النص المفهرس
صفحات 281-300
مسألة (١) [ الأمر المطلق يقتضي الفور ] الأمر المطلق : يقتضي فعل المأمور به على الفور عقيب الأمر . وهذا ظاهر كلام أحمد رحمه الله ؛ لأنه يقول : الحج على الفور ، وإنما يتصور الخلاف على قولنا إذا دل الدليل على أنه أريد به مرة ، فأما == العادة للتكرار عارضه ظاهر حروف العطف الذي هو التكرار . أما في المسودة : فقد حكم أنه يفيد التكرار في مثل هذه الحالة . ٨ - إذا كان المأمور به قابلاً للتكرار ، ولکن الثاني معرف ، کقولك : صلّ ركعتين صلّ الصلاة)). فعند الآمدي : الحكم فيها كسابقتها ، حيث تعارض الظاهر من حروف العطف مع اللام المعرفة ، فتساقطا ، ويكون الحكم كما لو لم يوجدا . وقد رأيت في المسودة : أنه يكون للتأكيد ؛ لأجل التعريف ، ونسبه للقاضي أبي يعلى، وحكى بعد ذلك قولين بصيغة: ((قيل))، أحدهما : أنه أمر ثان ، وثانيهما : الوقف . ٩ - إذا كان المأمور به قابلاً للتكرار ، ولكن العادة تمنع منه ، كما أن الثاني معرف كقولك: ((اسقني ماءً ، واسقني الماء)). فقد توقف الآمدي في هذه الصورة ؛ لأن ترجيح التأسيس على التأكيد ، وترجيح ظاهر حروف العطف ، وقد قابلهما العادة المانعة من التكرار والتعريف ، فإن رجح بينهما ، فالترجيح لأمر خارج عنهما . راجع : الإحكام للآمدي ( ١٧٢/٢ - ١٧٤ )، وتيسير التحرير (١/ ٣٦١ - ٣٦٢) والتقرير والتحبير (٣١٩/١ - ٣٢٠)، وفواتح الرحموت (٣٩١/١ - ٣٩٢) مطبوع مع المستصفى، والمسودة ص (٢٣ - ٢٤)، وشرح الجلال على جمع الجوامع مع حاشية البناني (٣٨٩/١ - ٣٩٠). (١) راجع في هذه المسألة: الواضح في أصول الفقه الجزء الأول الورقة (٢٧٣ - ٢٨١)، والتمهيد الورقة (٢٩ - ٣٤)، وشرح مختصر الروضة الجزء الأول الورقة (٢٠٢ - ٢٠٥)، والمسودة ص (٢٤ - ٢٦). ٢٨١ إذا قلنا على التكرار ، فلا يتصور التأخير والتقديم . وهو قول أصحاب أبي حنيفة (١) . وقال الأكثر من أصحاب الشافعي: هو على التراخي (٢). وهو : قول المعتزلة (٣) . وقالت الأشعرية : هو على الوقف . وكان أبو بكر الباقلاني ينصر أنه على التراخي (٤). (١) نسبة القول بالفورية إلى الحنفية ليست على إطلاقها ، وقد توبع القاضي في هذا في المسودة حيث جاء فيها : ( والفورية معزوة إلى أبي حنيفة ومتبعيه ) . وقد وقع في هذا الخطأ كل من الآمدي في الاحكام (١٥٣/٢ ) ، وابن قدامة في الروضة (١٠٥)، والبيضاوي في منهاج الأصول ، والأسنوي في نهاية السول (٢٨٦/٢)، وأبو البقاء الفتوحي في شرح الكوكب المنير ص (٣٢٩) من الملحق ، والغزالي في المنخول ص (١١١)، والقرافي في شرح تنقيح الفصول ص (١٢٨). وقد خطّأ الشيخُ بخيت المطيعي في حاشيته على نهاية السول (٢٨٦/٢ ) كلاً من البيضاوي والاسنوي في ذلك . والصحيح من المذهب الحنفي : أن المأمور به إذا لم يكن مقيداً بوقت يفوت الأداء بفواته ، فإنه يجوز التأخير على وجه لا يفوت المأمور به . ولم يقل بالفورية من الحنفية إلا أبو الحسن الكرخي ، كما صرح بذلك في مسلم الثبوت وشرحه (١/ ٣٨٧)، والشيخ بخيت في حاشيته على نهاية السول (٢٨٧/٢). وراجع أيضاً : الفصول في أصول الفقه للجصاص الورقة ( ٩٧/أ). (٢) وعزاه الغزالي في المنخول (١١١) إلى الشافعي. وهو الأصح عند الشافعية كما صرح بذلك الشيرازي في اللمع ص (٩). إلا أن ابن برهان قال: ( لم ينقل عن الشافعي وأبي حنيفة نص عليه ، وإنما فروعهما تدل عليه ) فواتح الرحموت (٣٨٧/١). (٣) راجع في هذا : المغني القاضي عبد الجبار قسم الشرعيات ص (١٠٢) ، المعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري (١٢٠/١ - ١٣٤). (٤) وقد نقل ذلك القرافي في كتابه: شرح تنقيح الفصول ص (١٢٩). ٢٨٢ ! 1 أ وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية الأثرم (١) ، وقد سئل عن قضاء رمضان يفرق؟ فقال: نعم ، قال اللّه تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيامٍ أُخَر ) (٢) . فظاهر هذا أنه لم يحمل الأمر على الفور ؛ لأنه لو حمله على الفور منع التفريق ، والمذهب : ما حكينا أولاً . واختلف المتكلمون في هذه المسألة : هل معرفة ذلك المعقول أم اللغة ؟ فذهب بعضهم إلى أن طريق ذلك العقل ؛ لأن هذا اختلاف في أحكام ، فليس بمأخوذ عن أهل اللغة . وقال آخرون : معرفة ذلك اللغة ؛ لأنهم يقولون : فعل ويفعل ، فيدل أحدهما على زمان ماض ، والآخر على زمان مستقبل . دليلنا : أنه لو كان على التراخي لم يخل المأمور به من أحد أمرين : إما أن يكون له تأخيره أبداً ، حتى لا يلحقه التفريط ، ولا يستحق الوعيد إن مات قبل فعله . أو يكون مفرطاً مستحقاً للوعيد إذا تركه حتى مات . فإن قلنا: لا يكون مفرطاً بتركه في حياته، خرج عن حدّ الواجب ، (١) هو أحمد بن محمد بن هانىء الطائي الأثرم الإسكافي أبو بكر ، من أصحاب الإمام أحمد الأجلاء، وممن أخذوا عنه. فقيه، حافظ، ثقة. له كتاب ((العلل)) مات بعد ( ٢٦٠ هـ ) . له ترجمة في : تاريخ بغداد (١١٠/٥)، وتذكرة الحفاظ (٥٧٠/٢ )، وتهذيب التهذيب (٧٨/١)، وخلاصة تذهيب الكمال ص (١١)، وطبقات الحفاظ ص (٢٥٦)، وطبقات الحنابلة (٦٦/١)، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد (٢٠٥). (٢) (١٨٤) سورة البقرة . ٢٨٣ وصار في حدّ النوافل (١) ، لأن ما كان المأمور مخيراً بين فعله وتركه ، فهو نافلة أو مباح (٢) . وإن قلنا: يلحقه الوعيد بالموت، أدى ذلك إلى أن يكون الله تعالى ألزمه إتيان عبادة في وقت لم ينصب له عليه دليلاً يوصله إلى العلم به ، ونهاه عن تأخيرها عنه ، ولا يجوز أن يتعبده اللّه بعبادة في وقت مجهول ، كما لا يجوز أن يتعبده بعبادة مجهولة ، فإذا بطل هذان القسمان ، صح ما ذهبنا إليه ، وهو کو نه على الفور . ولا يلزم عليه تكليف الوصية عند الموت للأقربين (٣)، وإن كان وقت الموت مجهولاً ؛ لأن الموت عليه أمارة وعلامة ، تتعلق الوصية بحضوره فلا (٤) يكون تعليقاً له بوقت مجهول لا دلالة عليه ؛ ولأن الوصية يمكن (١) هذا الدليل منقول من كتاب الفصول في أصول الفقه للجصاص الورقة ( ٩٨/أ) مع اختلاف بسيط ، والعبارة فيه هكذا : ( خرج من حيز الوجوب ، وصار في حيز النوافل ) . (٢) بقية الدليل في الفصول هي : ( ولما ثبت وجوب الأمر بطل هذا القول ). (٣) أصل التكليف بالوصية قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أحَدَّكُم الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصيّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَاْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوف ) الآية . فذهب بعض العلماء إلى وجوبها مستدلين بالآية . كما ذهب آخرون إلى أنها مندوبة مستدلين بالآية أيضاً . والقائلون بوجوبها اختلفوا هل نسخ هذا الحكم أو لا ؟ . والقائلون بالنسخ اختلفوا هل كلها منسوخة أو منسوخة في حق من يرث ؟ وإذا كانت منسوخة ، فما هو الناسخ ؟ هل هو آيات المواريث ، أو حديث : ((لا وصية لوارث)) ؟ قولان . راجع في هذا : أحكام القرآن للجصاص (١٠٢/١ - ٢٠٧). (٤) في الأصل: (فلا لا)، و (لا) الثانية مكررة ، لا معنى لها ، ولذلك حذفناها . ٢٨٤ ٣ فعلها عند حضور الموت ، وفعل العبادات لا يمكن في الغالب عند حضور الموت . فإن قيل : إن غلب على ظنه في وقت أنه إن أخر عنه فإنه يضيق عليه وقته لزمه (١) تعجيله ، وإن لم [٣٢/ب] يغلب على ظنه ومات فجأة ، لم يعص ، ويفارق هذا النوافل ؛ لأنه يجب تعجيلها إذا غلب على ظنه فواتها . قيل : لا يغلب على الظن ضيق الوقت إلا في وقت لا يمكن فيه أداء العبادة بشرائطها ، وهو عند المرض المتلف ، وفي تلك الحال لا يمكنه أن يحج بنفسه ولا الصيام . وأيضاً فإن النهي أمر بالترك، والأمر [ بالترك ] أمر بالفعل ، ثم كان النهي على الفور ، كذلك الأمر بالفعل . فإن قيل : النهي يقتضي التكرار والدوام فاقتضى الفور ، والأمر يقتضي فعلاً واحداً ، فلم يقتض الفور . قيل : ليس إذا لم يقتض التكرار لم يقتض الفور ، كالجزاء لا يقتضي التكرار ويقتضي الفور عند وجود شرطه ، وعلى أنه لا فرق بينهما ، وذلك أن مطلق الأمر يقتضي التكرار ، ويقتضي فعل