النص المفهرس
صفحات 341-360
أن يضحي في مصره ، ودخل العشر ، لم يمس من شعره ولا من أظفاره ، فقد عارض نهيه وهو قوله : ( فلا يمس من شعره ، ولا من بشرته ) بفعله ، وهو أنه ما كان يمتنع عن شيء مما كان عليه ، فلو كان نهيه لغيره مما يختص به الغير ، وفعله مما يختص به هو ، لم يقابل النهي بالفعل ؛ إذ كل واحد منهما لا يلزمه حكم الخطاب الآخر (١) . وكذلك قال رحمه الله في رواية الميموني وقد سأله رجل أيتوضأ بالنبيذ ؟ فقال : كل شيء غير الماء لا يتوضأ به . فقيل له : فحديث ابن مسعود ؟ فقال : يرويه هذا الرجل الواحد ليس بمعروف (٢) ، يمنع من الوضوء بالنبيذ . واحتج في ذلك بالآية، فعورض بفعل النبي محمد لته وهو وأخرجه الطيالسي في كتاب الهدايا والضحايا باب ما جاء في إشعار البدن ، وتقليد = الهدي كله (٢٢٨/١ - ٢٢٩ ). وراجع نصب الراية (١١٥/٣)، والمنتقى من أحاديث الأحكام ص (٤٢٣). (١) تعقبه أبو الخطاب في استدلاله بما روي عن أحمد بقوله: ( .. وجميعها لا تدل على هذه المسألة ، بل تدل على أن فعله يجب أن يتبع فيه ، كما أن أمره ونهيه يتبع فيه ، فيتعارضان ، فأما أن يدل على أنه يدخل في الأمر ، أو لا يدخل فلا) التمهيد الورقة ( ٣٦/ب ) . (٢) حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي يشير اليه السائل أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وأحمد والدار قطني والطحاوي ، وكلهم أخرجوه في كتاب الطهارة . فالترمذي أخرجه في باب ما جاء في الوضوء من النبيذ ( ١٤٧/١ ) وفي إسناده : (( أبو زيد))، وهو مجهول، كما أن في إسناده: (( أبا فزارة )) ، وهو مجهول عند بعضهم ، وسيأتي بيان ذلك . وأخرجه أبو داود في باب الوضوء بالنبيذ (٢٠/١) وفي اسناده ((أبو زيد)) و ((أبو فزارة)). وأخرجه ابن ماجه في باب الوضوء بالنبيذ باسنادين الأول فيه ((أبو زيد))، و((أبو فزارة)) كما سبق وفي الثاني: ((ابن لهيعة)) وهو ضعيف (١٣٥/١-١٣٦) . = ٣٤١ : وأخرجه أحمد كما في الفتح الرباني باب حكم الطهارة بالنبيذ إذا لم يوجد الماء = (٢٠٤/١ - ٢٠٥) من ثلاث طرق. طريقان فيهما ((أبو زيد))، و(( أبو فزارة))، والثالثة فيها: ((ابن لهيعة)). وأخرجه الدار قطني في باب الوضوء بالنبيذ (٧٥/١ ) من عدة طرق فيها المرفوع والموقوف والمقطوع وكلها لا تقوم بمثلها حجة . وأخرجه الطحاوي في باب الرجل لا يجد إلا نبيذ التمر هل يتوضأ به أو يتيمم ؟ (٩٤/١ - ٩٥)، بإسنادين في أحدهما: ((علي بن زيد بن جدعان)) وهو متكلم فيه: قال فيه أحمد: ((ليس بشيء)) وقال أبو حاتم: (( لا يحتج به )) وقال حماد ابن زيد: ((كان يقلب الأحاديث)). وقال شعبة: ((إنه اختلط)) وقال الذهبي : ((صالح الحديث)). وقد أخرج له مسلم مقروناً. راجع في هذا: المغني في الضعفاء للذهبي (٤٤٧/٢ ) . أما الإسناد الثاني: ففيه ((ابن لهيعة)). ثم عقب الطحاوي على ذلك بقوله: (( وليست هذه الطرق طرقاً تقوم بها الحجة عند من يقبل خبر الواحد ، ولم يجيء أيضاً المجيء الظاهر)). والرجل المجهول هو: (( أبو زيد)) قد تكلم فيه علماء الجرح والتعديل . إليك بعض أقوالهم : نقل الزيلعي في نصب الراية (١٣٧/١ ) عن ابن عبد البر قوله في كتابه: ((الاستيعاب)): ( وأما أبو زيد مولى عمرو بن حريث ، مجهول عندهم ، لا يعرفه بغير رواية أبي فزارة . وحديثه عن ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ ، منكر لا أصل له ، ولا رواه من يوثق به ، ولا يثبت ) . ونقل الزيلعي أيضاً عن ابن حبان قوله في كتابه الضعفاء : ( أبو زيد شيخ ، يروي عن ابن مسعود ، ليس يدري من هو ؟ ، ولا يعرف أبوه ، ولا بلده . ومن كان بهذا النعت ، ثم لم يرو إلا خبراً واحداً ، خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، استحق مجانبة ما رواه ) . كما نقل عن ابن عدي عن البخاري قوله : ( أبو زيد الذي روی حدیث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ ، مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله ، ولا يصح هذا الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو خلاف القرآن ). ٣٤٢ i ; حديث ابن مسعود ، فتكلم عليه، ولم ينكر على السائل هذه المعارضة ، فلولا أن النبي عُلِ لّه كان داخلاً في عموم الآية لأنكر عليه ذلك. خلافاً لأكثر الفقهاء والمتكلمين في قولهم : لا يدخل في الأمر (١) . = وقال ابن أبي حاتم في كتابه علل الحديث (١٧/١): ( سمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي فزارة ليس بصحيح ، وأبو زيد مجهول . يعني في الوضوء بالنبيذ ) . ونقل الساعاتي في كتابه الفتح الرباني (٢٠٥/١) عن القارىء قوله: ( قال السيد جمال : أجمع المحدثون على أن هذا الحديث ضعيف ) . كما نقل عن الحافظ قوله : ( هذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه ) . وقيل: الرجل المجهول هو: ((أبو فزارة))، فهو ليس راشد بن كيسان الثقة المشهور ، وإنما هو رجل آخر مجهول . وهو رأي نقل عن الإمام أحمد وعن الإمام البخاري . وتعقب الزيلعي ما نقل عنهما بأنه قد روى عنه جماعة ، فيخرج بذلك من الجهالة إلا أن يراد جهالة الحال . كيف وقد صرح ابن عدي وابن عبد البر بأن (( أبا فزارة)) أسمه: ((راشد بن كيسان)). وحكي عن الدار قطني مثل ذلك. وخلاصة القول في ذلك : أن الحديث مردود لثلاث علل كما ذكر الزيلعي في نصب الراية ( ١٣٧/١ - ١٤٨ ) . الأولى: جهالة: ((أبو زيد)). الثانية: التردد في جهالة: (( أبي فزارة)). الثالثة: جاء في حديث: ((الوضوء بالنبيذ)) أن ابن مسعود شهد ليلة الجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثابت في صحيح مسلم وغيره خلاف ذلك ، حيث ثبت أنه لم يكن معه عليه الصلاة والسلام أحد في هذه الليلة . ولو سلم صحة الحديث ، فهو منسوخ بآيتي النساء والمائدة : (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمّمُوا صَعِيداً طَيِّبًا) (٤٣) النساء ، و (٦) المائدة . وذلك لأن قصة ابن مسعود وقعت ليلة الجن ، وذلك قبل الهجرة ، وآيتي النساء والمائدة مدنيتان بلا خلاف . انظر: تعليق الشيخ أحمد شاكر على سنن الترمذي ( ١٤٩/١ ). (١) وبهذا قال أبو الخطاب من الحنابلة كما في كتابه التمهيد الورقة (٣٧/ب )، وبه = ٣٤٣ دليلنا : أن النبي مع اللهٍ لما أمر الصحابة بالفسخ، قالوا : أتأمرنا بالفسخ وأنت لا تفسخ ، فقال : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة ، ولحللت كما تحلون) (١) ، فلولا أنه داخل في الأمر ، لم يستدعوا الفعل منه ، ولم يقرهم على ذلك ، ويعتذر إليهم بعذر منعه من دخوله فيه . [و] [٤١/ب] رواه الأثرم في مسائله بإسناده عن ابن عمر قال : ( لما أمرنا رسول الله صل للم أن نحل بعمرة ، قلنا : فما يمنعك يا رسول الله أن تحل معنا؟ قال: ((إني أهديت ولَبَّدت، فلا أحل حتى أنحر هديي))) (٢). قال أبو الطيب ، كما نقل ذلك في المسودة ص (٣٤). = (١) هذا الحديث أخرجه البخاري عن جابر رضي الله عنه في كتاب الحج باب التمتع والاقران والإفراد بالحج وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي (١٦٧/٢ - ١٦٨). وعنه أخرجه مسلم في كتاب الحج باب بيان وجوه الاحرام ، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران (٨٨٣/٢ - ٨٨٥ ) . وعنه أخرجه أبو داود في كتاب الحج باب إفراد الحج ، كما أخرجه عن عائشة رضي الله عنها (٤١٤/١ - ٤١٥) . وعنه أخرجه الطيالسي في مسنده في كتاب الحج والعمرة باب فسخ الحج إلى العمرة ( ٢١٧/١ ) . وعنه أخرجه الشافعي في كتاب الحج باب ما جاء في فسخ الحج إلى العمرة ( ١/ ٣٠٩ - ٣١٠) . وراجع في هذا أيضاً : تيسير الوصول ( ٢٥٥/١)، والمنتقى ص (٣٧٩) ، والتلخيص (٢٣١/٢ ) . (٢) حديث ابن عمر رضي الله عنه أخرجه البخاري عنه عن حفصة رضي الله عنها وذلك في كتاب الحج باب التمتع والإقران والإفراد بالحج (١٦٧/٢ - ١٦٨)،= ٣٤٤ 1 ولأن النبي ماتم مبلغ عن اللّه تعالى أمره، فيكون بمنزلة قول الله تعالى : افعلوا كذا ، فيجب أن يدخل فيه . فإن قيل : لو قال اللّه تعالى : قل لأمتك : افعلوا كذا ، لم يدخل هو في الخطاب ، ولا فرق بينهما . قيل له : قد بينا في المسألة التي قبلها فساد هذا ، وقلنا : إن تخصيص النبي