ دخول النساء في جمع الذكور ] (١)
يدخل النساء في جمع الذكور ، نحو المؤمنين والصابرين (٢).
وقد قال أحمد رحمه الله في رواية المروزي في قوله: (( من بدَّل دينه
(١) راجع في هذه المسألة: التمهيد الورقة ( ٣٩ - ٤٠ )، وشرح الكوكب المنير
(٢٧١ - ٢٧٢)، وروضة الناظر (١٢٣ - ١٢٤ ).
(٢) هناك صور ثلاث من صور الجمع لا خلاف فيها ، هي :
الأولى : أن يكون مفرد الجمع لا يصلح إطلاقه على النساء ، كالرجال ، فهو
جمع خاص بالرجال اتفاقاً .
الثانية: ((أن يكون مفرده لا يصلح إطلاقه على الرجال ، كالبنات ، فهو جمع
خاص بالنساء اتفاقاً .
الثالثة : أن يكون ذلك الجمع متناولاً للذكور والإناث لغة ووضعاً ، كالناس ،
فإنه يتناول الذكور والإناث بالاتفاق .
أما الصورة التي فيها الخلاف فهي : إذا كان علامة الذكور فيها واضحة بينة ،
كجمع المذكر نحو المؤمنين ، وقد ذكر المؤلف الخلاف في ذلك .
راجع في هذا : التمهيد الورقة ( ٣٩/أ)، والإحكام للآمدي (٢٤٤/٢ ) ،
ونهاية السول (٣٦٠/١)، وتيسير التحرير (٢٣١/١ -٢٣٥).
٣٥١

فاقتلوه)) (١) على الرجال والنساء (٢) . خلافاً لأصحاب
(١) هذا الحديث رواه ابن عباس رضي الله عنه مرفوعاً، أخرجه البخاري في كتاب
الجهاد باب لا يعذب بعذاب الله (٧٥/٥ )، وفي كتاب استتابة المرتدين باب
حكم المرتد والمرتدة ( ١٨/٩ - ١٩).
وأخرجه الترمذي في كتاب الحدود باب ما جاء في المرتد ، وقال فيه: (( هذا
حديث صحيح حسن )) ( ٥٩/٤ ) .
وأخرجه أبو داود في كتاب الحدود باب الحكم فيمن ارتد (٤٤٠/٢ ).
وأخرجه ابن ماجه في کتاب الحدود باب المرتد عن دينه (٨٤٨/٢ ).
وأخرجه النسائي في كتاب تحريم الدم باب الحكم في المرتد (٩٦/٧ - ٩٧ ).
وأخرجه الطيالسي في كتاب الحدود باب عدم الشفاعة في إقامة الحد وما جاء
في حد الردة ( ٢٩٦/١ ) .
وأخرجه الطبراني عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه أخرجه في معجمه الكبير ،
كما أخرجه عن عائشة رضي الله عنها في معجمه الأوسط . انظر : نصب الراية
( ٤٥٦/٣ ) .
وراجع في هذا الحديث أيضاً : فيض القدير (٩٥/٦)، والمنتقى (٦٦٨).
(٢) والقول بالدخول ذهب إليه بعض الشافعية وبعض المالكية ، وهو قول الحنفية ،
كما جزم بذلك الكمال في تحريره ، وتابعه مؤلف تيسير التحرير ( ٢٣٤/١) ،
وإن كان صاحب مسلم الثبوت اختار القول بعدم الدخول ( ٢٧٣/١) .
وهذا القول الذي اختاره القاضي ، هو رواية عن الإمام أحمد ، وعليه أكثر
الأصحاب ، وقد اختاره الموفق ابن قدامة في الروضة (١٢٣ - ١٢٤ ) ، وهناك
رواية أخرى : أن النساء لا يدخلن في ذلك ، واختارها من الحنابلة أبو الخطاب
في كتابه التمهيد الورقة (٣٩/أ) واختاره أيضاً الطوفي كما نقل ذلك عنه أبو البقاء
الفتوحي في كتابه شرح الكوكب المنير ص (١٧١) .
ومن هنا يتبين خطأ من نسب القول بالدخول إلى كل الحنابلة ، مثل الآمدي في
الإحكام (٢٤٤/٢)، والاسنوي في نهاية السول (٣٦٠/٢)، والكمال بن
الهمام في تحريره (٢٣١/١ - ٢٣٤) مطبوع مع شرحه تيسير التحرير ، وأبي
السعود في تفسيره في أول تفسير سورة النساء .
٣٥٢
1