مرة بقرينة ، ومثله قد حکینا في النهي . وأيضاً : فإن الأمر بالفعل يتضمن ثلاثة أشياء : الأمر بالفعل ، والأمر بالاعتقاد ، والأمر بالعزم عليه ، ثم ثبت أن الأمر بالعزم ، والأمر بالاعتقاد على الفور ، كذلك الأمر بالفعل وجب أن يكون على الفور . فإن قيل : لو [ قال له ] : صلّ بعد شهر، كان الاعتقاد والعزم على (١) في الأصل: (ولزمه)، وهو خطأ، والصواب: حذف الواو، كما يتضح من السياق . ٢٨٥ الفور ، وإن لم يجب الفعل في هذه الحال ، فدل على الفرق بينهما . قيل : ليس إذا تأخر الفعل بالشرط ، تأخر في حال الإطلاق ، بدليل الجزاء ، لو قال : إذا دخلت الدار فلك درهم ، استحق الجزاء عند وجود شرطه وهو الدخول ، ولو قال له : لك درهم بعد شهر ، تأخر ، كذلك الفعل ، وعلى أن مثله يقول في الاعتقاد ، وأنه يجوز تأخيره بالشرط . وقد ذكر ابن عبد الجبار (١) في شرحه : أن الأمر يتعلق بأول الشروط على قول أصحاب الفور ، ويتعلق بجميعها على قول أصحاب التراخي . فإن قيل : لا يمكنه أن يخلو من الاعتقاد والعزم مع ذكره الأمر ، ولا يجوز أن يعتقد غير الواجب ، ولا أن يعزم على تركه ، فوجب اعتقاد وجوبه والعزم على فعله لما ذكرنا لا باللفظ . قيل : كما لا يجوز أن يعتقد غير الوجوب ، كذلك لا يجوز (٢) له تأخير الفعل، وإذا لم يجز له [تأ] خيره وجب فعله ، كما أنه لما لم يجز اعتقاد غير الوجوب ، وجب اعتقاد الوجوب . وأيضاً : فإن الأمر المطلق في الشاهد يقتضي التعجيل ، وهو الواحد منا إذا أمر عبده بفعل ، فأخره ، فإنه يحسن توبيخه ، كذلك حكم الأمر في الغائب . · فإن قيل : إنما يحسن توبيخه إذا اقترن بالأمر ما دل على قصد الآمر ، فأما إذا لم يقترن به ، فلا يحسن توبيخه . قيل : من يظهر التوبيخ والذم لا يرجع إلى القرينة ، وإنما يرجع إلى اللفظ فيقول : آمره بكذا فلم يفعل . (١) لم أتوصل إلى معرفة ( ابن عبد الجبار ) هذا بعد البحث الكثير . (٢) في الأصل: (يجب )، والصواب ما أثبتناه ؛ لدلالة السباق واللحاق . ٢٨٦ L وأيضاً : فإن وقوع ما يفيد الإيجاب مطلقاً يفيد الفور ، دليله : التمليكات بعقود البياعات والإجارات والأنكحة وجزاء الشرط ، فإن الملك يحصل بذلك في الحال [٣٢/ب] وإنما يتأخر بدليل ، وهو شرط الأجل . واحتج المخالف بقوله تعالى: ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللّهُ آمِنِينَ) (١). وروي أن عمر قال لأبي بكر وقد صُدَّ عام الحديبية: ((أليس قد وعدنا اللّه تعالى بالدخول فكيف صُدِدْنَا ؟! فقال: إن اللّه تعالى وعد بذلك، ولم يقل في وقت دون وقت)) (٢) . قالوا : وهذا يدل على ما قلناه ؛ لأنه خبر عين بوقوع فعل مطلق لا ذكر للوقت فيه ، فلم يختص بوقت ، فكذلك الأمر ؛ لأنه أمر بإيقاع فعل مطلق من غير توقيت ، فيجب أن لا يختص بوقت . والجواب : أن ذلك وعد بالدخول ، وليس بأمر ، وخلافنا في لفظة الأمر ؛ ولأن ذلك تعلق بشرط وهو المشيئة ، فمتى لم يوجد الدخول علمنا أن المشيئة لم توجد ، وخلافنا في أمر مطلق . واحتج : أن قول القائل : افعل ، استدعاء للفعل ، وليس فيه ذكر الوقت ، حتى أي وقت فعله يجب أن يكون ممتثلاً للأمر ، كما أنه لم يكن فيه ذكر الحال ، فعلى أي حال فعله قائماً أو قاعداً ، مستقبلاً (٣) للقبلة أو (١) (٢٧) سورة الفتح. (٢) قصة صلح الحديبية ، وما جرى في ذلك أخرجها البخاري في كتاب المغازي ، باب غزوة الحديبية ( ١٦٢/٥)، وتحدث عن ذلك الحافظ ابن كثير في كتابه ((البداية والنهاية)) (١٦٨/٤ - ١٧٠ ). (٣) في الأصل: ( أو مستقبلاً ) . ٢٨٧ مستدبرها ، متطهراً أو محدثاً، كان مطيعاً، ولذلك لما لم يكن فيه ذكر المكان ، ففي أي مكان فعله كان ممتثلاً ، كذلك الوقت . والجواب : أن الأمر استدعاء على صفة هي الفور ، إلا أنه لم يكن منطوقاً فإنه مقدر (١) فيه لا من طريق المعنى ، كما اقتضى وجوب اعتقاد على صفة هي الفور ، وكما اقتضى النهي الكف على صفة هي الفور ، وكذلك الجزاء والثمن في المبيع ، وليس إذا لم يكن ذكر الحال والمكان مقدراً معيناً يجب