النص المفهرس

صفحات 301-320

الأمر ، فبرأت ذمته ، كما لو أمر السيد عبده بفعل شيء ففعله ، لم يبق
عليه شيء من ناحية أمره ، ويبين صحة هذا أنه يصح أن يخبر عن نفسه بأن
يقول : قد فعلت كذا وكذا ، فلو كان قد بقي عليه شيء من حكم المأمور
به ، لما صح أن يخبر بذلك .
ولأن جواز الفعل حكم تعلق بالمأمور به ، كما أن استحقاق الثواب
حكم تعلق به ، فإذا كان فعل المأمور به على شرائط يدل على استحقاق
الثواب ، كذلك يجب أن يدل على جوازه .
ولأنه لا طريق إلى معرفة جوازه إلا وقوعه على الوجه المأمور به ، ألا
ترى أنه يستحيل أن تكون الدلالة على جوازه وقوعه على غير الوجه المأمور
به ، فدل ذلك على ما قلناه .
واحتج المخالف :
بأن معنى قولنا يجزئه ، أنه لا تجب عليه الإعادة ، وقد علمنا أنه غير
ممتنع بأن يأمر الحكيم بفعل من الأفعال ، ويقول : إذا فعلتموه فقد فعلتم
الواجب واستحققتم الثواب ، وعليكم الإعادة مع ذلك ، ألا ترى أن
الحَجّة الفاسدة مأمور بالمضيّ فيها ، ويستحق الثواب على فعلها، ومع
ذلك فعليه الإعادة ، وكذلك من ظن أنه على طهارة وهو في آخر الوقت ،
فإن الصلاة واجبة عليه، وهو مأمور بها (١) ، ومع ذلك فعليه الإعادة إذا
علم أنه كان على غير طهر .
والجواب : أنه (٢) هناك لم يأت بالعبادة على الوجه المأمور به ، بل
أخلّ بشرط ، فلهذا لم يقع موقع المأمور به ، وكلامنا فيما يأتي به على الوجه
المأمور به من غير إخلال ببعض شرائطه (٣) .
(١) في الأصل : ( به ) .
(٢). في الأصل ( أن ) .
(٣) كلام المؤلف هنا تحرير لمحل النزاع، وحبذا لو وضعه في أول المسألة.
٣٠١

واحتج بأن اللفظ تضمن إيجاب الفعل فحسب ، ولم يتضمن إجزاءه
وسقوط الفرض ، فاحتاج في ذلك إلى دليل .
والجواب : أن اللفظ تضمن إيجاده ، فإذا أوجده امتثل ما أمره به
وبرأت ذمته من (١) حكم الأمر ، فعاد إلى ما كان عليه قبل توجه الأمر .
ولم يبق شيء يحتاج فيه إلی دلیل . .
مسألة (٢)
[ الواجب المخير ]
إذا ورد الأمر بأشياء على طريق التخيير ، كالكفارات (٣) الثلاث
ونحوها ، فالواجب واحد [٣٦/ب] منها بغير عينه ، فيتعين ذلك بفعله، فيصير
كأنه الواجب عليه بنفس السبب .
وقد قال أحمد رحمه الله في رواية البغوي (٤) : كل شيء في كتاب الله
تعالى ((أو)) فهو تخيير . وهو قول جماعة الفقهاء وأصحاب الأشعري.
وذهب المعتزلة : إلى أن الجميع واجب على طريق التخيير (٥) .
(١) في الأصل ( عن ).
(٢) راجع في هذه المسألة التمهيد الورقة (٤٤/ب - ٤٦/ب)، والمسودة ص (٢٧ -
٢٨)، روضة الناظر ص (١٧)، وشرح الكوكب المنيرص (١١٨-١٢٠) والفصول
في أصول الفقه للجصاص الورقة (١٠٥) وما بعدها .
(٣) في الأصل: ( كالعبادات ) .
(٤) هو إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن أبو يعقوب ، المعروف بالبغوي ، يلقب
((لؤلؤاً))، من أصحاب الامام أحمد الذين تفقهوا عليه ، ونقلوا عنه فقهه. صدوق
ثقة. مات سنة (٢٥٩ هـ). له ترجمة في: طبقات الحنابلة (١٠٩/١ - ١١٠).
(٥) هكذا صرح به عبد الجبار في المغني قسم الشرعيات ص (١٢٣)، كما صرح به=
٣٠٢

وكان الكرخي مرة ينصر هذا ، ومرة ينصر مثل ما حكيناه عن جماعة
الفقهاء (١) .
ومن الناس من قال : هذا خلاف في عبارة ، لا في معنى ؛ لأنهم وإن
قالوا : الجميع واجب ، فإنه إذا أتى بواحدة أجزأه ، وإذا فعل الجميع في
وقت واحد ، فإن الواجب منها واحد ، والثواب يستحق على واحد ، وإذا
ترك الجميع استحق العقوبة على واحد .
وهذا القائل يقول : وإن كان كلامنا في عبارة فهو مفيد ؛ لأنا نخطئهم
في إطلاق اسم الواجب على الجميع .
ومنهم من قال : خلاف في معنى ؛ لأن من قال : الواجب منها واحد
بغير عينه ، فإنه يجعل من حلف أنه لم يجب عليه بالحنث جميع الأشياء
الثلاثة باراً في يمنه .
ومن أوجبها جعله حانثاً في يمينه .
ولأن من قال : الواجب واحد من الجملة غير معين ، فإنه يقول :
المراد من المكلف واحد من الجملة، وفي معلوم الباري تعالى أنه لا يعدل عنه
إلى غيره .
ومن زعم أن الجميع واجب ، فإنه يقول : إنه قد أراد كل واحد من
الثلاثة كما أراد الآخر ، وكره ترك كل واحد كما لو كره ترك الآخر ،
وهذا خلاف في معنى .
= أبو الحسين البصري في كتابه المعتمد في أصول الفقه ، ونقله عن شيخيه أبي علي
وأبي هاشم ( ٨٧/١ ).
(١) هكذا في المسودة ص (٢٧)، وقد نقله من ((العدة)) على ما يظهر.
٣٠٣

