النص المفهرس

صفحات 201-220

فإن الباء تلصق المرور بزيد. وإذا قلت : كتبت بالقلم ، فإن الباء تلصق
الكتابة بالقلم (١) .
ولهذا منع أصحابنا الاحتجاج بقوله تعالى: ( وَامْسَحُوا
بِرُءُوسِكُم ) (٢) على جواز مسح بعض الرأس ، وقالوا : الباء تفيد
الإلصاق دون التبعيض ؛ لأن الباء تستعمل فيها فيما لا يصلح فيه التبعيض
وهو قولهم: ((استعنت بالله))، و ((تزوجت بامرأة))، ولا يجوز أن
يقال: ((استعنت ببعض اللّه))؛ لاستحالة ذلك عليه سبحانه، ولا مررت
ببعض امرأة. ومنه قوله عَ لِ: ( لانكاح إلا بوليّ وشاهدين) (٣)، ولا
يجوز التبعيض في ذلك .
= ومثال الثاني : ( مررت بزيد). وهي تأتي للإلصاق خالصة ، وتأتي لغيره مشوبة
به ، ولذلك اقتصر سيبويه عليه .
(١) الأظهر فيها هنا: أن تكون للاستعانة؛ لأنها داخلة على آلة الفعل ، وهذا لا ينفي
وجود معنى الملاصقة. ((المغني)) لابن هشام (٩٧/١).
(٢) (٦) سورة المائدة .
حديث صحيح بطرقه وشواهده ، رواه ابن عباس رضى الله عنهما أخرجه عنه
(٣)
الدار قطني في ((سننه)) في كتاب النكاح (٢٢١/٣ -٢٢٢) بلفظ: (لا نكاح إلا
بولي وشاهدي عدل ، وأيما امرأة أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل) ثم
قال : ( رفعه عدي بن الفضل ، ولم يرفعه غيره ) .
وأخرجه عنه الشافعي في كتاب النكاح ، باب لا يصح النكاح إلا بولاية رجل
(٣١٧/٢) بلفظ : ( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ).
وأخرجه ابن حبان بسنده إلى عائشة رضي الله عنها ، وذلك في كتاب النكاح
باب ما جاء في الولي والشهود من (( زوائد ابن حبان)» للهيثمي ص (٣٠٥).
وأخرجه عن ابن عباس رضي الله عنه البيهقي في كتاب النكاح، باب لا نكاح
إلا بولي (١١٢/٧)، كما أخرجه عن علي رضي الله عنه (١١١/٧ ).
وانظر ((نصب الراية)) (١٨٣/٣، ١٩٠)، و((تلخيص الحبير)) (١٦٢/٣)،
و((المستدرك)) (١٦٩/٢)، و((سنن البيهقي)) (١٠٥/٧، ١٠٧).
٢٠١

ومن أصحاب الشافعي من قال : إذا كان الفعل يتعدى من غير الباء ،
فلا يحتاج إليها للإلصاق ، فوجب حمله على التبعيض (١) ؛ لأن حمل كل
حرف من القرآن على ما يفيد أولى ، وقد استوفينا الكلام على هذا في غير
هذا الموضع (٢) .
[ مِنْ وإلَى ]
وأما ((مِنْ)) فهي لابتداء الغاية، و((إلى)) لانتهاء الغاية، تقول :
سرت من الكوفة إلى البصرة ، أي : ابتدأت بالسير من الكوفة وانتهيت إلى
البصرة (٣) .
وقد تستعمل من للتبعيض كقوله تعالى : ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً
طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) (٤) ، وكقولك :
اخترْ من هؤلاء الرجال، واقبضْ من هذه الدراهم، وكُلْ من هذا
الطعام ، واشربْ من هذا الماء .
وإذا حلف لا يأكل من هذا الرغيف ، ولا يشرب من هذا الماء ، حنث
بالبعض .
(١) وممن قال بأن الباء تأتي للتبعيض الأصمعي والفارسي والقتيبي وابن مالك، كما
ذكر ذلك ابن هشام في ((المغني)) ص (٩٨/١) مع حاشية الأمير.
(٢) هناك معان كثيرة للباء، فصل القول فيها ابن هشام في ((المغني)) (٩٥/١ - ١٠٣).
(٣) (من) تكون لابتداء الغاية في المكان باتفاق ، وفي الزمان عند الكوفيين والأخفش
والمبرد وابن درستويه ، واختاره ابن مالك وأبو حيان ، وذلك كقوله تعالى :
(لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْم). راجع ((المغني)) لابن
هشام (١٤/٢)، و ((شرح الكوكب المنير)) ص (٧٧) .
(٤) (٦) سورة المائدة.
٢٠٢
i

