النص المفهرس

صفحات 321-340

٣
بل شربت عسلاً ، ولن أعود إليه )، فأنزل الله تعالى: (لِمَ تُحرِّمُ مَا
أَحَلَّ اللّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ) (١)، وإنما كان شرب
عسلاً" (٢).
وقال أيضاً فيمن حرم أَمَته : عليه كفارة .
واحتج : بأن النبي ◌َ الم حرم مارية القبطية (٣) ، فأنزل الله تعالى :
( يَا أَيُّهَا النّبِيُّ لِمَ تُحَرَّمُ مَا أَحَلَّ اللّهُ) (٤). وهذا يدل من
= في محاسن التأويل للقاسمي: (٥٨٥٣/١٦)، وأحكام القرآن للجصاص (٥/
٣٦٢)، ومفاتيح الغيب للفخر الرازي (٤١/٣). و ((المغافير)) - كما قال
القاسمي في المرجع السابق - : ( صمغ حلو ، له رائحة كريهة ، ينضحه شجر
يقال له : العُرْفُط ) .
(١) (١) سورة التحريم.
(٢) هذه الرواية في سبب نزول الآية، أخرجها البخاري في كتاب التفسير باب سورة
التحريم (١٩٤/٦ ) .
كما أخرجها مسلم في كتاب الطلاق باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته
ولم ينو الطلاق (١١٠٠/٢ ).
وراجع في سبب نزول هذه الآية: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣٨٧/٤) .
(٣) هي مارية بنت شمعون القبطية ، مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأم
ولده ابراهيم ، أهداها اليه المقوقس . توفيت سنة (١٦ هـ) ، ودفنت بالبقيع ،
وصلى عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
انظر ترجمتها في : الاستيعاب (١٩١٢/٤ - ١٩١٣)، والإصابة القسم الثامن
ص (١١١) طبعة دار نهضة مصر .
(٤) (١) سورة التحريم.
وكون هذه الآية نزلت في قصة مارية القبطية رضي الله عنها ، لم يخرجه أحد من
أصحاب الكتب الستة ، إلا أن إسناده صحيح ، كما صرح بذلك الحافظ ابن كثير
رحمه الله في تفسيره ( ٣٨٦/٤). وقد رجح كون قصة مارية سبباً لنزول الآية -
جمال الدين القاسمي في تفسيره محاسن التأويل (٥٨٥٥/١٦ ).
٣٢١
العدة في أصول الفقه - ٢١

!
كلام أحمد رحمه الله : أن النبي إذا أمر بفعل شيء شاركته أمته فيه ؛ لأنه
احتج في إيجاب الكفارة على من حرم طعامه: بأمر الله تعالى نبيه عد اله
بالكفارة ، لما حرم العسل ، ولم يجعل ذلك خاصاً في حقه ؛ لأن الخطاب
تناوله .
وقال أيضاً في رواية الأثرم : لا يتطوع قبل صلاة العيد ولا بعدها ،
وذكر الحديث يعني أن النبي مَ الله لم يصلّ قبلها ولا بعدها (١)، فجعل فعله
حجة على أمته .
وهناك رأي لابن جرير الطبري مفاده : أن النبي عليه الصلاة والسلام حرم سيئاً
=
على نفسه كان حلالاً له . وهذا الحلال جائز أن يكون مارية ، وجائز أن يكون
شيئاً من الأشربة ، وجائز أن يكون غير ذلك ، فأنزل الله تعالى الآية . تفسير
الطبري ( ١٥٨/٢٨) طبعة الحلبي .
وقد قال بعضهم : إنهما واقعتان ، وقد ذكر ذلك ابن كثير ، وأردفه بقوله :
(إلا أن كونهما سبباً لنزول هذه الآية فيه نظر). تفسير ابن كثير (٣٨٧/٤).
وروى ابن أبي حاتم بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما : أن سبب نزول
الآية : قصة المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم . نقل ذلك ابن كثير
في تفسيره (٣٨٧/٤ -٣٨٨)، وعقب عليه بقوله : (وهذا قول غريب ).
والذي يفهم من الروايتين المذكورتين عن الإمام أحمد رحمه الله : أنه يقول
بأن كلا الحادثتين سبب لنزول الآية :
(١) هذا الحديث رواه ابن عباس رضي الله عنه مرفوعاً، أخرجه البخاري في كتاب
العيدين باب الصلاة قبل العيد وبعدها (٢٩/٢ ).
وأخرجه عنه مسلم في كتاب صلاة العيدين باب ترك الصلاة قبل العيد وبعدها في
المصلى (٦٠٦/٢ ) .
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الصلاة باب ما جاء لا صلاة قبل العيد ولا بعدها
(٤١٧/٢) .
وأخرجه عنه ابو داود في كتاب الصلاة باب الصلاة بعد صلاة العيد (٣٦٤/١) .
وأخرجه عنه النسائي في كتاب صلاة العيدين باب الصلاة قبل العيدين وبعدها =
٣٢٢