دليلنا على أن الواجب واحد منها أشياء :
منها : أن من قال لآخر : الق زيداً أو عمراً، لم يفهم أحد وجوب
لقائهما ، ولو قال : تصدق من مالي بدرهم أو دينار، لم يعلم وجوب
فعلهما ، ولهذا المعنى استحق المأمور أن يذم بإخراج الأمرين من ماله ،
ولو كانا واجبين لم يستحق الفاعل ذماً بفعل الواجب . ولأن الأمر بالشيء
بمنزلة الإخبار عنه. ثم ثبت أن القائل إذا قال : ضرب زيد عمراً أو
خالداً ، كان إخباراً عن ضرب واحد ، وكذلك الأمر إذا كان على هذا
الوجه .
وأيضاً لو فعل الجميع لم يكن الواجب إلا واحداً من الجملة ، فلو
كان الجميع واجباً قبل الإيقاع ، لكان متى تعين بالفعل وقع على الصفة
التي كان عليها قبل الإيقاع ، ألا ترى الذي تعين فعله لا يجوز أن تخالف
صفته حال الإيقاع لما تعلق به الأمر ، مثل سائر الواجبات التي ثبتت من
غير تخيير ، ولما ثبت أن الواحد منها يقع واجباً دل على أن الواجب واحد
منها .
فإن قيل : إنما لم يقع جميعها واجباً؛ لأنها كانت واجبة على
التخيير .
قيل: المفعول يقع عن (١) الواجب كما يقع لو لم يكن مخيراً فيه ، ألا ترى
أن من خير في تعيين الحرية في أحد عبديه وأداء الصلاة في أول الوقت ، فإنه
واجب مخير فيه ، ولو فعله لوقع ذلك عن الواجب ، كما يقع لو لم يكن
مخيراً فيه .
فإن قيل الثلاث كفارات قبل الإيقاع، [٣٦/ب] ومتى أوقعها كانت
الكفارة واحدة كذلك حكم الوجوب .
(١) في الأصل : ( من ) .
٣٠٤
:

قيل : قولنا : كفارة عبارة عن الواجب ، وهذا الاسم لا يصح
إطلاقه ، وإنما يتجوز بالعبارات ، فنقول : إنها كفارات ، بمعنى أن كل
واحد منها (١) يقع به التكفير متى اختاره المكلف . ويجوز أن يسمى
الجميع كفارات ، ويراد به في حق المكلفين ؛ لأن الواحد قد يختار العتق ،
وآخر الإطعام ، فأما حق الواحد فلا يقال ذلك فيه إلا على طريق
الاتساع .
وأيضاً : فإنه لو ترك الثلاثة استحق العقاب على واحد ، فدل : أن
الواجب واحد منها ، يدل على صحة ذلك : أن فرض الكفاية على التخيير ؛
لأن كل واحد منهم إذا فعله أجزأه ، ومع ذلك إذا تركه الكل حرجوا
وأثموا واستحقوا العقاب ، كما إذا كان واجباً على الجميع ، وكذلك لو
كان له على رجل ألف درهم ، فضمنه عنه ضامن ، وجب له الألف على
كل واحد منهما على التخيير ، وإذا تركا جميعاً قضاءه استحقا العقوبة ،
فلو كان جميع الثلاثة واجباً ، لوجب أن يستحق تاركها العقاب على
جميعها ، ولما أجمعنا على أنه يستحق العقاب على واحد منها (٢) ، وجب
أن يكون الواحد منها (٣) واجباً .
فإن قيل : إذا فعل الجميع أو واحداً استحال التخيير ، فلو قلنا : إن
الجميع واجب ؛ لأدى إلى أن يكون واجباً على طريق الجميع ، وكذلك إذا
ترك الجميع لو قلنا : يعاقب على ترك الجميع أدى إلى هذا المعنى ، وهذا غير
سائغ ، وإنما يسوغ التخيير فيما لم يوجده ، وهو قادر على إيجاده .
قيل : قد أجبنا عن هذا فيما تقدم ، وقلنا : المفعول في المتروك يقع
عن الواجب ، كما يقع لو لم يكن مخيراً فيه ، ألا ترى أن من خُيِّر في
(١) في الأصل : ( منهما) .
(٢) في الأصل : ( منهما ) .
(٣) في الأصل : (منهما ) .
٣٠٥
العدة في أصول الفقه - ٢٠