بالخطاب يوجب دخول أمته ، وتخصيص بعض الصحابة يوجب دخول الباقين فيه ، كذلك أمره لغيره يوجب دخوله فيه ؛ لأن الجميع شرع ، فلا يختص به بعض المخاطبين . فإن قيل : الأمر مضاف إلى الأقوال ، قال الله تعالى: ( فَلْيَحْذَرٍ الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهٍ) (١)، وليس بمضاف إلى اللّه تعالى. قيل : إنما أضافه إليه لوجوده من جهته . فإن قيل : ما اجتهد فيه النبي هو غير مبلغ فيه عن اللّه تعالى أمره ، فكان يجب أن لا يدخل فيه . قيل : إذا اجتهد وأقر عليه ، فهو مبلغ فيه عن اللّه تعالى ؛ لأن إقراره عليه أمر به . وفي باب قتل القلائد للبدن والبقر (١٩٧/٢)، وفي باب من لبد رأسه عن الإحرام == وحلق ( ٢٠٣/٢ ) . وأخرجه كذلك أبو داود في كتاب الحج باب في الإقران (٤٢٠/١ ) . وأخرجه الإمام الشافعي في كتاب الحج باب ما جاء في فسخ الحج إلى العمرة (٣١٢/١) . وراجع في هذا الحديث أيضاً : نصب الراية ( ١٠٤/٣ ) . (١) (٦٣) سورة النور . ٣٤٥ ٦ فإن قيل : فقد نقل الميموني عن أحمد رحمه الله في قوم يقولون : ما كان في القرآن أَخَذْنَا به (١)، ففي القرآن تحريم لحوم الحمر الأهلية ؟! وهذا من أحمد رحمه الله يمنع أن يكون جميع كلام النبي عن الله تعالى . قيل : هذا يمنع أن يكون جميع كلامه في القرآن ، وغير ممتنع أن يكون اللّه تعالى أمر غير القرآن . واحتج المخالف : بأن النبي آمر ، فلا يجوز أن يكون مأموراً به ، لأنه لا يجوز أن يكون مأموراً به بما هو آمر به ، كما لا يجوز أن يكون آمراً بما هو مأمور به ، ولأنه لا يجوز أن يكون مطلوباً بما هو طالب به ، ومسئولاً بما هو سائل به ، كذلك لا يجوز أن يكون مأموراً بما هو آمر به . والجواب : أنا لا نسلم أنه أمره ، وإنما هو من جهة اللّه تعالى وهو مخبر عنه . واحتج : بأنه لا يجوز أن يكون آمراً نفسه بلفظ يخصه ، كذلك لا يجوز أن يكون آمراً نفسه بلفظ يعمه وغيره . والجواب : أنه ليس بآمر نفسه ، وإنما الأمر من جهة اللّه تعالى له ولغيره ، على أنه قد قيل : إن ذلك جائز أن يقول لنفسه : افعل ، ويريد منها الفعل . (١) هذه فرقة ضالة مضلة ، ترمي من وراء ذلك إلى التنصل من الأحكام الشرعية ، التي جاءت بها السنة المحمدية الشريفة ، وهي تظهر في كل زمان وفي كل مكان . وقد ظهرت في زماننا هذا ، وهم في هذا يتعلقون بأسباب ، هي أوهى من بيت العنكبوت ، وتصورها ممن لديه أدنى فهم ، يكفي في دحضها والرد عليها . ٣٤٦ : 1 واحتج : بأن من شرط الأمر أن يكون الآمر أعلى من المأمور ، وهذا الشرط مفقود ها هنا ؛ لأنه لا يكون أعلى رتبة من نفسه . والجواب : أن هذا يصح إذا كان هو الآمر ، فأما والآمر هو اللّه تعالى فلا يلزم هذا . واحتج: [٤٢/أ] بأن الأمر يتضمن إعلام المأمور به وجوب الفعل ، ولا يجوز أن يكون معلماً نفسه بلفظه ، فلم يجز أن يكون آمراً نفسه . والجواب : أن الله تعالى هو المعلم له ، وليس هو المعلم نفسه . واحتج : بأن المأمور عليه أن يمتثل الأمر ، سواء كان عليه فيه ضرر أَوْ لَهُ فيه نفع ، والإنسان يتوقى ما يضره ويأتي ما ينفعه قبل الأمر، فثبت أن الآمر لا يدخل في الأمر . والجواب : أن هذا يصح لو كان هو الآمر لنفسه . واحتج : بأن الأمر في اللغة ، لاقتضاء الفعل من غيره ، ألا ترى إذا قال : افعل كذا ، صلح أن يقول له المخاطب : قد فعلت ، ويكون امتثالاً فلا يصح أن يقول هو : قد فعلت . ولأنه لو قال لعبده : اسقني ماءً، كان الأمر متوجهاً إلى غلامه ، دون نفسه ؛ لأنه لا يأمر نفسه أن يسقيه ماءً. والجواب : أنا هكذا نقول ، وأن الفعل مقتضاه من غيره ، وهو الله سبحانه ، ولا يشبه هذا، إذا قال لعبده : اسقني الماءَ ؛ لأن الأمر من جهته صدر ، فلا يدخل هو فيه . فإن قيل : فهل يدخل المخبر تحت الخبر ؟ قیل : لا يدخل ؛ لأنه لا فائدة أن يخبر نفسه ؛ لأنه ليس يخفی عنه حال المخبر عنه ، والأمر بخلافه . ٣٤٧ مسألة (١) العبيد يدخلون في الخطاب المطلق (٢). وقد قال أحمد رحمه الله في رواية إسماعيل بن سعيد (٣) : تجوز شهادة المملوك، إذا كان عدلاً؛ لأن اللّه تعالى يقول: ( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَّ الشُّهَدَاءِ ) (٤)، وقال: ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (٥). وقال أيضاً في رواية ابن منصور (٦): على العبد إيلاء، وإيلاؤه أربعة أشهر. وإنما قال: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسَائِهِم تَرَبُّصُ أَرْبعَةِ (١) راجع في هذه المسألة الواضح الجزء الأول الورقة (٣٠١ - ٣٠٣)، والتمهيد الورقة (٣٨ -٣٩)، والمسودة ص (٣٤)، وشرح الكوكب المنير ص (١٧٣) ، وروضة الناظر ( ١٢٣ - ١٢٤ ). (٢) وبهذا الرأي قال أكثر الأصوليين، واختاره الغزالي في المنخول ص (١٤٣) ، وفي المستصفى (٧٧/٢ - ٧٨)، والآمدي في الإحكام (٢٤٨/٢ - ٢٥٠)، وهو الأصح عند الشافعية كما في جمع الجوامع (٤٢٧/١). (٣) هو : إسماعيل بن سعيد الشّالَنْجي، أبو إسحاق . كان عالماً بالفقه . وكان من أصحاب الإمام أحمد . وقد نقل عنه مسائل كثيرة ذات فائدة علمية كبيرة . له ترجمة في : طبقات الحنابلة (١٠٤/١ - ١٠٥). (٤) و (٥) (٢٨٢) سورة البقرة . (٦) هو : إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج ، أبو يعقوب المروزي . من أصحاب الإمام أحمد الذين رووا عنه ، ونقلوا عنه مسائل فقهية كثيرة . ثقة مأمون ، كما يقول مسلم . قال فيه الخطيب : كان عالماً فقيهاً. مات بنيسابور سنة (٢٥١هـ). له ترجمة في : تذكرة الحفاظ (٥٢٤/٢)، وتهذيب التهذيب (٢٤٩/١)، وشذرات الذهب (١٢٣/٢)، وطبقات الحفاظ ص (٢٢٩)، وطبقات الحنابلة (١١٣/١). ٣٤٨ أَشْهِرٍ ) (١)، ولم يذكر العبيد، ولا اليهود (٢). وقال في كتاب طاعة الرسول قوله : ( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ من نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةٍ أَشْهُرٍ ) (٣)، فالظاهر أنه على العبد والحر. وقال أيضاً رحمه الله في رواية الميموني ، وقد سأله عن المملوكين أو المملوك وتحته حرة يلاعنها : كل زوجين [ يتلاعنان] على ظاهر الآية . فظاهر كلام أحمد رحمه الله : أنه أدخلهم في عموم قوله تعالى : ( لِلَّذِينَ (٤) يُؤْلُونَ مِن نِسَائِهِم)، وفي عموم قوله تعالى: ( وَالَّذِ ينَ يَرَّمُونَ أَزْوَاجَهُم ) (٥) ، وهو اختيار أبي بكر الباقلاني وأبي عبد الله الجرجاني (٦) . وحكى أبو سفيان عن الرازي : أنه ما تعلق بحقوق الآدميين لم يدخل فيه ، قال : ولهذا لم يجز أصحابنا شهادة العبد . واختلف أصحاب الشافعي : فمنهم من قال : يدخل فيه ، ومنهم من يمنع (٧). (١) (٢٢٦) سورة البقرة. (٢) هكذا في الأصل: (اليهود)، وقد صوبه الناسخ في الهامش بقوله: (الشهور) ، وهو خطأ ؛ لأن المقصود أن الخطاب عام يشمل العبيد والكفار ، کاليهود . (٣) (٢٢٦) سورة البقرة. (٤) في الأصل : (الذين يؤلون) ، وهو خطأ . (٥) (٦) سورة النور . (٦) هو : محمد بن يحيى بن مهدي ، وقد سبقت ترجمته ص (٢٦٩) . (٧) لكن الأصح عندهم : دخول العبيد في الأمر المطلق ، صرح بذلك في : جمع الجوامع (٤٢٧/١). ٣٤٩ دليلنا : أن العبد يصح تكليفه ، والخطاب متناول له ، فوجب دخوله فيه كالحر . ولأنه يدخل في الخطاب الخاص ، فوجب أن يدخل في الخطاب العام ؛ [٤٢/ب] لأن دخوله في الخاص لتناوله إياه، وهذا المعنى موجود في العام . ولأن الرق حق يثبت للغيرِ قبَلَه ، فلا يؤثر ذلك في خطابه ، مثل من عليه دين أو قصاص . واحتج المخالف : بأن رقابهم ومنافعهم كلها مملوكة للمولى ، فلا يجوز أن يتصرفوا في شيء إلا بإذنهم ، وإذا لم يجز ذلك ، لم يجز إدخالهم في الخطاب المطلق . والجواب : أن ذلك لا يمنع من دخوله في الخطاب الخاص ، وكل جواب عنه فهو جوابنا عن العام . ولأن فعل العبادة يصير مستثنى في حق مولاه ، كما يكون مستثنى في حق الزوجة ، وفي حق (١) المستأجر . واحتج : بأن العبد لا يملك فعل ما هو من حقوق الآدميين ؛ لأنه لا يملك شيئاً من العقود ، ولا الإقرار بالأموال ، فلم يدخل تحت الخطاب الذي يتضمن حقوقهم ؛ لأنه لا يملك فعل ما خوطب عليه (٢) ، ويفارق هذا الخطاب الذي يتضمن حقوق اللّه تعالى كالصوم والصلاة ونحوهما (٣) ؛ لأن (١) مكررة في الأصل . (٢) هكذا في الأصل ، ولعل الأولى : (به). (٣) في الأصل ( ونحوها ) . ٣٥٠ العبد يملك فعل ذلك من نفسه ، بدليل أن المولى لا يملكه عليه . والجواب : أنه إنما لم يملك حقوق الآدميين لدليل دل ، وخلافنا في مطلق الأمر الخاص ، ويلزم عليه أيضاً حقوق اللّه سبحانه ، فإن منافعهم ملوكة لغيرهم ، وتلزمهم . مسألة [ دخول النساء في جمع الذكور ] (١) يدخل النساء في جمع الذكور ، نحو المؤمنين والصابرين (٢). وقد قال أحمد رحمه الله في رواية المروزي في قوله: (( من بدَّل دينه (١) راجع في هذه المسألة: التمهيد الورقة ( ٣٩ - ٤٠ )، وشرح الكوكب المنير (٢٧١ - ٢٧٢)، وروضة الناظر (١٢٣ - ١٢٤ ). (٢) هناك صور ثلاث من صور الجمع لا خلاف فيها ، هي : الأولى : أن يكون مفرد الجمع لا يصلح إطلاقه على النساء ، كالرجال ، فهو جمع خاص بالرجال اتفاقاً . الثانية: ((أن يكون مفرده لا يصلح إطلاقه على الرجال ، كالبنات ، فهو جمع خاص بالنساء اتفاقاً . الثالثة : أن يكون ذلك الجمع متناولاً للذكور والإناث لغة ووضعاً ، كالناس ، فإنه يتناول الذكور والإناث بالاتفاق . أما الصورة التي فيها الخلاف فهي : إذا كان علامة الذكور فيها واضحة بينة ، كجمع المذكر نحو المؤمنين ، وقد ذكر المؤلف الخلاف في ذلك . راجع في هذا : التمهيد الورقة ( ٣٩/أ)، والإحكام للآمدي (٢٤٤/٢ ) ، ونهاية السول (٣٦٠/١)، وتيسير التحرير (٢٣١/١ -٢٣٥). ٣٥١ فاقتلوه)) (١) على الرجال والنساء (٢) . خلافاً لأصحاب (١) هذا الحديث رواه ابن عباس رضي الله عنه مرفوعاً، أخرجه البخاري في كتاب الجهاد باب لا يعذب بعذاب الله (٧٥/٥ )، وفي كتاب استتابة المرتدين باب حكم المرتد والمرتدة ( ١٨/٩ - ١٩). وأخرجه الترمذي في كتاب الحدود باب ما جاء في المرتد ، وقال فيه: (( هذا حديث صحيح حسن )) ( ٥٩/٤ ) . وأخرجه أبو داود في كتاب الحدود باب الحكم فيمن ارتد (٤٤٠/٢ ). وأخرجه ابن ماجه في کتاب الحدود باب المرتد عن دينه (٨٤٨/٢ ). وأخرجه النسائي في كتاب تحريم الدم باب الحكم في المرتد (٩٦/٧ - ٩٧ ). وأخرجه الطيالسي في كتاب الحدود باب عدم الشفاعة في إقامة الحد وما جاء في حد الردة ( ٢٩٦/١ ) . وأخرجه الطبراني عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه أخرجه في معجمه الكبير ، كما أخرجه عن عائشة رضي الله عنها في معجمه الأوسط . انظر : نصب الراية ( ٤٥٦/٣ ) . وراجع في هذا الحديث أيضاً : فيض القدير (٩٥/٦)، والمنتقى (٦٦٨). (٢) والقول بالدخول ذهب إليه بعض الشافعية وبعض المالكية ، وهو قول الحنفية ، كما جزم بذلك الكمال في تحريره ، وتابعه مؤلف تيسير التحرير ( ٢٣٤/١) ، وإن كان صاحب مسلم الثبوت اختار القول بعدم الدخول ( ٢٧٣/١) . وهذا القول الذي اختاره القاضي ، هو رواية عن الإمام أحمد ، وعليه أكثر الأصحاب ، وقد اختاره الموفق ابن قدامة في الروضة (١٢٣ - ١٢٤ ) ، وهناك رواية أخرى : أن النساء لا يدخلن في ذلك ، واختارها من الحنابلة أبو الخطاب في كتابه التمهيد الورقة (٣٩/أ) واختاره أيضاً الطوفي كما نقل ذلك عنه أبو البقاء الفتوحي في كتابه شرح الكوكب المنير ص (١٧١) . ومن هنا يتبين خطأ من نسب القول بالدخول إلى كل الحنابلة ، مثل الآمدي في الإحكام (٢٤٤/٢)، والاسنوي في نهاية السول (٣٦٠/٢)، والكمال بن الهمام في تحريره (٢٣١/١ - ٢٣٤) مطبوع مع شرحه تيسير التحرير ، وأبي السعود في تفسيره في أول تفسير سورة النساء . ٣٥٢ 1 الشافعي (١) والأشعرية (٢) في قولهم : لا يدخلون في ذلك. دليلنا : اتفاق أهل اللغة : على أن الذكور والإناث إذا اجتمعوا (٣) غلب الذكور على الإناث ، كما أنه إذا أخرج من يعقل مع ما لا يعقل ، غلب من يعقل على ما لا يعقل ، يبين ذلك قوله تعالى : ( قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ ) (٤) ، كان ذلك خطاباً لآدم وزوجته والشيطان ، الذي أزلهما عنه (٥)، فغلب الذكر على الأنثى، وقال تعالى: ( وَاللّهُ خَلِقُ كُلِّ (٦) دَابّةٍ من مَاءٍ فَمِنْهُم من يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمَنْهُمْ من يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ ) فغلب من (٧) يعقل على ما لا يعقل ، وهي الحية . ويقال : رأيت فلاناً وفلانة قائمين ، وقاعدين ، فيغلب اسم التذكير (١) هذا النقل غير محرر ، فالواقع : أنه قول أكثر أصحاب الشافعي ، لا كلهم وهو الرأي الأصح عند الشافعية ، كما في جمع الجوامع مع حاشية البناني ( ١/ ٤٢٨ - ٤٢٩)، وكما في نهاية السول ومنهاج الأصول (٣٥٩/٢ - ٣٦٠). (٢) وهكذا نسبه الآمدي في الإحكام (٢٤٤/٢ ) . (٣) في الأصل : ( اجتمعن ) . (٤) (٣٦) سورة البقرة . (٥) وهناك ثلاثة آراء في الآية : الأول : أن المراد : آدم وزوجته والحية . الثاني : أن المراد : آدم وزوجته وذريتهما . الثالث : أن المراد : آدم وزوجته ؛ لأن أقل الجمع اثنان . راجع تفسير الرازي ( مفاتيح الغيب ) (١٦/٢ - ١٧ ). (٦) هي قراءة حمزة والكسائي، وقرأ الباقون : (خَلَقَ كلّ ). في الأصل : (ما ) . (٧) ٣٥٣ العدة في أصول الفقه - ٢٣ حال التثنية، وإذا صح هذا وكان خطاب الله تعالى في صورة ((افعلوا)) خطاباً لجميع الناس ؛ لأن هذا خطاب لحاضر ، وجب أن يكون متناولاً لسائر المكلفين من الرجال والنساء . فإن قيل : لو كان اللفظ متناولاً للذكور والإناث معاً لما غلب أحدهما ، بل كانا يتساويان فيه ، فلما غلب التذكير ثبت أن اللفظ موضوع للذكور ، فيجب حمله عند الاطلاق على موضوعه . قيل : ليس إذا غلب أحدهما كان الخطاب، [٤٢ / أ] ، لأحدهما دون الآخر ، كما قلنا : إذا اجتمع من يعقل ما لا يعقل ، وإذا اجتمع الأيام مع الليالي ، فإنه يغلب أحدهما واللفظ شامل لهما ، كذلك ها هنا ، وكما يقال : فلان وفلانة قائمان ، فيغلب التذكير وإن تناولهما . وأيضاً : فإن الآمر إذا قال لمن بحضرته من الرجال والنساء : قوموا واقعدوا ، كان ذلك خطاباً لهم جميعاً باتفاق أهل اللغة . ولو قال : قوموا وقمن كان ذلك لكنة وعيّاً، فعلم أن الخطاب يصلح لهما ، ويشتمل عليهما . فإن قيل : لو كان أوامر الله تعالى بمنزلة أمر الآمر لمن بحضرته ، لما حق وروده بلفظ الأمر للغائب ، فلما وجدنا اللّه تعالى قد أمر الغائب بقوله : ( فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ) (١)، وقوله تعالى: ( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ) (٢) علمنا أن أمره مخالف للآمر يأمر من بحضرته (٣). قيل : إن كان لفظ الأمر للغائب ، فالمراد به الحاضر ، كما تقول : ((اللهم اغفر))، بمنزلة خطاب الحاضر، وتقول: ((غفر الله لي))، بمنزلة (١) (٥) سورة الطارق . (٢) (٤) سورة قريش . (٣) في الأصل: (أن أمره مخالف للآمر من يأمر بحضرته ). ٣٥٤ خطاب الغائب ، وهما سواء ، كذلك أوامره . ولأن ألفاظ الأوامر مثل قوله: (أَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) (١)، ونظائره ، وألفاظ الوعد والوعيد ، والمدح والذم ، والثواب والعقاب ، بلفظ المذكر وهي عامة ، لعلمنا بمراد الله تعالى الفريقين ، وليس لأحد أن يقول : عرفنا ذلك بدليل ؛ لأنه لم يرد لفظ يختص بالنساء ، ولو كان الظهر . واحتج المخالف : بقوله تعالى : ( اقْتُلُوا الْمُشرِكِينَ ) (٢)، وقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُم ) (٣). وأن ذلك مختص بالذكور دون الإناث . والجواب : أن ذلك اختص الذكور بدلالة الإجماع ، ولولا ذلك كان الخطاب للرجال والنساء جميعاً . واحتج : بأن للذكور علامة يتميزون بها من الإناث ، كما أن للمؤمنين علامة يتميزون بها من الكافرين ، فلما كان المؤمن لا يدخل تحت اسم الكافر ، ولا الكافر تحت اسم المؤمن ، كذلك لا يجوز أن تتناول لفظة : ((افعلوا))، غير الذكور ؛ لأن الواو في ذلك علامة للذكور ، والنون في : ((افعلن))، علامة للإناث. والجواب : أنا لا ننكر أن يكون لكل فريق علامة يميز بها حال الانفراد ، وإنما الكلام في حال الاجتماع ، هل يغلب خطابه بلفظ : ((افعلوا))، فيكون خطاباً للفريقين ، كما يكون حال الاجتماع للمسلمين والكفار خطاباً لهم جميعاً . (١) (٤٣) سورة البقرة . (٢) (٥) سورة التوبة . (٣) (٢١٦) سورة البقرة . ٣٥٥ واحتج بما روي عن