الشافعي (١) والأشعرية (٢) في قولهم : لا يدخلون في ذلك.
دليلنا :
اتفاق أهل اللغة : على أن الذكور والإناث إذا اجتمعوا (٣) غلب
الذكور على الإناث ، كما أنه إذا أخرج من يعقل مع ما لا يعقل ، غلب
من يعقل على ما لا يعقل ، يبين ذلك قوله تعالى : ( قُلْنَا اهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ ) (٤) ، كان ذلك خطاباً لآدم وزوجته والشيطان ،
الذي أزلهما عنه (٥)، فغلب الذكر على الأنثى، وقال تعالى: ( وَاللّهُ
خَلِقُ كُلِّ (٦) دَابّةٍ من مَاءٍ فَمِنْهُم من يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ
وَمَنْهُمْ من يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ ) فغلب من (٧) يعقل على ما لا
يعقل ، وهي الحية .
ويقال : رأيت فلاناً وفلانة قائمين ، وقاعدين ، فيغلب اسم التذكير
(١) هذا النقل غير محرر ، فالواقع : أنه قول أكثر أصحاب الشافعي ، لا كلهم
وهو الرأي الأصح عند الشافعية ، كما في جمع الجوامع مع حاشية البناني ( ١/
٤٢٨ - ٤٢٩)، وكما في نهاية السول ومنهاج الأصول (٣٥٩/٢ - ٣٦٠).
(٢) وهكذا نسبه الآمدي في الإحكام (٢٤٤/٢ ) .
(٣) في الأصل : ( اجتمعن ) .
(٤) (٣٦) سورة البقرة .
(٥) وهناك ثلاثة آراء في الآية :
الأول : أن المراد : آدم وزوجته والحية .
الثاني : أن المراد : آدم وزوجته وذريتهما .
الثالث : أن المراد : آدم وزوجته ؛ لأن أقل الجمع اثنان .
راجع تفسير الرازي ( مفاتيح الغيب ) (١٦/٢ - ١٧ ).
(٦)
هي قراءة حمزة والكسائي، وقرأ الباقون : (خَلَقَ كلّ ).
في الأصل : (ما ) .
(٧)
٣٥٣
العدة في أصول الفقه - ٢٣

حال التثنية، وإذا صح هذا وكان خطاب الله تعالى في صورة ((افعلوا)) خطاباً
لجميع الناس ؛ لأن هذا خطاب لحاضر ، وجب أن يكون متناولاً لسائر
المكلفين من الرجال والنساء .
فإن قيل : لو كان اللفظ متناولاً للذكور والإناث معاً لما غلب
أحدهما ، بل كانا يتساويان فيه ، فلما غلب التذكير ثبت أن اللفظ موضوع
للذكور ، فيجب حمله عند الاطلاق على موضوعه .
قيل : ليس إذا غلب أحدهما كان الخطاب، [٤٢ / أ] ، لأحدهما
دون الآخر ، كما قلنا : إذا اجتمع من يعقل ما لا يعقل ، وإذا اجتمع الأيام
مع الليالي ، فإنه يغلب أحدهما واللفظ شامل لهما ، كذلك ها هنا ، وكما
يقال : فلان وفلانة قائمان ، فيغلب التذكير وإن تناولهما .
وأيضاً : فإن الآمر إذا قال لمن بحضرته من الرجال والنساء : قوموا
واقعدوا ، كان ذلك خطاباً لهم جميعاً باتفاق أهل اللغة . ولو قال : قوموا
وقمن كان ذلك لكنة وعيّاً، فعلم أن الخطاب يصلح لهما ، ويشتمل
عليهما .
فإن قيل : لو كان أوامر الله تعالى بمنزلة أمر الآمر لمن بحضرته ، لما
حق وروده بلفظ الأمر للغائب ، فلما وجدنا اللّه تعالى قد أمر الغائب بقوله :
( فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ) (١)، وقوله تعالى: ( فَلْيَعْبُدُوا
رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ) (٢) علمنا أن أمره مخالف للآمر يأمر من بحضرته (٣).
قيل : إن كان لفظ الأمر للغائب ، فالمراد به الحاضر ، كما تقول :
((اللهم اغفر))، بمنزلة خطاب الحاضر، وتقول: ((غفر الله لي))، بمنزلة
(١) (٥) سورة الطارق .
(٢) (٤) سورة قريش .
(٣) في الأصل: (أن أمره مخالف للآمر من يأمر بحضرته ).
٣٥٤