تعيين الحرية في أحد عبديه وأداء الصلاة في أول الوقت ، فإنه واجب
مخير فيه ، ولو فعله أو تركه ، كان حكمه حكم ما لم يكن مخيراً ؟
فإن قيل : لا يجوز اعتبار الوجوب باستحقاق العقاب ؛ لأنه إذا
أمكنه فعل كل واحد من الأنواع ، فلم يخرج تعلق العقاب بأقلها ، وهذا
متعين قبل تركها ، والواجب منها غير معين ، فلم يجز اعتبار أحدهما
بالآخر .
قيل : لا نعين العقاب في واحد منها (١) . ثم نقول : يستحق على
واجب واحد بغير عينه عقاباً، هو بقدر أقلها عقاباً، فأما أن نعين الاستحقاق
في أقلها عقاباً فلا .
وأيضاً : فإن هذا القول يؤدي إلى أن من وجب عليه مُدُّ من طعام
وفي ملكه عشرة آلاف (٢) مد ، وهو مخير في إخراج كل واحد منها :
أن يكون الواجب عليه عشرة آلاف (٣) مد ، وأن من وجب عليه شراء
رقبة للكفارة ، وهو يقدر على شراء كل واحدة من رقاب البلد : أن
يكون قد وجب عليه أن يشتري للكفارة جميع رقاب البلد. وإذا وجبت
عليه خمسة دراهم في مائتي درهم وجب أن يكون قد وجب إخراج
جميع [٣٧/أ] المائتين؛ لأنه مخير في إخراج كل خمسة منها . وهذا خلاف
إجماع المسلمين . وكل قول أدى إلى ذلك فهو باطل مردود .
واحتج المخالف :
بأن الأمر يتناول كل واحد كتناوله للآخر ، فقد تساويا من هذا
الوجه ، وتساويا في أن المصلحة في كل واحد كالمصلحة في الآخر ، وفي
(١) في الأصل : ( منهما ) .
(٢) في الأصل : (ألف ) بالإفراد .
(٣) في الأصل : ( ألف ) بالإفراد .
٣٠٦
١
أ

أن الآمر أراده ، وأنه إذا كفر وقع موقعه ، فإذا كان أحدهما واجباً كان
الآخر كذلك .
والجواب : عن قولهم : أن الأمر تناول كل واحد ، وأن ذلك مراد
للآمر ، فلا نسلم هذا ، بل الأمر تناول واحداً لا بعينه ، والآمر أراد واحداً
لا بعينه ، وعلى أن الأمر والإيجاب لا يدلان على الإرادة عندنا .
وقولهم : إن المصلحة في كل واحد كالمصلحة في الآخر ، فهذا لا
يدل على أن الوجوب يعمها (١)، ألا ترى أن الله تعالى قد تعهَّد بإخراج
الصدقات إلى المساكين ، وجعل الخيار في وضعها فيهم إلى أرباب الأموال،
فيكون له أن يعطي من يشاء من المساكين كالمصلحة في دفعها إلى غيره
منهم .
وكذلك يجب عليه في مائتين خمسة دراهم شائعة ، ولرب المال إخراج
أي خمسة شاء منها ، ولا يكون هذا دلالة على إيجاب إخراج كل خمسة
منها مع تساويها في المصلحة .
وقولهم : إنه إذا كفر بأحدهما وقع موقعه ، كما لو كفر بالآخر ، فهذا
لا يدل على إيجابهما كما ذكرنا في الدفع إلى أحد الفقراء ، الأداء يقع بالدفع
إلى كل واحد ، ولا يجب الدفع إلى الجميع . وكذلك إخراج خمسة من
مائتين كل خمسة من ذلك مساوية للأخرى في الأداء ، ولا يجب إخراج
الجميع .
واحتج بأنه لو كان الواجب واحداً لنصب اللّه عليه دليلاً ، وميزه عما
ليس بواجب ، ولهذا يطلبه .
والجواب : أنه إنما يجب هذا إذا كان الواجب معيناً قبل الفعل فينصيب
عليه دليلاً ، ليتوصل المأمور إلى معرفته، فأما إذا لم يكن معيناً وإنما
(١) في الأصل : ( يعمهما ) .
٣٠٧

يتعين بفعله فلا حاجة به إلى تبيين ؛ لأن ما يؤدى به فرضه هو الذي يختار
فعله منها .
وجواب آخر وهو : أن ما يستحق العقاب على تركه والثواب على فعله
واحد ، ولم يجب نصب الدليل عليه . فكل جواب لك عنه فهو جوابنا عن
الواجب الواحد .
وجواب آخر وهو : أن المستحق : عتق عبد من عبيد الدنيا ، وإطعام
عشرة من فقراء دار الإسلام ، وإن لم يدل الأمر على أعيانهم ، وكذلك تعتبر
الزكاة في خمس من ماله لم يدل عليه ، وإن كان هذا القدر هو الواجب
عليه .
وجواب آخر وهو : أنه لا يمتنع أن يكون الواجب واحداً من الجملة ،
وفي معلوم اللّه تعالى أن المكلف لا يعدل عنه إلى غيره ، فيجوز أن يخيره في
ذلك ، ويكون القصد تعريضه للثواب في طلبه لما هو الأولى [٣٧/ب] والأفضل
عنده ، ويصير بمنزلة فرض الإمامة أنه يتعلق بواحد والخيار إلى الأمة في
اختياره وتعيينه ، وإن لم تقم دلالة على عينه ، وكذلك العدل من الشهود .
واحتج بأنه لا يجوز أن يقال : إن الواجب واحد من الجملة ؛ لأنه لا
يعرف ما هو الأصلح .
والجواب : أن الباري سبحانه لو نصّ فقال : أوجبت عليك أيها
المكلف واحداً من هذه الجملة ، وقد علمت أنك لا تختار إلا ما هو المراد
منك والواجب عليك ، جاز .
فإن قيل : فيجب أن يخير الإنسان بين تصديق المنبأ ومن هو متنبىء.
قيل : لو لزم هذا للزم المخالف ، إذا قال في مقدار الزكاة : الخيار إلى
المالك في أن يعينه في أيَّ مال شاء ، وكذلك إذا قال : الخيار إليه في تعيين
٣٠٨