٢
وقال أيضاً في رواية محمد بن موسى (١) ، وقد سئل عن قوم ينهون عن
رفع اليدين في الصلاة، فقال: لا ينهاك إلا مبتدع، فعل النبي عد اله
ذلك (٢).
(١٥٧/٣) وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة ، باب ما جاء في الصلاة
=
قبل صلاة العيد وبعدها ... كما أخرجه عن أبي سعيد الخدري ، وعمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده ، ولفظ حديث أبي سعيد: ( كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم لا يصلي قبل العيد شيئاً ، وإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين ) ( ١/
٤١٠ ) .
وأخرجه الطيالسي عن ابن عباس رضي الله عنهما في كتاب الصلاة باب ما جاء
في صلاة العيد ركعتين بغير أذان وعدم الصلاة قبلها وبعدها ( ١٤٦/١ - ١٤٧ ).
(١) هو : محمد بن موسى بن أبي موسى النهر تيري البغدادي . من أصحاب الإمام
أحمد ، وكان ثقةً صالحاً جليلاً ، نقل عن الإمام أحمد مسائل کبار جياد .
انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة (٣٢٣/١ - ٣٢٤) .
(٢) الأحاديث الواردة في رفع اليدين في الصلاة كثيرة ، ربما تبلغ حد التواتر كما
يقول السيوطي .
ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح (٢٢٠/٢) عن شيخه العراقي: (( أنه تتبع من
رواه من الصحابة فبلغوا خمسين رجلاً )).
وقد أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الأذان باب رفع اليدين في التكبيرة
الأولى مع الافتتاح سواء عن ابن عمر ومالك بن الحويرث رضي الله عنهما ولفظ
حديث ابن عمر هو : ( رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا قام في الصلاة
رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع ، ويفعل
ذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ويقول: (( سمع الله لمن حمده))، ولا يفعل
ذلك في السجود ) ( ١٧٨/١ ).
وأخرجه عنهما مسلم في كتاب الصلاة باب في استحباب رفع الیدین (٢٩٢/١ -
٢٩٣) . وعن ابن عمر أخرجه الترمذي في كتاب الصلاة باب ما جاء في رفع
الیدین عند الركوع (٣٥/٢ - ٤٠) .
وعن ابن عمر ووائل بن حجر أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة باب رفع=
٣٢٣

خلافاً للأشعرية وبعض الشافعية في قولهم: يختص ذلك بالنبي عد اله
ولمن واجهه بالخطاب ، ولا يدخل النبيّ فيما كان خطاباً للصحابة (١).
وذكر أبو الحسن التميمي من أصحابنا من جملة مسائل من الأصول :
أن الأمر إذا توجه إلى واحد ، لم يدخل غيره فيه بإطلاقه .
فالدلالة على أن الصحابة تشارك النبي عاتٍ فيما أمر به وفي أفعاله
قوله تعالى : ( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرَأَ زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا
يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوا
مِنْهُنَّ وَطَراً) (٢) فأخبر أنه زوجه من كانت امرأة من قد تبناه ، لكي
يقتدي الناس به في ذلك ، فلا يمتنعوا من التزويج بنساء من تبنوه ، فثبت
اليدين في الصلاة (١٦٦/١ ) .
==
وأخرجه النسائي عن ابن عمر في كتاب الافتتاح باب العمل في افتتاح الصلاة ،
وباب رفع الیدین قبل التکبیر ، وباب رفع اليدين حذو المنكبين .
كما أخرجه عن مالك بن الحويرث في الكتاب المذكور باب رفع اليدين حيال
الأذنين ( ٩٣/٢ - ٩٤ ).
وعن ابن عمر ووائل بن حجر وغيرهما أخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة
باب رفع الیدین اذا ركع واذا رفع رأسه من الركوع (٢٧٩/١ - ٢٨١).
وعن ابن عمَر ومالك بن الحويرث أخرجه الطيالسي في مسنده في كتاب الصلاة
باب ما جاء في تكبيرات الانتقال ورفع اليدين عندها (٩٥/١ ).
وراجع في هذا الحديث أيضاً: نصب الراية (٣٠٨/١ - ٣١١).
(١) راجع في هذا: المستصفى (٨٠/٢ - ٨١)، وشرح البدخشي مع شرح الأسنوي
على المنهاج (٧٤/٢)، والإحكام للآمدي (٢٥١/٢ - ٢٥٢).
وهذا القول نسبه أبو البقاء الفتوحي في كتابه شرح الكوكب المنير (١٦٨)، إلى
بعض أصحاب الإمام أحمد .
(٢) (٣٧) سورة الأحزاب .
٣٢٤
1
!

بهذا أنهم مشاركون له فيما فعله (١).
واحتج أبو إسحاق الزجاج (٢) في كتاب المعاني (٣) بقوله تعالى: ( يَا
أَيُّهَا النّبِيُّ إذَا طَلّقْتُمُ النِّسَاءَ ) (٤) ، فأول الخطاب مواجه به النبي
عَلِ، وكان المراد به أمته بقوله: (طَلّقْتُم)، (فَطَلَّقُوهُنَّ) (٥).
وأيضاً : فإنما اختص به رسول اللّه ◌ُ التم في الشريعة ورد فيه بلفظ
التخصيص، مثل قوله تعالى : ( خَالِصَةٌ لَكَ) (٦)، و(نَافِلَةٌ
لَكَ) (٧) ، فلو كان منفرداً بما يتوجه إليه من الشرع ، لم يكن لتخصيصه
فائدة (٨) .
(١) أجاب المانعون عن هذه الآية - كما في نهاية السول (٣٦٠/٢): (بأنه تنصيص
على ثبوت الحكم للاتباع ، وإشارة إلى الإلحاق بالقياس ) .
(٢) هو إبراهيم بن السري بن سهل ، أبو إسحاق الزجاج ، عالم بالنحو واللغة والعروض.
كان يعمل في خرط الزجاج ، فنسب إليه . تعلم النحو على المبرد . له كتب كثيرة
منها : معاني القرآن ، والاشتقاق ، وكتاب في العروض . ولد ، ومات ببغداد ،
وكانت سنة وفاته (٣١٠ هـ) على الأرجح ، وقد نيف على (٨٠) سنة .
له ترجمة في: الأعلام ( ٣٣/١)، وبغية الوعاة (٤١١/١) ، وتاريخ بغداد
(٨٩/٦)، ونزهة الألباء في طبقات الأدباء (٣٠٨)، ووفيات الأعيان (١١/١١).
(٣) هذا الكتاب طبع منه جزءان ، يشتملان على معاني القرآن وإعرابه ، من أول
القرآن الكريم إلى آخر سورة براءة ، وذلك بتحقيق الدكتور عبد الجليل عبده
شلبي ، نشر المكتبة العصرية ببيروت وصيدا .
(٤) (١) سورة الطلاق .
(٥) أجاب المانعون عن هذه الآية - كما في نهاية السول (٣٦٠/٢) - (بأن ذكر النبي
صلى الله عليه وسلم للتشريف ، والمقصود ذكر الخطاب العام) .
(٦) (٥٠) سورة الأحزاب.
(٧) (٧٩) سورة الإسراء .
(٨) أجاب المانعون عن هذه الآية - كما في نهاية السول (٧٦٠/٢) بقولهم: ( بأن
الفائدة المنع عن الالحاق بالقياس ) .
٣٢٥

