النص المفهرس
صفحات 201-220
فإن الباء تلصق المرور بزيد. وإذا قلت : كتبت بالقلم ، فإن الباء تلصق الكتابة بالقلم (١) . ولهذا منع أصحابنا الاحتجاج بقوله تعالى: ( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُم ) (٢) على جواز مسح بعض الرأس ، وقالوا : الباء تفيد الإلصاق دون التبعيض ؛ لأن الباء تستعمل فيها فيما لا يصلح فيه التبعيض وهو قولهم: ((استعنت بالله))، و ((تزوجت بامرأة))، ولا يجوز أن يقال: ((استعنت ببعض اللّه))؛ لاستحالة ذلك عليه سبحانه، ولا مررت ببعض امرأة. ومنه قوله عَ لِ: ( لانكاح إلا بوليّ وشاهدين) (٣)، ولا يجوز التبعيض في ذلك . = ومثال الثاني : ( مررت بزيد). وهي تأتي للإلصاق خالصة ، وتأتي لغيره مشوبة به ، ولذلك اقتصر سيبويه عليه . (١) الأظهر فيها هنا: أن تكون للاستعانة؛ لأنها داخلة على آلة الفعل ، وهذا لا ينفي وجود معنى الملاصقة. ((المغني)) لابن هشام (٩٧/١). (٢) (٦) سورة المائدة . حديث صحيح بطرقه وشواهده ، رواه ابن عباس رضى الله عنهما أخرجه عنه (٣) الدار قطني في ((سننه)) في كتاب النكاح (٢٢١/٣ -٢٢٢) بلفظ: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ، وأيما امرأة أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل) ثم قال : ( رفعه عدي بن الفضل ، ولم يرفعه غيره ) . وأخرجه عنه الشافعي في كتاب النكاح ، باب لا يصح النكاح إلا بولاية رجل (٣١٧/٢) بلفظ : ( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ). وأخرجه ابن حبان بسنده إلى عائشة رضي الله عنها ، وذلك في كتاب النكاح باب ما جاء في الولي والشهود من (( زوائد ابن حبان)» للهيثمي ص (٣٠٥). وأخرجه عن ابن عباس رضي الله عنه البيهقي في كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي (١١٢/٧)، كما أخرجه عن علي رضي الله عنه (١١١/٧ ). وانظر ((نصب الراية)) (١٨٣/٣، ١٩٠)، و((تلخيص الحبير)) (١٦٢/٣)، و((المستدرك)) (١٦٩/٢)، و((سنن البيهقي)) (١٠٥/٧، ١٠٧). ٢٠١ ومن أصحاب الشافعي من قال : إذا كان الفعل يتعدى من غير الباء ، فلا يحتاج إليها للإلصاق ، فوجب حمله على التبعيض (١) ؛ لأن حمل كل حرف من القرآن على ما يفيد أولى ، وقد استوفينا الكلام على هذا في غير هذا الموضع (٢) . [ مِنْ وإلَى ] وأما ((مِنْ)) فهي لابتداء الغاية، و((إلى)) لانتهاء الغاية، تقول : سرت من الكوفة إلى البصرة ، أي : ابتدأت بالسير من الكوفة وانتهيت إلى البصرة (٣) . وقد تستعمل من للتبعيض كقوله تعالى : ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) (٤) ، وكقولك : اخترْ من هؤلاء الرجال، واقبضْ من هذه الدراهم، وكُلْ من هذا الطعام ، واشربْ من هذا الماء . وإذا حلف لا يأكل من هذا الرغيف ، ولا يشرب من هذا الماء ، حنث بالبعض . (١) وممن قال بأن الباء تأتي للتبعيض الأصمعي والفارسي والقتيبي وابن مالك، كما ذكر ذلك ابن هشام في ((المغني)) ص (٩٨/١) مع حاشية الأمير. (٢) هناك معان كثيرة للباء، فصل القول فيها ابن هشام في ((المغني)) (٩٥/١ - ١٠٣). (٣) (من) تكون لابتداء الغاية في المكان باتفاق ، وفي الزمان عند الكوفيين والأخفش والمبرد وابن درستويه ، واختاره ابن مالك وأبو حيان ، وذلك كقوله تعالى : (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْم). راجع ((المغني)) لابن هشام (١٤/٢)، و ((شرح الكوكب المنير)) ص (٧٧) . (٤) (٦) سورة المائدة. ٢٠٢ i ٢ وتستعمل ((إلى)) بمعنى ((مع)) كقوله (١): (وَأَيْدِ يَكُمْ إلى المَرَافِقِ ) (٢) معناه: مع المرافق. وهذا المعنى يحتاج إلى الدليل ، ولهذا إذا قال : بعتك كذا على أنك بالخيار إلى الليل ، أن الليل لا يدخل في الخيار ، خلافاً لأبي حنيفة (٣) وإحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله : أنه يدخل