النص المفهرس
صفحات 261-280
حظر الاصطياد والانتشار في الأرض بفعل [ غاية ] (١) الإحرام والاشتغال بالصلاة يفيد زوال الحظر عند تقضي غاية الأمر . فإن قيل تعليق الأمر بالحظر أن يقول : امتنعوا من الفعل ما بقي الحظر ، فإذا أزلته فافعلوه ، هذا (٢) صورة الغاية وتعليق الأمر بالحظر . قيل : تعليق الأمر بالحظر ، يفيد ما ذكرته ، وما ذكرناه أيضاً ، كما كان قوله تعالى: ( ثُمَّ أَتِمُوا الصِّيّامَ إلَى اللَّيْلِ ) (٣) ، بمثابة قوله: فإذا جاء الليل آزلته . واحتج المخالف بقوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهٍ ) (٤) وقوله تع الى: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) ولم يفرق . والجواب : أنا لا نسلم أن هذا أمر ، وإنما هو صيغة الأمر ، فأما أن يكون أمراً فلا [٢٧/ب] (٥). واحتج : بأن صيغة الأمر قد وجدت متجردة ، فوجب أن يحمل على الوجوب ، كما لو لم يكن حظر سابق . والجواب : أنا لا نسلم أنها متجردة ، بل نقول : تقدم الحظر قرينة (١) هذه الكلمة زادها الناسخ في الهامش ، وأشار أنها من صنعه . (٢) هكذا بالأصل ، ولعل الصواب : ( هذه ) . (٣) (١٨٧) البقرة ، والآية في الأصل: (ثم أتموا الصلاة .. ) وهو خطأ . (٤) (٦٣) سورة النور. كلام المؤلف هذا يفيد أن هناك فرقاً بين الأمر إذا جاء بصيغة ((إفعل)) وبينه إذا (٥) جاء بلفظه صراحة ، فالأول هو محل النزاع ، أما الثاني : فهو للوجوب ، وقد صرح المجد في المسودة بأن ذلك هو المذهب حيث قال في المسودة ص (٢٠) : (وعندي : أن هذا التفصيل هو كل المذهب ، وكلام القاضي وغيره يدل عليه .. ). ٢٦١ توجب صرفه عن الوجوب . فإن قيل : الحظر لا يفيد الإباحة بلفظه ولا بمعناه ؛ لأن لفظه يقتضي المنع والتحريم ، ومعناه لا يوجب ذلك ؛ لأنه لا يمتنع أن يكون الشيء محرماً ، ثم يجعل واجباً ، فينسخ التحريم بالإيجاب . قيل : ليس نقول : إن لفظ الحظر أفاد الإباحة ، وإنما حصلت الإباحة به وبما بعده من صيغة الأمر ، كما إذا استأذنه عبده في فعل شيء ، فقال له : افعل ، حملناه على الإباحة بالأمرين جميعاً : الإذن والاستئذان . واحتج بأن النهي إذا ورد بعد الأمر اقتضى الحظر ، كما لو ورد ابتداءً كذلك الأمر إذا ورد بعد الحظر ، وجب حمله على الوجوب كما لو ورد ابتداءً . والجواب : أن لفظة النهي المطلقة إذا وردت بعد الأمر ، يحتمل أن نقول فيها ما نقول في الأمر بعد الحظر ، وأنها تقتضي التخيير دون التحريم ، لا أنها تحتمل الندب والحظر ، وتحتمل أن نفرق بينهما ، ونقول في النهي بعد الأمر يقتضي الحظر ، وفي الأمر بعد الحظر لا يقتضي ؛ لأن النهي آكد ، ولهذا قال مخالفونا : إن النهي يقتضي التكرار ، والأمر المطلق لا يقتضي . ولأن الأمر أحد الطرق إلى الإباحة ، فلهذا جاز أن يرد ، ويراد به الإباحة، وليس النهي طريقاً إلى الإباحة ، فلم يجز أن يراد به الإباحة (١) . واحتج : بأن الأمر إذا كان مقتضاه الإيجاب ، فوروده بعد الحظر لا يؤثر في ذلك ، ألا ترى أن وروده بعد الحظر ، العقل لا يمنع وجوبه . يبين ذلك : أن فعل الصلاة والصوم من جهة العقل محظور، ثم ورد (١) في الأصل : (إباحة ). ٢٦٢ الأمر بهما ، لم يمنع من وجوبهما ، كذلك الحظر من جهة السمع لا يمنع أن يكون الأمر الوارد بعده على الوجوب . والجواب : أنا لا نسلم أن العقل يحظر شيئاً، وعلى أن من قال : العقل يحظر ، فنقول : إذا ورد الشرع بإباحة شيء ، ثبت أن العقل لم يحظره ؛ لأن الشرع لا يرد بإباحة ما كان قبيحاً في العقل ، فورود الشرع بإباحة ذلك منع أن يكون قبيحاً محرماً ، وليس كذلك ها هنا ، فإن ورود الشرع بإباحة الصيد لم يمنع حصول تحريم سابق ، فبان الفرق بينهما . واحتج بأن الأمر فيما عدا الواجب لا يكون أمراً على الحقيقة ، فلما ثبت أن هذا أمر وجب أن يكون على الوجوب . والجواب : أن الأمر فيما عدا الواجب يكون أمراً على الحقيقة عندنا ، وهو الندب ، وقد بينا ذلك . واحتج بأن الأمر بالمباح لا يحسن ، لكونه عبئاً ؛ لأن المأمور لا يستحق عليه الثواب إذا فعله ، فلا يجوز أن يكون هذا الأمر مقتضياً للإباحة . والجواب : أن هذا ليس بأمر [٢٨/أ] عندنا، وإنما صيغته صيغة الأمر، ومن سماه أمراً فإنما يسميه على طريق المجاز . واحتج : بأن هذا لا يخرج على قولكم ؛ لأن عندكم أن أصل الأشياء على الحظر ، فيقتضي أن يكون سائر الأوامر مبيحة لا يثبت بشيء منها إيجاب ؛ لأنها كلها ترد بعد حظر . والجواب : أن المواضع التي حملناها على الوجوب لدليل دل عليها اقتضت الوجوب . Lsour ٢٦٣ L مسألة (١) [ الأمر المطلق يقتضي التكرار ] الأمر المطلق يقتضي التكرار على الإمكان ، سواء كان مقيداً بوقت يتكرر مثل قوله : إذا زالت الشمس فصلٍّ ، أو كان غير مقيد ، مثل قوله : صلِّ (٢) . وقد قال أحمد رحمه الله في رواية عبد الله (٣): ((قوله تعالى: ( إذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) (٤)، فإن ظاهرها يدل على أنه إذا قام فعليه ما وصف ، فلما كان يوم الفتح صلى النبي مع الغِ بوضوء واحد (٥) )). فقد نص رضي الله عنه على أن الظاهر دل على أن كل قائم عليه (١) راجع في هذه المسألة: ((الواضح في أصول الفقه)) الجزء الأول الورقة (٢٦٠ - ٢٦٦)، و((التمهيد في أصول الفقه)) الورقة (٢٦ - ٢٨)، و((المسودة)) ص (٢٠ - ٢٤)، و((روضة الناظر)) ص (١٠٣ - ١٠٥) و(( شرح الكوكب المنير)) ص (٣٢٨ - ٣٢٩) من الملحق . (٢) هذا القول رواية عن الإمام أحمد وعليها أكثر أصحابه ، وهو اختيار القاضي هنا ، ولكن أبا البقاء الفتوحي حكى عنه - أي عن القاضي - الاختلاف في الاختيار ، بينا جزم ابن قدامة بنسبة هذا القول إليه . وهناك رواية أخرى ، وهي : لا يقتضى التكرار إلا بقرينة ، وعزا ابن مفلح هذا القول إلى أكثر الفقهاء والمتكلمين ، وهو اختيار أبي الخطاب كما في كتابه التمهيد ( الورقة (٢٦/أ) وإليه مال ابن قدامة في روضة الناظر. راجع : المسودة وروضة الناظر في المواضع السابقة . (٣) في المسودة ص (٢١) من رواية صالح . (٤) (٦) سورة المائدة . (٥) هذا الحديث رواه بريدة رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه عنه مسلم في كتاب الطهارة باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد ( ٢٣٢/١) . وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الطهارة باب ما جاء أنه يصلي الصلوات بوضوء واحد (٨٩/١)، وقال فيه: ((حديث حسن صحيح)). ٢٦٤ الوضوء حتى خصه النبي صَ الِ بفعله . خلافاً لأكثر الفقهاء والمتكلمين في قولهم : لا يقتضي التكرار (١) . وخلافاً لبعض الشافعية في قولهم : إن كان معلقاً بشرط اقتضى التكرار ، فأما المطلق فلا يقتضي التكرار (٢). وخلافاً للأشعرية في قولهم : هو على الوقف (٣). وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الطهارة باب الرجل يصلي الصلوات بوضوء واحد = (٣٩/١) وأخرجه عنه النسائي في كتاب الطهارة باب الوضوء لكل صلاة ( ١/ ٧٣ ) . وأخرجه عنه الطيالسي في مسنده في كتاب الطهارة باب الوضوء لكل صلاة (٥٤/١ ) . (١) كون الأمر لا يقتضي التكرار رواية عن الإمام أحمد ، وقد اختارها أبو الخطاب وابن قدامة المقدسي . وينبغي أن يعلم أن أصحاب هذا القول اختلفوا بعد ذلك على ثلاثة أقوال : الأول : أنه للمرة الواحدة ومحتمل للتكرار . الثاني : أنه للمرة وغير محتمل للتكرار . الثالث : أنه لطلب ماهية الفعل ، لا بقيد مرة ولا بقيد تكرار . راجع: الاحكام للآمدي (١٤٣/٢)، و((روضة الناظر)) ( ١٠٣ - ١٠٥)، و ((المنخول)) ص (١٠٨) . (٢) وقد اختار هذا القول المجد ابن تيمية ، حيث قال بعد حكاية هذا القول: (وهو أصح عندي) انظر ((المسودة)) ص (٢٠ ). (٣) وإلى هذا القول مال إمام الحرمين، كما نقله الآمدي في ((الإحكام)) (١٤٣/٢)، واختاره الغزالي في ((المنخول)) ص (١١١). وقد اختلف في معنى الوقف هنا : فقيل : لا يعلم أوضع الأمر هنا للمرة ، أو للتكرار ، أو لمطلق الفعل . وقيل: لا يعلم مراد المتكلم ؛ لاشتراك الأمر بين هذه الثلاثة. انظر: ((إرشاد الفحول )) ص (٩٨) . ٢٦٥ دليلنا : أن الصحابة عقلت من ظاهر قوله تعالى: (إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكَمْ) (٢) أنه يقتضي التكرار، ألا ترى ((أن النبي مع الله لما جمع عام الفتح بطهارة واحدة بين صلوات ، قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أعمداً فعلت هذا يا رسول الله ؟ فقال: نعم))، فعقلت من إطلاق الآية التكرار ، فلما خالف النبي معاقل ذلك وجمع بطهارة واحدة سألته عن ذلك واستكشفت عن حاله . وأيضاً : فإن الأمر كالنهي في باب أن النهي أفاد وجوب ترك الشيء ، والأمر أفاد وجوب فعله ، ثم كان النهي أفاد وجوب الترك على الاتصال أبداً ، وجب أن يكون الأمر يفيد وجوب الإيجاب على الاتصال أبداً . وامتنع أبو بكر الباقلاني من تسليم هذا ، وقال : يقتضي الكف عن مرة واحدة قدر ما إذا وقع منه من الكف . قيل : قد [ر] النهي كالأمر سواء، وهذا قول مخالف الإجماع ؛ لأن الفقهاء أجمعوا على أن النهي يقتضي التكرار (٢) ، وفرقوا بين الأمر والنهي بفروق ، ونحن نذكرها ، وما خالف الإجماع لا يلتفت إليه . (١) (٦) سورة المائدة . (٢) القول بأن النهي يقتضي التكرار مجمع عليه حكاه ابن برهان أيضاً، كما حكى الآمدي أنه اتفاق العقلاء إلا من شذ . والواقع أن حكاية الاجماع غير صحيحة ، فقد خالف أبو بكر الباقلاني كما ذكر المؤلف . وقال صاحب المحصول : إن القول بعدم التكرار هو المختار ، وقال صاحب الحاصل : إنه الحق . وقد بيّن الشيخ بخيت أن الخلاف لفظي ، وأن النهي يكون للدوام ، مدة العمر في المطلق ، ومدة القيد في المقيد . = ٢٦٦ : فإن قيل : كلامنا في موجب اللغة ، وهذا إثبات لموجب اللغة بالقياس ، واللغة لا تقاس . قيل : يجوز إثبات اللغة بالقياس . وقد ذكر هذا في باب القياس ، وأنه يجوز إثبات الأسماء قياساً . فإن قيل: البر في القسم يقتضي (١) التكرار، وهو قوله: (( والله لا دخلت هذه الدار))، فأمسك عن [٢٨/ب] الدخول ساعة، ثم دخل ، حَنِث. ومن الفعل يقتضي فعل مرة، فإنه إذا قال: ((واللّه لأدخلنّ هذه الدار))، فدخلها مرة ، بَرَّ . قيل : البر والحنث من أحكام الشرع ، والخلاف في موجب الأمر وموضعه في اللغة ، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر . فإن قيل : الشرع ورد باعتبار موجب اللفظ في اللغة فيما يتعلق به من البر والحنث ، فإذا جعلناه باراً في الشرع ؛ فلأنه فعل ما أوجبه اللفظ من طريق اللغة ، وإذا جعلناه حانثاً في الشرع ، فلأنه خالف ما أوجبه لفظه في اللغة . قيل : لم يرد باعتبار موجب اللغة بدليل أن الله تعالى لو حرم أكل الرءوس ، حمل ذلك على مقتضى اللغة ، فيحرم عليه كل ما يسمى رأساً ، ولو قال: (( والله لا أكلتُ الرءوس، تناول رءوس الأنعام عندهم)) . فإن قيل الترك في الخبر يقتضي التكرار، وهو قولهم: ((فلان ما صلى))، وفي الفعل يقتضي مرة، وهو قولهم: ((فلان صلى))، يقتضي صلاة واحدة . راجع: الاحكام للآمدي : (١٨٠/٢ )، ونهاية السول شرح منهاج الأصول = مع حاشية الشيخ بخيت ( ٢٩٤/٢ - ٢٩٦). (١) في الأصل : ( بمقتضى ) . ٢٦٧ قيل : الخبر في الفعل إنما اقتضى فعل مرة واحدة ؛ لأنه إخبار عن إيقاع فعل في زمان قد شاهده فيه ، وهذا لا صيغة له تقتضي العموم ، نظيره أن ترد لفظة الأمر قضية في عين ، فلا تقتضي الصيغةُ العمومَ . فإن قيل : لو قال : افعل مرة ، لم يقتض التكرار . قيل : لا نسلم هذا ، بل نقول : يقتضي الكف مرة ، فإذا فعل مرة سقط النهي ؛ لأن المنهي عنه قد يكون قبيحاً في وقت حسناً في وقت آخر ، كالأمر يكون حسناً في وقت قبيحاً في وقت آخر . يبين صحة هذا : أنه لو قال لعبده : لا تدخل الدار ، ولا تكلم زيداً إذا قام عمرو ، اقتضى ذلك الكف عند وجود الشرط ، كالأمر المعلق بشرط يقتضي وجوده عند وجود الشرط ، ولو