خطاب الغائب ، وهما سواء ، كذلك أوامره .
ولأن ألفاظ الأوامر مثل قوله: (أَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) (١)،
ونظائره ، وألفاظ الوعد والوعيد ، والمدح والذم ، والثواب والعقاب ،
بلفظ المذكر وهي عامة ، لعلمنا بمراد الله تعالى الفريقين ، وليس لأحد
أن يقول : عرفنا ذلك بدليل ؛ لأنه لم يرد لفظ يختص بالنساء ، ولو كان
الظهر .
واحتج المخالف :
بقوله تعالى : ( اقْتُلُوا الْمُشرِكِينَ ) (٢)، وقوله تعالى: (كُتِبَ
عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُم ) (٣). وأن ذلك مختص بالذكور دون
الإناث .
والجواب : أن ذلك اختص الذكور بدلالة الإجماع ، ولولا ذلك كان
الخطاب للرجال والنساء جميعاً .
واحتج : بأن للذكور علامة يتميزون بها من الإناث ، كما أن للمؤمنين
علامة يتميزون بها من الكافرين ، فلما كان المؤمن لا يدخل تحت اسم
الكافر ، ولا الكافر تحت اسم المؤمن ، كذلك لا يجوز أن تتناول لفظة :
((افعلوا))، غير الذكور ؛ لأن الواو في ذلك علامة للذكور ، والنون في :
((افعلن))، علامة للإناث.
والجواب : أنا لا ننكر أن يكون لكل فريق علامة يميز بها حال
الانفراد ، وإنما الكلام في حال الاجتماع ، هل يغلب خطابه بلفظ :
((افعلوا))، فيكون خطاباً للفريقين ، كما يكون حال الاجتماع للمسلمين
والكفار خطاباً لهم جميعاً .
(١) (٤٣) سورة البقرة .
(٢) (٥) سورة التوبة .
(٣) (٢١٦) سورة البقرة .
٣٥٥

واحتج بما روي عن أم سلمة ؛ أنها قالت : إن النساء قلن : يا رسول
[ الله] ما نرى الله يذكر إلا الرجال، فأنزل الله تعالى: (إنَّ الْمُسْلِمِينَ
وَالْمُسْلِمَاتٍ ) (١) ، وهذا يدل على أن النساء لا يدخلن في جمع
الذكور .
(١) (٣٥) سورة الأحزاب .
هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده ، كما في الفتح الرباني ، وذلك في
كتاب التفسير ، تفسير سورة الأحزاب ، باب : (إن المسلمين والمسلمات .. )
الآية ( ٢٣٨/١٨ - ٢٣٩ ).
وأخرجه عنها النسائي كما حكى ذلك الشيخ البنّا في كتابه الفتح الرباني (٢٣٩/١٨)
وابن كثير في تفسيره ( ٤٨٧/١٣). والسيوطي في الدار المنثور (٢٠٠/٥) ،
ولم أجده في سننه المطبوعة المتداولة ، ولعله في السنن الكبرى كما أشار إلى ذلك
الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على تفسير ابن جرير (٤٨٧/٧ ).
وأخرجه عنها ابن جرير الطبري كما نقل ذلك ابن كثير في تفسيره (٤٨٧/٣ ) ،
وكما نقله السيوطي في الدر المنثور (٢٠٠/٥).
وأخرجه الحاكم في مستدركه (٤٢٦/٢)، وقال: (( حديث صحيح على شرط
الشيخين، ولم يخرجاه))، وقد وافقه الذهبي على ذلك .
وقد أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ، كما أخرجه عن قتادة ،
نقل ذلك ابن كثير في تفسير (٤٨٧/٣)، السيوطي في الدو (٢٠٠/٥).
وقد أخرجه عنها - كما عزاه السيوطي في الدر ( ٢٠٠/٥) - ابن المنذر وابن
مردويه والطبراني ، كما عزاه إلى الفريابي وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن
حميد وغيرهم .
وأخرجه الترمذي عن أم عمارة رضي الله عنها في كتاب التفسير باب ومن سورة
الأحزاب (٣٥٤/٥). وقال: ((حديث حسن غريب)).
وقد أخرجه عنها - كما يقول السيوطي في الدر (٢٠٠/٥) - الفريابي وسعيد بن
منصور وعبد بن حميد والطبراني وابن مردويه .
وذكره الواحدي في أسباب نزول القرآن ص (٣٧٥) عن أسماء بنت عميس .. =
٣٥٦