٢
وتستعمل ((إلى)) بمعنى ((مع)) كقوله (١): (وَأَيْدِ يَكُمْ إلى
المَرَافِقِ ) (٢) معناه: مع المرافق. وهذا المعنى يحتاج إلى الدليل ، ولهذا
إذا قال : بعتك كذا على أنك بالخيار إلى الليل ، أن الليل لا يدخل في
الخيار ، خلافاً لأبي حنيفة (٣) وإحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله :
أنه يدخل فيه؛ لأن الظاهر من ((إلى)) لانتهاء الغاية (٤).
[ على ]
وأما ((على)) فإنه للإيجاب ، فإذا قال رجل : لفلان عليَّ كذا ، حكم
(١) كان الأولى أن يمثل المؤلف بقوله تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى
أَمْوَالِكُمْ ) أي : مع أموالكم .
وفي الآية التي مثل بها المؤلف في كون ( إلى) بمعنى (مع ) خلاف :
١ - فذهب القاضي أبو يعلى وآخرون إلى أنها بمعنى ( مع ).
٢ - وذهب آخرون إلى أنها ليست بمعنى ( مع ) . ووجهوا الآية بتوجيهات
منها :
أ - أن ما بعد ( إلى) إنما أدخل من باب الاحتياط.
ب - أو أن اليد مشتبكة مع العظم ، ولا يمكن غسلها إلا بغسله .
جـ - أو أن الآية مجملة ، بينها الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله.
د - أو أن ( إلى ) غاية السقوط، وذلك أن صدر الكلام متناول للغاية
وهو اليد ، فإنها اسم لها من أطراف الأصابع ، فكانت ( إلى )
لإسقاط ما وراء المرافق لا لمد الحكم إليها . أفاده التفتازاني في
((شرح التنقيح)) ( ١١٧/١).
(٢) (٦) سورة المائدة .
(٣) راجع ((التلويح)) على ((شرح التوضيح)) (١١٧/١ - ١١٨)، فإنه ذكر ذلك
ووجهه .
(٤) هناك معان كثيرة لـ (من)، فصل القول فيها ابن هشام في ((المغني)) (٢ - ١٤ -
١٦ ) .
٢٠٣

بوجوبه عليه (١)
[ في ]
وأما ((في)) فهو للظرف (٢)، فإذا قال: (( لفلان عليّ ثوب في منديل))
أو ((تمر في جراب))، لم يدخل الظرف في الإقرار (٣).
[ اللام ]
و ((اللام)) (٤) تكون للتمليك كقولك : دار لزيد (٥) .
وتكون للتعليل كقوله تعالى : ( لِثَلاَّ يَكُونَ لِلَّاسِ عَلَى اللّهِ
حُجَّةٌ) (٦).
وتكون للعاقبة والصيرورة كقوله تعالى : ( فَالْتَقَطَّهُ آلُ فِرْعَوْنَ
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُواْ وَحَزَنَاً ) (٧)، ومعناه: صار في العاقبة عدواً
وحزناً .
(١) هناك معان أخر لـ (على)، راجعها - إن شئت - في ((المغني)) لابن هشام (١/
١٢٥ - ١٢٧ ) .
(٢) ذكر ابن هشام لـ (في) عشرة معان، وذلك في كتابه ((المغني)) ( ١٤٥/١ -
١٤٦ ) .
(٣) وعند الحنفية يدخل الظرف. انظر: ((أصول الجصاص)) الورقة (١٠/أ) مخطوطة
دار الكتب المصرية .
(٤) اللام الجارة، لها اثنان وعشرون معنى: انظر ((المغني)) لابن هشام (١٧٥/١ -
١٨٣ ) .
(٥) في الأصل (دار زيد) والصواب: ما أثبتناه . ثم هذا المثال إنما يصلح للتملك ،
أما مثال التمليك فهو : وهبت المال لزيد .
(٦). (١٦٥) سورة النساء.
(٧) (٨) سورة القصص :
٢٠٤
أ