ولأن رسول اللّه عَ الم قد كان يسأل عن الأمر فيجيب عن حال
نفسه، مثل سؤال الرجل عن القبلة في حال الصوم، فقال: (( أنا أفعل
ذلك)) (١) .
ومثل قوله لأم سلمة (٢) حين سألته عن الاغتسال من الجنابة: (( أما
أنا فأفيض الماء على رأسي)) (٣) ، فلو كان مخصوصاً بحكم الشرع، لم يكن
لهذا الفعل معنى .
وقد رد ابن عبد الشكور في ((مسلم الثبوت)) (٢٨٢/١)، مطبوع مع ((المستصفى))
=
- على هذه الأجوبة السالفة الذكر بقوله : ( واعلم أن المراد بيان التناول العرفي
واستقراره في النفوس ، وهذه أمارات مفهمة ، فمناقشات المخالفين طائحة .. ).
(١) هذا الحديث أخرجه الإمام مالك في (( موطئه)) في كتاب الصيام باب ما جاء في
الرخصة في القبلة في الصائم بسنده إلى عطاء بن يسار مرسلاً ، وله قصة .. وفيها :
قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: ((ألا أخبرينها أني أفعل ذلك))؛ لأن
المرأة قبّلها زوجها وهو صائم ، فبعثها لتسأل عن ذلك (١٦٣/٢) مطبوع مع
شرح الزرقاني .
وأخرجه الامام الشافعي في كتاب الصيام باب ما جاء في تقبيل الرجل زوجته
وهو صائم ( بدائع المنن ) (٢٥٨/١ - ٢٥٩) عن الإمام مالك وذكر بقية سند
مالك .
وقد ذكر الزرقاني في ((شرحه على الموطأ)) (١٦٣/٢ ): أن عبد الرزاق قد
أخرجه موصولاً عن عطاء عن رجل من الأنصار .
(٢) هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية بن المغيرة القرشية المخزومية . أسلمت قديماً
وهاجرت إلى الحبشة صحبة زوجها الأول ، ثم هاجرت إلى المدينة . مات عنها
زوجها ، فتزوجها النبي صلى اللّه عليه وسلم سنة أربع، وقيل ثلاث من الهجرة .
ماتت سنة (٥٩ هـ) وقيل سنة (٦١)، وهي آخر أمهات المؤمنين موتاً كما جزم
بذلك الحافظ ابن حجر .
لها ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٩٣٩/٤) و((الإصابة)) (٢٤٠/٨ - ٢٤٢).
(٣) ئيس هذا جواب النبي عليه الصلاة والسلام لأم سلمة رضي الله عنها، وإنما =
٣٢٦
!
!

ولأن الصحابة قد كانت ترجع إلى أفعال رسول الله عز التمٍ فيما يختلف
فيه من أحكام الشرع ، مثل ما روي عن اختلافهم في الغسل من التقاء
جوابه هو : ( قالت - أي أم سلمة - : قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر
=
رأسي ، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: (( لا إنما يكفيك أن تحثين على رأسك ثلاث
حثيات من ماء ، ثم تفيضين على سائر جسدك الماء فتطهرين ) .
وهذا الحديث أخرجه مسلم عنها في كتاب الحيض باب حكم ضفائر المغتسلة
(٢٥٩/١ ) .
وأخرجه عنها الترمذي في كتاب الطهارة باب هل تنقض المرأة شعرها عند الغسل
(١٧٥/١ ) .
وأخرجه عنها أبو داود في كتاب الطهارة باب في المرأة هل تنقض شعرها عند
الغسل (٥٨/١).
وأخرجه عنها النسائي في كتاب الطهارة باب ذكر ترك المرأة نقض ضفر رأسها
عند اغتسال الجنابة ( ١٠٨/١ - ١٠٩ ).
وأخرجه عنها ابن ماجه في كتاب الطهارة باب ما جاء في غسل النساء من الجنابة
(١٩٨/١)، وراجع نصب الراية (٨٠/١).
أما الحديث الذي أشار إليه المصنف رحمه الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم
قال لما ذكر أناس عنده غسل الجنابة فقال : ( أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثاً ) .
وقد أخرجه البخاري في كتاب الغسل باب من أفاض على رأسه ثلاثاً عن جبير
ابن مطعم رضي الله عنه ( ٧٠/١).
وأخرجه مسلم في كتاب الحيض باب استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره
ثلاثاً (٢٥٨/١ - ٢٥٩) ، وقد ذكر في بعض رواياته : أن السائلين له عن ذلك
وفد من ثقيف .
وأخرجه أبو داود في كتاب الطهارة باب في الغسل من الجنابة (٥٥/١ ).
وأخرجه النسائي في كتاب الطهارة باب ذكر ما يلقى الجنب من إفاضة الماء
على رأسه ( ١١٢/١ ).
وأخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة باب في الغسل من الجنابة (١٩٠/١ - ١٩١)،
وعنده في بعض الطرق : أن ذلك جواب لسؤال وجه للنبي صلى الله عليه وسلم .
٣٢٧
:

الختانين من غير إنزال (١) ، ومثل وجوب الوضوء من المسيس (٢)، فلو
(١) هذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب الحيض باب نسخ الماء من الماء ووجوب
الغسل بالتقاء الختانين ( ٢٧١/١ - ٢٧٢)، وذكر فيه قصة اختلاف فريق من
الأنصار مع فريق من المهاجرين في أنه لا يجب الغسل إلا من تدفق الماء أو يكفي في
وجوبه المخالطة .
وقد أخرجه الترمذي عن عائشة في كتاب الطهارة باب ما جاء اذا التقى الختانان
وجب الغسل (١٨٠/١ - ١٨١).
وأخرجه ابن ماجه عنها وعن غيرها في كتاب الطهارة باب ما جاء في وجوب
الغسل اذا التقى الختانان ( ١٩٩/١ - ٢٠٠ ).
وأخرجه أبو داود عن أبي هريرة في كتاب الطهارة باب في الاكسال (٤٩/١).
ويلاحظ : أن استدلال المؤلف بالحديث لا يتم إلا على الرواية التي أخرجها الترمذي
وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها السابق الإشارة إليها . ولفظ ابن ماجه :
( قالت - اي عائشة - : إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ، فعلته أنا ورسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فاغتسلنا) . أما غير هذه الرواية فإن الرجوع كان إلى
قول الرسول عليه الصلاة والسلام ، لا إلى فعله .
(٢) الوضوء من مس المرأة رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه عنه
الترمذي في كتاب التفسير ، باب ومن سورة هود (٢٩١/٥) ولفظه : ( .. عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ قال : أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجل ،
فقال ، يا رسول الله أرأيت رجلاً لقي امرأة ، وليس بينهما معرفة ، فليس يأتي
الرجل شيئاً إلى امرأته ، إلا وقد أتى هو إليها ، إلا أنه لم يجامعها ، قال : فأنزل
الله: (( أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يُذهبن السيئات ذلك
ذكرى للذاكرين ))، فأمره أن يتوضأ ، ويصلي ، قال معاذ: فقلت : يا رسول
اللّه أهي له خاصة أم المؤمنين عامة ؟
قال : بل للمؤمنين عامة ) .
قال الترمذي بعد ذلك : ( هذا حديث ليس إسناده بمتصل ، عبد الرحمن بن
أبي ليلى لم يسمع من معاذ ... ).
وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الطهارة، باب صفة ما ينقض الوضوء، وما =
٣٢٨
!

كان مخصوصاً بحكم الشريعة لم يصح رجوعهم إلى فعله ، فدل على مساواته
بغيره في أحكام الشرع .
فإن قيل : الصحابة صارت إلى هذين الفعلين بدلالة خاصة مقتضية
للأمرين .
قيل : خاص الدلائل يختص بمعرفته بعض الناس ، فلو كان الأمر على
ما قالوه لذكروها ، وسألوا عنها ، ولو لم يكن عندها دلالة عامة تشترك
الجماعة في العلم بها لسألوا عنها كسؤالهم عن نفس الدلالة .
وأيضاً : روي عن النبي عَلطاقم قال: ( ما أمرني اللّه بشيء إلا وقد
أمرتكم به ، ولا نهاني عن شيء إلا وقد نهيتكم عنه ) ، فدل على أن الأصل
ما ذكرنا .
واحتج المخالف :
بأن لفظ الأمر وقع خاصاً ، فلم يكن هناك لفظ يتناول غيره ، فلا يجوز
إثباته .
روي في الملامسة والقبلة (١٣٤/١)، بسنده إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن
=
معاذ. ثم قال بعد ذلك: (( صحيح)).
وأخرجه عنه الحاكم في (( المستدرك)) في كتاب الطهارة ، باب الدليل على أن
اللمس ما دون الجماع والوضوء منه (١٣٥/١) وسكت عنه .
وقد أخرج الإمام مالك في كتاب الطهارة ، باب الوضوء من قبلة الرجل امرأته
(٨٩/١)، مطبوع مع شرح الزرقاني، أخرج عن ابن عمر رضي الله عنه أنه
قال : ( قبلة الرجل امرأته ، وجَسّها بيده من الملامسة ، فمن قبّل امرأته أو
جَسّها بيده فعليه الوضوء ) .
وأخرج الإمام الشافعي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنه في كتاب الطهارة ، باب
ما جاء في نواقض الوضوء (٣٤/١) .
راجع في هذا أيضاً : تلخيص الحبير (١٣٢/١).
٣٢٩
1

والجواب : أن خطاب النبي معزمانه بالحكم خطاب لأمته ؛ لأنه صاحب
الشرع ومنه يوجد ، ولأنه قد أوجب عليهم اتباعه بقوله: ( وَاتَّبِعُوهُ) (١)،
وبقوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهٍ) (٢).
واحتج : بأنه لا يمتنع أن يكون مصلحة لعين دون عين ، فلا يتعدى إلى
غيرها إلا بدلالة .
[٤٠/ب] والجواب : أنا لا تمنع أن يكون هذا مصلحة في العقل ،
وكلامنا فيما يقتضيه الشرع ، وقد بيّنا أن الشرع يقتضي وجوب التأسِّي في
أفعاله .
واحتج : بأن النبي اللم قد كان مخصوصاً بأشياء لا يشاركه غيره
فيها (٣) ، كالموهوبة والعدد وغير ذلك، فلم يجز حمله على المشاركة إلا
بدليل .
والجواب : أن الفعل المطلق لا يقع إلا وهو دال على الاشتراك ، وإنما
يختص ببعض الأفعال بدليل ، وكلامنا في الفعل المطلق .
واحتج : بأن لفظ الواحد له صيغة تخالف لفظ الجمع ، فإذا حملنا
لفظ الواحد على الجمع ، خلطنا باب الواحد بباب الجمع ، وهذا لا
يجوز .
والجواب : أن خطاب الله تعالى لنبيه في حكم خطاب الجماعة ؛ لأنه
قد أوجب عليهم اتباعه بقوله : ( وَاتَّبِعُوهُ ) (٤) وقوله: ( فَلْيَحْذَرِ
(١) (١٥٨) سورة الأعراف.
(٢) (٦٣) سورة النور .
(٣) في الأصل: ( فيه ).
(٤) (١٥٨) سورة الأعراف .
٣٣٠
:

٢
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) (١)، وكذلك خطاب النبي للواحد من
الجماعة بقوله عائل: ( خطابي للواحد خطاب (٢) للجماعة) (٣).
فصل
الحكم على واحد من الصحابة حكم على غيره
والدلالة على أن الحكم إذا توجه إلى واحد من الصحابة دخل فيه
غيره : قوله تعالى: (لأِنْذِرَكُم بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) (٤) فظاهره يفيد أن ما
كان من الحكم الخاص لشخص بعينه في القرآن ، فجميع الناس منذرون (٥)
به ، ولا يكون إلا مع تكليفهم لفظه وإيقاعه .
وكذلك قوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةٌ لِلنَّاسِ ) (٦)
والإرسال يتضمن ما أرسل من الأحكام ، ومرسلاً إليه ، وأكد ذلك بقوله
تعالى : ( نَذِيراً) ، والإنذار يقع بالعبادات .
وقد روي عن النبي ◌ّ الله أنه قال : ( خطابي للواحد خطاب للجماعة ،
وحكمي على الواحد حكم على الجماعة ) (٧).
(١) (٦٣) سورة النور .
في الأصل : ( خطابي ) .
(٢)
(٣) أنظر تخريجه هامش (٧) من هذه الصفحة .
(٤) (١٩) سورة الأنعام.
(٥) في الأصل : (منذرین به ) .
(٦) (٢٨) سورة سبأ .
(٧) هذا الحديث بهذا اللفظ: لا أصل له، كما قال العراقي، وأنكره المزي والذهبي ،
وقال الزركشي : لا يعرف. راجع: كشف الخفاء للعجلوني (٤٣٦/١ - ٤٣٧)،
والأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة لعلي القارىء (١٨٨).
وقال الشوكاني في كتابه الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص (٢٠٠) : =
٣٣١
!

فإن قيل هذا من أخبار الآحاد .
قيل : يجوز الاحتجاج به في مثل ذلك ؛ ولأن الأمور التي خص
رسول الله عز له بها الواحد، قد بين عن وجه التخصيص فيها ، مثل قوله
سَ الله لأبي بردة (١): ( الجذع من الماعز يجزىء عنك، ولا يجزىء عن
أحد بعدك ) (٢)، وقوله في الم للرجل الذي تزوج بما معه من
= ( وقد ذكره أهل الأصول في كتبهم الأصولية ، واستدلوا به ، واخطئوا ) .
غير أن معنى الحديث هذا له أصل ، وهو ما رواه الترمذي في كتاب السير باب
ما جاء في بيعة النساء عن أميمة بنت رقيقة رضي الله عنها (١٥١/٤ - ١٥٢)،
وفيه: (إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة) وقال: ((حديث حسن صحيح)).
وأخرج ابن ماجه طرفاً منه ، وليس فيه محل الشاهد ، وذلك في كتاب الجهاد
باب بيعة النساء عن أميمة رضي الله عنها (٩٥٩/٢).
(١) هو : هانىء بن نيار الأنصاري . اختلف في اسمه واسم ابيه . شهد بدراً وأُحداً
وبقية المشاهد . شهد مع علي حروبه كلها . توفي في أول خلافة معاوية رضي الله
عن الجميع .
انظر ترجمته في : الاستيعاب ( ١٦٠٨/٤ - ١٦٠٩) والإصابة القسم السادس
ص (٥٢٣) . طبعة دار نهضة مصر .
(٢) هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب العيدين باب كلام الإمام والناس في
خطبة العيد ( ٢٧/٢ ) . وفي كتاب الأضاحي باب قول النبي صلى الله عليه وسلم
لأبي بردة: ((ضحّ بالجذع من المعز، ولن تجزىء عن أحد بعدك (١٣١/٧ ).
وأخرجه مسلم في كتاب الأضاحي باب وقتها (١٥٥٢/٣ - ١٥٥٥).
وأخرجه أبو داود في كتاب الأضاحي باب ما يجوز في الضحايا من السن (٨٧/٢).
وأخرجه الترمذي في كتاب الأضاحي باب ما جاء في الذبح بعد الصلاة ( ٩٣/٤).
وأخرجه ابن ماجه في كتاب الأضاحي باب النهي عن ذبح الأضحية قبل الصلاة
(١٠٥٣/٢).
وأخرجه النسائي في كتاب الأضاحي باب ذبح الأضحية قبل الإمام (١٩٦/٧ ).
وأخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب الضحايا باب النهي عن ذبح الضحية
قبل انصراف الإمام ( ٧٢/٣ - ٧٣ ) .
=
٣٣٢

القرآن: ( هذا لك وليس لأحد بعدك ) (١) ، وكذلك تخصيصه
وأخرجه الطيالسي في مسنده في كتاب الهدايا والضحايا باب وقت الذبح والترخيص
=
لأبي بردة بن نيار وعقبة بن عامر في التضحية بالجذع من المعز .
وراجع في هذا الحديث أيضاً : نصب الراية ( ٢٠٧/٤ ).
وقد وردت الرخصة لعقبة بن عامر رضي الله عنه في أن يضحي بالجذعة فروى
البخاري في كتاب الأضاحي باب قسمة الإمام الأضاحي بين الناس ( ١٢٩/٧ )
بلفظ : ( قسم النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ضحايا ، فصارت لعقبة
جذعة ، فقلت: يا رسول اللّه صارت لي جذعة، قال: ((ضحّ بها))).
وقد أخرج ذلك مسلم في كتاب الأضاحي باب سن الضحية (١٥٥٦/٣ ).
كما أخرج ذلك الطيالسي في مسنده في كتاب الهدايا والضحايا باب وقت الذبح
والترخيص لأبي بردة وعقبة بن عامر في التضحية بالجذع من المعز (٢٣٠/١ ).
ومن جهة أخرى فقد جاءت الرخصة بالتضحية بالجذع لزيد بن خالد الجهني ،
كما في سنن أبي داود في كتاب الأضاحي باب ما يجوز في الضحايا من السن ( ٢/
٨٦ - ٨٧ ) .
وقد زاد البيهقي بعد أن روى الرخصة في ذلك لعقبة بن عامر : ( ولا رخصة فيها
لأحد بعدك ) .
وعلى هذه الرواية يكون هناك تعارض بين القصتين . قصة أبي بردة ، وقصة
عقبة ، وقد جمع بينهما البيهقي : بأن هذه رخصة لعقبة ، كما كانت لأبي
بردة ، ورده الحافظ ابن حجر .
وذهب بعضهم : إلى أن خصوصية الأول نسخت بخصوصية الثاني .
وهناك فريق ثالث يرى تقديم حديث أبي بردة على حديث عقبة ، وبخاصة أن
الزيادة : ( ولا رخصة فيها لأحد بعدك) في حق عقبة ، لم ترد في الصحيحين .
راجع : شرح الزرقاني على الموطأ (٧٣/٣).
ومن هنا نتبين : أن تعبير المؤلف بالتخصيص لأبي بردة لم يكن دقيقاً .
(١) قصة تزويج النبي صلى اللّه عليه وسلم للرجل بما معه من القرآن ثابتة صحيحة
=
. أخرجها البخاري في كتاب النكاح باب تزويج المعسر (٨/٧ - ٩).
٣٣٣