والجواب : أنهن إنما شَكَوْنَ: أن الله تعالى لم يخصهن [٤٣/ب] بالذكر
الذي وضع لهن في الأصل، وأردن (١) أن يكون لهن في الكتاب (٢) [أ]
لا نرى أنهن كن يصلين ويزكين قبل ذلك بقوله: (أُقيمُوا الصَّلاَةَ
وَآَنُوا الزَّكَاةَ ) (٣) فدل ذلك على ما ذكرنا .
فإن قيل : هذا لا يختص به النساء ، فإن الرجال أيضاً ما أفردوا بلفظ
يخصهم ، فإن لفظ التذكير يدخل فيه التأنيث .
قبل : إلا أن علامة التذكير وهي : الواو والنون ، قد وردت ، وهي
دالة على الرجال ، ولم ترد علامة التأنيث وهي الألف والتاء (٤).
واحتج : بأن الآحاد من جميع الذكور لا يدخل فيه الإناث ، نحو
مؤمن وكافر ، وقاتل ، كذلك يجب أن لا يدخلن في جمعه ؛ لأن الجمع
إنما تناول من يصح تناول آحاده له ، ألا ترى أن المؤمن لما لم يصح دخوله
في قولك : كافر ، لم يصح دخوله في قوله : كوافر ، وأنها (٥) لا تدخل في
جمع المؤنث ، مثل المسلمات والتائبات والصابرات والذاكرات ؛ لأنه لا
يدخلونه في المسلمة والتائبة والصابرة .
والجواب : أنا إن سلمنا هذا ، فليس إذا لم يدخل في آحاد جميع
الذكور ما يمنع من دخوله في الجمع ، كما قلنا في آحاد الأيام والليالي ،
أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن النساء لفي خيبة وخسار قال :
=
(( ومم ذلك؟)) قالت : لأنهن لم يذكرن بالخير كما يذكر الرجال ، فنزلت .
(١) في الأصل : (وأفردن ).
(٢) والمعنى : أن يكون لهن ذكر في كتاب الله تعالى، كما للرجال.
(٣) (٤٣) سورة البقرة.
(٤) في الأصل : (الياء) .
(٥) الضمير في (أنها ) يعود إلى الآحاد من جميع الذكور.
٣٥٧

لا يتبعه الآخر، وفي الجمع يتبع أحدهما الآخر ، وكذلك من (١) يعقل وما لا
يعقل ، آحاده لا ينتظم الآخر ، وجمعه ينتظم ، كذلك هذا .
وجواب آخر وهو : أن لفظ الجمع يحتمل اجتماع المذكر والمؤنث في
الخطاب ، وإنما غلب المذكر ، ولفظ الواحد لا يحتمل أن يجتمع فيه المذكر
والمؤنث ، فغلب فيه وضع اللفظة .
جواب آخر وهو : أنا لو حملنا لفظ الواحد على المذكر والمؤنث ، لم
يمتاز المذكر والمؤنث ، وليس كذلك إذا حمل لفظ الجمع عليهما ؛ لأنه
يحصل الامتياز بينهما في حال أخرى وهو لفظ الواحد .
مسألة
[ دخول الكفار في الأمر المطلق ] (٢)
الأمر المطلق يتناول الكافر كتناوله المسلم ، نحو قوله : ( يَا أَيُّهَا
النَّاسُ ) (٣) و ( يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (٤) و( يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (٥) ،
ويكون مخاطباً بالعبادات كالمسلمين في أصح الروايتين .
وقد قال أحمد رحمه اللّه في رواية أبي طالب في اليهودية والنصرانية
تلاعن المسلم: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُم) (٦) ، فهي من الأزواج ،
(١) في الأصل : ( ما ).
(٢) راجع هذه المسألة في : المسودة ص (٤٦ - ٤٧)، وروضة الناظر ص (٢٧ -
٢٨)، وشرح الكوكب المنير ص (١٧٣).
(٣) (٢١) سورة البقرة .
(٤) (١٧٩) سورة البقرة .
(٥) (٢) سورة الحشر .
(٦) (٦) سورة النور .
٣٥٨
:
.