أطلق النهي اقتضى الكف على الدوام كالأمر . فإن قيل : النهي يقتضي قبح المنهي عنه ، فأي وقت فعله كان فاعلاً للقبيح ، وفعل القبيح يستوجب عليه الذم ، والأمر يقتضي حسن المأمور به وإيجاده ، فإذا وجد كان مؤتمراً، وإن حصل تاركاً لما عداه . قيل : قولك: ((إن النهي يقتضي قبح المنهي عنه)) غير مسلم؛ لأن المنهي عنه قد یکون ندباً وفضلاً ، وقد بينا ذلك فیما تقدم ، وقد يكون محرماً ، کالأمر یکون ندباً ، ویکون موجباً . وقوله: ((إن الأمر يقتضي حسن المأمور به، فلم يجب تكراره)) ، غلط ؛ لأن الحسن لا يجب فعله متكرراً أو مرة واحدة من حيث كان حسناً ؛ لأن من الحسن ما يجب الدوام على فعله ، كالصلاة ، ومنه ما لا يجب كالحج . فإن قيل : حمل الأمر على الدوام فيه مشقة وتكليف لما لا يطاق ، وانقطاع عن المصالح ، وترك العبادات والنسل ، وليس في حمل النهي على التكرار مشقة ، وتكليف لما لا يطاق وانقطاع عن المصالح . ٢٦٨ 1 قيل : هذا غلط ؛ لأننا نقول بمقتضى التكرار على الإمكان [٢٩/أ] والوسع ، على وجه لا يفضي إلى الانقطاع عن الفروض والمصالح . وعندهم يجب فعل مرة واحدة ، وإن كان في الطوق والوسع أكثر منها . ثم يبطل به إذا قال : صلِّ على الدوام ، لزمه التكرار وإن أفضى إلى ما ذكرت . وأيضاً : فإن الأمر يتضمن ثلاثة أشياء : وجوب الفعل ، ووجوب الاعتقاد لوجوبه ، ووجوب العزم على فعله . وقد ثبت أن الاعتقاد والعزم يجب تكررهما كذلك الفعل . وحكى الجرجاني (١) عن بعض شيوخه : أنه لا يلزم تكرار الاعتقاد وإنما عليه اعتقاد حكمه والبقاء على ذلك من غير أن يحدث ما ينافيه ، وبناه على الفعل ، وأنه لا يلزمه تكراره ، وشبهه بالإيمان ، وأن من اعتقده استحق المداومة عليه ، وأن لا يحدث ما ينافيه ، وإن لم يكرره . وهذا القائل إن لم يسلّم الاعتقاد ، فقد سلَّم وجوب دوام البقاء على الاعتقاد ، وهذا لا خلاف فيه ؛ لأنه لو أبيح له ترك اعتقاد وجوب ما كلف وجوبه ، لكان قد أبيح له ترك العلم بصدق الله تعالى في أخباره ، وإذا ثبت وجوب المداومة على الاعتقاد وجب المداومة على الفعل ، لتضمن الأمر لكل واحد منهما (٢). (١) هو محمد بن يحيى بن مهدي، أبو عبد الله الجرجاني ، حنفي المذهب ، جرجاني الأصل ، بغدادي السكنى . كان يدرس بمسجد ((قطيعة الربيع )» ببغداد . له كتابان: ((ترجيح مذهب أبي حنيفة))، و((القول المنصور في زيارة القبور)). مات سنة (٣٩٧) هـ . له ترجمة في: الأعلام (٥/٨)، وتاريخ بغداد (٤٣٣/٣)، والجواهر المضية في طبقات الحنفية (١٤٣/٢)، وطبقات الفقهاء لطاش کبرى زاده ص (٧٢) ، والفوائد البهية في تراجم الحنفية ص (٢٠٢) . (٢) في الأصل : ( منها ) . ٢٦٩ فإن قيل : هذا يبطل بالأمر المقيد بفعل مرة واحدة ؛ لأنه إذا قال : حجوا في العمر مرة واحدة ، وجب العزم والاعتقاد على التكرار ، ووجوب الفعل مرة . قيل : إنما كان الاعتقاد في الأمر المقيد بفعل مرة على التكرار ؛ لأن الأمر بالاعتقاد فيه على الاطلاق ، فاقتضى التكرار ، لإطلاق الأمر فيه ، وهو في الفعل مقيد بمرة فلم يقتض التكرار ، فنظيره أن يقول : اعتقد وجوبه مرة ، فلا يقتضي التكرار . فإن قيل : المأمور (١) إذا كان عالماً بما أمر به ذاكراً له ، لا يمكنه أن يخلو من الاعتقاد والعزم ، ولا يخلو من أن يعتقد وجوبه أو غير وجوبه ، أو يعزم على فعله أو تركه ، ولا يجوز اعتقاد غير الوجوب ؛ لأن اللفظ يقتضي وجوب الفعل ، فإذا كان كذلك ، وجب اعتقاد الوجوب والعزم على الفعل ما دام الفعل واجباً عليه ، وليس كذلك الفعل ، فإن تركه جائز إلى أن يفعله، فدل على الفرق بينهما . قيل : قولك : ((إنه لا يجوز اعتقاد غير الوجوب ؛ لأن اللفظ يقتضي الوجوب))، لا يصح ؛ لأنه كان يجب أن يعتقده مرة، ثم يقطع الاعتقاد، ولا يكون قطع الاعتقاد في الثاني مانعاً من الأول ؛ لأن الأول قد صح ومضى ، فاعتقاد غيره لا يمنعه طريان النسخ في الثاني ، [ كما] لا يمنع صحة ما تقدم . وقولك: ((إن ترك الفعل لا يمنع صحة ما تقدم))، فهذا لا يمنع التكرار كالنهي ، فإن مخالفته في الثاني لا تمنع صحة ما يدوم من الترك، ومع هذا تكرر . وأيضاً فإن الواحد من أهل اللغة إذا قال لعبده : احفظ هذا الفرس ، (١) في الأصل : ( المأمور به ) . ٢٧٠ ! ! [٢٩/ب] فحفظه ساعة ثم تلاه ، استحسن ذمه وتوبيخه ، وكذلك المودع ، فدل على أن الأمر يقتضي التكرار . وأيضاً : فإنه لما لم يتعين بزمان ، وجب حمله على العموم في الأزمان في وجوب الفعل، كما أن لفظ العموم يشمل (١) جميع الأعيان؛ لأنه لم يخص ببعضها ، كذلك الأزمان . واحتج المخالف : بأن الطاعة والمخالفة في الأمر والنهي بمنزلة البر والحنث في القسم ؛ لأن كل واحد منهما يعتبر فيه موافقة موجب اللفظ ومخالفته، فإذا ثبت هذا وكان إذا قال: والله لأصلين، أو لأصومنَّ، أو لأحجنَّ، أو قال لغيره: واللّه لتصلينَّ، أو لتصومنَّ، أو لتحجنَّ، اقتضى فعلاً واحداً ، فلا يقتضي التكرار ، ويكون من فعله برَّ في يمينه [و] وجب أن يكون مطيعاً لله تعالى به ممتمثلاً لأمره . ويدل على أنهما سواء أن النهي الذي هو متعلق بالترك والقسم في الترك سواء في أن كل واحد منهما يقتضي التكرار ، ويكون مخالفاً بفعل مرة واحدة ، وكذلك الأمر المقيد بوقت أو بعدد أو بصفة بمنزلة القسم المقيد بذلك ، فوجب أن يكون مطلق الأمر بمنزلة مطلق القسم . والجواب عنه ما تقدم وهو : أن البر والحنث من أحكام الشرع ، والخلاف في موجب الأمر وموضوعه في اللغة ، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر ، والثاني أن التكرار ليس بمراد للحالف . وجواب آخر وهو : أن الترك في القسم إذا كان معلقاً بوقت ، وهو أن يقول : والله لا دخلت الدار عند زوال الشمس، لم يقتض التكرار ، حتى أنه إذا وجد الترك مرة عند الزوال سقطت اليمين ، والترك في ألفاظ صاحب الشريعة إذا علق بوقت اقتضى التكرار (٢) ، فإذا قال : لا تزكوا (١) في الأصل: ( يشتمل ) . (٢) في الأصل: (الدوام)، وهو خطأ ، وقد صوبه الناسخ في الهامش بما أثبتناه. ٢٧١ إذا زالت الشمس ، لم يسقط حكمه بترك مرة . وجواب آخر : وهو أن اعتقاد الفعل في القسم لا يقتضي الدوام ، واعتقاد أداء الفعل في الأمر يقتضي الدوام . وجواب آخر : وهو - أن الترك في اليمين إذا حصلت المخالفة بفعله مرة سقط حكم القسم ، على معنى أنه إذا فعل المحلوف على تركه ثانياً ، حنث ثانياً ، وليس كذلك في ألفاظ صاحب الشريعة ؛ لأنها لم يحنث ، ولا تسقط بالمخالفة مرة ، فبان الفرق . واحتج : بأنه إذا قال : صلى فلان ، اقتضى صلاة واحدة ، ولا يقتضي التكرار ، وإذا كان لفظ الخبر لا يقتضي التكرار ، فكذلك لفظ الأمر ؛ لأن الأمر أمر بإيقاع فعل، [و] الخبر خبر عن وقوعه ؛ ولأن قوله: ((صلِّ)) بمنزلة : افعل صلاة ، ولو قال : افعل صلاة ، اقتضى صلاة واحدة ، ولا يقتضي التكرار ، فإذا قال : صلِّ وجب أن يقتضي صلاة واحدة . والجواب عنه ما تقدم من أن الخبر في الفعل إخبار عن إيقاع الفعل في زمان قد شاهده، وهذا لا صيغة له ، والأمر المطلق له صيغة ؛ ولأنه لا يجب تكرر [٣٠/أ] الاعتقاد في الخبر. واحتج: بأن قوله لامرأته: ((طلقي نفسك))، اقتضى طلاقاً واحداً ، وكذلك إذا قالت له: ((طلقني بألف))، فطلقها تطليقة واحدة استحق الألف . وكذلك إذا قال لوكيله: ((طلق فلانة))، اقتضى طلاقاً واحداً، ولا يقتضي التكرار ، إلا بقرينة تدل عليه . وكذلك لو قال لعبده: ((تزوج))، لم يملك أن يتزوج إلا امرأة ٢٧٢ واحدة ، نص عليه (١) في رواية يعقوب بن بختان (٢) ، وكذلك في سائر الأوامر . والجواب : أن هذا ثبت بالشرع ، والخلاف في موجب الأمر وموضوعه في اللغة . فإن قيل : أوجب الشرع إثبات موجب اللفظ من طريق اللغة ، ألا ترى أنه إذا قال: ((طلق))، وكرر الطلاق أو ما يثبت من العدد ، كان له أن يكرره ؟ قيل : قد بينا أنه غير معتبر بموجب اللفظ من طريق اللغة من الوجه الذي بينا ؛ ولأن اعتقاد الفعل هناك لا يقتضي الدوام ، وفي مسألتنا يقتضي الدوام ، وهو من جملة الأوامر كما بينا . واحتج : بأن قول القائل : صم، وصلّ ، أمر بما يسمى صلاةً وصوماً ، فإذا فعل صوماً واحداً، أو صلاةً واحدةً ، فقد أتى بما يتضمنه الأمر . والجواب : أنه أمر بما يسمى صلاة على التكرار، كما كان قوله: ((لا تزن))، نهى عما يسمى زنا على التكرار، وكما كان قوله: ((صلّ))، أمراً باعتقاد ما يسمى صلاة على التكرار ، كذلك في الفعل . واحتج : بأن كونه على التكرار يقتضي المناقضة ، إذا كان الأمر (١) هذه الرواية هي - كما في رواية صالح ويعقوب بن بختان - : إذا أذن له سيده يتزوج ، قال : واحدة ، وإن أراد أن يتزوج أخرى استأذنه . وقال أيضاً : إذا خير زوجته ، لم يجز لها أن تطلق نفسها إلا طلقة واحدة .. انظر : المسودة ص (٢١) . (٢) في الأصل غير معجم، والصواب ما أثبتناه كما في المسودة ص (٢١)، وقد سبقت ترجمته ص (١٨٥) . ٢٧٣ العدة في أصول الفقه - ١٨ L بشيئين مختلفين مثل الحج والجهاد ؛ لأنه لا يمكنه أن يواصل كل واحد منهما أبداً . والجواب : أنا نثبت التكرار على الإمكان ، وإذا كان كذلك لم يفض إلى المناقضة . واحتج : بأنه لو اقتضى التكرار لم يحسن الاستفهام . والجواب : أنا لا نسلم ذلك ، وإن سلمناه فإنما ذلك على طريق الاستثبات، كما يقال له: ((جاءك الملك))، فيقول: ((جاءني الملك))؟ على طريق الاستثبات . واحتج : بأنه لو اقتضى التكرار لم يحسن تأكيده بالأبد ، فيقول : صلِّ أبداً ، وصم أبداً . والجواب : أنا نقلب هذا فنقول : ولو اقتضى مرة لم يحسن تأكيده بمرة واحدة ، فنقول : صلّ مرة واحدة ، لم يحسن ، وعلى أن هذا يجوز على طريق التأكيد، ولقوله تعالى : ( فَسَجَدَ المَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) (١) ، كذلك ها هنا . واحتج: بأنه (٢) لو قال لرجل: ((كل))، ثم قال: ((كل))، كان أمراً بالأكل مرتين، فلو كان الأمر يقتضي الاتصال أبداً ، كان قوله : ((ثم كل)) تأكيداً لا عطفاً، فلما قال الكل منهم : إنه عطف أكله على أكله ، ثبت أنه لا يقتضي الاتصال . والجواب : أنه لا يمتنع أن نقول : إن الثاني تأكيد ، لا عطف ، كما كان قوله: ((لا تزن))، ثم قال: ((لا تزن))، كان الثاني تأكيداً. (١) (٣٠) سورة الحجر. (٢) في الأصل : ( بأن ) . ٢٧٤ أ واحتج بأنه لو قال [٣٠/ب] لعبده: ((ادخل الدار))، فدخل، ثم استخبره فقال: قد دخلت؟، صح أن يجيبه عنه بنعم، أو يقول: ((قد دخلت))، فلولا أنه امتثل كل ما أمره به لما صح أن يخبره عنه . والجواب : أنه لا يمتنع أن يصح خبره في ذلك ، ولا يكون ممتثلاً للأمر ، كما لو قال : ادخل الدار مائة مرة ، فدخلها مرة ، صح أن يخبر بالدخول ولا يكون ممتثلاً ، وكذلك الاعتقاد يصح أن يخبر أنه معتقد ، وإن كان ذلك على الدوام . فصل [ الأمر المعلق على شرط هل يقتضي التكرار ] ؟ والدلالة على أن الأمر المعلق بالشرط جارٍ مجرى الأمر المطلق هو : أن الوجوب مستفاد من اللفظ دون الشرط ، وإنما يؤثر الشرط في منع تقديم المأمور به عليه ، واعتبار وجوده في وقوع الفعل عن الواجب . وإذا كان الحكم مستفاداً من اللفظ ، والمذكور عقيب الشرط كالمذكور ابتداء من غير شرط ، ثم ثبت أن المعلق بالشرط يقتضي التكرار ، كذلك المطلق . وأيضاً : فإن ما لا يقتضي التكرار ، يستوي فيه المطلق والمعلق بالشرط ، بدليل الأوامر فيما بينا ، ألا ترى أنه إذا وكل غيره بطلاق امرأته إن خرجت من الدار ، لم يجز أن يطلقها إلا مرة واحدة ، عند أول خروج يوجد منها ، ولو أطلق التوكيل فكذلك . وكذلك لو أمر غلامه أن يشتري طعاماً إذا دخل السوق ، فاشترى مرة واحدة ، لم يجز له أن يشتري كلما دخل السوق ، وكذلك لو أطلق . وكذلك الندب الموجب بالشرط ، والمطلق لا يوجب التكرار ، وهو إذا قال : إن شفى اللّه مريضي تصدقت بدرهم ، ٢٧٥ فشفي مريضه، لم يتكرر، ولو أطلق فقال: لله عليَّ صدقة درهم ، لم يتكرر ، وما اقتضى التكرار لا فرق فيه بين المطلق والمعلق بشرط وهو النهي والاعتقاد ، فإنه لا فرق بين أن يقول : لا تكلم زيداً عند دخولك الدار ، وبين أن يقول : لا تكلم زيداً، في أن جميع ذلك يقتضي التكرار ، وكذلك لا فرق بين أن يقول : إذا زالت الشمس فصلٌّ ، وبين أن يقول : صلِّ في أن الاعتقاد على الدوام ، فلما كان الأمر المعلق منه بالشرط يقتضي التكرار ، كذلك المطلق . واحتج المخالف بأن قوله : صلِّ ركعتين عند الزوال ، لما تكرر الزمان الذي تكرر فيه الأمر كان ما قرن يجب أن يتكرر ، ويفارق هذا المطلق . والجواب : أن المطلق يقتضي تكرار الزمان حكماً ، كما يقتضي تكراره لفظاً . واحتج بأن الأوامر المعلقة بشرط أو صفة في كتاب الله تعالى تقتضي التكرار كقوله تعالى : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ) (١)، وقوله تعالى: ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَهَّرُوا) (٢). والجواب : أن الأوامر المطلقة بهذه المثابة ، وهو قوله تعالى : (أَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) (٣). واحتج بأن الشرط كالعلة ، والحكم المعلق بالعلة يتكرر بتكرار العلة ، كذلك المعلق بالشرط يتكرر بتكرر الشرط . والجواب : أن الشرط ليس كالعلة ؛ لأن العلة توجب الحكم، والشرط [٣١/أ] لا يوجبه، ومثل الشرط لا يكون شرطاً، ومثل العلة لا يكون علةً، (١) (٢) سورة النور. (٢) (٦) سورة المائدة . (٣) (٤٣) سورة البقرة . ٢٧٦ ٢ يبين هذا : أن ما كان شرطاً لطلاق أو نذر لا يكون شرطاً لطلاق آخر ونذر آخر ؛ ولأن الشرط لا يجب الحكم لوجوده ، وإنما يجب عدمه لعدمه ، والعلة يجب وجود (١) الحكم لوجودها ، ويجب عدمه لعدمها ، ألا ترى أن الحياة شرط في العلم ، فلا يجب لوجود الجسم حياً أن يكون عالماً ، ويجب عدم العلم لعدم الحياة . والطهارة شرط في صحة الصلاة ، فلا يجب وجود الصلاة لوجود الطهارة ، ويجب عدمها لعدم الطهارة ، وإذا كان وجود الشرط لا يوجب المشروط ، وقد وجب التكرار ، كذلك عدمه ؛ لأن الوجوب يتعلق بالأمر لا بالشرط . فصل والدلالة على أنه لا يوجب الوقف أن قوله : افعل ، تقديره : أوقع فعلاً ، فوجب أن يحمل على الإمكان على ما نقول نحن ، أو على المرة الواحدة كما يقوله غيرنا ، فمتى حملناه على الوقف أسقطنا فائدة الأمر . واحتج المخالف بأنه لما جاز أن يراد بهذه اللفظة التكرار ، ويراد بها المرة الواحدة ، لم يكن لِلَّفظ ظاهر (٢). والجواب : أن المرة الواحدة معلومة قطعاً ، فكان يجب الإتيان بها عليه ، ويقف فيما زاد عليه ، وعلى أن احتماله لما ليس بظاهر منه لا يضر حال الإطلاق ، ألا ترى أن اسم الدابة حقيقة لما يدب على وجه الأرض ، وإن كان حال إطلاق اللفظة لا يحمل عليه ، كذلك ها هنا ، ويأتي الكلام في هذا الفصل مستوفى في المسألة التي بعدها . (١) في الأصل : ( وجوب ). (٢) راجع في هذه المسألة المسودة ص (٢٣)، والتمهيد في أصول الفقه الورقة (٢٨/ب - ٢٩/أ ). ٢٧٧ فصل [ إذا تكرر لفظ الأمر فهل يقتضي التكرار ] واختلف القائلون في أن الأمر لا يقتضي التكرار في لفظ الأمر إذا تكرر ، هل يقتضي التكرار (١) ؟ فقال أصحاب أبي حنيفة : إن ذكر في الثاني ما يوجب تعريف الأول ، مثل أن يقول : صلوا ركعتين ، ثم يقول : صلوا الصلاة ، فلا يقتضي ذلك إلا ذلك الأول (٢) . وإن كان الثاني منكراً كان أمراً آخر غير الأول (٣). وقد ذكر أبو حنيفة في من أقر لرجل بعشرة، وكرر ، أن عليه بكل إقرار مقتضاه . واختلف أصحاب الشافعي : (١) محل النزاع في هذه المسألة هو : ما اذا تعاقب أمران غير متعاطفين بمتماثلين ، ولا مانع للتكرار . انظر: تيسير التحرير ( ٣٦١/١ - ٣٦٢)، والتقرير والتحبير (٣١٩/١ - ٣٢٠)، وشرح الجلال على جمع الجوامع (٣٨٩/١ - ٣٩٠). (٢) لأن النكرة اذا أعيدت معرفة فهي عين الأول . وهناك قيدان في المسألة لم يذكرهما المؤلف هما : ١ - أن يكون المأمور به قابلاً