وتكون للجهة قال تعالى : ( إنَّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ
وَالْمَسَاكِينٍ) (١) الآية أحكم (٢) جهة للمصرف .
والنكرة في النفي تقتضي جميع الجنس ، وفي الإثبات بعض الجنس ،
فإذا قال : والله لا آكل طعاماً، كفّ عن جميع الجنس قليله وكثيره ،
فأي قدر من الطعام أكل حنث . وإذا قال : والله لآكلن طعاماً ، لم يجب أن
[١٨/ب] يأكل جميع الجنس . وإذا أكل ما يقع عليه اسم الطعام برّ في
يمينه .
[ إنما ]
و ((إنّمَا)) للحصر (٣). وقول النبي عُ التّ: (وإنما لكل امرىء ما.
نوى ) (٤) يقتضي أن جميع ما للمرء هو الذي نواه ، وأن ما لم ينوه ليس
(١) (٦٠) سورة التوبة.
(٢) قراءة هذه الكلمة اجتهادية .
(٣) خالف الآمدي وأبو حيان والطوفي في إفادتها للحصر . وما ذكره المؤلف هو
رأي الجمهرة من العلماء . ولم يصرح المؤلف هنا بأي جهة تفيد الحصر : أيجهة
النطق أم بجهة الفهم ؟ ولكن أبا البقاء الفتوحي نقل عنه أنه يقول : إنها تفيد الحصر
بطريق الفهم . وهذا هو رأي ابن عقيل والحلواني الحنبليين .
وهناك من الحنابلة من قال : إنها تفيد الحصر بطريق النطق ، ومنهم أبو الخطاب
وابن المنى والموفق والفخر وأبو البقاء الفتوحي. راجع ((شرح الكوكب المنير))
ص ( ٢٥٠ - ٢٥١ ) .
(٤) هذا جزء من حديث رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعاً . أخرجه عنه
البخاري في باب كيف كان بدء الوحي (٤/١)، وأخرجه عنه في كتاب العتق ،
باب الخطأ والنسيان في العتاق والطلاق ونحوه (١٨٠/٣ - ١٨١)، كما أخرجه
عنه في كتاب الإيمان ، باب النية في الإيمان (١٧٥/٨ ).
وأخرجه عنه مسلم في كتاب الإمارة باب قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال =
٢٠٥

له . وكذلك قوله عليه السلام: ( إنما الولاء لمن أعتق ) (١) ، يقتضي أن
جنس الولاء للمعتق ، ومن لم يعتق فليس له ولاء .
بالنية ) وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال (١٥١٥/٣ - ١٥١٦).
=
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الطلاق ، باب فيما عني به الطلاق والنيات
(٥١٠/١).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الزهد باب النية (١٤١٣/٢) .
وأخرجه الترمذي عنه في كتاب فضائل الجهاد ، باب ما جاء فيمن يقاتل رياءً
وللدنيا ( ١٧٩/٤ )، وقال : ( حديث حسن صحيح ).
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الطهارة ، باب النية في الوضوء ( ٥١/١ ) ، وفي
كتاب الطلاق ، باب الكلام اذا قصد به فيما يحتمل معناه ( ١٢٩/٦ )، وفي
كتاب الأيمان والنذور، باب النية في اليمين ( ١٢/٧ ).
وأخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (٢٥/١، ٤٣) .
وأخرجه الطيالسي عنه في القسم الرابع من الكتاب قسم الترغيب في الأعمال
الصالحة (٢٧/٢ ) .
وأخرجه الدار قطنى في ((سننه)) في كتاب الطهارة، باب النية (٥٠/١ - ٥١ ).
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) (٣٠١/١)، و((تلخيص الحبير))
(٥٥/١)، و ((ذخائر المواريث)) (٤٤/٣ ).
(١) هذا الحديث روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مرفوعاً. أخرجه عنها البخاري
في عدة مواضع هي :
١ - في كتاب الصلاة باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد ( ١١٦/١ -
١١٧ ) .
٢ - في كتاب الشروط، باب الشروط في البيع (٢٣٤/٣ - ٢٣٥) ، وفي باب
ما يجوز من شروط المكاتب إذا رضي بالبيع على أن يعتق ( ٢٣٧/٣ ) ،
وفي باب الشروط في الولاء ( ٢٣٨/٣) وفي باب المكاتب وما لا يحل من
الشروط ( ٢٤٥/٣ ) .
٣ - في كتاب الأطعمة، باب الأدم (١٠٠/٧).
٢٠٦