أم سلمة ؛ أنها قالت : إن النساء قلن : يا رسول [ الله] ما نرى الله يذكر إلا الرجال، فأنزل الله تعالى: (إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتٍ ) (١) ، وهذا يدل على أن النساء لا يدخلن في جمع الذكور . (١) (٣٥) سورة الأحزاب . هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده ، كما في الفتح الرباني ، وذلك في كتاب التفسير ، تفسير سورة الأحزاب ، باب : (إن المسلمين والمسلمات .. ) الآية ( ٢٣٨/١٨ - ٢٣٩ ). وأخرجه عنها النسائي كما حكى ذلك الشيخ البنّا في كتابه الفتح الرباني (٢٣٩/١٨) وابن كثير في تفسيره ( ٤٨٧/١٣). والسيوطي في الدار المنثور (٢٠٠/٥) ، ولم أجده في سننه المطبوعة المتداولة ، ولعله في السنن الكبرى كما أشار إلى ذلك الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على تفسير ابن جرير (٤٨٧/٧ ). وأخرجه عنها ابن جرير الطبري كما نقل ذلك ابن كثير في تفسيره (٤٨٧/٣ ) ، وكما نقله السيوطي في الدر المنثور (٢٠٠/٥). وأخرجه الحاكم في مستدركه (٤٢٦/٢)، وقال: (( حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه))، وقد وافقه الذهبي على ذلك . وقد أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ، كما أخرجه عن قتادة ، نقل ذلك ابن كثير في تفسير (٤٨٧/٣)، السيوطي في الدو (٢٠٠/٥). وقد أخرجه عنها - كما عزاه السيوطي في الدر ( ٢٠٠/٥) - ابن المنذر وابن مردويه والطبراني ، كما عزاه إلى الفريابي وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وغيرهم . وأخرجه الترمذي عن أم عمارة رضي الله عنها في كتاب التفسير باب ومن سورة الأحزاب (٣٥٤/٥). وقال: ((حديث حسن غريب)). وقد أخرجه عنها - كما يقول السيوطي في الدر (٢٠٠/٥) - الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والطبراني وابن مردويه . وذكره الواحدي في أسباب نزول القرآن ص (٣٧٥) عن أسماء بنت عميس .. = ٣٥٦ والجواب : أنهن إنما شَكَوْنَ: أن الله تعالى لم يخصهن [٤٣/ب] بالذكر الذي وضع لهن في الأصل، وأردن (١) أن يكون لهن في الكتاب (٢) [أ] لا نرى أنهن كن يصلين ويزكين قبل ذلك بقوله: (أُقيمُوا الصَّلاَةَ وَآَنُوا الزَّكَاةَ ) (٣) فدل ذلك على ما ذكرنا . فإن قيل : هذا لا يختص به النساء ، فإن الرجال أيضاً ما أفردوا بلفظ يخصهم ، فإن لفظ التذكير يدخل فيه التأنيث . قبل : إلا أن علامة التذكير وهي : الواو والنون ، قد وردت ، وهي دالة على الرجال ، ولم ترد علامة التأنيث وهي الألف والتاء (٤). واحتج : بأن الآحاد من جميع الذكور لا يدخل فيه الإناث ، نحو مؤمن وكافر ، وقاتل ، كذلك يجب أن لا يدخلن في جمعه ؛ لأن الجمع إنما تناول من يصح تناول آحاده له ، ألا ترى أن المؤمن لما لم يصح دخوله في قولك : كافر ، لم يصح دخوله في قوله : كوافر ، وأنها (٥) لا تدخل في جمع المؤنث ، مثل المسلمات والتائبات والصابرات والذاكرات ؛ لأنه لا يدخلونه في المسلمة والتائبة والصابرة . والجواب : أنا إن سلمنا هذا ، فليس إذا لم يدخل في آحاد جميع الذكور ما يمنع من دخوله في الجمع ، كما قلنا في آحاد الأيام والليالي ، أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن النساء لفي خيبة وخسار قال : = (( ومم ذلك؟)) قالت : لأنهن لم يذكرن بالخير كما يذكر الرجال ، فنزلت . (١) في الأصل : (وأفردن ). (٢) والمعنى : أن يكون لهن ذكر في كتاب الله تعالى، كما للرجال. (٣) (٤٣) سورة البقرة. (٤) في الأصل : (الياء) . (٥) الضمير في (أنها ) يعود إلى الآحاد من جميع الذكور. ٣٥٧ لا يتبعه الآخر، وفي الجمع يتبع أحدهما الآخر ، وكذلك من (١) يعقل وما لا يعقل ، آحاده لا ينتظم الآخر ، وجمعه ينتظم ، كذلك هذا . وجواب آخر وهو : أن لفظ الجمع يحتمل اجتماع المذكر والمؤنث في الخطاب ، وإنما غلب المذكر ، ولفظ الواحد لا يحتمل أن يجتمع فيه المذكر والمؤنث ، فغلب فيه وضع اللفظة . جواب آخر وهو : أنا لو حملنا لفظ الواحد على المذكر والمؤنث ، لم يمتاز المذكر والمؤنث ، وليس كذلك إذا حمل لفظ الجمع عليهما ؛ لأنه