النص المفهرس
صفحات 221-240
المأمور به منه ، ولا يجوز أن يكون القسمين الأولين ؛ لأن ذلك موجود فيما ليس بأمر ، فدل على صحة القسم الثالث . والجواب : أن هاهنا قسماً آخر وهو كونه استدعاء . ومحصول الجواب : أنه أمر لإيجاد اللفظ ، والموضع الذي عدل عنه القرينة . واحتج : بأن النهي إنما كان نهياً لكراهة الفعل ، فوجب أن يكون الأمر أمراً لإرادة الفعل ؛ لأن النهي ضد الأمر . والجواب : أن حدّ النهي كراهية أن يكون الفعل المنهي عنه حسناً ، ولا نقول أنه كان نهياً لكراهية الفعل ، فلم يكن بينهما فرق من هذا الوجه . وقد قيل : إن حد النهي : المنع عما ينهى عنه من طريق القول ، لا للكراهة التي ذكرها المخالف . واحتج : بأن أهل اللغة أجمعوا على أنه لا فرق بين قول القائل : افعل كذا ، وبين أن يقول: ((أريد أن تفعل كذا))، ولهذا نقول : إنه لا فرق بين أن يقول لعبده: اسقني ماءً، وبين أن يقول: ((أريد أن تسقيني ماءً))، وإذا كان قوله: ((أريد أن تسقيني ماءً)) إخباراً عن إرادته ، كذلك قوله: ((إفعل))، وجب أن يكون إخباراً عن إرادته الفعل . والجواب: أن قوله: ((أريد أن تسقيني ماءً)) إخبار عن إرادته ، ولهذا يدخله الصدق أو الكذب، وليس كذلك قوله: ((افعل )) ، فإنه ليس بخبر ، وإنما هو استدعاء واقتضاء ، ولهذا لا يحسن أن يقول فيه : صدقت أو كذبت . واحتج بأنه لا يخلو إما أن يجعلوا اللفظ أمراً لصيغته ، أو لعدم القرينة ، وباطل أن يجعل أمراً لصيغته ؛ لأن الصيغة موجودة مع القرينة ، التي هي التهديد والإباحة ، وليس بأمر . وباطل أن يجعل أمراً لعدم القرينة ؛ لأن ٢٢١ عدم القرينة قرينة ، فقد صح أن الأمر إنما يصح أمراً لقرينة . د والجواب : أنا نجعله أمراً لعدم القرينة ، وليس عدم القرينة قرينة ، كما أن عدم الشيء ليس بشيء، ومثال هذا : أسماء الحقائق ، كالحمار والسبع يستعمل فيما وضعت له حقيقة بمجردها ، وهو في البهائم ، وقد يستعمل في غيرها بقرينة ، وهو في الرجل البليد ، والشجاع ، ولا يقال : إنها إذا استعملت فيما وضعت له عند عدم القرينة ، إنها مستعملة فيه بقرينة ، كذلك ها هنا . فصل والدلالة على أن [٢١/أ] الأمر هو الأصوات المسموعة: هو أن هذا كلام متعلق باللغة ، فوجب أن يرجع فيه إلى أهلها ، وقد وجدناهم حدّوا الأمر بقول القائل : افعل ، إذا حصل على صفة ، فلم يجز العدول عما قالوه في لغتهم . ولا يجوز أن يقال : إن ما ذكر تموه في حدّ الأمر لم ينقل عن العرب نقل تواتر ؛ لأنه أمر أجمع عليه أهل العربية ،وهم قوم يقع بخبرهم العلم . ولأن ما طريقه اللغة لو اعتبر فيه النقل المتواتر لم يمكن إثبات غريب القرآن ولا شواذ اللغة . قيل : علمنا أن السلف كانوا يستشهدون بالبيت من الشعر على ما يحكونه من اللغة دلالة على بطلان هذا القول. ولأن ما تعمّ به البلوى من أمر الشريعة لا يعتبر فيه النقل المتواتر، فكيف يصح اعتبار ذلك فيما طريقه اللغة ؟ ولأن الإنسان يسمى آمراً عند وجود القول منه، ومتى انتفى عنه القول ٢٢٢ ! لم يسمّ بهذا الاسم فدل ذلك على اعتبار الأقوال . واحتج المخالف بقوله تعالى: ( وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ) (١)، وقوله تعالى: ( وَأَسِرُوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتٍ الصُّدُورِ ) (٢) . والعرب تقول: في نفسي كلام أقوله لك (٣) . والجواب : أن هذا مجاز واتساع . والحقيقة ما ذكرنا . فصل [ الفعل لا يسمى أمراً ] والدلالة على أن الفعل لا يسمى أمراً : أن أهل اللغة قد ذكروا في حده : قول القائل : افعل إذا كان على صفة ، وهو من الأعلى إلى الأدنى ، فلم يجز نقله عما حكموا عليه [في] الوضع ، كما لا يجوز في سائر اللغات . ولأنه لو كان حقيقة لم يصح نفيه ، ولأنه لا يشتق لفاعله أمر ، فلو كان حقيقة فيه لصار مثل الأقوال . واحتج المخالف بأنهم يقولون: (( أمر فلان سديد )) ، ويريدون به أفعاله وأقواله، ومنه قوله تعالى: ( وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) (٤)، ومنه قوله: ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (٥) ، وقول الشاعر: فقلت لها أمري إلى اللّه كله وإني إليه في الإياب لراغب (٦) (١) (٨) سورة المجادلة. (٢) (١٣) سورة الملك . (٣) في الأصل : ( أقول لك ). (٤) (٩٧) سورة هود . (٥) (٣٨) سورة الشورى. (٦) لم أقف على قائله . ٢٢٣ والجواب : أن هذا كله على طريق المجاز ، كما قال تعالى : ( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ) (١)، وكما قال الشاعر : وقالت له العينان : سمعاً وطاعةً (٢) والعين لا تقول . يبين صحة هذا ، وأنه مجاز : أنه يصح نفيه ، فنقول : فلان لم يأمر اليوم بأمر مع وقوع الفعل منه ، وأسماء الحقائق لا تتنافى . واحتج بأن الأمر مأخوذ من الأمارة ، وهي العلامة التي يقتدى بها ، والفعل قد يلزم الاقتداء به ، فسمي لذلك أمراً . والجواب : أن هذه الصفة تحصل في الكتابة والإشارة ، وإن لم يطلق اسم الأمر عليهما ، وليس يمتنع أن يوجد ذلك من العلامة ، ويخص بها الأقوال تعريفاً لها وتنبيهاً عليها . مسألة [ الأمر المطلق يقتضي الوجوب ] إذا ورد لفظ الأمر متعرياً عن القرائن اقتضى وجوب المأمور به . وهذا ظاهر كلام أحمد [٢١/ب] رحمه الله في مواضع : فقال في رواية (٣) أبي الحارث (٤): إذا ثبت الخبر عن النبي مع الم وجب العمل به . (١) (٨٢) سورة يوسف . (٢) لم أقف على قائله . (٣) هذه الرواية موجودة بنصها في ((المسودة)) ص (١٣) و (١٥). (٤) هو أحمد بن محمد أبو الحارث الصائغ . من أصحاب الإمام أحمد المقربين إليه ، كانت لديه مسائل كثيرة نقلها عن الإمام أحمد . له ترجمة في طبقات الحنابلة (٧٤/١)، والإنصاف للمرداوي (٢٨٠/١٢). ٢٢٤ وقال أيضاً رحمه الله في رواية (١) مهنا (٢) - وقد ذكر له قول مالك (٣) في الكلب يلغ في الإناء لا بأس به - فقال: ((ما أقبح هذا من قولة ! قال رسول اللّه ◌َ افي: (يغسل سؤر الكلب سبع مرات)))(٤). (١) رواية مهنا هذه موجودة بنصها في المسوَّدة ص (١٥). (٢) هو مهنا بن يحيى الشامي السلمي ، أبو عبد الله. روى عن الإمام أحمد وعبد الرزاق وبقية بن الوليد. وعنه عبد الله بن أحمد وسهل التستري وإبراهيم النيسابوري. من كبار أصحاب أحمد الذين لازموه حتى مات . له ترجمة في طبقات الحنابلة (٣٤٥/١)، والإنصاف للمرداوي (٢٩٢/١٢). (٣) هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي الحميري ، أبو عبد الله المدني، أحد الأئمة الأربعة، إمام دار الهجرة ، صاحب الموطأ خرّج له الجماعة . ولد سنة (٩٦ هـ) وقيل غير ذلك، ومات سنة (١٧٩ هـ). له ترجمة في: البداية والنهاية ( ١٧٤/١٠ )، وتذكرة الحفاظ ( ٢٠٧/١) ، وشذرات الذهب (٢٨٩/١)، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص (٨٩)، وطبقات المفسرين الداودي (٢٩٣/٢)، والنجوم الزاهرة (٩٦/٢)، ووفيات الأعيان (٤٣٩/١ ) . (٤) هذا الحديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه عنه البخاري في كتاب الوضوء ، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان (٥٣/١) . وأخرجه عنه مسلم في كتاب الطهارة ، باب حكم ولوغ الكلب ( ٢٣٤/١ - ٢٣٥ ) . وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الطهارة ، باب ما جاء في سؤر الكلب (١٥١/١ ) وقال فيه: ((حديث حسن صحيح)). وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الطهارة ، باب الوضوء بسؤر الكلب ( ١٧/١ - ١٨ ) . ٢٢٥ العدة في أصول الفقه - ١٥ وكذلك نقل (١) صالح (٢) عنه رضي الله عنه فيمن صلى خلف الصف وحده : يعيد الصلاة ، أمر النبي عَ الِ رجلاً صلى خلف الصف أن يعيد الصلاة (٣) . وهذا كثير في كلامه . = وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة ، باب غسل الإناء من ولوغ الكلب (١٣٠/١). وأخرجه عنه النسائي في كتاب الطهارة ، باب سؤر الكلب (٤٦/١ - ٤٧ ). وأخرجه عنه البيهقي في السنن الكبرى ، في كتاب الطهارة ، باب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات (٢٤٠/١). وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الطهارة ، باب ولوغ الكلب في الإناء (٦٣/١ - ٦٤ ) . وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب الطهارة ، باب ما جاء في آسار السباع والكلب والهر (٢١/١). وأخرجه عنه الطيالسي في كتاب الطهارة ، باب تطهير نجاسة دم الحيض وولوغ الكلب ( ٤٣/١ ). وأخرجه الطحاوي عنه في كتابه شرح معاني الآثار في كتاب الطهارة ، باب سؤر الكلب ( ٢١/١ ). وأخرجه عنه الإمام مالك في باب جامع الوضوء (٧٢/١) مطبوع مع شرح الزرقاني. وراجع في هذا الحديث تيسير الوصول (٢٩٥/٢)، ونصب الراية (١٣٢/١) ، وتلخيص الحبير (٢٣/١)، والمنتقى من أحاديث الأحكام ص (١٣). (١) ما نقله صالح عن الإمام أحمد هنا موجود في المسودة بنصه مع اختلاف طفيف ( ١٤ ، ١٥ ). (٢) هو صالح بن الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ، أبو الفضل . أكبر أولاد الإمام أحمد ، وممن روى عنه مسائل كثيرة . صدوق ثقة . تولى القضاء بطرسوس ثم بأصبهان. ولد سنة (٢٠٣ هـ)، وتوفي بأصبهان سنة (٢٦٦). له ترجمة في : طبقات الحنابلة (١٧٣/١ - ١٧٦)، والإنصاف (٢٨٦/١٢). (٣) هذا الحديث رواه وابصة بن معبد رضي اللّه عنه مرفوعاً . أخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة، باب الرجل يصلي وحده خلف الصف (١٥٧/١ ). = ٢٢٦ ١ 1 وقال رضي الله عنه في كتاب طاعة الرسول(١): ((قوله تعالى : ( وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) (٢) والظاهر (٣) يدل على أنه إذا ابتاع شيئاً يشهد (٤). فلما تأول قوم من العلماء ( فَإنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) (٥)، وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الصلاة ، باب ما جاء في الصلاة خلف الصف = وحده ( ٤٤٥/١ - ٤٥١ ) ، وقد تكلم عن أسانيده الشيخ أحمد شاکر رحمه الله تعالى باستفاضة في شرحه على جامع الترمذي ، فمن أراد معرفة ذلك فليرجع إليه . وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الصلاة ، باب صلاة الرجل خلف الصف وحده (٣٢١/١). وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الصلاة ، باب في صلاة الرجل خلف الصف وحده (٢٣٧/١) . وأخرجه عنه الطيالسي في كتاب الصلاة باب كراهة الصف بين السواري وحكم من صلى خلف الصف وحده ( ١٣٧/١ ) . وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الصلاة باب صلاة الإمام وهو جنب أو محدث (٢٣٦/٢ - ٢٦٣ ) . وأخرجه عنه الإمام أحمد في ((مسنده)) ( ٢٢٨/٤) . وأخرجه عنه البيهقي في سننه الكبرى (١٠٤/٣ - ١٠٥). وأخرجه عنه الطحاوي في كتابه شرح معاني الآثار في كتاب الصلاة باب من صلى خلف الصف وحده (٣٩٣/١ - ٣٩٤) . وراجع في هذا الحديث أيضاً : تيسير الوصول ( ١٨٥/٢ - ١٨٦ )، ونصب الراية (٣٨/٢)، والمنتقى ص (٢٣٤)، وبلوغ المرام ص (٤٩). (١) صرح في المسودة ص (١٤) بمن روى هذا عن الإمام أحمد بأن: صالح. (٢) (٢٨٢) سورة البقرة . (٣) في المسودة ص (١٤): (فالظاهر). (٤) في المسودة ص (١٤): (أشهد عليه) . (٥) (٢٨٣) سورة البقرة . ٢٢٧ استقر حكم الآية على ذلك))(١). وقد علق القول في رواية (٢) الميموني (٣) وقد سأله عن قول النبي : لاتـ ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا ) (٤) ، فقال: ((الأمر أسهل من النهي)). ، وكذلك نقل (٥) علي بن سعيد (٦) فقال: ما أمر به النبي ◌ََّغِ فهو (١) في المسودة ص (١٤) تكملة النص هكذا : ( فلما تبايع الناس ، وتركوا الإشهاد استقر حكم الآية على ذلك ) . (٢) رواية الميموني في المسودة ص (١٤). (٣) هو : عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني الرقي ، أبو الحسن. فقيه. من أصحاب الإمام أحمد الذين لازموه فترة طويلة . كان من المقدمين عند الإمام أحمد وممن نقلوا عنه . توفي سنة (٢٧٤هـ ) . له ترجمة في شذرات الذهب (١٦٥/٢ -١٦٦)، وطبقات الحنابلة (٢١٢/١ - ٢١٦) . (٤) هذا الحديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه عنه البخاري في كتاب الاعتصام ، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم (١١٧/٩) بلفظ : ( قال : دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) . وأخرجه عنه مسلم في كتاب الفضائل ، باب توقيره صلى الله عليه وسلم .. ( ٤/ ١٨٣٠ - ١٨٣١) بنحو لفظ البخاري مع فرق في التقديم والتأخير. وأخرجه عنه النسائي في كتاب مناسك الحج ، باب وجوب الحج (٨٣/٥). وأخرجه عنه ابن ماجه في المقدمة ، باب اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه (٣١/١). (٥) هذه الرواية موجودة بنصها في المسودة ص (١٤) . (٦) هو علي بن سعيد بن جرير النسوي ، أبو الحسن. من أصحاب الإمام أحمد، = ٢٢٨ : عندي أسهل مما نهى عنه . فقد سهّل في الأمر وغلّظ في النهي . ولعله قصد بهذا أن الأمر أسهل من النهي على معنى أن جماعة قالوا : إطلاق الأمر يقتضي الندب ، وإطلاق النهي يقتضي الحظر ، وإطلاق الأمر لا يقتضي التكرار ، والنهي يقتضي ، وهذا قول جمهور الفقهاء . وقالت المعتزلة : هو محمول على الندب بإطلاقه حتى يدل الدليل على الوجوب . وقالت الأشعرية : هو على الوقف على ما يبينه الدليل . وذهب قوم إلى أنه على الإباحة حتى يدل الدليل . فالدلالة على ما قلنا : قوله تعالى: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَّ فسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنَ منَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعّكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) (١). فوجه الدلالة : أن اللّه تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم تبادروا إلى فعله ، فعلم أنهم عقلوا من إطلاقه وجوب امتثال المأمور به ، ثم لما امتنع إبليس من السجود وبَّخه وعاقبه وأهبطه من الجنة ، فلولا أن ذلك واجب عليه لما استحق العقوبة والتوبيخ بتركه . فإن قيل : يجوز أن يكون ذلك الأمر معه قرينة دلت على المراد به ، فلهذا عاقبه بالمخالفة . قيل : لم يذكر في الآية إلا أمراً مطلقاً ، وعلق التوبيخ والعقوبة بتركه ، فمن ادعى أن هناك قرينة احتاج إلى دليل ، يبين صحة هذا أن قوله : ( مَا وممن أخذوا عنه . = له ترجمة في : طبقات الحنابلة (٢٢٤/١ - ٢٢٥). (١) (١١، ١٢) سورة الأعراف. ٢٢٩ مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) مثل قوله: ما يمنعك أن لا تسجد إذ قلت لك : اسجد ، فإن الذم يتعلق بمجرد مخالفة القول ، كذلك ها هنا . فإن قيل : إنما عاقبه ؛ لأنه استكبر وكان من الكافرين . قيل : عاقبه على الأمرين جميعاً ، على مخالفة الأمر ، وعلى الاستكبار والكفر . فإن قيل: لا يجوز [٢٢/أ] أن يكون الأمر لإبليس بالسجود؛ لأن ذلك أمر للملائكة وإبليس ليس منهم ، وإنما هو من الجن ؛ لقوله : ( إلاَّ إبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) (١). قيل : إبليس من الملائكة. وقد ذكر أبو بكر هذا فيما علقه عنه أبو إسحاق (٢) . وهو قول ابن عباس فيما ذكره أبو بكر في كتاب التفسير فقال : قال ابن حنبل : حدثنا حجاج عن ابن جريج قال ابن عباس : کان إبليس من أشراف الملائكة التي منهم قبيله ، وكان خازناً على الجِنّان ، وكان له سلطان سماء الدنيا ، وكان له سلطان الأرض . وقال ابن عباس في قوله تعالى: ( كَانَ مِنَ الْجِنِّ) إنما سمي الجنان : أنه كان خازناً عليها، كما يقال للرجل عَدَّني ، ومكّ ، وكُوفي ، وبَصْري . (١) (٥٠) سورة الكهف . (٢) هو : إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلا ( بسكون القاف وفتح اللام) أبو إسحاق البزار الفقيه الأصولي الحنبلي . سمع من أبي بكر عبد العزيز غلام الخلال وابن الصواف وغيرهما ، مات سنة (٣٦٩ هـ). وله من العمر (٥٤) سنة. له ترجمة في : طبقات الحنابلة ( ١٢٨/٢ - ١٣٩ ) ، والمدخل لابن بدران ص (٣٠٦)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٥١٦). ٢٣٠ ١ والذي يدل على أنه منهم استثناؤه من جملتهم ، وحقيقة الاستثناء : أن يكون من جنس المستثنى . ولأنه وبَّخه وعاقبه على ترك السجود ، والأمر بالسجود كان للملائكة ، فلولا أنه منهم لم يحصل مخالفاً بتركه . ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمَّ الْخِيَرَّةُ مِنْ أَمْرِّهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ) (١)، فنفي التخيير في الأمر وجعله ضالاً مع التخيير ، ومن قال : الأمر على الندب أو الإباحة خيره . فإن قيل : إنما قال هذا فيما قضاه ، وما قضاه واجب ، وخلافنا فيما أمر به . قيل : ما قضاه لا صيغة له تدل على أنه واجب ولا ندب وهو دون مرتبة الأمر ، ومع هذا فلم يجعل له الخيرة ، فأولى أن لا يجعل له ذلك في الأمر ، وعلى أن تعلقنا بقوله : ( إذَا قَضَى أَمْراً ) فعاد الكلام إلى قوله أمراً . ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ( فَلْيُحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (٢)، فتواعد على مخالفة الأمر بالفتنة والعذاب ، فلولا أن إطلاقه يقتضي الوجوب لم يتوعد عليه . وحكى عن الحسن البصري (٣) أنه لم يكن من الملائكة ، يعني إبليس . (١) (٣٦) سورة الأحزاب. (٢) (٦٣) سورة النور . (٣) هو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري ، أبو سعيد . تابعي ، زاهد ، عالم . خرّج له الجماعة. ولد بالمدينة المنورة لسنتين بقيتا من خلافة عمر رضي الله عنه .= ٢٣١ وهو ظاهر كلام أبي إسحق من أصحابنا ؛ لأنه قال : سمعت الشيخ يقول : إبليس من الملائكة ، فقلت : أجمعنا على أن الملائكة لا تتناكح ، ولا تكون لها ذرية ، وإبليس له ذرية لقوله تعالى: ( أَفَتَتَّخِذُوُنَهُ وَذَرِّيَّتَهُ أَوْلياءَ مِنْ دُونِي ) (١) فدل على أنه من غيرهم . وهذا لا يدل على أنه لم یکن منهم حین الخطاب؛ لأنه لا يمتنع أن یکون منهم حين الخطاب ؛ لأنه لا يمتنع أن تكون حاله تغيرت بعد المخالفة ، كما تغيرت حال الملكين الذين نزلا بأرض بابل لما خالفا ، فأكلا الطعام وشربا الشراب وحصلت فيهم شهوة النساء ، وإن لم تكن هذه صفة الملائكة ، کذلك إبليس . ويدل عليه قوله تعالى: (أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) (٢) ، فدل على أن مخالفة الأمر معصية ، ولم يقل : أعصيت ما دل على وجوب الأمر ؟ بل علق المعصية [٢٢/ب] بمخالفة الأمر، وليس له صيغة غير لفظة ((افعل))، ألا ترى أن هذه اللفظة هي التي ترك امتثالها إبليس، فذمّ، وهو قوله للملائكة: (اسْجُدُوا .. فَسَجَدُوا) فعلم أن هذه صيغة الأمر . ويدل عليه ما روي عن النبي ◌ِّامٍ أنه قال : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ) (٣)، ومعلوم أن السواك مستحب ، فدل على أنه لو أمر به لوجب . مات بالبصرة سنة ( ١١٠ هـ). = انظر ترجمته في : تذكرة الحفاظ (٧١/١)، وشذرات الذهب (١٣٦/١ )، وطبقات المفسرين للداودي (١٤٧/١)، وميزان الاعتدال (٥٢٧/١)، والنجوم الزاهرة (٢٦٧/١)، ووفيات الأعيان (٣٥٤/١). (١) (٥٠) سورة الكهف . (٢) (٩٣) سورة طه . (٣) هذا الحديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعاً. أخرجه عنه البخاري في = ٢٣٢ ٢ ويدل عليه قول النبي عل له لبريرة : ( لو راجعتيه ، فإنه أبو ولدك فقالت : بأمرك يا رسول الله؟ فقال: إنّما أنا شافع ) (١) فموضع الدليل : کتاب التمني باب ما يجوز من اللو ( ١٠٥/٩ - ١٠٦ ). == وأخرجه عنه مسلم في كتاب الطهارة باب السواك (٢٢٠/١). وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الطهارة باب السواك ( ١١/١ ). وأخرجه عنه النسائي في كتاب الطهارة باب الرخصة في السواك بالعشي للصائم (١٦/١). وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الطهارة باب ما جاء في السواك (٣٤/١ - ٣٥). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة باب السواك (١٠٥/١). وأخرجه عنه الإمام مالك في كتاب الطهارة باب ما جاء في السواك (١٣٣/١ ) . وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الطهارة باب في السواك ( ١٣٩/١ ). وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب الطهارة باب السواك .. (٢٧/١). وأخرجه عنه الطيالسي في كتاب الطهارة باب ما جاء في السواك والحث عليه (٤٨/١ ) . وراجع في هذا الحديث أيضاً : تيسير الوصول ( ٣٠٩/٢ )، وتلخيص الحبير (٦٤/١)، وفيض القدير شرح الجامع الصغير (٣٣٨/٥)، والمنتقى من أحاديث الأحكام ص (٣٢) ، ونصب الراية ( ٩/١). (١) هذا الحديث رواه ابن عباس رضي الله عنهما. أخرجه عنه البخاري في كتاب الطلاق باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في زوج بريرة (٦٢/٧ ) . وأخرجه الترمذي عنه في كتاب الرضاع باب ما جاء في المرأة تعتق ولها زوج ، (٤٥٣/٣) . وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الطلاق باب في المملوكة تعتق وهي تحت حر أو عبد (٥١٧/١) . وأخرجه عنه النسائي في كتاب القضاء باب شفاعة الحاكم للمحكوم قبل فصل الحكم (٢١٥/٨ ) . وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطلاق باب خيار الأمة إذا عتقت ( ٦٧١/١ ). وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الطلاق باب في تخيير الأمة تكون تحت العبد فتعتق ( ٩١/٢ ) . = ٢٣٣ أن النبي ◌ُ لتم أخبر أنه شافع ، وشفاعته تدل على الندب . ومن قال الأمر على الندب يقول هو بمنزلة الشفاعة ، فلو كان الأمر والشفاعة سواء ما تبرأ من الأمر . فإن قيل : فلا دلالة فيه ؛ لأنه ما تضمن الأمر ، وإنما سألها ، وشفع إليها . قيل: احتجاجنا من قولها: ((بأمرك))، فقال: ((إنما أنا شافع))، فتبرأ عن الأمر إلى الشفاعة . وفي هذا دلالة على من قال بالوقف أيضاً؛ لأن قولها: ((بأمرك)) معناه : فامتثله . ويدل عليه أيضاً ما روي عن النبي ◌َّائمِ : أنه مرّ برجل يصلي فدعاه ، فلم يجبه ، فلما فرغ من الصلاة. قال: (( ما منعك أن تجيبني))؟، قال : كنت في الصلاة، فقال عليه السلام (١): ((أما سمعت الله يقول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ) (٢) وهذا ظاهر ، فإن النبي مع التع عاتبه على مخالفة أمر الله تعالى المطلق ، وهو قوله : (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) وإن كان في الإجابة إليه ترك فريضة عليه ، هو فيها . = وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب النكاح باب الخيار للأمة إذا عتقت تحت عبد (٣٥٣/٢ - ٣٥٤) وأخرجه عنه الدار قطني (٢٩٤/٣). وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((تلخيص الحبير)) ( ١٧٧/٣ - ١٧٨)، ونصب الراية (٢٠٦/٣ - ٢٠٧). والمنتقى من أحاديث الأحكام ص (٥٥٠). (١) هذا الحديث رواه أبو سعيد بن المعلى رضي اللّه عنه مرفوعاً ، وهو صاحب القصة . أخرجه عنه البخاري في كتاب التفسير باب سورة الأنفال ( ٧٧/٦ ) . وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة ، باب فاتحة الكتاب (٣٣٦/١) . (٢) (٢٤) سورة الأنفال . ٢٣٤ 1 1 وأيضاً فهو إجماع الصحابة، وذلك أنهم كانوا يرجعون إلى مجرد الأوامر في الفعل والامتناع من غير توقف . مثل احتجاج أبي بكر على عمر رضي الله عنهما بقوله تعالى: (أَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) (١). ورجوع ابن عمر (٢) إلى حديث رافع (٣) في المساقاة (٤). وغير ذلك من القصص المشهورة . (١) (٤٣) سورة البقرة. (٢) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن . صحابي جليل هاجر إلى المدينة وعمره عشر سنوات . شهد الخندق . كان من أهل الورع والعلم والعبادة . مات بمكة سنة ( ٧٣ هـ ) . له ترجمة في: الاستيعاب (٩٥٠/٣)، والإصابة (١٠٧/٤)، وتذكرة الحفاظ (٣٧/١)، وتاريخ بغداد (١٧١/١) ، وخلاصة تذهيب الكمال ص (١٧٥ )، وشذرات الذهب (٨١/١)، والنجوم الزاهرة (١٩٢/١). (٣) هو رافع بن خديج بن رافع بن عدي الأنصاري الأوسي الحارثي ، أبو عبد الله صحابي جليل . شهد أحداً وما بعدها . مات سنة ( ٧٤ هـ ) بالمدينة متأثراً من انتقاض جرح أحدثه به سهم يوم أحد ، وله من العمر (٨٦) سنة . له ترجمة في الاستيعاب (٤٧٩/٢)، والإصابة (٨٦/٢). (٤) حديث رافع هذا أخرجه البخاري في كتاب المزارعة باب ما كان من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم يواسي بعضهم بعضاً في الزراعة والثمرة (١٣٤/٣). وأخرجه مسلم في كتاب البيوع باب كراء