٤ - في كتاب الفرائض ، باب الولاء لمن اعتق عن ابن عمر رضي الله عنهما
(١٩١/٨ ) .
٥ - في كتاب الفرائض، باب ما يرث النساء من الولاء (١٩٣/٨).
٦ - في كتاب الفرائض، باب إذا أسلم على يديه الرجل ( ١٩٣/٨).
٧ - في كتاب الطلاق ، باب لا يكون بيع الأمة طلاقاً (٦١/٧).
٨ - في كتاب الكفارات، باب إذا اعتق في الكفارة لمن يكون ولاؤه (١٨٢/٨).
٩ - في كتاب النكاح ، باب الحرة تحت العبد (١١/٧ ).
١٠ - في كتاب الزكاة ، باب الصدقة على أموال أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
(١٥٠/٢ - ١٥١ ).
١١ - في كتاب البيوع، باب البيع والشراء مع النساء (٨٩/٣).
١٢ - في كتاب البيوع، باب إذا اشترط شروطاً في البيع ( لا تحل ٩١/٣ ).
وأخرجه عنها مسلم في كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق (١١٤١/٢ -
١١٤٥ ) .
وأخرجه الترمذي عنها في كتاب الولاء والهبة ، باب ما جاء أن الولاء لمن أعتق
( ٤٣٧/٤ ) .
وأخرجه عنها ابن ماجه في كتاب الطلاق ، باب خيار الأمة إذا عتقت (٦٧١/١).
وأخرجه عنها أبو داود في كتاب العتق ، باب بيع المكاتب إذا فسخت الكتابة
(٣٤٦/٢ - ٣٤٧ ) .
وأخرجه عنها النسائي في كتاب البيع ، باب المكاتب يباع قبل أن يقضى من كتابته
شيئاً (٢٦٩/٧ ).
وأخرجه عنها الدارمي في كتاب الطلاق ، باب تخيير الأمة تكون تحت العبد
فتعتق (٩٠/٢ - ٩١) .
وأخرجه الدار قطني عنها في كتاب النكاح (٢٩٤/٣).
وأخرجه الطيالسى عنها في كتاب العتق، باب الشروط في العتق (٢٤٤/١).
وأخرجه عنها الإمام الشافعي في كتاب العتق، باب ما جاء في ولاء المعتق ولمن
يكون (١٤٠/١ ).
٢٠٧

وقال بعض أهل خراسان: ((إنما )) لإثبات ما اتصل به ونفي ما عداه .
ومنهم من قال : لتحقيق المتصل به ، وتمحيق المنفصل عنه. ويرجع معنى
الجميع إلى ما ذكرته من الحصر .
فصل
في قيام بعض حروف الصفات مقام بعض
قوله تعالى: ( وَلْأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) (١)، أي:
على جذوع النخل . وقال العبد (٢):
هُمُ صلبوا العبدي (٣) في جذع نخلة (٤) .
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) (١٤٩/٤ - ١٥٠) و ((تلخيص
=
. الحبير)) (٢١٣/٤)، و((بلوغ المرام)) ص (١٨١)، و((المنتقى من أحاديث
الأحكام)) ص (٥٢٩ - ٥٣٠ ).
(١) (٧١) سورة طه .
(٢) الشاعر ليس العبد، كما ذكر المؤلف، وإنما هو سويد بن أبي كاهل، كما سيأتي
بیان ذلك .
(٣) في الأصل : ( العمري )، والتصويب من المراجع الآتي ذكرها في تخريج
البيت .
(٤) هذا صدر بيت ، وعجزه هو :
فلا عطست شیبان إلا بأجدعا
والبيت ذكره ابن جرير الطبري في تفسيره عند الكلام على قوله تعالى :
( لأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) (١٨٨/١٦)، ولم ينسبه لأحد. كما
ذكر البيت ابن منظور في كتابه: اللسان، مادة ((عبد)) (٢٦٧/٤) ونسبه إلى
سويد بن أبي كاهل. والبيت عنده: وهم صلبوا ... الخ بزيادة ((واو)) في أوله .
٢٠٨

((الباء)) مكان ((عن)) قوله تعالى: ( فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً) (١) أي
اسأل عنه . قال علقمة بن عبدة (٢):
عليم بأدواء النساء طبيب (٣)
فإن تسألوني بالنساء فإنني
((عن )) مكان ((الباء)) قوله تعالى: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) (٤)،
أي : بالهوى (٥) ، والعرب تقول رميت بالوتر (٦) .
= وقد استشهد به ابن هشام على مجيء (في) للاستعلاء ص (٢٢٤) من كتابه المغني ،
تحقيق الدكتور مازن المبارك وصاحبه .
(١) (٥٩) سورة الفرقان .
(٢) هو علقمة بن عبدة بن ناشرة بن قيس بن عبيد. شاعر جاهلي ، عده ابن سلام من
الطبقة الرابعة . ينازع امرىء القيس الشعر .
يسمى : علقمة الفحل، لتفضيله زوج امرىء القيس على زوجها، فطلقها امرىء
القيس ، فتزوجها علقمة من بعده .
انظر ترجمته في : الشعر والشعراء (٢١٨/١ - ٢٢٢)، وطبقات الجمحي ص
(١١٥ - ١١٧ ).
(٣) هذا البيت ذكره ابن قتيبة في ترجمة (علقمة )، مع بيتين آخرين ، وقال :
إنها من جيد شعره ، إلا أنه أتى بكلمة ( بصير ) ، بدل كلمة (عليم ) ، والبيتان
الآخران هما :
فليس له في ودّهن نصيب
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله
وشرخ الشباب عندهن عجيب
يردن ثراء المال حيث علمنه
انظر: الشعر والشعراء (٢١٨/١ - ٢٢٢)، والبيان والتبيين (٣٢٩/٣)،
والمفضليات ص (٣٩٢)، وشرح اختيار المفضل ص (١٥٨٢).
(٤) (٣) سورة النجم.
(٥) وقيل : إن (عن ) على أصلها ، والمعنى : ما يصدر قوله عن هوى. المغني لابن
هشام (١٣٠/١).
(٦) هكذا في الأصل ، ولعل الصواب : ( عن الوتر ) حتى يتم الاستدلال .
٢٠٩
العدة في أصول الفقه - ١٤