أن يكون في الزمان مقدراً، كما قلنا في الاعتقاد والنهي والجزاء والأثمان في البياعات . واحتج : بأن الطاعة والمعصية في الأمر بمنزلة البر والحنث في القسم ، ثم ثبت أنه إذا قال : والله لأفعلن كذا ، أنه لا يختص بوقت ، ولكنه في أي وقت فعله كان باراً في يمينه ، كذلك يجب أن يكون مطيعاً في الأمر. والجواب : أن اليمين لا توجب على الحالف شيئاً لم يكن واجباً عليه ، وإنما هو ضمير بين الوفاء والكفارة ، وبين الامتناع والكفارة ، وليس كذلك ها هنا ؛ لأن هذا لفظ إيجاب ، فنظيره النذر ، وهو : أن ينذر صلاة ركعتين ، أو صيام يوم ونحو ذلك ، ولا يمتنع أن يقول : يجب على الفور ، كما يقول في مسألتنا ، على أن خلافنا في مقتضى الأمر في اللغة ، والشرع قد غيَّر النذر عن مقتضى اللغة ، ولهذا لو نذر عتق عبد ، لم يجزئه (٢) إلا مسلماً، وإن كان مقتضاه في اللغة يعم الجميع ، وكذلك لو نذر صلاةٌ أو صياماً ، اقتضى خلاف موجبه في اللغة . واحتج : بأنه لو كان الأمر يفيد الفور لما حسن الاستفهام . والجواب : أنه إذا كان الآمر ممن لا يضع الشيء في [غير] موضعه ، لم يحسن منه الاستفهام . (١) في الأصل : (مقدم). (٢) في الأصل: ( لم يجزة). ٢٨٨ ، واحتج : بأنه لو خصه بوقت متأخر ، وحب تأخيره [٣٣/أ] كما إذا خصه بوقت متقدم وجب تقديمه ، فإذا لم يكن الوقت مذكوراً ، فليس هو بالتعجيل أولى منه بالتأخير . " والجواب : أنه ليس من حيث لو خصه بزمان متأخر وجب تأخيره ، ما دل على أنه إذا أطلق لا يقتضي التعجيل ، ألا ترى أن الجزاء إذا شرط تأخره عن الشرط تأخر ، وإذا أطلق لزم ذلك عقيب الشرط ، وكذلك الأبدال في العقود إذا شرط فيها التأجيل تأجل ، ثم لا يدل ذلك على أنه إذا أطلق لم يكن البدل عقيب العقد ، كذلك ها هنا . واحتج : بأن الأمر بالفعل يتضمن إيقاعه في مكان وزمان ، ثم ثبت أنه لا يختص بمكان بعينه ، كذلك لا يختص بزمان بعينه ، وعندكم يختص بزمان بعينه ، وهو عقيب الأمر . والجواب : أن النهي لا يختص بمكان ، ويختص بزمان ، وهو عقيب النهي . وعلى أنه لا يمتنع أن يقال : يختص بالمكان الذي أمر بالفعل فيه ؛ لأنه على الفور . فصل والدلالة على فساد قول من قال بالوقف أنا نقول لهذا القائل : ما تقول في قول الله تعالى: (إنَّ اللّهَ يَأمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) (١)، هل يجب أن يتوقفوا ويطلبوا صفات البقرة من الرسول عليه السلام ؟ ! . فإن قال : لا يجب ، فقد سلّم المسألة ، فإنه لا فرق بين البقرة ، وبين سائر الأفعال ؛ لأن البقرة لا تخلو من صفة ولون ، كما أن الفعل لا يخلو من (١) (٦٧) سورة البقرة . ٢٨٩ العدة في أصول الفقه - ١٩ وقت ، وإذا لم يجز التوقف لاحتمال صفات البقرة ، لم يجب التوقف لاحتمال أوقات الفعل . فإن قال : يجب التوقف ؛ لأنها تحتمل البكر وهي الصغيرة التي لم تلد والفارض وهي المسنة، تقول العرب: ((فرضت البقرة))، إذا أسنت والعوان : هي بين الصغيرة والكبيرة ، والصفراء الفاقع لونها ، والسوداء الحالك لونها ، والملمعة والتي لاشية فيها ، والذلول البينة الذل، والمسلَّمة من العمل ، والتي [لا] تثير الأرض ولا يستقى عليها فتسقي الحرث . قيل : هذا خلاف الشرع ؛ لأن اللّه تعالى خَطَّأ بني إسرائيل في هذا التوقف بطلب هذا البيان، فقال: ( فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ)(١)، وقال: ( فَذَ بَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) (٢). ولأن موسى عليه السلام المُنَبَّأ عن اللّه تعالى لم يسأل عنها ، ولو كان ذلك موضع السؤال لسأله . فإن قيل : فقد سأله ، فلو كان هذا خطأ لكان موسى لا يسأل ربه تعالى بعد سؤال بني إسرائيل . قيل : لم يسأل عنه ، وإنما راجع ربه عز وجل بما عليه بنو إسرائيل من المخالفة ، والوقف في غير موضعه . ويدل عليه ما روي عن النبي ◌ُ المِ أنه قال : ( شدد بنو إسرائيل على أنفسهم ، فشدد الله عليهم، أما إنهم لو ذبحوا أي بقرة لأجزأت عنهم ) (٣)، (١) (٦٨) سورة