الأرض (١١٨١/٣ ). وأخرجه أبو داود في كتاب البيوع باب التشديد في ذلك ( ٢٣٢/١). وأخرجه ابن ماجه في كتاب الرهون باب المزارعة بالثلث والربع ( ٨١٩/٢). وأخرجه النسائي في أول كتاب المزارعة ( ٤٣/٧ ) . وأخرجه الطيالسي في مسنده في كتاب التفليس والصلح وأحكام الجوار والمزارعة والإجارة باب المزارعة ( ٢٧٥/١ ) . وأخرجه الإمام الشافعي في كتاب الشركة والقراض باب ما جاء في كراء الأرض (١٩٩/٢ ) . = ٢٣٥ وما كانوا عليه عند ورود لفظ الأمر ، والذي يعلم أنه كان متقرراً فيما بينهم : أن إطلاق ذلك يقتضي الوجوب والامتثال . فإن قيل . يحتمل أن يكون رجوعها إلى غير ظاهر الأمر، وإنما رجعوا إلى قرينة اقترن بها دلت على الوجوب . قيل : الذي ظهر عنهم الاحتجاج بنفس الألفاظ ، فلا يجوز حمله على القرائن ، وليس هذا إلا مثل من سمع خبراً فصدق المخبر ، فالظاهر تعلق تصديقه به دون اخبار محبر قبله . وجواب آخر وهو: أن هذا الاعتبار لو صح لبطل حكم اللغة، ألا ترى أن أسامي الأشخاص والأعيان تفيد مسمياتها بأنفسها ، ولا طريق إلى إثبات هذا المعنى إلا بالطريق الذي ذكرناه ، فلو أن قائلاً قال : إن هذه الأسامي إنما يستدل بها على مسمياتها بدلالة غير الظاهر ، وكذلك سائر ألفاظ [٢٣/أ] اللغة، مثل أوجبت وفرضت وألزمت، وأسماء الأشخاص والأعيان ، لم يمكن أن تنفصل عنه بغير ما ذكرنا في لفظ الأمر . وجواب آخر وهو : أن دلالة الحال ليست بعلة ملازمة للأمر حتى لا تخلو منها ، وإنما تقارن بعض الأوامر ، فلو كان اللفظ لا يفيده لحصل من جماعة الصحابة سؤال عن مقتضى الأمر في حال من الأحوال في مدة حياته عليه السلام ، لامتناع أن لا يكون حصل له أمر في هذه المدة غير مقترن (١) بدلالة . وجواب آخر وهو : أنه لو كان المفيد لوجوب الفعل دلالة الحال ، = وأخرجه الطحاوي في كتابه شرح معاني الآثار في كتاب المزارعة والمساقاة ( ١٠٥/٤ ) . وراجع في هذا الحديث أيضاً : نصب الراية ( ١٨٠/٤ ). (١) في الأصل : ( مقترنة ) . ٢٣٦ ١ لكان نقلها أولى من لفظ الأمر ، ولصار تركها تضييعاً لنقل الشريعة . وغير جائز حمل أمر الصحابة على هذا المعنى . فإن قيل : ما ذكر تموه ليس بلفظ عنهم يقع الاحتجاج به . قيل : استعمالهم لذلك دلالة على إثبات لغة العرب ، لأنها الأصل في اللغة ، يجري مجرى استعمالها للفظ الأمر كاستعمالها لسائر ألفاظ اللغة . فإن قيل : ما رويتموه عنهم لا يقع به العلم فلم يجز إثبات مثل هذا الحكم الذي هو أصل به . قيل : هذا القائل يُجَوِّز إثبات الأسامي الشرعية من جهة الآحاد ، فكان إثبات قول يعرب وقحطان أولى بالإثبات . فإن قيل : فالصحابة قد كانت تعتقد الإباحة في بعض الأوامر ، ولم يدل هذا على أنه ظاهر اللفظ . قيل : من أثبت غير الوجوب فإنما أثبته بدلالة . فإن قيل: فقد روي أن النبي ◌َ التِّ : دعى المصلي وهو في صلاته ، فلو كان قد اعتقد وجوب الأوامر بقوله تعالى : ( اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَكَلِرَّسُولٍ ) لم يترك ذلك. قيل : لا يمتنع أن يكون قد اعتقد وجوب ذلك ، وقدم عليه قوله تعالى: ( أَقِيمُوا الصَّلاَةَ) (١) على إقامتها والمضي فيها، دون تركها والاشتغال بغيرها . وجواب آخر وهو : أن الأمر في الآية متعلق بشرط ، فجائز أن يكون السامع لم يعلم بوجوده ، فلذلك أخر الجواب . (١) (٤٣) سورة البقرة. ٢٣٧ 1 فإن قيل : يجوز أن يكون اعتقدوا وجوب أوامر رسول اللّه مع التع لقوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) (١). قيل : قد كان تقدمت على هذه الآية أوامر كثيرة ، لم يسأل عن مقتضاها ، فلو كان اعتقاد الوجوب لأجل هذه الآية لكان السؤال يقع عما تقدم عليها . وأيضاً فإن القائل إذا قال لعبده : افعل كذا وكذا اليوم، فلم يفعل، حسن أن يلومه على ذلك ويعاقبه عليه ، فلولا أنه كان قد لزمه واستحق عليه فِعْلُهُ، لما حَسُن عقوبتُه على تركه . فإن قيل : من لم يسلم . قيل : هذا رفع حكم المشاهدات ، ورددناه في ذلك إلى العادات ؛ لأن أحداً لا يلوم سيداً ضرب عبده [٢٣/ب] على مخالفة أمره . فإن قيل : هناك قرينة اقترنت بالأمر دلت على وجوبه . قيل : تصور المسألة فيمن أمر عبده بأمر من وراء حجاب ، وهو لا يشاهده، ولا هناك ما ينبىء عنه لفظُ الأمر، فلا يجوز أن يُدَّعَى تعلقُ الوجوب بعده . وأيضاً : فإن قول القائل : افعل ، موضوع في اللغة للتّفَعُّل واستدعاء الفعل ، وليس يحصل ذلك إلا بحمله على الوجوب . فأما من حمله على الوقف فإنه لا يفيد شيئاً. وإذا حمل على الندب جُوِّزْ تركه ، وهذا تركُ مقتضى ما وضع له . فإن قيل : لا نسلم هذا . (١) (٦٣) سورة النور . ٢٣٨ قيل : المرجع في ذلك إلى مقتضى اللغة . وأيضاً : فإن النهي يدل على وجوب الترك ، كذلك الأمر يجب أن يدل على وجوب الفعل. وهذا الدليل يختص من قال بالندب . وأما من قال بالوقف فإنه يقف في النهي كما يقف في الأمر . فإن قيل : لفظ النهي يقتضي قبح فعل المنهي عنه ، فالقبيح واجبٌ اجتنابُه ، والأمر يقتضي حسن ما أمر به ، وحُسنُهُ لا يقتضي وجوب إتیانه ؛ إذ لیس کل حسن يجب إتيانه . قيل : لا فرق بينهما ، وذلك أن من النهي ما لا يقتضي قبح المنهي عنه، ولا يجب اجتنابه، مثل قوله تعالى: (وَلاَ يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ) (١)، وقوله: (وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ) (٢)، ونهى النبي عَ ل عن القيران بين التمرتين (٣) ، وعن الزجر في الطرقات (٤)، فهو كالمأمور به ، منه ما لا يجب فعله ، ولا فرق بينهما في مطلق اللفظ . (١) (٢٢) سورة النور . (٢) (٢٨٢) سورة البقرة. (٣) هذا الحديث رواه ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً. أخرجه عنه البخاري (٢٤٨٩) في الشركة، ومسلم (٢٠٤٥) (١٥١) في الأشربة والترمذي في كتاب الأطعمة باب ما جاء في كراهية القران بين التمرتين ( ٢٦٤/٤). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الأطعمة باب النهي عن قران التمر (١١٠٦/٢ ). وأخرجه أبو داود عنه في كتاب الأطعمة باب الاقران في التمر عند الأكل ( ٢/ ٣٢٦) . وأخرجه عنه الطيالسي في كتاب الأطعمة باب آداب الأكل (٣٣١/١). وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الأطعمة . باب النهي عن القران (٢٩/٢ ). وأخرجه عنه الخطيب البغدادي في تاريخه (٤٤٣/١٤ ) ، عن المؤلف ( أبي يعلى ) عن شيخته أم الفتح ، وذكر بقية السند . وراجع في هذا الحديث: تيسير الوصول (٣٤٨/٢ - ٣٤٩). (٤) لم أجده . ٢٣٩ فإن قيل : هذا إثبات لغة بقياس . قيل : إنما استدللنا بما قلنا على موضوع الاسم، وهذا المعنى لا يتوصل به إلا بالاستدلال . وأيضاً : فإن لفظ التخيير يستعمل في الأمر المطلق كما يستعمل في المقيد فيقول : افعل إن شئت ، وإن شئت فاترك ، كما يقول : أوجبت عليك ، أو فرضت عليك إن شئت ، فلو كان إطلاقه لا يفيد الوجوب واللزوم لم يؤثر فيه التخيير . يبين صحة هذا أن قول القائل : واجب ، يحتمل وجوب الإرشاد ، مثل قوله عليه السلام : ( غسل يوم الجمعة واجب) (١)، وقوله : ( السواك (١) هذا الحديث رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه عنه البخاري في كتاب الجمعة باب فضل الغسل يوم الجمعة (٣/٢)، ولفظه : ( غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ) . وأخرجه عنه مسلم في كتاب الجمعة باب وجوب غسل الجمعة على كل بالغ (٥٨٠/٢). وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الطهارة باب في الغسل يوم الجمعة (٨٤/١ ) بلفظ ( الغسل يوم الجمعة على كل محتلم .. ) . وأخرجه عنه النسائي في كتاب الجمعة باب إيجاب الغسل يوم الجمعة (٧٦/٣ ) بمثل لفظ البخاري . وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الصلاة باب ما جاء في الغسل يوم الجمعة (٢٤٦/١) بمثل لفظ البخاري. وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الصلاة باب الغسل يوم الجمعة ( ٢٩٩/١) بمثل لفظ البخاري . وأخرجه عنه الإمام مالك في كتاب الصلاة باب العمل في غسل يوم الجمعة (١/ ٢٠٩) بمثل لفظ البخاري وزاد : ( كغسل الجنابة ). = ٢٤٠ 1