فيه؛ لأن الظاهر من ((إلى)) لانتهاء الغاية (٤). [ على ] وأما ((على)) فإنه للإيجاب ، فإذا قال رجل : لفلان عليَّ كذا ، حكم (١) كان الأولى أن يمثل المؤلف بقوله تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ ) أي : مع أموالكم . وفي الآية التي مثل بها المؤلف في كون ( إلى) بمعنى (مع ) خلاف : ١ - فذهب القاضي أبو يعلى وآخرون إلى أنها بمعنى ( مع ). ٢ - وذهب آخرون إلى أنها ليست بمعنى ( مع ) . ووجهوا الآية بتوجيهات منها : أ - أن ما بعد ( إلى) إنما أدخل من باب الاحتياط. ب - أو أن اليد مشتبكة مع العظم ، ولا يمكن غسلها إلا بغسله . جـ - أو أن الآية مجملة ، بينها الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله. د - أو أن ( إلى ) غاية السقوط، وذلك أن صدر الكلام متناول للغاية وهو اليد ، فإنها اسم لها من أطراف الأصابع ، فكانت ( إلى ) لإسقاط ما وراء المرافق لا لمد الحكم إليها . أفاده التفتازاني في ((شرح التنقيح)) ( ١١٧/١). (٢) (٦) سورة المائدة . (٣) راجع ((التلويح)) على ((شرح التوضيح)) (١١٧/١ - ١١٨)، فإنه ذكر ذلك ووجهه . (٤) هناك معان كثيرة لـ (من)، فصل القول فيها ابن هشام في ((المغني)) (٢ - ١٤ - ١٦ ) . ٢٠٣ بوجوبه عليه (١) [ في ] وأما ((في)) فهو للظرف (٢)، فإذا قال: (( لفلان عليّ ثوب في منديل)) أو ((تمر في جراب))، لم يدخل الظرف في الإقرار (٣). [ اللام ] و ((اللام)) (٤) تكون للتمليك كقولك : دار لزيد (٥) . وتكون للتعليل كقوله تعالى : ( لِثَلاَّ يَكُونَ لِلَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ) (٦). وتكون للعاقبة والصيرورة كقوله تعالى : ( فَالْتَقَطَّهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُواْ وَحَزَنَاً ) (٧)، ومعناه: صار في العاقبة عدواً وحزناً . (١) هناك معان أخر لـ (على)، راجعها - إن شئت - في ((المغني)) لابن هشام (١/ ١٢٥ - ١٢٧ ) . (٢) ذكر ابن هشام لـ (في) عشرة معان، وذلك في كتابه ((المغني)) ( ١٤٥/١ - ١٤٦ ) . (٣) وعند الحنفية يدخل الظرف. انظر: ((أصول الجصاص)) الورقة (١٠/أ) مخطوطة دار الكتب المصرية . (٤) اللام الجارة، لها اثنان وعشرون معنى: انظر ((المغني)) لابن هشام (١٧٥/١ - ١٨٣ ) . (٥) في الأصل (دار زيد) والصواب: ما أثبتناه . ثم هذا المثال إنما يصلح للتملك ، أما مثال التمليك فهو : وهبت المال لزيد . (٦). (١٦٥) سورة النساء. (٧) (٨) سورة القصص : ٢٠٤ أ وتكون للجهة قال تعالى : ( إنَّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينٍ) (١) الآية أحكم (٢) جهة للمصرف . والنكرة في النفي تقتضي جميع الجنس ، وفي الإثبات بعض الجنس ، فإذا قال : والله لا آكل طعاماً، كفّ عن جميع الجنس قليله وكثيره ، فأي قدر من الطعام أكل حنث . وإذا قال : والله لآكلن طعاماً ، لم يجب أن [١٨/ب] يأكل جميع الجنس . وإذا أكل ما يقع عليه اسم الطعام برّ في يمينه . [ إنما ] و ((إنّمَا)) للحصر (٣). وقول النبي عُ التّ: (وإنما لكل امرىء ما. نوى ) (٤) يقتضي أن جميع ما للمرء هو الذي نواه ، وأن ما لم ينوه ليس (١) (٦٠) سورة التوبة. (٢) قراءة هذه الكلمة اجتهادية . (٣) خالف الآمدي وأبو حيان والطوفي في إفادتها للحصر . وما ذكره المؤلف هو رأي الجمهرة من العلماء . ولم يصرح المؤلف هنا بأي جهة تفيد الحصر : أيجهة النطق أم بجهة الفهم ؟ ولكن أبا البقاء الفتوحي نقل عنه أنه يقول : إنها تفيد الحصر بطريق الفهم . وهذا هو رأي ابن عقيل والحلواني الحنبليين . وهناك من الحنابلة من قال : إنها تفيد الحصر بطريق النطق ، ومنهم أبو الخطاب وابن المنى والموفق والفخر وأبو البقاء الفتوحي. راجع ((شرح الكوكب المنير)) ص ( ٢٥٠ - ٢٥١ ) . (٤) هذا جزء من حديث رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه عنه البخاري في باب كيف كان بدء الوحي (٤/١)، وأخرجه عنه في كتاب العتق ، باب الخطأ والنسيان في العتاق والطلاق ونحوه (١٨٠/٣ - ١٨١)، كما أخرجه عنه في كتاب الإيمان ، باب النية في الإيمان (١٧٥/٨ ). وأخرجه عنه مسلم في كتاب الإمارة باب قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال = ٢٠٥ له . وكذلك قوله عليه السلام: ( إنما الولاء لمن أعتق ) (١) ، يقتضي أن جنس الولاء للمعتق ، ومن لم يعتق فليس له ولاء . بالنية ) وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال (١٥١٥/٣ - ١٥١٦). = وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الطلاق ، باب فيما عني به الطلاق والنيات (٥١٠/١). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الزهد باب النية (١٤١٣/٢) . وأخرجه الترمذي عنه في كتاب فضائل الجهاد ، باب ما جاء فيمن يقاتل رياءً وللدنيا ( ١٧٩/٤ )، وقال : ( حديث حسن صحيح ). وأخرجه عنه النسائي في كتاب الطهارة ، باب النية في الوضوء ( ٥١/١ ) ، وفي كتاب الطلاق ، باب الكلام اذا قصد به فيما يحتمل معناه ( ١٢٩/٦ )، وفي كتاب الأيمان والنذور، باب النية في اليمين ( ١٢/٧ ). وأخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (٢٥/١، ٤٣) . وأخرجه الطيالسي عنه في القسم الرابع من الكتاب قسم الترغيب في الأعمال الصالحة (٢٧/٢ ) . وأخرجه الدار قطنى في ((سننه)) في كتاب الطهارة، باب النية (٥٠/١ - ٥١ ). وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) (٣٠١/١)، و((تلخيص الحبير)) (٥٥/١)، و ((ذخائر المواريث)) (٤٤/٣ ). (١) هذا الحديث روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مرفوعاً. أخرجه عنها البخاري في عدة مواضع هي : ١ - في كتاب الصلاة باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد ( ١١٦/١ - ١١٧ ) . ٢ - في كتاب الشروط، باب الشروط في البيع (٢٣٤/٣ - ٢٣٥) ، وفي باب ما يجوز من شروط المكاتب إذا رضي بالبيع على أن يعتق ( ٢٣٧/٣ ) ، وفي باب الشروط في الولاء ( ٢٣٨/٣) وفي باب المكاتب وما لا يحل من الشروط ( ٢٤٥/٣ ) . ٣ - في كتاب الأطعمة، باب الأدم (١٠٠/٧). ٢٠٦ ٤ - في كتاب الفرائض ، باب الولاء لمن اعتق عن ابن عمر رضي الله عنهما (١٩١/٨ ) . ٥ - في كتاب الفرائض، باب ما يرث النساء من الولاء (١٩٣/٨). ٦ - في كتاب الفرائض، باب إذا أسلم على يديه الرجل ( ١٩٣/٨). ٧ - في كتاب الطلاق ، باب لا يكون بيع الأمة طلاقاً (٦١/٧). ٨ - في كتاب الكفارات، باب إذا اعتق في الكفارة لمن يكون ولاؤه (١٨٢/٨). ٩ - في كتاب النكاح ، باب الحرة تحت العبد (١١/٧ ). ١٠ - في كتاب الزكاة ، باب الصدقة على أموال أزواج النبي صلى الله عليه وسلم (١٥٠/٢ - ١٥١ ). ١١ - في كتاب البيوع، باب البيع والشراء مع النساء (٨٩/٣). ١٢ - في كتاب البيوع، باب إذا اشترط شروطاً في البيع ( لا تحل ٩١/٣ ). وأخرجه عنها مسلم في كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق (١١٤١/٢ - ١١٤٥ ) . وأخرجه الترمذي عنها في كتاب الولاء والهبة ، باب ما جاء أن الولاء لمن أعتق ( ٤٣٧/٤ ) . وأخرجه عنها ابن ماجه في كتاب الطلاق ، باب خيار الأمة إذا عتقت (٦٧١/١). وأخرجه عنها أبو داود في كتاب العتق ، باب بيع المكاتب إذا فسخت الكتابة (٣٤٦/٢ - ٣٤٧ ) . وأخرجه عنها النسائي في كتاب البيع ، باب المكاتب يباع قبل أن يقضى من كتابته شيئاً (٢٦٩/٧ ). وأخرجه عنها الدارمي في كتاب الطلاق ، باب تخيير الأمة تكون تحت العبد فتعتق (٩٠/٢ - ٩١) . وأخرجه الدار قطني عنها في كتاب النكاح (٢٩٤/٣). وأخرجه الطيالسى عنها في كتاب العتق، باب الشروط في العتق (٢٤٤/١). وأخرجه عنها الإمام الشافعي في كتاب العتق، باب ما جاء في ولاء المعتق ولمن يكون (١٤٠/١ ). ٢٠٧ وقال بعض