البقرة. (٢) (٧١) سورة البقرة . (٣) هذا الحديث أخرجه الطبري في تفسيره (٢٠٥/٢ ) عن ابن جريج مرسلاً ، ولفظه : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أمروا بأدنى بقرة ، ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد الله عليهم، وايم الله لو أنهم لم يستثنوا ، لما بينت لهم آخر الأبد ) ، وقد عقب الشيخ أحمد شاكر على هذا بقوله - في هامش المرجع المذكور - : ( ... وهو مرسل ، لا تقوم به حجة ) . = ٢٩٠ وهذا يدل على خطئهم ، وأن صفات البقرة زيدت عليهم [٣٣/ب] بعد وقفهم ، تغليظاً عليهم ، وتشديداً في التكليف . ويدل عليه على أن الأمر يقتضي الفعل ، وليس فيه ذكر الوقت ولا دليل ، فوجب أن يكون الوقت شرطاً لما فيه ، وإنما لا يمكن الفعل في غير الوقت مع هذه العادة ، ولو أمكن الفعل في غيره هذا الوقت كان فعله بهذا الأمر في غيره ، ولم يجز أن يجعل شرطاً ، فإذا كان كذلك وجب الفعل من غير اعتبار الوقت . ويدل عليه أنه لا يجوز الوقف لاعتبار المكان واعتبار الحال ، والمعاني التي لا ذكر لها في لفظ الأمر . وكذلك إذا قال : امكثوا في المسجد يوماً ، لزمهم المكث فيه ، ولم يجز التوقف عنه ، بأن يقولوا : أنمكث صائمين أو مفطرين ، مصلين أو غير وأخرجه الطبري أيضاً عن قتادة مرسلاً (٢٠٦/٢)، كما أخرجه عن ابن عباس = رضي الله عنه موقوفاً (٢٠٤/٢)، وقد عقب ابن كثير في تفسيره (١١٠/١) على أثر ابن عباس بقوله : ( إسناده صحيح ، وقد رواه غير واحد عن ابن عباس .. ) . وأخرجه ابن مردويه في تفسيره - كما نقل ذلك ابن كثير في تفسيره (١١١/١) - عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً، ولفظه : ( لولا أن بني إسرائيل قالوا : ((وإنا إن شاء اللّه لمهتدون))، ما أعطوا أبداً، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها ، لأجزأت عنهم ، ولكن شددوا ، فشدد الله عليهم ) ، ثم عقب ابن كثير على هذا الحديث بقوله : ( وهذا حديث غريب من هذا الوجه ، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة كما تقدم مثله عن السدي والله أعلم ) . وقد ذكر السيوطي في كتابه : الدر المنثور ( ٧٧/١ ) أن البزار وابن أبي حاتم أخرجا هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه . كما ذكر أن الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر أخرجوه عن عكرمة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم. ٢٩١ مصلين ، قائمين أو قاعدين ، مستقبلين أو مستدبرين ؟ وما أشبه ذلك . فإن قيل : يجب التوقف لهذا كله حتى يقع البيان للمأمور من جهة الرسول أو من جهة الدلائل المقرّرة في الأصول . قيل : هذا [مردود] بتخطئة الله سبحانه بني إسرائيل في مثله . وجواب آخر : وهو أن ذلك يؤدي إلى ترك طاعة الله تعالى في أمره وامتثاله ؛ لأنه ليس معنى من المعاني إلا ويجوز أن يكون شرطاً ، وفي طلب بيان ذلك ترك الفعل وامتثال الأمر . ويدل عليه : أن بني إسرائيل لو سألوا لكان ما تركوه أكثر مما سألوا بيانه وأنهم كان يمكنهم أن يقولوا : ما العَوّان التي بين البكر والفارض ؟ ، وما الشية التي نفاها ؟ ، وما لونها وقدرها وموضعها ؟ ، وهل تكون سمينة أو هزيلة ؟ من العراب أو من أي نتاج البقر ؟ ومن يذبحها ؟، وبأي آلة؟ وعلى أي جنب ؟ ، وما أشبه ذلك مما لا يتناهى ذكره ، ولا ينحصر وصفه ، ولا يمكن ضبطه . واحتج المخالف : بأن اللفظ يحتمل الفور والتراخي بدليل أنه يصلح أن تفسره بكل واحد منهما ، فنقول : افعلوا على الفور ، أو نقول على التراخي ، ونقول افعلوا في كذا ، وإذا كان مجملاً وجب الوقف فيه (١) ، لاحتماله (٢) للخصوص والعموم ، كذلك ها هنا . والجواب : أنا لا نسلم أن إطلاق الأمر محتمل للتراخي ، بل إطلاقه يقتضي الفور على العموم ، على أن هذا مخالف له ؛ لأن هذا اللفظ محتمل للعموم والخصوص ، والأمر لا يحتمل الوقف ولا يقتضيه ، فلا يجوز أن (١) في الأصل: ( فيها ) . (٢) في الأصل : ( لاحتمالها ) . ٢٩٢ يجعل شرط فيه إلا بدليل يدل عليه ، وعلى أنا لو سلمنا أنه محتمل للفور والتراخي كان على أحدهما دليل (١) ، وهو ما تقدم من لغة العرب ، وغير ذلك . مسألة (٢) [ الأمر المؤقت لا يسقط بفوات وقته ] إذا كان الأمر مؤقتاً بوقت ففات الوقت ، لم يسقط الأمر بفواته ، ويكون عليه فعله بعد الوقت ، بذلك الأمر الأول ، ويكون تقديره افعله في الوقت الأول ولا تؤخره ، فإن لم تفعل فافعله في الوقت الثاني ، وهكذا تقديره في سائر عمره (٣) . وكذلك الأمر المطلق إذا لم يفعل المأمور به عقيب الأمر ، لم يسقط ، وإن شئت عبرت عنها بعبارة أخرى، [٣٤/أ] فقلت : القضاء لا يحتاج إلى دليل . وقد أومأ إليه أحمد رحمه الله في رواية إسحاق بن هانىء في الرجل ينسى الصلاة في الحضر، فيذكرها في السفر: ((يصليها أربعاً، تلك وجبت عليه أربعاً)). فأوجب القضاء بالأمر الأول ، الذي به وجبت عليه في الحضر ؛ لأنه قال : تلك وجبت عليه أربعاً ، معناه حين المخاطبة بها . وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين في الأمر المؤقت : إنه يسقط بفوات (١) في الأصل: ( دليل ). (٢) راجع هذه المسألة في: الواضح الجزء الأول الورقة (٢٨٦)، والتمهيد الورقة (٣٤)، والمسودة ص (٢٧) . (٣) وهذا الرأي نقله في المسودة ص (٢٧) ، ونسبه للقاضي والحلواني . وهو رأي ابن قدامة كما في الروضة ص (١٠٧)، ونسبه الغزالي في المنخول (١٢١) إلى الفقهاء . أما الآمدي فقد عزاه إلى الحنابلة وكثير من الفقهاء وذلك في كتابه الإحكام (١٦٦/٢ ) . ٢٩٣ : الوقت ، ويجب القضاء بأمر ثانٍ (١) . واختلف أصحاب أبي حنيفة في الأمر المطلق إذا لم يفعله المأمور به عقيب الأمر ، هل يسقط ؟ . فقال الرازي : لا يسقط ويفعله في الزمان الثاني ، والثالث ، وسائر عمره ، بخلاف المؤقت (٢) . وقال غيره من أصحابه : يسقط ، كالأمر المقيد بوقت . دليلنا : أنه لو سقط بفوات وقته ، لسقط المأثم بفوات الوقت كما يسقط الوجوب ولما لم يسقط المأثم كذلك الوجوب . ولأن الأصل ثبوته في ذمته ، فمن زعم إبطاله بخروج الوقت فعليه الدليل . ولأن النذر المؤقت لا يسقط بفوات وقته ، كذلك ما وجب بالشرع . (١) وقد نسبه الآمدي إلى المحققين من الشافعية. الإحكام (١٦٦/٢). (٢) قال الرازي في كتابه الفصول الورقة (١٠٩/ب ) ما نصه : ( فصل كل أمر مضمن بوقت بعينه ، فهو واجب في ذلك الوقت ، يستوعب الفعل . كصوم رمضان مؤقت بالشهر ، فعليه فعله فيه ، ولا يسعه التأخير إلا من عذر . وإن كان الوقت متسعاً لأن يفعله ذلك الفعل مراراً كثيرة ، فوجوبه متعلق بأول أوقاته ، حتى تقوم الدلالة على جواز تأخيره . ويكون حينئذ فائدة ذكر الوقت من أوله إلى آخره . أنه إن أخره عن الوقت الأول ، لزمه فعله في الثاني والثالث إلى آخر الوقت ، وإن لم يفعله في هذه الأوقات لم يكن عليه فعله بعد خروج الوقت بالأمر الأول .. ) . من هذا النص نرى أن التفصيل المذكور عن الرازي إنما هو في الأمر المؤقت بوقت متسع ، وليس في الأمر المطلق ، كما نقل المؤلف . ٢٩٤ ! ولأنه حق واجب ، فلم يسقط بمضي الوقت، دليله الدَّين المؤجّل وهو : إذا باع بثمن مؤجل إلى شهر ، ثم انقضى الشهر ، فإن الحق لا يسقط ، كذلك ها هنا . فإن قيل : الأجل المضروب لتأخير المطالبة به والدين (١) في ذمته ، فإذا وجب الأداء فلم يفعل ، زال الوقت وصار كالعقد المطلق من غير أجل ، فلزمه قضاء ما فات أداؤه في وقته ، وليس كذلك إذا أمر الله تعالى بأمر في وقت محدد ؛ لأن الوجوب ما لزمه إلا في الوقت الذي تناوله الأمر . قيل : وكذلك المطالبة بالدين ما لزم إلا عند انقضاء الشهر ، ثم تأخيرها عن آخر الشهر لا يوجب إسقاطها ، كذلك تأخير العبادة عن وقتها . فإن قيل : إنما لم يسقط الحق ؛ لأن وقت المطالبة موسع . قيل : وقت الأداء في ذمة من عليه الحق مضيق ؛ لأنه إذا لم يؤجل الأجل وجب الأداء على الفور ، كما أن وجوب العبادة عليه على الفور إذا وقَّتها، ثم ثبت أن تأخر الأداء لا يسقط ، كذلك العبادة . وأيضاً فإن الوقت شرط من شرائط العبادة ، ففقْدَانُه لا يوجب