يحصل الامتياز بينهما في حال أخرى وهو لفظ الواحد . مسألة [ دخول الكفار في الأمر المطلق ] (٢) الأمر المطلق يتناول الكافر كتناوله المسلم ، نحو قوله : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ) (٣) و ( يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (٤) و( يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (٥) ، ويكون مخاطباً بالعبادات كالمسلمين في أصح الروايتين . وقد قال أحمد رحمه اللّه في رواية أبي طالب في اليهودية والنصرانية تلاعن المسلم: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُم) (٦) ، فهي من الأزواج ، (١) في الأصل : ( ما ). (٢) راجع هذه المسألة في : المسودة ص (٤٦ - ٤٧)، وروضة الناظر ص (٢٧ - ٢٨)، وشرح الكوكب المنير ص (١٧٣). (٣) (٢١) سورة البقرة . (٤) (١٧٩) سورة البقرة . (٥) (٢) سورة الحشر . (٦) (٦) سورة النور . ٣٥٨ : . i وهي بمنزلة المسلمة المحصنة (١). وظاهر كلامه : أنه جعلها داخلة في عموم قوله : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُم ) . وقد صرح بذلك في كتاب طاعة الرسول ، فقال : قوله : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكِن لَهُم شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُم)، فالظاهر يقع على الأمة واليهودية والنصرانية وغير ذلك (٢). وإلى هذا ذهب المتكلمون من الأشعرية والمعتزلة (٣). وفيه [٤٤/أ] رواية أخرى : لا يتناولهم الأمر، ولا هم مخاطبون بالعبادات ، وإنما هم مخاطبون بالإيمان والنواهي (٤). (١) هذه الرواية ذكرها ابن قدامة في كتابه المغني (٥/٨ ) حيث قال : ( قال أحمد في رواية ابن منصور جميع الأزواج يلتعنون ، الحر من الحرة والأمة إذا كانت زوجة ، وكذلك العبد من الحرة والأمة إذا كانت زوجة ، وكذلك المسلم من اليهودية والنصرانية ) . (٢) عدم اشتراط الحرية والإسلام في اللعان ، هو المشهور من المذهب الحنبلي ، وقد عقب ابن قدامة على الرواية التي لا تشترط ذلك بقوله في المغني ( ٥/٨ ): ( وهذه الرواية هي المنصوصة عن أحمد في رواية الجماعة ، وما يخالفها شاذ في النقل ) . (٣) راجع في هذا المغني لعبد الجبار قسم الشرعيات (١١٦/١٧ - ١١٧ ). (٤) وبناء على هذا ، جاءت الرواية الثانية التي تشترط الحرية والإسلام في اللعان ، وهو رأي الزهري والثوري والأوزاعي وحماد ، كما نقل ذلك عنهم ابن قدامة في المغني ( ٥/٨ ). وهذه المسألة متفرعة عن مسألة : هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أو لا ؟ وقد نقل ابن قدامة في المغني (٣٥٢/١) عن الإمام أحمد روايتين ، كما نقل مثل ذلك في كتابه الروضة ( ٢٧ - ٢٨ ). ٣٥٩ وقد قال أحمد رحمه اللّه في يهودي أسلم في نصف شهر رمضان : يصوم ما بقي ، ولا يقضي ما مضى ؛ لأنه لو لم يجب عليه شيء من ذلك ، وإنما وجب عليه الأحكام من الطهر والصلاة بعد ما أسلم . فقد صرح رحمه الله : أنه لم يكن واجباً عليه في حال كفره . واختلف أصحاب أبي حنيفة : فذهب الكرخي والرازي وجماعة من أصحابه إلى أنهم مخاطبون بالعبادات . وذهب الجرجاني : إلى أنهم غير مخاطبين بها ، وإنما خوطبوا بالنواهي والإيمان (١) . واختلف أصحاب الشافعي أيضاً : فمنهم من قال : هم مخاطبون ، وهو الأشبه عندهم (٢) . ومنهم : من منع . فالدلالة على أنهم مخاطبون : قوله تعالى : (وَوَيْلٌّ لِلْمُشْرِكِينَ (٣) الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهَمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) (٤) ، فتوعد المشركين على شركهم، وهناك رواية ثالثة ، لم يذكرها المؤلف ، ولا ذكرها ابن قدامة ، وإنما ذكرت = في المسودة ص (٤٦ - ٤٧ )، وهي : أنهم غير مخاطبين بشيء. (١) راجع في هذا تيسير التحرير (١٤٨/٢ - ١٥٠)، وشرح التلويح (٢١٣/١ - ٢١٥ ) . (٢) قال الإسنوي : وهو أصحها ، ونقل عن صاحب البرهان قوله : إنه ظاهر مذهب الشافعي رحمه الله. انظر نهاية السول (٣٧٠/١). (٣) كلمة ( للمشركين ) ساقطة من الأصل ، وقد أثبتها الناسخ في الهامش . (٤) (٦، ٧ ) سورة فصلت . ٣٦٠ ٢ F