٣
الدفع إلى أيّ فقير شاء ، وكذلك في اختيار الإمام وتمييزه ممن ليس بإمام .
ومن الناس من أجاز ذلك إذا كان في معلوم الله تعالى : أن المكلف
لا يختار إلا الإيمان بمن هو نبي ، مثل الإمامة، ومن منع ذلك فرق بين
الأمرين : بأن تصديق المتنبىء معصية وكذب ، فغير جائز أن يخير بين أن
يكذب أو يصدق ، وبين أن يطيع أو يعصي ، وأما في الأشياء المأمور بها
على وجه التخيير فجميعها يجوز أن تجمع في الفعل ، فجاز أن يقف على
اختياره .
واحتج : بأن التخيير يقع بين الأشياء المتساوية ، ومتى لم تكن واجبة
زال هذا المعنى .
والجواب : أن الجملة متساوية في أن كل واحد منهما يجزىء عن
الواجب متى اختاره المكلف .
فإن قيل : المكلف قد يختار واحداً من الجملة ثم يعدل عنه إلى غيره .
قيل : متى اختار تعيين الواجب في واحد وقف حكمه على إيجاده ،
فإذا أوجد الثاني تبينّا أن الذي أريد ذلك دون غيره ، مثل أن يعطي زكاة
ماله أيّ فقير ، بعد أن أراد تعيينه إلى آخر ، وكذلك إذا أرادت الأمّة تقليد
واحد الإمامة فرأت غيره أحق منه بعد ذلك .
واحتج : بأنه لو كان الواجب واحداً من الجملة ، كان إذا فعل غيره
لم يقع موقع الواجب .
والجواب : أنا نقول : الواجب غير معين ، وهو ما يختاره المكلف ،
فتعينه بفعله ، فيقول القائل إذا عدل عن غيره أو فعل غيره محال ، وإذا
كان تعيين الوجوب موقوفاً على فعله وتعيينه بطل اعتبار العدول ، ولو
صح هذا الاعتبار لوجب إذا نذر الواحد عتق عبد من عبيده أن يكون
الواجب عليه عتق جميع عبيده ، ومن طلق واحدة من نسائه أن يكون
٣٠٩

الواجب عليه طلاق جميعهن ، وكذلك من وجب [عليه] زكاة خمسة
دراهم ، أن يكون الواجب عليه أن يتصدق بها على جميع فقراء الدنيا ،
وكذلك من وجبت عليه خمسة دراهم أن يلزمه أن يتصدق بجميع ماله ؛
لأن له العدول من بعض إلى بعض، [٣٨/أ] فسقط ما قالوه .
مسألة
[ الواجب الموسع ] (١)
العبادة إذا تعلقت بوقت موسّح كالصلاة ، فإن وجوبها يتعلق بجميع
الوقت وجوباً موسعاً ، وله تأخيرها إلى آخره .
وقد نص أصحابنا على هذا في الصلاة ، خلافاً لأصحاب أبي حنيفة :
يتعلق الوجوب بآخر الوقت .
، واختلفوا فيما يفعله في أوله :
فمنهم من قال : إنه تطوع يقع (٢) الواجب في آخره.
ومنهم من قال : إن ذلك يقع مراعاً ، فإن جاء آخر الوقت ، وهو من
أهل تلك العبادة ، علمنا أنه فعله واجباً ، وإن كان بخلاف ذلك [ علمنا ]
أنه فعله نفلاً .
وقال الكرخي : الوجوب يتضمن تأخر الوقت ، أو بالدخول في العبادة
قبل ذلك (٣) .
(١) راجع هذه المسألة في: كتاب التمهيد الورقة (٣٢/ب - ٣٤/أ)، وكتاب الواضح
الجزء الأول الورقة (١/٢٨٠ - ٢٨٣/ب)، والمسودة ص ( ٢٨ - ٢٩ )،
وروضة الناظر ص (١٧)، وشرح الكوكب المنير ص (١١٨ - ١٢٠).
(٢) في الأصل : ( يمنع ) ، وقد صوبه الناسخ في الهامش بما أثبتناه
٠
(٣) عبارة الكرخي في المسودة ص (٢٩)، هكذا : (وقال الكرخي: الوجوب =
٣١٠