إسقاطها . دليله : الطهارة والستارة والتوجه والقراءة وغير ذلك من الشرائط ؛ ولأن الوقت ليس بمقصود ، وإنما المقصود نفس العبادة ، بدليل أنه لا فائدة في إثبات وقت خال (٢) عن عبادة ، وقد ثبتت العبادة في ذمته من غير وقت ، وهو أنه يؤمر بعبادة مطلقة ، فلم يكن فواته موجباً للإسقاط . (١) في الأصل : ( والذي ) . (٢) في الأصل : ( خالي ) . ٢٩٥ 1 ا ولأن الأمر بالفعل يتضمن الأمر بالفعل والأمر بالاعتقاد ، ثم ثبت أن خروج الوقت لا يوجب إسقاط [٣٤/ب] الاعتقاد ، كذلك لا يوجب إسقاط الفعل . وقد ذكر في المسألة طرق أُخَرَ ، وهو : أنه لو كان خروج الوقت علماً على الإسقاط ، لكان له أن يسقط الإيجاب عن نفسه بالتأخير إلى آخر الوقت . ألا ترى أنه لما جعل وجود الفعل علماً على سقوط الوجوب ، كان له أن يسقط الإيجاب عن نفسه بالفعل ، فلما لم يجز له التأخير ، علمنا أن خروجه غير مسقط . وقيل أيضاً : بأنه لو كان بعد خروج الوقت يجب القضاء بأمر مبتدأ ما سمي قضاءً ، كالذي يجب بالأمر الأول ؛ لأنه مثله في أنه إيجاب فرض مبتدأ . فإن قيل لو كان هو الفرض لم يسمّ قضاءً" . قيل : قد بينا أن اختلاف النية لا يوجب اختلاف الفرض ، بدليل المقصورة والتمام ، والجمعة والظهر . وقيل : لما لم يكن الوقت موجباً وإنما الوجوب واقف على الدليل ، لم يكن خروج الوقت مسقطاً ، بل يقف إسقاطه على الدليل . وقيل : إن أكثر ما في خروج الوقت : أن العبادة تصير في وقت غير معين ، وهذا لا يمنع الوجوب ، كما لو أوجب عبادة غير معينة بزمان . فإن قيل : إن عرف الشرع قد ثبت أن الأمر إذا ورد بفعل عبادة متعلقة بوقت ، فإنه يجب فعلها قضاءً ، كالصلاة والصيام والحج وغير ذلك . والمخالف يجيب عن هذا : بأنني عرفت ذلك بدليل ؛ لا بأصل الأمر ، ٢٩٦ 1 مع أن الشرع مختلف في ذلك ، فإن الجمعة لا تقضى ، وكذلك رمي الجمار ، وكذلك المحصر إذا تعذر عليه ذبح الهَدْي في الحرم ، جاز ذبحه في الحل ولا قضاء . وقيل أيضاً : بأن فعلها بعد الوقت يطلق (١) عليه اسم القضاء ، وإذا ثبت هذا ، ثبت أنه قضى بعد الوقت ما كان مأموراً به في الوقت . وهذا لا يلزم أيضاً ؛ لأنه لا يمتنع أن يقال : قضى بعد الوقت ، وإن كان بأمر ثانٍ (٢) وفرض مبتدأ . واحتج المخالف بقول النبي عَ له: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها ) (٣) ، فأمر بفعلها بعد الوقت ، فلو كان الأمر يفيد امتثاله بعد الوقت لم يأمر به ثانياً . والجواب : أن الخبر حجة لنا ؛ لأنه قال : ( فليصلها ) ، وهذا كناية (١) في الأصل: (يبطل) ، وقد صحح الناسخ في الهامش بما أثبتناه . (٢) في الأصل : ( ثاني ) . (٣) هذا الحديث رواه أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعاً ، أخرجه عنه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة باب من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها (١٤٦/١ ). وأخرجه عنه مسلم في كتاب المساجد ومواضيع الصلاة باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها (٤٧٧/١ ). وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة باب من نام عن صلاة أو نسيها (١٠٥/١). وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الصلاة باب ما جاء في الرجل ينسى الصلاة (٣٣٥/١ - ٣٣٦)، وقال فيه: ((حديث حسن صحيح)). وأخرجه عنه النسائي في كتاب الصلاة باب فيمن نسي صلاة (٢٣٦/١). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الصلاة باب من نام عن الصلاة أو نسيها (١/ ٢٢٧ ) . وراجع في الحديث أيضاً : نصب الراية (١٦٢/٢ - ١٦٤)، وفيض القدير (٢٣١/٦ ) . ٢٩٧ عما أمر به بحكم أن الذي يفعله بعد الوقت هو المأمور به في الوقت . مع أنه قصد بهذا رفع الإشكال ، لئلا يظن ظان أنها تسقط بفوات وقتها .. واحتج : بأن صيغة الأمر تتناول زماناً محصوراً ، فإذا فات الوقت قبل فعله لم يبق زمان أمر يفعله فيه، فهو كما لو قيل له : صلِّ في المسجد الفلاني أربعاً ، ففات فعله فيه ، لم يجز فعله