((اللام)) مكان - على - قال تعالى: (وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ
بالْقَوْلِ ) (١) أي: لا تجهروا عليه بالقول. والعرب تقول: ((سقط
فلان لفيه ))، أي : على فيه . قال الشاعر :
فخرَّ صريعاً لليدين وللفم (٢)
((إلى)) مكان ((مع)) قال تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالُهُمْ إلَى
أَمْوَالِكُمْ) (٣) أي: مع أموالكم. ومثله (مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللّهِ) (٤).
تقول العرب: ((الذَّود إلى الذَّود ابل)) أي: مع الذود .
((اللام)) مكان ((إلى)) قال تعالى: ( بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) (٥) أي :
إليها .
((على)) مكان ((من)) قال تعالى: (إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ
يَسْتَوْفُونَ ) (٦)، أي: من الناس. ومنه قوله تعالى: (الَّذِينَ اسْتَحَقّ
(٢) سورة الحجرات .
(٢) هذا عجز بيت جاء في عدة قصائد لعدة شعراء ، ولذلك اختلف صدر البيت ،
(١)
فقد نسب لربيعة بن مكدم ، وروايته :
وهتكت بالرمح الطويل إهابه فهوى صريعاً لليدين وللفم
ونسب لجابر بن حتي التغلبي ، وروايته :
فخرّ صريعاً لليدين وللفم
تناوله بالرمح ثم انثنى له
ونسب إلی عکبر بن حدید ، وروايته :
وضممت إليه بالسنان قميصه ... البيت .
انظر: الأمالي (٢٧٢/٢ )، وشرح اختيارات المفضل الضبي ص (٩٥٥) ،
والمغني لابن هشام مع حاشية الأمير ص (٧٨١).
(٣) (٢) سورة النساء .
(٤) (٥٢) سورة آل عمران .
(٥) (٥) سورة الزلزلة .
(٦) (٢) سورة المطففين .
٢١٠

عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ ) (١) أي : استحق منهم .
((من)) مكان ((الباء)) قال تعالى: ( يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ)(٢)،
أي : بأمر الله .
وقال سبحانه : (تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ والرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِنْ
كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ ) (٣) ، أي : بكل أمر .
((الباء)) مكان ((من)) تقول العرب: ((شربت بماء كذا))، أي : من
ماء كذا .
قال تعالى: ( عَيْنَاً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّهِ) (٤)، معناه: يشرب
منها . قال عنترة (٥) :
شربت بماء الدُّخْرضين فأصبحت
زوراء تنفر (٦) عن حياض الديلم (٧)
(١) (١٠٧) سورة المائدة.
(٢) (١١) سورة الرعد .
(٣) (٤) سورة القدر .
(٤) (٦) سورة الإنسان.
(٥) هو عنترة بن عمرو بن شداد بن عمرو بن قراد العبسي . فارس مشهور . يضرب
به المثل في الشجاعة . شاعر جاهلي . أمه حبشية ، اسمها : زبيبة . كان كريماً
جواداً . عشق ابنة عمه عَبْلة ، وقصتهما مشهورة . له ديوان مطبوع. مات
سنة ( ٦٠٠ م ) تقريباً .
انظر ترجمته في: الأعلام (٢٦٩/٥)، والشعر والشعراء (٢٥٠/١).
(٦) في الأصل : ( تنفي ) ، والتصويب من مصدري تخريج البيت الآتيين .
(٧) هذا البيت موجود في ديوان عنترة ص (٢١)، كما هو موجود في شرح القصائد
السبع الطوال لابن الأنباري ص (٣٢٤) .
٢١١