وهذا الخلاف يفيد حكمين ، وليس بخلاف في عبارة ؛ لأنا لا نجيز
له تأخير الفعل عن أول الوقت إلى آخره ، إلا بشرط العزم (١) .
والثاني : أن الفعل إذا كان مما يجب قضاؤه ، فإذا دخل الوقت ثم زال
التكليف بجنون أو بحيض حتى فات وقته ، وجب قضاؤه على قولنا .
وعندهم له التأخير بغير عزم ، ولا قضاء عليه .
وحكى عن بعض المتكلمين أنه غير متعين (٢) ، وإنما يتعين بالفعل
کالكفارات .
دليلنا :
أن فعلها في أول الوقت بحكم الأمر ، ألا ترى أن ما قبل الوقت وبعده
لما لم يتناوله الأمر لم يجز له فعلها فيه بحق الأمر ، وإذا كانت مفعوله بحق
الأمر وجب أن يكون الفعل واجباً ؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب ، ولا يلزم
عليه فعل الزكاة قبل الحول أنه يجوز ، ولا يقتضي الوجوب ، لأن تحصيلها
لم يحصل بحكم الأمر المقتضي للوجوب ، وإنما كان بحكم الأمر المقتضي
للرخصة ، وهو حديث العباس (٣)، لما سأل النبي عمله في تعجيل الصدقة
= يتعلق بآخر الوقت ، أو بالدخول في الصلاة قبله )، وهى أوضح مما هنا .
(١) يظهر من كلام المؤلف هنا : أنه يشترط العزم على الفعل في حالة ما إذا لم يفعل
الواجب الموسع في أول وقته . وهذا خلاف ما اختاره في كتابه الكفاية ، كما نقل
عنه في المسودة ص (٢٩) ، فإنه لم يشترط العزم .
(٢) ومعنى هذا أنه يجب في جزء من الوقت غير معين .
(٣) هو : العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، عم النبي صلى الله عليه
وسلم ، أبو الفضل . كان مكرماً عظيم المنزلة عند النبي عليه الصلاة والسلام
وأصحابه. مات بالمدينة سنة (٣٢ هـ) ودفن بالبقيع، وعمره (٨٨) سنة . وصلى
على جنازته عثمان رضي الله عن الجميع .
له ترجمة في: الاستيعاب (٨١٠/٢ - ٨١٧)، والإصابة القسم الثالث ص
(٦٣١) طبعة دار نهضة مصر .
٣١١
----

قبل أن تحل ، فرخّص له في ذلك (١) ، وليس كذلك ها هنا ، فإنها تفعل
في أول الوقت بالأمر الذي يفعل [ به ] في آخره ، وذلك مقتضى الوجوب .
وليس لهم أن يقولوا : إن الأمر يتناول الوقت في باب الجواز ، لما
بيّنا ، وهو أنه تناول بالأمر الذي تناول آخره ، وهو قوله : ( أُقِمِ
الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ ) (٢) ، أو صلاة جبريل في أول الوقت
وآخره (٣) .
ولأن إطلاق الأمر يقتضي الوجوب ، وإطلاقه يقتضي الفور عندنا
(١) هذا الحديث رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه عنه أبو
داود في كتاب الزكاة باب في تعجيل الزكاة (٣٧٦/١).
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الزكاة باب ما جاء في تعجيل الزكاة (٥٤/٣ ).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الزكاة باب تعجيل الزكاة (٧٢/١ - ٧٥) .
وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الزكاة باب تعجيل الصدقة قبل الحول (١٢٢/٢).
(٢) (٧٨) سورة الإسراء .
(٣) حديث صلاة جبريل عليه السلام بالنبي صلى اللّه عليه وسلم رواه جماعة من
الصحابة منهم : ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة وجابر وأبو
سعيد الخدري وبريدة وأنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين .
ارجع في ذلك إلى : سنن الترمذي في كتاب الصلاة باب ما جاء في مواقيت الصلاة
(٢٧٨/١ - ٢٨٣). وسنن أبي داود في كتاب الصلاة باب المواقيت (٩٣/١ -
٩٤)، وسنن ابن ماجه في كتاب الصلاة باب مواقيت الصلاة (٢٢٠/١)،
وسنن النسائي في أول كتاب المواقيت (١٩٧/١)، وفي باب آخر وقت الظهر ،
وفي باب أول وقت العصر (٢٠٠/١ -٢٠١)، وسنن الشافعي مع مسنده (بدائع
المن ) في كتاب الصلاة باب جامع أوقات الصلاة (٤٦/١ - ٤٨ )، وسنن
الدار قطني في كتاب الصلاة (٢٥٠/١) ، وسنن الدارمي في كتاب الصلاة باب
في مواقيت الصلاة (٢١٣/١ - ٢١٤)، وتلخيص الحبير (١٧٣/١ - ١٧٤)،
ونصب الراية ( ٢٢١/١ - ٢٢٦) .
٣١٢

وعندهم ، وهذا قد وجد في أول الوقت .
وأيضاً : فإنها إذا فعلت في أول الوقت لم يخل : إما أن تكون مفعولة
في وقت وجوبها الموسع ، أو في وقت وجوبها المضيق ، كما حكي عن
بعض ، أو وقعت نفلاً ، أو قَبْلَ الوجوب فيراعى حالها ، ولا يجوز أن
تكون فعلت في أول وقت الوجوب المضيق ؛ لأنه لو كان كذلك لكان
يجب أن يجوز فعلها بنية النفل ، ويكون ذلك أولى بالجواز من نية الفرض ،
ولأنها لو كانت نفلاً لم يسقط بها فرض كمن تصدق عن نافلة لا تسقط
زكاته ، وكذلك من صلى نافلة في أول الوقت لم يسقط بها الفرض في أول
الوقت ، [٣٨/ب] فلا يجوز أن تقع مراعاة ؛ لأن عبادات الأبدان المقصودة ،
لا يجوز تقديمها على حالة وجوبها من غير عذر ، وإذا بطل هذا ثبت أنها
فعلت في وقت وجوبها الموسع ، ولا يلزم عليه الطهارة (١) ؛ لأنها غير
مقصودة ، ولا يلزم عليه الصيام في الكفارة ؛ لأنه غير مقصود ، ألا ترى
أنه لا يثبت حكمه إلا بعد عدم المال ؟
واحتج المخالف :
بأنه لو تعلق وجوبها بأول الوقت ، لم يجز (٢) تركها لا إلى بدل؛ لأن
هذه صفة الوجوب ، وفي اتفاقهم على جواز تأخيرها في الوقت الأول لا إلى
بدل دليل على أن الوجوب [لا] يتعلق بأول الوقت .
والجواب : أنا لا نسلم أنه يجوز تركها لا إلى بدل ، بل له أن يؤخرها
بشرط أن يعزم على فعلها في الوقت الثاني ، فيكون عزمه على ذلك بدلاً
عنها .
فإن قيل : الأبدال لا يجوز إثباتها من غير دلالة تدل عليها ، ألا ترى
(١) في الأصل: (الطهار ) ، وقد صوب الناسخ ذلك في الهامش كما أثبتناه .
(٢) في الأصل : (يجب ).
٣١٣
---