i
وهي بمنزلة المسلمة المحصنة (١).
وظاهر كلامه : أنه جعلها داخلة في عموم قوله : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ
أَزْوَاجَهُم ) .
وقد صرح بذلك في كتاب طاعة الرسول ، فقال : قوله : ( وَالَّذِينَ
يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكِن لَهُم شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُم)،
فالظاهر يقع على الأمة واليهودية والنصرانية وغير ذلك (٢).
وإلى هذا ذهب المتكلمون من الأشعرية والمعتزلة (٣).
وفيه [٤٤/أ] رواية أخرى : لا يتناولهم الأمر، ولا هم مخاطبون
بالعبادات ، وإنما هم مخاطبون بالإيمان والنواهي (٤).
(١) هذه الرواية ذكرها ابن قدامة في كتابه المغني (٥/٨ ) حيث قال : ( قال أحمد
في رواية ابن منصور جميع الأزواج يلتعنون ، الحر من الحرة والأمة إذا كانت
زوجة ، وكذلك العبد من الحرة والأمة إذا كانت زوجة ، وكذلك المسلم من
اليهودية والنصرانية ) .
(٢) عدم اشتراط الحرية والإسلام في اللعان ، هو المشهور من المذهب الحنبلي ، وقد
عقب ابن قدامة على الرواية التي لا تشترط ذلك بقوله في المغني ( ٥/٨ ):
( وهذه الرواية هي المنصوصة عن أحمد في رواية الجماعة ، وما يخالفها شاذ
في النقل ) .
(٣) راجع في هذا المغني لعبد الجبار قسم الشرعيات (١١٦/١٧ - ١١٧ ).
(٤) وبناء على هذا ، جاءت الرواية الثانية التي تشترط الحرية والإسلام في اللعان ،
وهو رأي الزهري والثوري والأوزاعي وحماد ، كما نقل ذلك عنهم ابن قدامة
في المغني ( ٥/٨ ).
وهذه المسألة متفرعة عن مسألة : هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أو لا ؟
وقد نقل ابن قدامة في المغني (٣٥٢/١) عن الإمام أحمد روايتين ، كما نقل
مثل ذلك في كتابه الروضة ( ٢٧ - ٢٨ ).
٣٥٩

وقد قال أحمد رحمه اللّه في يهودي أسلم في نصف شهر رمضان :
يصوم ما بقي ، ولا يقضي ما مضى ؛ لأنه لو لم يجب عليه شيء من ذلك ،
وإنما وجب عليه الأحكام من الطهر والصلاة بعد ما أسلم . فقد صرح رحمه
الله : أنه لم يكن واجباً عليه في حال كفره .
واختلف أصحاب أبي حنيفة :
فذهب الكرخي والرازي وجماعة من أصحابه إلى أنهم مخاطبون
بالعبادات .
وذهب الجرجاني : إلى أنهم غير مخاطبين بها ، وإنما خوطبوا بالنواهي
والإيمان (١) .
واختلف أصحاب الشافعي أيضاً :
فمنهم من قال : هم مخاطبون ، وهو الأشبه عندهم (٢) .
ومنهم : من منع .
فالدلالة على أنهم مخاطبون :
قوله تعالى : (وَوَيْلٌّ لِلْمُشْرِكِينَ (٣) الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
وَهَمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) (٤) ، فتوعد المشركين على شركهم،
وهناك رواية ثالثة ، لم يذكرها المؤلف ، ولا ذكرها ابن قدامة ، وإنما ذكرت
=
في المسودة ص (٤٦ - ٤٧ )، وهي : أنهم غير مخاطبين بشيء.
(١) راجع في هذا تيسير التحرير (١٤٨/٢ - ١٥٠)، وشرح التلويح (٢١٣/١ -
٢١٥ ) .
(٢) قال الإسنوي : وهو أصحها ، ونقل عن صاحب البرهان قوله : إنه ظاهر مذهب
الشافعي رحمه الله. انظر نهاية السول (٣٧٠/١).
(٣) كلمة ( للمشركين ) ساقطة من الأصل ، وقد أثبتها الناسخ في الهامش .
(٤) (٦، ٧ ) سورة فصلت .
٣٦٠
٢
F