للزبير (١) بلبس الحرير (٢).
وأخرجها مسلم في كتاب النكاح باب الصداق وجواز كونه تعليم القرآن (٢/
=
١٠٤٠ ) .
وأخرجها الترمذي في كتاب النكاح باب منه ( أي مهور النساء ) ( ٤١٢/٣ -
٤١٣ ) .
وأخرجها أبو داود في كتاب النكاح باب التزويج على العمل يعمل ( ٤٨٧/١ ).
وأخرجها ابن ماجه في كتاب النكاح باب التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه
وسلم : ( ٦٤٤/١ - ٦٤٥ ).
وأخرجها النسائي في كتاب النكاح باب عرض المرأة نفسها على من ترضى ( ٦/
٦٤ - ٦٥)، وفي باب هبة المرأة نفسها لرجل بغير صداق (١٠٠/٦ - ١٠١).
وأخرجها الطيالسي في مسنده ( بدائع المنن ) في كتاب النكاح باب جعل العتق
صداقاً ، وجعل تعليم بعض القرآن صداقاً (٣٠٧/١) .
وأخرجها مالك في الموطأ في كتاب النكاح باب ما جاء في الصداق والحياء ( ٣/
١٢٨ - ١٢٩). وراجع أيضاً: نصب الراية (١٩٩/٣ - ٢٠٠).
ويلاحظ أن قوله : ( هذا لك وليس لأحد بعدك ) لم أرها فيما رجعت إليه من
المصادر ، غير أن ابن قدامة ، ذكر في كتابه المغني (١٤١/٧) هذا الحديث بلفظ :
( ان رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج رجلاً على سورة من القرآن ، ثم قال :
(( لا تكون لأحد بعدك مهراً) ثم قال ابن قدامة بعد ذلك : (رواه النجاد بإسناده) .
(١) هو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد القرشي الأسدي . ابن عمة النبي صلى اللّه
عليه وسلم ، أول من سل سيفاً في سبيل اللّه تعالى. أحد المبشرين بالجنة . شهد بدراً
والحديبية والمشاهد كلها . مات مقتولاً سنة (٣٦هـ)، وله من العمر (٦٧) سنة.
انظر ترجمته في: الاستيعاب (٥١٠/٢ - ٥١٦)، والاصابة القسم الثاني ص
(٥٥٣) طبعة دار نهضة مصر.
(٢) حديث الترخيص في لبس الحرير رواه أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعاً ،
أخرجه عنه البخاري في كتاب اللباس باب ما يرخص للرجال من الحرير للحكة
(١٩٥/٧)، ولفظه: ( رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد
الرحمن في لبس الحرير لحكة بهما )
==
٣٣٤
!
أ

فبان ان الأصل اشتراك الجماعة في الحكم ، حتى يثبت للتخصيص
فائدة في موضعه الذي ورد فيه .
ويدل عليه إجماع الصحابة في أحكام الحوادث ، مثل رجوعهم في
= وأخرجه عنه مسلم في كتاب اللباس باب إباحة لبس الحرير للرجل إذا كان
به حكة ( ١٦٤٦/٣ ) .
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب اللباس باب ما جاء في الرخصة في الحرير ( ٤/
٢١٨) وقال: ((حديث حسن صحيح)).
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب اللباس باب في لبس الحرير لعذر (٣٧٢/٢).
وأخرجه عنه النسائي في كتاب اللباس باب الرخصة في لبس الحرير (١٧٨/٨ ).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب اللباس باب من رخص له في لبس الحرير ( ١/
١١٨٨ ) .
وأخرجه الطيالسي في مسنده في كتاب اللباس والزينة باب الرخصة في استعمال
الذهب والحرير عند الضرورة (٣٥٦/١ - ٣٥٧).
ولي على المؤلف هنا ملاحظات :
الأولى : أنه عبر بتخصيص ، وهو مشعر بأن ذلك الحكم خاص بالزبير رضي
الله عنه ، لا يتعداه إلى غيره ، وليس الأمر كذلك ، بل هو ترخيص له ولكل
من أصيب بمرضه .
الثانية : أن الترخيص الوارد في الحديث لاثنين هما : الزبير وعبد الرحمن بن
عوف رضي الله عنهما وليس للزبير وحده ، كما ذهب إليه المؤلف .
الثالثة : أن الواجب أن يذكر علة الترخيص ، وهي الحكة ، حتى يدخل في
في الحكم من توفرت فيه العلة .
وبعد : فالحديث لا يدل على ما ذهب إليه المؤلف ؛ لأنه ترخيص ، وليس
بتخصيص ، كما عرفت .
٣٣٥
:

أمر الزنى إلى قصة ماعز (١) ، وفي الجنين إلى قصة (٢) حمل بن
مالك (٣) ، ورجوع ابن مسعود (٤) في المفوضة إلى
(١) قد مضى تخريج قصة ماعز رضي الله عنه، كما مضت ترجمته قريباً ص (٣١٩).
وأخرجها أبو داود في كتاب الديات باب دية الجنين ( ٤٩٧/٢ - ٤٩٩ ).
(٢) وهذه القصة رواها حمل بن مالك وأبو هريرة وغيرهما . أخرجها الترمذي في
كتاب الديات باب ما جاء في دية الجنين (٢٣/٤ - ٢٤ ) عن أبي هريرة ثم
عقب على ذلك بقوله : وفي الباب عن حمل بن مالك ..
وأخرجها النسائي في كتاب الديات باب دية جنين المرأة ( ٤١/٨ - ٤٤ ).
وأخرجها ابن ماجه في كتاب الديات باب دية الجنين (٨٨٢/٢ ) .
وأخرجها مالك في الموطأ في كتاب العقول باب عقل الجنين (١٨١/٤ - ١٨٢ ) ،
ولم يذكر فيها حمل بن مالك .
وأصل القصة في صحيح البخاري ومسلم ، فالبخاري في كتاب الديات باب جنین
المرأة وفي باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد ( ٨/
١٤ - ١٥ ) .
ومسلم في كتاب الديات باب دية الجنين ( ١٣٠٩/٣).
وراجع في هذه القصة أيضاً: نصب الراية (٣٨١/٤ - ٣٨٤)، الاستيعاب (٣٧٦/١).
(٣) هو حمل بن مالك بن النابغة بن جابر بن ربيعة الهذلي ، أبو نضلة . صحابي .
استعمله النبي صلى اللّه عليه وسلم على صدقات هذيل . عاش إلى خلافة عمر
رضي الله عنه .
له ترجمة في: الاستيعاب (٣٣٦/١)، والإصابة (٣٨/٢ - ٣٩).
(٤) هو عبد اللّه بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي ، أبو عبد الرحمن ، صحابي
جليل . كان كثير الملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم . ولي بعد وفاة النبي عليه
الصلاة والسلام بيت مال الكوفة. توفى بالمدينة سنة (٣٢ هـ)، وقيل : (٣٣هـ) ،
وقيل : توفي بالكوفة ، والأول أثبت كما يقول الحافظ ابن حجر .
له ترجمة في: الاستيعاب (٩٨٧/٣)، والإصابة (١٢٩/٤ - ١٣٠)، وتاريخ
بغداد (١٤٧/١)، وتذكرة الحفاظ (٣١/١)، وخلاصة تذهيب الكمال ص
(١٨١)، وشذرات الذهب (٣٨/١)، وطبقات القراء للذهبي (٣٣/١)،
وطبقات الحفاظ (٥)، والنجوم الزاهرة (٨٩/١ ).
٣٣٦
:

قصة (١) بروع بنت واشق (٢) . ورجوعهم في وضع الجزية على مجوس
هجر (٣) . ولم يَدَّع أحد تخصيص الواحد من الجماعة التي خرج عليها :
الخطاب ، فدل على تساوي الجميع في ذلك .
(١) خلاصة هذه القصة : أن امرأة تزوجت ، ولم يفرض لها صداق ، ومات زوجها
قبل الدخول بها ، وقد سئل ابن مسعود عن حكمها ، فقال : لها مثل صداق
نسائها ، لا وكس ولا شطط ، وعليها العدة ، ولها الميراث . فقام معقل بن سنان
الأشجعي فقال : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق مثل
ما قضيت ، ففرح ابن مسعود بذلك .
والحديث أخرجه الترمذي في كتاب النكاح باب ما جاء في الرجل يتزوج المرأة
فيموت عنها قبل أن يفرض لها (٤٤١/٣) ، وقال فيه : حديث حسن صحيح .
وأخرجه أبو داود في كتاب النكاح باب من تزوج ولم يسمّ صداقاً حتى مات
( ٤٨٧/١ - ٤٨٨ ) .
وأخرجه النسائي في كتاب النكاح باب إباحة التزويج بغير صداق ( ٩٨/٦ -
١٠٠ ) .
وأخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح باب الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت
على ذلك ( ٦٠٩/١ ).
وأخرجه الطيالسي في كتاب النكاح باب من تزوج ولم يسمّ صداقاً ثم توفي قبل
الدخول (٣٠٧/١ - ٣٠٨) .
وراجع في هذا الحديث : نصب الراية (٢٠١/٣ - ٢٠٢) .
(٢) هي : بروع بنت واشق الرواسية الكلابية ، أو الأشجعية . صحابية .
لها ترجمة في: الاستيعاب (١٧٩٥/٤)، والإصابة (٢٩/٨).
(٣) حديث وضع النبي صلى الله عليه وسلم الجزية على مجوس هجر، رواه عبد
الرحمن بن عوف رضي الله عنه ، ولم يكن عمر رضي الله عنه أخذ الجزية من
المجوس ، حتى شهد عنده عبد الرحمن : أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذها
من مجوس هجر .
=
٣٣٧
العدة في أصول الفقه - ٢٢

وذهب [٤١/أ] المخالف إلى الذي ذكرنا في الفصل الذي قبل هذا من
الأدلة ، وقد أجبنا عنه .
واحتج : بأنه لو كان له عبيد، فقال لواحد منهم : اسقني ماءً ، لم
يدخل فيه (١) بقية العبيد، كذلك أوامر صاحب الشريعة إذا توجهت إلى
واحد ، لا يدخل فيه غيره .
والجواب : أن لفظ صاحب الشريعة أدخل في العموم من لفظ غيره ،
ألا ترى أنه لو قال الله تعالى لنبيه، أو قال النبي لبعض أمته: صم؛ لأنك
صليت ، دخل في ذلك كل مصلٍّ ، اعتباراً بتعليله ، وكذلك لو قال :
حرمت السكر ؛ لأنه حلو ، حرم كل حلو ، ولو قال السيد لبعض عبيده :
اسقني ماءً؛ لأنك صليت ؛ لم يدخل غيره من عبيده المصلين في ذلك ،
وكذلك لو قال : والله لا أكلت السكر ؛ لأنه حلو ، لم يدخل في يمينه غيره
من الحلاوات .
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد باب الجزية والموادعة
=
مع أهل الحرب ( ١١٧/٤ ) .
وأخرجه أبو داود في كتاب الخراج والفيء والامارة باب أخذ الجزية من المجوس
(١٥٠/١).
وأخرجه الترمذي في كتاب السير باب ما جاء في أخذ الجزية من المجوس ( ٤/
١٤٦ - ١٤٧ ) .
وأخرجه الطيالسي في مسنده في كتاب الجهاد باب ما جاء في الجزية (٢٤٠/١).
وراجع أيضاً : نصب الراية (٤٤٧/٣ - ٤٥٠).
(١) في الأصل (فى ) .
٣٣٨