والديلم : الأعداء .
وقوله تعالى: ( فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللّهِ) (١) أي: من (٢)
علم الله .
((من)) مكان ((في)) قوله تعالى: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ
اْأَرْضِ ) (٣) ، أي: في الأرض .
((مِن)) مكان ((على)) قوله تعالى: ( وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْم) (٤)،
أي : على القوم .
((عن)) مكان ((من)) قوله تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ
عِبَادِهِ ) (٥) ، أي: من عباده.
((من)) مكان ((عن)) [١٩/أ] تقول: من لفلان، أي: عنه.
((على)) مكان ((عند)) قال تعالى: (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ) (٦) أي:
عندي .
((الباء)) مكان ((اللام)) قال تعالى: (مَا خَلَقْنَاهُمَا إلاَّ بِالْحَقِّ)(٧)،
أي : إلا للحق .
(١) (١٤) سورة هود .
(٢) في الأصل: (في )، وهو خطأ؛ لأن التمثيل لإنابة ( الباء) عن (مِن).
(٣) (٤٠) سورة فاطر .
(٤) (٧٧) سورة الأنبياء .
(٥) (٢٥) سورة الشورى.
(٦) (١٤) سورة الشعراء .
(٧) (٣٩) سورة الدخان .
٢١٢
١

فصل
في بيان أبواب أصول الفقه
من ذلك الأمر والنهي ؛ لأنه وضع للإيجاب والإلزام ، وهو أبلغ
منازل الخطاب ؛ ولأن الأمر قد يقع خاصاً ، وأصل الكلام الخصوص ،
والعموم داخل عليه ، كما أن أصله التخفيف ، والتثقيل داخل عليه . وتقديم
ما هو أصل الكلام أولى ، ثم يليهما العموم ، ثم الخصوص ، ثم المجمل ،
ثم المفسر ، ثم الناسخ والمنسوخ ، ثم الأخبار ، ثم بيان الأفعال ، ثم
الإجماع ، ثم القياس والاجتهاد وما يتعلق بذلك من الاستخراج ، ثم بيان
صفة المفتي والمستفتى ، ثم بيان الحظر والإباحة . فكان الواجب تقديم ما
هو أهم فيما يقصد بذكر أصول الفقه ، وتأخير ما يعود إلى العقول ، مثل
إثبات حجج العقول وإثبات أحكامها .
والأولى في هذا الباب تقديم الكلام في المعاني ؛ لأن أصول الفقه إذا
كانت أصول الشرع، والأقوال في الشريعة هي أصول الفقه ، والمعاني
مفهومة بها ، إما باستخراج منها أو تنبيه .
والأولى تقديم الأصل مثل الأمور العقلية إذا وقع الكلام فيها ، كان
تقديم الكلام في أصولها أولى .
ولا يجوز أن يقال : لما كان الكلام متى وقع في الدليل وجب تقديم
المعاني ، كذلك في مسألة الأوامر ؛ لأن ما يستفاد بالدليل طريقه النظر
والاستدلال ، فالواجب أن يعلم أولاً ، ثم يعبر عنها . فكان الكلام في
معنى الدليل الذي هو الأصل أولى من العبارة عنه. كذلك الأصل في المعاني
الشرعية ، لما كان الأقوال كان تقديمها أولى .
٢١٣

باب الأوامر (١)
مسألة
[ صيغة الأمر ]
للأمر صيغة مبينة له في اللغة تدل بمجردها على كونه أمراً، إذا تعرت
عن القرائن . وهي قول القائل لمن دونه : افعل كذا وكذا .
خلافاً للمعتزلة في قولهم : الأمر لا يكون أمراً لصيغته، وإنما يكون
أمراً بإرادة الآمر له (٢).
وخلافاً للأشعرية في قولهم : الأمر لا صيغة له (٣) ، وإنما هو معنى قائم
(١) راجع في هذا الباب (( الواضح في أصول الفقه)) الجزء الثاني الورقة (١) وما
بعدها، و((التمهيد)) الورقة (١٨/أ) وما بعدها، و ((المسودة)) ص (٤) وما
بعدها، و((شرح الكوكب المنير)) ص (٣١٧ - ٣٣٧) من الملحق .
انظر ((المغني)) القاضي عبد الجبار (١٠٧/١٧) ((قسم الشرعيات))، و((المعتمد))
(٢)
لأبي الحسين البصري (٥٠/١ ).
(٣) قوله : ( خلافاً للأشعرية .. ) هذا القول غير محرر ، فإن بعض الأشاعرة قالوا:
لا صيغة للأمر تخصه ، وبعضهم قالوا : إن له صيغة تخصه .
ونقل عن الشيخ أبي الحسن الأشعري القول بالنفي . وفسر ذلك بتفسيرين :
الأول : المراد به الوقف .
=
٢١٤