أنه لا يجوز إثبات بدل عن الماء غير التيمم ، وكذلك سائر العبادات لا يجوز
إثبات بدل عنها بغير دلالة .
قيل : الدلالة على ذلك أنا لو قلنا : له التأخير من غير شرط العزم ،
سوينا بينها وبين النافلة والمباح ؛ لأن له تأخيرها من غير شرط العزم ، وقد
أجمعنا على الفرق بين الواجب وبين النافلة والمباح ، فلا يحصل الفرق إلا بما
ذكرنا .
فإن قيل : البدل : ما يفعل لتعذر المثل ، وفعل الصلاة في أول الوقت
لیس متعذر ، فلا يكون له بدل .
قيل : المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين ، وكذلك المسح على
العمامة ، ويجوز فعلها مع القدرة على المُبْدَل .
وجواب آخر عن أصل الدليل وهو : أنه منتقض بالمسافر، فإنه مخيّر
بين فعل صوم رمضان وبين تركه لا إلى بدل على ما قرر المخالف ، ومع
هذا فهو واجب ، وكذلك قضاء رمضان يجوز تقديمه وتأخيره ، وهو
واجب في ذمته ، ولأن ترك النافلة جائز ، وما خیر بین فعله وتركه لا يكون
واجباً ، وليس كذلك هذا الفعل ، فإنه مخيّر بين تقديمه وتأخيره ، ولا
يجوز تركه أصلاً ، فدل على الفرق بينهما .
احتج : بأنها لو كانت واجبةً في أول الوقت لأثم بتأخيرها عنه
كتأخير الصوم والزكاة والحج .
والجواب : أنه إنما لم يأثم بتأخيرها عن أول وقتها ؛ لأن وجوبها موسّع ،
وتلك العبادات وجوبها مضيّق ، وعلى أن هذا لو كان صحيحاً لوجب أن
يثبت الوجوب في الحالة التي يلحقه المأثم ، وهو إذا بقي من الوقت قدر ما
يصلي فيه الصلاة ، وعندهم يأثم بالتأخير عن هذه الحالة ، والوجوب
متبقٍ (١) كذلك ها هنا .
(١) في الأصل : ( متبقى ).
٣١٤

وأما من شبه ذلك بالكفارة ، فهو الدليل عليه ؛ لأن الكفارة واجبة
عليه من حين الحنث في يمينه ، وبأي نوع من أنواع الكفارة كفر
[٣٩/أ] كان وجوب الكفارة سابقاً لفعله، و كان مؤدياً لما سبق وجوبه ، كذلك
يجب أن يكون في أول وقت من أوقاته فطل ، أن يكون فاعلاً لما سبق
وجوبه .
مسألة
[ المريض ومن في حكمه يجب عليهم الصيام في وقته مع جواز التأخير ] (١)
المريض والمسافر والحائض يلزمهم الصيام ، وإن جاز لهم تأخيره ،
وإذا فعلوا بعد زوال العذر كان قضاءً عن الواجب الذي لزمهم .
وقد قال أحمد رضي الله عنه في رواية الأثرم وقد سئل عن المجنون
يفيق يقضي ما فاته من الصوم؟ فقال: ((المجنون غير المغمى عليه ، قيل له :
لأن المجنون رُفع عنه القلم ، قال: نعم.)) فأسقط القضاء عن المجنون ،
وجعل له فيه رفع القلم ، فاقتضى أنه غير مرفوع عن المغمى عليه .
وقال أيضاً رحمه الله في رواية حنبل في النصراني يسلم في النصف من
رمضان ، واليهودي ، أو الصبي يدرك في آخر الشهر من رمضان ؟ فقال :
(( يصوم ما بقي ولا يقضي ما مضى؛ لأنه لم يجب عليه شيء ، إنما حدثت
الأحكام عليه .)) فأسقط القضاء عنهم ، وجعل العلة عدم الإيجاب، فاقتضى
هذا أن من وجب عليه القضاء ، قد كان واجباً عليه .
خلافاً لأصحاب أبي حنيفة في قولهم : الصوم غير واجب عليهم في
(١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٢٩)، و ((الواضح)) لابن عقيل الجزء
الأول الورقة (٢٨٨).
٣١٥