مسألة
[ دخول النبي في أمره لأمته ] (١)
إذا أمر النبي ◌ّالقلم أمته بأمر ، دخل هو في الأمر (٢).
وقد أومأ أحمد رحمه اللّه إلى هذا في مواضع :
فقال في رواية الأثرم وقد سأله عن حديث أم سلمة : ( إذا دخل
(١) راجع في هذه المسألة: الواضح الجزء الأول الورقة (٣٠٠ - ٣٠١)، التمهيد
الورقة (٣٦ - ٣٧)، والمسودة ص (٣٢ - ٣٤)، وشرح الكوكب المنير ص
( ١٦٩ - ١٧٠ ) .
(٢) نقل في المسودة ص (٣٢ - ٣٣) للقاضي في هذه المسألة ثلاثة نصوص هي :
١ - قال القاضي في مختصر له في أصول الفقه : ( الآمر لا يدخل تحت أمره ؛
لأن الآمر يجب أن يكون فوق المأمور . فأما النبي صلى الله عليه وسلم فيما
يبلغ عن الله تعالى ، فهو وغيره فيه سواء ، إلا ما خصه الدليل .
وأما ما أمر به من ذات نفسه فلا يدخل فيه ؛ لأن الأصل أن المخاطب لا
يدخل تحت خطابه إلا بدليل ، ولهذا إذا قال : أنا ضارب من في البيت ،
لا تدخل نفسه فیه ) .
٢ - وقال أيضاً في كتابه الكفاية : ( والآمر يدخل تحت الأمر ، خلافاً لأكثر
الفقهاء والمتكلمين في قولهم : لا يدخل .. ) .
٣ - وقال أيضاً في مقدمة المجرد: ( وإذا أمر الرسول بأمر ، فإنه يدخل هو
صلى الله عليه وسلم في حكم ذلك الأمر ، إلا أن يكون في مقتضى اللفظ
ما يمنع دخوله فيه ) .
فمقتضى كلام القاضي في كتبه: ((العدة)) و ((الكفاية)) و ((مقدمة المجرد))، :
أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا أمر بأمر ، فإنه داخل فيه ، إلا أن يدل الدليل
على خلافه ، سواء كان مبلغاً عن اللّه تعالى ابتداء ، أم أمر به من نفسه ، ثم أقر
عليه ، أو لم يقر .
ومقتضى كلامه في مختصره كذلك، إلا في حالة ما إذا أمر من ذات نفسه، وقبل
أن يقر عليه ، فلا يكون مأموراً به والحالة هذه .
٣٣٩

العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره، ولا من أظفاره ) (١)،
كيف هو ؟ فذكر إسناده ، فقيل له : فحديث عائشة خلاف هذا (٢) ،
فقال : لا ، ذلك إذا بعث بالهدي وأقام ، لم يجتنب شيئاً ، وهذا إذا أراد
(١) حديث أم سلمة رضي الله عنها . أخرجه الجماعة إلا البخاري، وكلهم أخرجوه
في كتاب الأضاحي ، فمسلم أخرجه في باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة
وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره أو أظفاره (١٥٦٥/٣ )، والترمذي في
باب ترك أخذ الشعر لمن أراد أن يضحي (١٠٢/٤). وأبو داود في باب الرجل
يأخذ من شعره في العشر وهو يريد أن يضحي ( ٨٥/٢ ) . و ابن ماجه في باب من
أراد أن يضحي فلا يأخذ في العشر من شعره وأظفاره (١٠٥٢/٢). والنسائي في
أول كتاب الضحايا (١٨٦/٧ - ١٨٧)، والدارمي في باب ما يستدل من حديث
النبي صلى الله عليه وسلم: ان الأضحية ليس بواجبة (٣/٢).
وأخرجه الإمام أحمد في كتاب الهدايا والضحايا باب ما يجتنبه في العشر من أراد
التضحية (٦٩/١٣) من الفتح الرباني . كما أخرجه عنها الدار قطني في كتاب
الصيد والذبائح والأطعمة وغير ذلك ( ٢٧٨/٤ ) .
وراجع : نصب الراية (٢٠٦/٤) والمنتقى من أحاديث الأحكام ص (٤٢٤).
(٢) حديث عائشة - رضي الله عنها - هذا أخرجه الجماعة، وكلهم أخرجوه في
كتاب الحج ، فالبخاري أخرجه عشر مرات في صحيحه منها في كتاب الحج
باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم بلفظ : ( فتلت - أي عائشة - قلائد
بْن النبي صلى اللّه عليه وسلم بيدي ، ثم قلدها وأشعرها وأهداها ، فما حرم
عليه شيء كان أحل له) (١٩٧/٢) وانظر فتح الباري (٥٤٢/٣ - ٥٤٣).
ومسلم في باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه ،
واستحباب تقليده .. (٩٥٧/٢) . والترمذي في باب ما جاء في تقليد الهدي للمقيم
(٢٤٢/٣). وأبو داود في باب من بعث بهديه وأقام (٤٠٧/١) . والنسائي في
باب فتل القلائد (١٣٣/٥ - ١٣٤). وابن ماجه في باب تقليد البدن (١٠٣٣/٢ -
١٠٣٤). والإمام أحمد في باب أن من بعث يهدي لم يحرم عليه شيء مما يحرم
على الحاج (٣١/١٣) الفتح الرباني .
=
٣٤٠
1