للتكرار، فإن كان غير قابل ، نحو : (( صم اليوم ، صم اليوم ، )) فإن الثاني مؤكد للأول بغير خلاف . ٢ - اذا دلت العادة على التأكيد كقولك: ((اسقني ماءً، اسقني ماءً)) فإن العادة تقضي أن الحاجة تنقضي بالأمر الأول . راجع : المراجع السابقة ، بالإضافة إلى المسودة ص (٢٤) . (٣) الحقيقة : أن الحنفية لهم ثلاثة آراء في المسألة ، مثلهم في ذلك مثل الشافعية. راجع في هذا: التقرير والتحبير ( ٣١٩/١ - ٣٢٠)، وتيسير التحرير (١/ ٣٦١ - ٣٦٢)، وفواتح الرحموت (٣٩١/١ - ٣٩٢). ٢٧٨ فمنهم من قال (١) : يكون أمراً ثانياً (٢). ومنهم من قال : هو توكيد الأول . ومنهم من قال : هو [ على ] الوقف (٣). فمن قال : إنه أمر ثان (٤) ، فوجهه : أنه لما تكرر المأمور به ، كان الظاهر أنه أمر آخر ، ألا ترى أنه لو أراد الأول لذكر ما يقتضي رجوعه إليه ، والحكم يتعلق بظاهر الأمر ، وليس كذلك إذا عرف من الثاني ؛ لأنه لا معهود غير الأول ، فوجب أن يرد إليه ، مثل أن يكون بين المتخاطبين عهد في رجل ، فإذا قال أحدهما : كان الرجل كذا ، عرف منه المعهود (٥) . ومن قال : هو توكيد للأول ، قال : الأمر الثاني يحتمل أن يراد به إيجاب مستأنف ، ويحتمل أن يراد به تأكيد الأول ، فلا يجوز تعليق الإيجاب بالشك . ومن قال بالوقف [٣١/ب] استدل بهذا ، وقال : يحتمل الإيجاب ، ويحتمل التأكيد ، فوجب الوقف فيه . ولا حاجة بنا إلى الكلام في هذا الفصل ؛ لأن عندنا الأمر الأول اقتضى (١) وبهذا قال القاضي عبد الجبار وأبو اسحاق الفيروز ابادي والآمدي وعزاه ابن عقيل إلى أبي بكر الباقلاني . وقد قال في المسودة : إن هذا القول أشبه بمذهبنا ، أي المذهب الحنبلي . راجع : الإحكام للآمدي (١٧٢/٢)، والمسودة ص (٢٣) . (٢) في الأصل : (ثابتاً ) . (٣) وعزاه ابن عقيل إلى أبي الحسن الأشعري كما في المسودة ص (٢٣). (٤) في الأصل : ( ثاني ) . (٥) وقالوا أيضاً : حمله على أمر ثانٍ تأسيس ، وهو أولى من التأكيد؛ لأنه الأصل لما فيه من وضع الكلام لفائدة . ٢٧٩ التكرار، والثاني لم يفد غير ما أفاد الأول (١) ، ولكن ذكرناه لنعرف الاختلاف على مذهب غيرنا (٢) . (١) هكذا اختار هنا، ولكنه في كتاب ((الروايتين)) و((مقدمة المجرد)) اختار أنه أمر ثان، وليس مؤكداً . انظر : المسودة ص (٢٣) . (٢) تكرر الأمر إما أن يكون بعاطف أولاً ، أما في حالة عدم العطف ، فقد تكلم عنها المؤلف ، أما في حالة العطف ، فلم يتكلم عنها ، ويمكن إيجاز القول فيها في الصور الآتية : ١ - إذا كان أحد الأمرين معطوفاً على الآخر ، ولكن العقل يمنع التكرار ، نحو قولك: ((اقتل زيداً، واقتل زيداً)) ؛ لأن قتل من قتل مستحيل . ٢ - إذا كان أحدهما معطوفاً على الآخر ، ولكن الشرع يمنع التكرار ، نحو قولك: ((اعتق عبدك، واعتق عبدك)). ٣ - إذا كان العطف متراخياً، فإن الأمر الثاني غير الأول باتفاق . ٤ - إذا كان المأمور به مختلفاً ، فإن الأمر الثاني غير الأول باتفاق ، نحو قولك : ((صلّ ركعتين، وصم يومين)). ٢٥- أن يتماثل المأمور به ، ولكن غير قابل للتكرار ، كقولك : (( صم يوم الجمعة وصم يوم الجمعة )) ، فالأمر الثاني للتأكيد اتفاقاً . ٦ - إذا كان المأمور به قابلاً للتكرار ، والعادة لا تمنع منه ، وليس الثاني معرفاً ، نحو قولك: ((صل ركعتين، وصل ركعتين))، فقد اختلف فيها : فقال الآمدي : حكمها حكم ما لم يكن حرف عطف . أما الحنفية : فالوجه عندهم : أنه أمر ثانٍ . وقيل : الثاني عين الأول . هذا إذا لم يوجد مرجح للتأكيد ، فإن وجد عمل به ، وعند تعادل المرجحات يعمل بمرجح من خارج ، وإلا فالوقف . وقيل : إنه أمر ثانٍ ، لما فيه من الاحتياط . ورد بأن الاحتياط قد يكون في التأكيد : ٧ - إذا كان المأمور به قابلاً للتكرار ، ولكن العادة تمنع منه ، كقولك : (( اسقني ماءً، واسقني ماءً))، فذهب الآمدي : أن حكمه كما لو لم يكن حرف عطف ( أي مقتضى الثاني غير مقتضى الأول ) ، وذلك أن منع = ٢٨٠