في النفس لا يفارق الذات ، وهذه الأصوات عبارة عنه .
وخلافاً لبعض متأخري أصحاب الشافعي في قوله : الفعل يسمى أمراً في
الحقيقة .
وقد نص أحمد رحمه الله على هذه الفصول ، فقال في رواية حنبل (١):
((أمر الله عز وجل العباد بالطاعة، وكتب عليهم [١٩/ب] المعصية؛ لإثبات
الحجة عليهم ، وكتب الله على آدم أنه يصيب الخطيئة قبل أن يخلقه))
وهذا يدل من قوله على أن الأمر لا يعتبر فيه الإرادة للآمر ؛ لأن كتبه
المعصية ضد الأمر بالطاعة ؛ لأن ما كتبه حتم لا بد من وجوده ، فعلم
أن ما أمر به من الطاعة لم يكن مريداً له ؛ لأنه كتب ضده .
وقال - في رواية يعقوب بن بختان والمروذي وعبد الله: ((تكلم
ربنا تبارك وتعالى بصوت، وهذه الأحاديث كلها جاءت)). وذكر حديث
وتعقب بأن الوقف لا ينتج النفي .
وأجيب عن هذا : بأن المراد بالنفي ما يشمل عدم الجزم .
الثاني : بأنه قال ذلك ؛ لوجود الاشتراك في المعاني التي ورد بها .
وخَطّاً إمامُ الحرمين والغزالي من نقل ذلك عن الشيخ أبي الحسن. ورده الآمدي.
ارجع إلى: (( جمع الجوامع)) مع شرح الجلال عليه مع ((حاشية البناني)) ( ١/
٣٧١ - ٣٧٢)، و((الإحكام)) للآمدي (١٣١/٢).
(١) هو حنبل بن اسحاق بن حنبل ، أبو علي الشيباني ، ابن عم الإمام أحمد وتلميذه .
وثقه الدار قطني . روى عن أحمد مسائل جياد . توفي بواسط سنة ٢٧٣ هـ .
له ترجمة في : الإنصاف للمرداوي (٢٨٤/١٢)، وتاريخ بغداد (٢٨٦/٨ ) ،
وتذكرة الحفاظ (٦٠٠/٢)، وطبقات الحفاظ ص (٢٦٨)، وطبقات الحنابلة
(١٤٣/١ - ١٤٥)، والمدخل لابن بدران ص (٢٠٧) .
٢١٥

عبد الله ( إذا تكلم اللّه بالوحي سمع صوته أهل السماء ) (١) ، وذكر
الحديث . وهذا يدل من قوله على أن الأمر هو الأصوات المسموعة ؛
لأنه بيَّن أن كلام اللّه تعالى الذي هو الأمر والنهي كان بصوت مسموع .
وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم (٢): ((الأمر من النبي سوى الفعل؛
لأن النبي قد يفعل الشيء على جهة القصد ، وقد يفعل الشيء هو له خاص ،
وأمره بالشيء للمسلمين )). وهذا يدل من قوله رضي الله عنه : أن الفعل
ليس بأمر ؛ لأنه فرق بين فعله وبين قوله الذي هو الأمر ، وجعل الأمر
مقتضياً للوجوب ، والفعل محتملاً للخصوص .
والدلالة على أنه يكون أمراً لصيغته لا لإرادة الآمر :
أن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده ، ولم يرد منه الذبح ؛ لأنه لو أراد
منه الذبح لم يجز أن يمنعه منه عند المخالف .
وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز في آخر ((كتاب القدر)) قصة إبراهيم ،
وقال : قد يأمر بما لا يريد أن يكون ، أو علم أنه لا يكون ، ولا يكون
مغلوباً ولا مقهوراً مع علمه به أنه لا يكون ، وإنما يكون مغلوباً لو لم يعلم أنه
لا يكون .
فإن قيل : لم يأمره بالذبح ، وإنما كان أمره بمقدمات الذبح من
الإضجاع وغيره. قيل : هذا خلاف نص القرآن ؛ لأن الله تعالى أخبر
(١) هذا الحديث رواه عبد الله بن مسعود رضي اللّه عنه مرفوعاً. أخرجه عنه أبو
داود في كتاب السنة باب في القرآن (٥٣٦/٢ - ٥٣٧) وإسناده قوي.
وراجع في هذا الحديث أيضاً : الفتح الكبير (٩٥/١ ) .
(٢) هو إسحاق بن إبراهيم بن هانىء النيسابوري ، أبو يعقوب . من أصحاب الإمام
أحمد الذين خدموه ، وتتلمذوا عليه ، ونقلوا عنه مسائل كثيرة . وصفه الخلال
بالدين والورع . ولد سنة (٢١٨ هـ)، ومات ببغداد سنة (٢٧٥ هـ) .
له ترجمة في طبقات الحنابلة (١٠٨/١ - ١٠٩).
٢١٦