في غيره ، وكذلك لو قال : أعطِ زيداً ألفاً ، فمات زيد ، لم يدل على جواز إعطاء غيره . والجواب : أن [هناك] فرقاً بين تعلق الأمر بزمان، وبين فعله بمكان معين ، ألا ترى أن حقوق الآدميين المتعلقة بزمان لا تسقط بفوات [٣٥/أ] الزمان ، ولو تعلق بعين ففاتت العين سقطت ، ألا ترى أن الرهن إذا تلف سقط حق المرتهن من الوثيقة ، وكذلك العبد الجاني ، إذا مات سقط الحق ، فكذلك ها هنا . واحتج بأن القضاء بدل ، والبدل لا يجب إلا بدليل ، والذي يدل عليه أنه محتاج إلى نية القضاء . والجواب : أنا لا نسلم أنه بدل ، بل هو الواجب عليه بالأمر الأول واختلاف النيتين لا يدل على أنهما غيران ، بدليل المقصورة والتامة ، والظهر والجمعة ، وعلى أن نية القضاء ليس بشرط في صحة الفعل ؛ لأن أحمد رضي الله عنه قال في الأسير، إذا اشتبهت عليه الأشهر، فصام شهراً يريد به رمضان ، فوافق ما بعده : أجزأه ، وإن لم يوجد منه نية القضاء ، وإنما يستحب ذلك للخروج من الخلاف . وعلى أن نية القضاء لا تدل على البدل ؛ لأنه قد يجب البدل من غير نية القضاء ، كالطهارة إذا أخرها عن وقت وجوبها، والكفارة والحج والزكاة والنذر . ولأن القضاء تسمية شرعية ، فتستعمل بحيث أطلقتها الشريعة . ٢٩٨ واحتج بأن المفعول في الوقت الثاني غير المفعول في الوقت الأول ، فيحتاج وجوب الفعل في الوقت الثاني إلى دلالة ، كما احتاج في وجوبه في الوقت الأول إلى دليل . والجواب : أنه إنما يقال المفعول في الوقت الثاني غير المفعول في الوقت الأول إذا وجد منه فعل في الوقت الأول ، فيكون الثاني غيره ، فأما إذا لم يوجد منه فعل ، فلا تصح هذه العبادة (١) ، وقد بيّنا أن الثاني هو الفرض الأول . واحتج بأن المصالح تختلف باختلاف الأوقات ، وقد علمنا كون الفعل مصلحة في الوقت الذي خص به ، ولا نعلم كونه مصلحة في الزمان الثاني ، فلا يجوز إيجابه مع جواز كونه مفسدة . والجواب : أن هذا لا يصح أن لو كان الأمر متعلقاً بما فيه مصلحة ، فنكون لا نعلم وجودها في الوقت الثاني . فأما على قولنا فالأمر غير موقوف على المصالح ، وقد يتضمن المصلحة والمفسدة . فأما من فرّق بين المقيد (٢) والمطلق فلا وجه له ؛ لأن المطلق والمقيد سواء في تعلقهما (٣) بالوقت ؛ لأن المطلق يختص أول أوقات الإمكان عنده وعند القائل ، فإذا لم يسقط أحدهما بمضيّ وقته وجب أن لا يسقط الآخر . يبين ذلك : أن ما ثبت من جهة النطق بمنزلة ما ثبت بدليل ، ألا ترى أن عقد البيع لما أوجب سلامة المبيع كان شرط المشتري لذلك وسكوته عنه (١) هكذا في الأصل ، ولعل الصواب : (العبارة ). (٢) في الأصل: ( المؤقت ) . (٣) في الأصل : ( تعليقها ) . ٢٩٩ بمنزلة في أنه يعتبر صحة المبيع بجميع أجزائه . واحتج بأن تقيد المأمور به بالوقت يوجب له صفة زائدة على كونه مطلقاً ؛ إذ لو لم يكن كذلك لم يكن لتقييده بالوقت معنى ، فإذا كان المطلق كالمقيد في أنه لا يجوز تأخيره عن وقت الوجوب، لم يجز أن [٣٥/ب] يختلفا إلا في باب سقوط المقيد منهما بفوات وقته ، وبقاء حكم المطلق بعد الوقت الأول . والجواب : أنا نقول بموجب هذا ، وأنه قد أوجب له صفة زائدة وهو إنما أفاده تأخيره الوجوب عن وقت الخطاب ، والأمر المطلق أفاد الوجوب عقيب الخطاب . مسألة (١) الأمر يقتضي كون المأمور به مجزئاً ، وهو قول جماعة الفقهاء وأكثر المتكلمين والأشعرية وغيرهم (٢) . وقالت طائفة من المعتزلة (٣): لا يقتضي ذلك ، وأن كونه مجزئاً يعلم بدلالة غير الأمر . دليلنا : ان الأمر بالعبادة اقتضى وجوب فعلها وإيجاده ، فإذا فعل المأمور به فقد امتثل ما اقتضاه الأمر ، فخرج عن عهدته ، وعاد إلى ما كان عليه قبل (١) هذه المسألة موجودة في المسودة ص (٢٧). وروضة الناظر (ص ١٠٧ - ١٠٨)، والتمهيد الورقة (٤٢)، والواضح الجزء الأول الورقة (٢٨٨). (٢) وقد اختاره ابن قدامة في كتابه الروضة ص. (١٠٧ - ١٠٨ )، كما اختاره الآمدي في كتابه الإحكام (١٦٢/٢ ) . (٣) راجع في هذا: كتاب المعتمد في أصول الفقه (٩٩/١ - ١٠١). ٣٠٠