أهل خراسان: ((إنما )) لإثبات ما اتصل به ونفي ما عداه . ومنهم من قال : لتحقيق المتصل به ، وتمحيق المنفصل عنه. ويرجع معنى الجميع إلى ما ذكرته من الحصر . فصل في قيام بعض حروف الصفات مقام بعض قوله تعالى: ( وَلْأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) (١)، أي: على جذوع النخل . وقال العبد (٢): هُمُ صلبوا العبدي (٣) في جذع نخلة (٤) . وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) (١٤٩/٤ - ١٥٠) و ((تلخيص = . الحبير)) (٢١٣/٤)، و((بلوغ المرام)) ص (١٨١)، و((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٥٢٩ - ٥٣٠ ). (١) (٧١) سورة طه . (٢) الشاعر ليس العبد، كما ذكر المؤلف، وإنما هو سويد بن أبي كاهل، كما سيأتي بیان ذلك . (٣) في الأصل : ( العمري )، والتصويب من المراجع الآتي ذكرها في تخريج البيت . (٤) هذا صدر بيت ، وعجزه هو : فلا عطست شیبان إلا بأجدعا والبيت ذكره ابن جرير الطبري في تفسيره عند الكلام على قوله تعالى : ( لأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) (١٨٨/١٦)، ولم ينسبه لأحد. كما ذكر البيت ابن منظور في كتابه: اللسان، مادة ((عبد)) (٢٦٧/٤) ونسبه إلى سويد بن أبي كاهل. والبيت عنده: وهم صلبوا ... الخ بزيادة ((واو)) في أوله . ٢٠٨ ((الباء)) مكان ((عن)) قوله تعالى: ( فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً) (١) أي اسأل عنه . قال علقمة بن عبدة (٢): عليم بأدواء النساء طبيب (٣) فإن تسألوني بالنساء فإنني ((عن )) مكان ((الباء)) قوله تعالى: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) (٤)، أي : بالهوى (٥) ، والعرب تقول رميت بالوتر (٦) . = وقد استشهد به ابن هشام على مجيء (في) للاستعلاء ص (٢٢٤) من كتابه المغني ، تحقيق الدكتور مازن المبارك وصاحبه . (١) (٥٩) سورة الفرقان . (٢) هو علقمة بن عبدة بن ناشرة بن قيس بن عبيد. شاعر جاهلي ، عده ابن سلام من الطبقة الرابعة . ينازع امرىء القيس الشعر . يسمى : علقمة الفحل، لتفضيله زوج امرىء القيس على زوجها، فطلقها امرىء القيس ، فتزوجها علقمة من بعده . انظر ترجمته في : الشعر والشعراء (٢١٨/١ - ٢٢٢)، وطبقات الجمحي ص (١١٥ - ١١٧ ). (٣) هذا البيت ذكره ابن قتيبة في ترجمة (علقمة )، مع بيتين آخرين ، وقال : إنها من جيد شعره ، إلا أنه أتى بكلمة ( بصير ) ، بدل كلمة (عليم ) ، والبيتان الآخران هما : فليس له في ودّهن نصيب إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله وشرخ الشباب عندهن عجيب يردن ثراء المال حيث علمنه انظر: الشعر والشعراء (٢١٨/١ - ٢٢٢)، والبيان والتبيين (٣٢٩/٣)، والمفضليات ص (٣٩٢)، وشرح اختيار المفضل ص (١٥٨٢). (٤) (٣) سورة النجم. (٥) وقيل : إن (عن ) على أصلها ، والمعنى : ما يصدر قوله عن هوى. المغني لابن هشام (١٣٠/١). (٦) هكذا في الأصل ، ولعل الصواب : ( عن الوتر ) حتى يتم الاستدلال . ٢٠٩ العدة في أصول الفقه - ١٤ ((اللام)) مكان - على - قال تعالى: (وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بالْقَوْلِ ) (١) أي: لا تجهروا عليه بالقول. والعرب تقول: ((سقط فلان لفيه ))، أي : على فيه . قال الشاعر : فخرَّ صريعاً لليدين وللفم (٢) ((إلى)) مكان ((مع)) قال تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالُهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ) (٣) أي: مع أموالكم. ومثله (مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللّهِ) (٤). تقول العرب: ((الذَّود إلى الذَّود ابل)) أي: مع الذود . ((اللام)) مكان ((إلى)) قال تعالى: ( بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) (٥) أي : إليها . ((على)) مكان ((من)) قال تعالى: (إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ) (٦)، أي: من الناس. ومنه قوله تعالى: (الَّذِينَ اسْتَحَقّ (٢) سورة الحجرات . (٢) هذا عجز بيت جاء في عدة قصائد لعدة شعراء ، ولذلك اختلف صدر البيت ، (١) فقد نسب لربيعة بن مكدم ، وروايته : وهتكت بالرمح الطويل إهابه فهوى صريعاً لليدين وللفم ونسب لجابر بن حتي التغلبي ، وروايته : فخرّ صريعاً لليدين وللفم تناوله بالرمح ثم انثنى له ونسب إلی عکبر بن حدید ، وروايته : وضممت إليه بالسنان قميصه ... البيت . انظر: الأمالي (٢٧٢/٢ )، وشرح اختيارات المفضل الضبي ص (٩٥٥) ، والمغني لابن هشام مع حاشية الأمير ص (٧٨١). (٣) (٢) سورة النساء . (٤) (٥٢) سورة آل عمران . (٥) (٥) سورة الزلزلة . (٦) (٢) سورة المطففين . ٢١٠ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ ) (١) أي : استحق منهم . ((من)) مكان ((الباء)) قال تعالى: ( يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ)(٢)، أي : بأمر الله . وقال سبحانه : (تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ والرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ ) (٣) ، أي : بكل أمر . ((الباء)) مكان ((من)) تقول العرب: ((شربت بماء كذا))، أي : من ماء كذا . قال تعالى: ( عَيْنَاً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّهِ) (٤)، معناه: يشرب منها . قال عنترة (٥) : شربت بماء الدُّخْرضين فأصبحت زوراء تنفر (٦) عن حياض الديلم (٧) (١) (١٠٧) سورة المائدة. (٢) (١١) سورة الرعد . (٣) (٤) سورة القدر . (٤) (٦) سورة الإنسان. (٥) هو عنترة بن عمرو بن شداد بن عمرو بن قراد العبسي . فارس مشهور . يضرب به المثل في الشجاعة . شاعر جاهلي . أمه حبشية ، اسمها : زبيبة . كان كريماً جواداً . عشق ابنة عمه عَبْلة ، وقصتهما مشهورة . له ديوان مطبوع. مات سنة ( ٦٠٠ م ) تقريباً . انظر ترجمته في: الأعلام (٢٦٩/٥)، والشعر والشعراء (٢٥٠/١). (٦) في الأصل : ( تنفي ) ، والتصويب من مصدري تخريج البيت الآتيين . (٧) هذا البيت موجود في ديوان عنترة ص (٢١)، كما هو موجود في شرح القصائد السبع الطوال لابن الأنباري ص (٣٢٤) . ٢١١ والديلم : الأعداء . وقوله تعالى: ( فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللّهِ) (١) أي: من (٢) علم الله . ((من)) مكان ((في)) قوله تعالى: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ اْأَرْضِ ) (٣) ، أي: في الأرض . ((مِن)) مكان ((على)) قوله تعالى: ( وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْم) (٤)، أي : على القوم . ((عن)) مكان ((من)) قوله تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) (٥) ، أي: من عباده. ((من)) مكان ((عن)) [١٩/أ] تقول: من لفلان، أي: عنه. ((على)) مكان ((عند)) قال تعالى: (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ) (٦) أي: عندي . ((الباء)) مكان ((اللام)) قال تعالى: (مَا خَلَقْنَاهُمَا إلاَّ بِالْحَقِّ)(٧)، أي : إلا للحق . (١) (١٤) سورة هود . (٢) في الأصل: (في )، وهو خطأ؛ لأن التمثيل لإنابة ( الباء) عن (مِن). (٣) (٤٠) سورة فاطر . (٤) (٧٧) سورة الأنبياء . (٥) (٢٥) سورة الشورى. (٦) (١٤) سورة الشعراء . (٧) (٣٩) سورة الدخان . ٢١٢ ١ فصل في بيان أبواب أصول الفقه من ذلك الأمر والنهي ؛ لأنه وضع للإيجاب والإلزام ، وهو أبلغ منازل الخطاب ؛ ولأن الأمر قد يقع خاصاً ، وأصل الكلام الخصوص ، والعموم داخل عليه ، كما أن أصله التخفيف ، والتثقيل داخل عليه . وتقديم ما هو أصل الكلام أولى ، ثم يليهما العموم ، ثم الخصوص ، ثم المجمل ، ثم المفسر ، ثم الناسخ والمنسوخ ، ثم الأخبار ، ثم بيان الأفعال ، ثم الإجماع ، ثم القياس والاجتهاد وما يتعلق بذلك من الاستخراج ، ثم بيان صفة المفتي والمستفتى ، ثم بيان الحظر والإباحة . فكان الواجب تقديم ما هو أهم فيما يقصد بذكر أصول الفقه ، وتأخير ما يعود إلى العقول ، مثل إثبات حجج العقول وإثبات أحكامها . والأولى في هذا الباب تقديم الكلام في المعاني ؛ لأن أصول الفقه إذا كانت أصول الشرع، والأقوال في الشريعة هي أصول الفقه ، والمعاني مفهومة بها ، إما باستخراج منها أو تنبيه . والأولى تقديم الأصل مثل الأمور العقلية إذا وقع الكلام فيها ، كان تقديم الكلام في أصولها أولى . ولا يجوز أن يقال : لما كان الكلام متى وقع في الدليل وجب تقديم المعاني ، كذلك في مسألة الأوامر ؛ لأن ما يستفاد بالدليل طريقه النظر والاستدلال ، فالواجب أن يعلم أولاً ، ثم يعبر عنها . فكان الكلام في معنى الدليل الذي هو الأصل أولى من العبارة عنه. كذلك الأصل في المعاني الشرعية ، لما كان الأقوال كان تقديمها أولى . ٢١٣ باب الأوامر (١) مسألة [ صيغة الأمر ] للأمر صيغة مبينة له في اللغة تدل بمجردها على كونه أمراً، إذا تعرت عن القرائن . وهي قول القائل لمن دونه : افعل كذا وكذا . خلافاً للمعتزلة في قولهم : الأمر لا يكون أمراً لصيغته، وإنما يكون أمراً بإرادة الآمر له (٢). وخلافاً للأشعرية في قولهم : الأمر لا صيغة له (٣) ، وإنما هو معنى قائم (١) راجع في هذا الباب (( الواضح في أصول الفقه)) الجزء الثاني الورقة (١) وما بعدها، و((التمهيد)) الورقة (١٨/أ) وما بعدها، و ((المسودة)) ص (٤) وما بعدها، و((شرح الكوكب المنير)) ص (٣١٧ - ٣٣٧) من الملحق . انظر ((المغني)) القاضي عبد الجبار (١٠٧/١٧) ((قسم الشرعيات))، و((المعتمد)) (٢) لأبي الحسين البصري (٥٠/١ ). (٣) قوله : ( خلافاً للأشعرية .. ) هذا القول غير محرر ، فإن بعض الأشاعرة قالوا: لا صيغة للأمر تخصه ، وبعضهم قالوا : إن له صيغة تخصه . ونقل عن الشيخ أبي الحسن الأشعري القول بالنفي . وفسر ذلك بتفسيرين : الأول : المراد به الوقف . = ٢١٤ في النفس لا يفارق الذات ، وهذه الأصوات عبارة عنه . وخلافاً لبعض متأخري أصحاب الشافعي في قوله : الفعل يسمى أمراً في الحقيقة . وقد نص أحمد رحمه الله على هذه الفصول ، فقال في رواية حنبل (١): ((أمر الله عز وجل العباد بالطاعة، وكتب عليهم [١٩/ب] المعصية؛ لإثبات الحجة عليهم ، وكتب الله على آدم أنه يصيب الخطيئة قبل أن يخلقه)) وهذا يدل من قوله على أن الأمر لا يعتبر فيه الإرادة للآمر ؛ لأن كتبه المعصية ضد الأمر بالطاعة ؛ لأن ما كتبه حتم لا بد من وجوده ، فعلم أن ما أمر به من الطاعة لم يكن مريداً له ؛ لأنه كتب ضده . وقال - في رواية يعقوب بن بختان والمروذي وعبد الله: ((تكلم ربنا تبارك وتعالى بصوت، وهذه الأحاديث كلها جاءت)). وذكر حديث وتعقب بأن الوقف لا ينتج النفي . وأجيب عن هذا : بأن المراد بالنفي ما يشمل عدم الجزم . الثاني : بأنه قال ذلك ؛ لوجود الاشتراك في المعاني التي ورد بها . وخَطّاً إمامُ الحرمين والغزالي من نقل ذلك عن الشيخ أبي الحسن. ورده الآمدي. ارجع إلى: (( جمع الجوامع)) مع شرح الجلال عليه مع ((حاشية البناني)) ( ١/ ٣٧١ - ٣٧٢)، و((الإحكام)) للآمدي (١٣١/٢). (١) هو حنبل بن اسحاق بن حنبل ، أبو علي الشيباني ، ابن عم الإمام أحمد وتلميذه . وثقه الدار قطني . روى عن أحمد مسائل جياد . توفي بواسط سنة ٢٧٣ هـ . له ترجمة في : الإنصاف للمرداوي (٢٨٤/١٢)، وتاريخ بغداد (٢٨٦/٨ ) ، وتذكرة الحفاظ (٦٠٠/٢)، وطبقات الحفاظ ص (٢٦٨)، وطبقات الحنابلة (١٤٣/١ - ١٤٥)، والمدخل لابن بدران ص (٢٠٧) . ٢١٥ عبد الله ( إذا تكلم اللّه بالوحي سمع صوته أهل السماء ) (١) ، وذكر الحديث . وهذا يدل من قوله على أن الأمر هو الأصوات المسموعة ؛ لأنه بيَّن أن كلام اللّه تعالى الذي هو الأمر والنهي كان بصوت مسموع . وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم (٢): ((الأمر من النبي سوى الفعل؛ لأن النبي قد يفعل الشيء على جهة القصد ، وقد يفعل الشيء هو له خاص ، وأمره بالشيء للمسلمين )). وهذا يدل من قوله رضي الله عنه : أن الفعل ليس بأمر ؛ لأنه فرق بين فعله وبين قوله الذي هو الأمر ، وجعل الأمر مقتضياً للوجوب ، والفعل محتملاً للخصوص . والدلالة على أنه يكون أمراً لصيغته لا لإرادة الآمر : أن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده ، ولم يرد منه الذبح ؛ لأنه لو أراد منه الذبح لم يجز أن يمنعه منه عند المخالف . وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز في آخر ((كتاب القدر)) قصة إبراهيم ، وقال : قد يأمر بما لا يريد أن يكون ، أو علم أنه لا يكون ، ولا يكون مغلوباً ولا مقهوراً مع علمه به أنه لا يكون ، وإنما يكون مغلوباً لو لم يعلم أنه لا يكون . فإن قيل : لم يأمره بالذبح ، وإنما كان أمره بمقدمات الذبح من الإضجاع وغيره. قيل : هذا خلاف نص القرآن ؛ لأن الله تعالى أخبر (١) هذا الحديث رواه عبد الله بن مسعود رضي اللّه عنه مرفوعاً. أخرجه عنه أبو داود في كتاب السنة باب في القرآن (٥٣٦/٢ - ٥٣٧) وإسناده قوي. وراجع في هذا الحديث أيضاً : الفتح الكبير (٩٥/١ ) . (٢) هو إسحاق بن إبراهيم بن هانىء النيسابوري ، أبو يعقوب . من أصحاب الإمام أحمد الذين خدموه ، وتتلمذوا عليه ، ونقلوا عنه مسائل كثيرة . وصفه الخلال بالدين والورع . ولد سنة (٢١٨ هـ)، ومات ببغداد سنة (٢٧٥ هـ) . له ترجمة في طبقات الحنابلة (١٠٨/١ - ١٠٩). ٢١٦ عنه بقوله : ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُفِي إِنْ شَاءَ اللّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (١) ، فدل على أنه كان مأموراً بذبحه . ولأن الله تعالى قال: ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (٢)، ولا يصح الفداء بالذبح إلا أن يكون مأموراً بذبح الابن . ولأنه لو كان مأموراً بمقدمات الذبح ، لكان إبراهيم صلى الله عليه قد فعل ما أمر به ، فلا يكون للفداء معنى . ولأنه ليس في المقدمات بلاء مبين ، فلما عظم الله سبحانه البلوى به ، فقال تعالى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ) (٣)، وقال: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) ولا يحتاج في الإضجاع إلى الصبر ، دل على أن المأمور به كان الذبح . فإن قيل : نسلم أنه كان مأموراً بالذبح ، وقد فعله إبراهيم صلى اللّه عليه ولكنه كلما قطع منه جزءاً الْتَحَمَ وأنْدَمَل ، فلم يمت بالذبح . قيل : لو كان كذلك لم يصح الفداء بالذبح ؛ لأنه إذا فعل المأمور به لم يكن له فداء ؛ ولأن هذا لو كان صحيحاً لوجب أن يكون قد فعل ، ويكون له ذكر في القرآن ؛ لأنه من الإعجاز ، مثل إحياء الموتى ، ويكون ذكره أهم من ذكر سائر ما ذكر في [١٢٠/أ] القرآن، فدل على أنه لا أصل له . وأيضاً قوله تعالى: ( إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (٤) فمنها دليلان : (١) (١٠٢) سورة الصافات. (٢) (١٠٧) سورة الصافات . (٣) (١٠٦) سورة الصافات. (٤) (٤٠) سورة النحل. والآية في الأصل: (إنَّمَا أَمْرُنَا لِشَيْءٍ) الآية. وهو خطأ . ٢١٧ أحدهما : أنه تعالى أخبر أن (( كن )) بمجردها أمر . والثاني قوله : ( إذَا أَرَدْنَاهُ) وهذا يقتضي أنه قد يوجد أمر بإرادة وغير إرادة، ولولا ذلك ما كان ، لقوله : ( إذَا أَرَدْنَاهُ) معنى. وعند المعتزلة : ذكره الإرادة لا تأثير له ؛ لأنه لا أمر يوجد إلا بإرادة الآمر . فإن قيل : المراد بهذه ما ينشأ خلقه ، ويستأنف إحداثه وإيجاده، وليس المراد ما اختلفنا فيه . قيل : هذا عام في الجميع . وأيضاً : قد ثبت عن النبي ◌َّاتٍ، أنه قال : ( من حلف ، فقال : إن شاء اللّه، فإن