الحال ، وإنما يلزمهم عند زوال العذر (١) .
وخلافاً للأشعرية في قولهم : المسافر يلزمه الصيام ، فإن فعله أجزأه
وإن أخره عنه جاز . وأما المريض والحائض فلا يلزمهم قضاء الصيام ، إنما
يلزمهم (٣) بعد ذلك .
دليلنا :
قوله تعالى : (وِمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ
أَيَّامٍ أُخَر ) (٣) وتقدير الآية: فأفطر ، فأوجب العدة بالفطر ، وعندهم :
ما وجبت بالفطر ، وإنما وجبت بمعنى آخر ، وهذا دلالة على وجوب الصوم
على المريض والمسافر .
ولأن العبادة إذا كانت مأموراً بها في وقت محصور ، فإذا لم يجب فعلها
فيه ، لم يجب عليه أن لا يعود وقت مثلها ، كالصلاة في حق الحائض ، لما لم
تجب في وقت ، لم تجب حتى يعود وقت مثلها ، فلما ثبت في الصوم أنه يجب
قبل مجيء وقت مثله (٤) ، ثبت أنه وجب القضاء بالتأخير ، فهو كما لو أفطر
بغير عذر .
وأيضاً : فإنما يأتي به المريض والمسافر والحائض من الصوم بعد زوال
العذر ، يسمى قضاء ، فلولا أنه بدل عن واجب تقدم لما سمي بذلك .
[ فإن قيل: إنما سمي بذلك ] (٥) مجازاً .
(١) راجع في هذا: التقرير والتحبير (١٨٨/٢)، وتيسير التحرير (٢٨٠/٢ -٢٨١).
(٢) هكذا في الأصل في الموضعين، والأولى الإتيان بالضمير مثنى فيقال: (يلزمهما )
في الموضعين .
(٣)
(١٨٥) سورة البقرة .
(٤) في الأصل : ( مثلها ) .
(٥) ما بين القوسين ليس في الأصل ، وانما صححه ابن حمدان بخط يده ، كما ذكر
الناسخ ذلك في الهامش .
٣١٦

قيل : الأصل: كلامهم الحقيقة ، فمدعي المجاز يحتاج إلى دليل .
وقد روي عن عائشة (١) رضي الله عنها أنها قالت: ((كنا نقضي ما فاتنا من
رمضان في شعبان اشتغالاً برسول [اللّه ] (٢).
وفي خبر آخر: ((كنا نؤمر بقضاء رمضان)) (٣)، وظاهر التسمية
الحقيقة .
(١) هي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها، تزوج بها الرسول
صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة بثلاث سنوات ، وأعرس بها في المدينة بعد ثمانية
عشر شهراً من الهجرة . مات النبي صلى الله عليه وسلم وعمرها ثمانية عشر سنة .
ماتت سنة (٥٧ هـ) بالمدينة .
لها ترجمة في الاستيعاب (١٨٨١/٤)، والإصابة القسم الثامن ص (١٦) طبعة
دار نهضة مصر .
(٢) حديث عائشة رضى الله عنها هذا ، أخرجه عنها البخاري في كتاب الصوم باب
متى يقضى قضاء رمضان (٤٣/٣ ) .
وأخرجه عنها مسلم في كتاب الصيام باب قضاء رمضان في شعبان (٨٠٢/٢ ) .
وأخرجه عنها أبو داود في كتاب الصيام باب تأخير قضاء رمضان ( ٥٥٩/١ ).
وأخرجه عنها الترمذي في كتاب الصوم باب ما جاء في تأخير قضاء رمضان (١٤٣/٣).
وأخرجه عنها ابن ماجه في كتاب الصيام باب ما جاء في قضاء رمضان (٥٣٣/١).
وأخرجه عنها النسائي في كتاب الصيام باب وضع الصيام عن الحائض ( ٤/
١٦٢ ) .
(٣) هذا الخبر روته عائشة رضي الله عنها مرفوعاً. أخرجه عنها مسلم في كتاب
الحيض باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة (٢٦٥/١) .
وأخرجه عنها أبو داود في كتاب الطهارة باب في الجائض لا تقضي الصلاة
(٦٠/١).
وأخرجه عنها الترمذي في كتاب الصوم باب ما جاء في قضاء الحائض الصيام
دون الصلاة ( ١٤٥/٣ ) .
وأخرجه عنها النسائي في كتاب الصيام باب وضع الصيام عن الحائض (١٦٢/٤ ).
٣١٧

ولأن ما فعل بعد زوال العذر يعتبر قدره بقدر الأصل ، ويؤتى به على
مثاله ، فثبت أنه بدل عنه ؛ ولأنه يؤمر بنية القضاء .
واحتج المخالف :
بأنه لو كان واجباً لما جاز تركه ، ولأ ثم بتأخيره .
والجواب [٣٩/ب] أنه إنما جاز تأخيره ؛ لأن وجوبه موسع ، وعلى أنا قد
أبطلنا هذا في المسألة التي قبلها .
واحتج : بأن الحائض لا يتأتى منها فعل الصوم بحال ، فلا يجوز أن تؤمر
بما لا يتأتى منها .
والجواب : أنه قد يؤمر في الشرع بفعل عبادة ، وإن كان في الحال لا
يصح منه فعلها ، كالمحدث يؤمر بفعل الصلاة ، ولا يصح منه الفعل .
مسألة
[ الأمر للنبي أمر لأمته ] (١)
إذا أمر الله تعالى نبيه مع التع بفعل عبادة بلفظ ليس فيه خصيص ، نحو
قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الْمُؤَّمِّلُ) (٢)، و (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) (٣)، أو .
فعل النبي ◌َ التّمِ فعلاً قد عرف أنه واجب أو ندب أو مباح، فإن أمته
يشاركونه في حكم ذلك الأمر والفعل ، حتى يدل دليل على تخصيصه .
وكذلك الحكم إذا توجه على واحد دخل غيره في حكمه ، نحو
(١) راجع هذه المسألة في: المسودة ص (٣١ - ٣٢)، وروضة الناظر ( ١٠٨ -
١١٠)، وشرح الكوكب المنير ص (١٦٧ - ١٦٩)، فإن مؤلفيها قد اعتمدوا
على القاضي أبي يعلي كثيراً .
(٢) (١) سورة المزمل.
(٣) (٦٤) سورة الأنفال .
٣١٨

٣
رجم (١) ، ماعز (٢)، وقطع سارق (٣) رداء صفوان (٤) ونحو ذلك.
(١) قصة رجم ماعز بن مالك الأسلمي رضي الله عنه. أخرجها البخاري في كتاب
الحدود باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت عن ابن عباس رضي
الله عنهما ( ٢٠٧/٨ ).
وأخرجها مسلم في كتاب الحدود باب من اعترف على نفسه بالزنا عن ابن عباس
وعن أبي سعيد الخدري (١٣٢٠/٣ - ١٣٢١).
وأخرجها الترمذي في كتاب الحدود باب ما جاء في درء الحد عن المعترف إذا
رجع ، عن أبي هريرة ( ٣٦/٤) .
وأخرجها أبو داود في كتاب الحدود باب الرجم عن ابن عباس وأبي هريرة
وغيرهما ( ٤٥٦/٢ ) .
وأخرجها ابن ماجه في كتاب الحدود باب الرجم عن أبى هريرة (٨٥٤/٢ )
وأخرجها الطيالسي في كتاب الحدود باب اعتبار الإقرار بالزنا وتكراره أربعاً ،
عن ابن عباس وجابر بن عبد اللّه وغيرهما (٢٩٩/١ ).
وراجع أيضاً: نصب الراية (٣١٢/٣ - ٣١٧) .
(٢) هو ماعز بن مالك الأسلمي، أبو عبد اللّه ، صحابي جليل . عداده في المدنيين .
روى عنه ابنه عبد اللّه حديثاً واحداً .
له ترجمة في : الاستيعاب (١٣٤٥/٣)، والإصابة القسم الخامس ص (٧٠٥)
طبعة دار نهضة مصر .
(٣) حديث قطعه صلى اللّه عليه وسلم يدَ سارق رداء صفوان. رواه صفوان بن أمية
رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه عنه أبو داود في كتاب الحدود باب فيمن سرق
من حرز (٤٥٠/٢) .
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الحدود باب من سرق من الحرز (٨٦٥/٢).
وأخرجه عنه النسائي في كتاب قطع السارق باب الرجل يتجاوز للسارق عن
سرقته (٦٠/٨ - ٦١ ).
وأخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب الحدود باب ترك الشفاعة للسارق إذا بلغ
السلطان ( ١٥٨/٤ ).
وراجع في هذا الحديث أيضاً : نصب الراية (٣٦٨/٣ - ٣٦٩).
(٤) هو صفوان بن أمية بن خلف .. القرشي الجمحي، أبو وهب، ويقال: أبو =
٣١٩

وكذلك إذا توجه الخطاب إلى الصحابة رضي الله عنهم ، دخل فيه النبي
عَ المِ نحو قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ)(١)، وقوله ◌ِلَّهِ:
( إن اللّه فرض عليكم) (٢)، ونحو ذلك.
وقد قال أحمد رحمه الله في رواية أبي طالب (٣) في رجل قال : إن
أكلت هذا الطعام فهو عليّ حرام، فإن أكله عليه كفارة يمين، حديث عائشة
وحفصة (٤) لما قالتا للنبي مع التله: نشم منك رائحة معافر (٥)، قال: (لا،
= أمية . أسلم بعد الفتح. أحد المؤلفة قلوبهم ، وقد حسن إسلامه . مات بمكة المكرمة
سنة (٤٢ هـ) له ترجمة في: الاستيعاب (٧١٨/٢)، والإصابة . القسم الثالث
ص (٤٣٢) ، طبعة دار نهضة مصر.
(١) (١٠٣) سورة التوبة.
(٢) هذه العبارة ترد في عدة أحاديث . ومنها على سبيل المثال: ما أخرجه مسلم عن
أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب الحج باب فرض الحج مرة في العمر ، بلفظ :
( يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج ، فحجوا ... ) (٩٧٥/٢)، وكلام المؤلف
يشعر بأنها آية، حيث عطف كلمة (قوله) على : ( قوله تعالى) ، وليس الأمر
کذلك .
(٣) هو : أحمد بن حميد أبو طالب المشكاتي ، من أصحاب الامام أحمد الذين رووا
عنه مسائل كثيرة ، كان أحمد يكرمه ، كما كان رجلاً صالحاً زاهداً . مات
قريباً من موت الإمام أحمد .
انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة ( ٣٩/١) .
(٤) هي أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. تزوجها الرسول
عليه الصلاة والسلام سنة (٣ هـ) عند الأكثر. ماتت سنة ( ٤١ هـ ) وقيل سنة
( ٤٥ هـ ) .
انظر ترجمتها في الاستيعاب: (١٨١١/٤)، والإصابة القسم السابع ص (٥٨١)،
طبعة دار نهضة مصر .
(٥) هكذا في الأصل : (معافر) بالعين المهملة على وزن (مفاعل) ، والذي في صحيح
البخاري ومسلم : (مغافير) بالغين المعجمة على وزن ( مفاعيل ) وكذلك الشأن =
٣٢٠