شاء فعل ، وإن شاء ترك ) (١) ، وهذا يدل على أنه إذا قال : لأقضينَّ دينك غداً إن شاء اللّه، ولم يقضه ، أنه لا يحنث في يمينه ، وكان مأموراً بقضاء دينه ، فلو كان الله تعالى قد شاء ما أمره به ، وجب أن يحنث في يمينه . وأيضاً : فإن استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه أمر ، وكل أمر استدعاء ، وما ليس باستدعاء من أنواع الكلام فليس بأمر ، فدلّ هذا على أن الأمر إنما كان أمراً لكونه استدعاء، وهذا كما نقول في الخبر : إنما كا: خبراً؛ لأنه يدخله الصدق والكذب ؛ لأنا وجدنا كل خبر يدخله الصدق أو الكذب . وكلما يدخله الصدق أو الكذب فهو خبر . وما لا (١) هـ.ا الحديث أخرجه الترمذي في كتاب الأيمان والنذور ، باب ما جاء في الاستثناء في اليمين عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً (١٠٨/٤ - ١٠٩)، ولفظه : ( من حلف على يمين ، فقال : إن شاء اللّه، فقد استثنى، فلا حنث عليه ). كما أخرجه في الباب نفسه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً ، ولفظه : (من حلف على يمين ، فقال : إن شاء الله ، لم يحنث ) . ٢١٨ يدخله الصدق أو الكذب من أنواع الكلام فليس بخبر . كذلك في الأمر يجب إثباته لما ذكرته . واحتج المخالف: بأن لفظة ((الأمر)) ترد محتملة لوجوه كثيرة : فمنه ما أريد به الوجوب مثل قوله تعالى : ( أَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) (١). ومنه الإرشاد إلى الأحوط للعباد مثل قوله : (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) (٢). ومنه الإباحة : مثل قوله تعالى : ( فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِيروا فِي الأرْضِ ) (٣) . (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُ وا) (٤). ومنه التقريع والتعجيز ، مثل قوله تعالى : ( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ ) (٥) . ومنه التهديد ، مثل قوله : (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) (٦). ومنه المسألة مثل قوله عز وجل : (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ) (٧). ومنه الندب ، مثل قوله تعالى: ( فَكَاتِبُوهُمْ) (٨)، وقوله : (١) (٤٣) سورة البقرة. (٢) (٢٨٢) سورة البقرة . (٣) (١٠) سورة الجمعة. (٤) (٢) سورة المائدة . (٥) (٢٣) سورة البقرة . (٦) (٤٠) سورة فصلت . (٧) (١٤٧) سورة آل عمران . (٨) (٣٣) سورة النور . ٢١٩ ( وَافْعَلُوا الْخَيْرَ ) (١) وقوله: (وَأَحْسِنُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (٢). ومنه الحثّ على الإكرام، مثل قوله: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ) (٣). ومنه ما ورد على وجه الامتنان مثل قوله : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَّاكِبِهَا) (٤) الآية. وصورة الجميع واحدة من طريق اللفظ ، وإنما تختلف بالإرادة ؛ لأن اللّه تعالى أراد فعل الصلاة والزكاة ، ولم يرد فعل الصيد، والانتشار في الأرض . والجواب : أن الحكم إنما اختلف في هذه المواضع لاختلاف الاستدعاء، فإن أحدهما استدعى الفعل ، والآخر أباحه ، وبعضه تحذير وتهديد ، وليس باستدعاء ، وبعضه قام الدليل على أنه ندب [٢٠/ب]. ومحصول هذا الجواب : أنه إنما عدل عن الصيغة القرينة ، ومسألة الخلاف في الصيغة إذا تجردت عن القرائن . وجواب آخر وهو : أن هذا يبطل بأسماء الحقائق ، كالأسد والحمار ، حقيقة في البهيمة ، وإن كان قد يعدل بها إلى الرجل البليد ، والشجاع بقرينة ، كذلك ها هنا . واحتج بأن الأمر لا يخلو من أن يكون أمراً؛ لأن الآمر أراد إيجاد اللفظ وإحداثه ، أو لأنه أراد أن يكون خطاباً لمن دونه ، أو لأنه أراد فعل (١) (٧٧) سورة الحج . (٢) (٩٣) سورة المائدة. (٣) (٤٩) سورة الأعراف . (٤) (١٥) سورة الملك. ٢٢٠ ١