عنه بقوله : ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُفِي إِنْ شَاءَ اللّهُ مِنَ
الصَّابِرِينَ) (١) ، فدل على أنه كان مأموراً بذبحه .
ولأن الله تعالى قال: ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (٢)، ولا يصح
الفداء بالذبح إلا أن يكون مأموراً بذبح الابن .
ولأنه لو كان مأموراً بمقدمات الذبح ، لكان إبراهيم صلى الله عليه قد
فعل ما أمر به ، فلا يكون للفداء معنى .
ولأنه ليس في المقدمات بلاء مبين ، فلما عظم الله سبحانه البلوى به ،
فقال تعالى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ) (٣)، وقال: (سَتَجِدُنِي
إِنْ شَاءَ اللّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) ولا يحتاج في الإضجاع إلى الصبر ، دل على
أن المأمور به كان الذبح .
فإن قيل : نسلم أنه كان مأموراً بالذبح ، وقد فعله إبراهيم صلى اللّه
عليه ولكنه كلما قطع منه جزءاً الْتَحَمَ وأنْدَمَل ، فلم يمت بالذبح .
قيل : لو كان كذلك لم يصح الفداء بالذبح ؛ لأنه إذا فعل المأمور به لم
يكن له فداء ؛ ولأن هذا لو كان صحيحاً لوجب أن يكون قد فعل ،
ويكون له ذكر في القرآن ؛ لأنه من الإعجاز ، مثل إحياء الموتى ،
ويكون ذكره أهم من ذكر سائر ما ذكر في [١٢٠/أ] القرآن، فدل على أنه لا
أصل له .
وأيضاً قوله تعالى: ( إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ
لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (٤) فمنها دليلان :
(١) (١٠٢) سورة الصافات.
(٢) (١٠٧) سورة الصافات .
(٣) (١٠٦) سورة الصافات.
(٤) (٤٠) سورة النحل. والآية في الأصل: (إنَّمَا أَمْرُنَا لِشَيْءٍ) الآية. وهو خطأ .
٢١٧

أحدهما : أنه تعالى أخبر أن (( كن )) بمجردها أمر .
والثاني قوله : ( إذَا أَرَدْنَاهُ) وهذا يقتضي أنه قد يوجد أمر بإرادة
وغير إرادة، ولولا ذلك ما كان ، لقوله : ( إذَا أَرَدْنَاهُ) معنى.
وعند المعتزلة : ذكره الإرادة لا تأثير له ؛ لأنه لا أمر يوجد إلا بإرادة
الآمر .
فإن قيل : المراد بهذه ما ينشأ خلقه ، ويستأنف إحداثه وإيجاده، وليس
المراد ما اختلفنا فيه .
قيل : هذا عام في الجميع .
وأيضاً : قد ثبت عن النبي ◌َّاتٍ، أنه قال : ( من حلف ، فقال :
إن شاء اللّه، فإن شاء فعل ، وإن شاء ترك ) (١) ، وهذا يدل على أنه إذا
قال : لأقضينَّ دينك غداً إن شاء اللّه، ولم يقضه ، أنه لا يحنث في يمينه ،
وكان مأموراً بقضاء دينه ، فلو كان الله تعالى قد شاء ما أمره به ، وجب أن
يحنث في يمينه .
وأيضاً : فإن استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه أمر ، وكل أمر
استدعاء ، وما ليس باستدعاء من أنواع الكلام فليس بأمر ، فدلّ هذا على
أن الأمر إنما كان أمراً لكونه استدعاء، وهذا كما نقول في الخبر : إنما
كا: خبراً؛ لأنه يدخله الصدق والكذب ؛ لأنا وجدنا كل خبر يدخله
الصدق أو الكذب . وكلما يدخله الصدق أو الكذب فهو خبر . وما لا
(١) هـ.ا الحديث أخرجه الترمذي في كتاب الأيمان والنذور ، باب ما جاء في الاستثناء
في اليمين عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً (١٠٨/٤ - ١٠٩)، ولفظه :
( من حلف على يمين ، فقال : إن شاء اللّه، فقد استثنى، فلا حنث عليه ).
كما أخرجه في الباب نفسه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً ، ولفظه :
(من حلف على يمين ، فقال : إن شاء الله ، لم يحنث ) .
٢١٨

يدخله الصدق أو الكذب من أنواع الكلام فليس بخبر . كذلك في الأمر يجب
إثباته لما ذكرته .
واحتج المخالف: بأن لفظة ((الأمر)) ترد محتملة لوجوه كثيرة :
فمنه ما أريد به الوجوب مثل قوله تعالى : ( أَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا
الزَّكَاةَ) (١).
ومنه الإرشاد إلى الأحوط للعباد مثل قوله : (وَأَشْهِدُوا إِذَا
تَبَايَعْتُمْ) (٢).
ومنه الإباحة : مثل قوله تعالى : ( فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِيروا
فِي الأرْضِ ) (٣) . (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُ وا) (٤).
ومنه التقريع والتعجيز ، مثل قوله تعالى : ( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن
مِثْلِهِ ) (٥) .
ومنه التهديد ، مثل قوله : (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) (٦).
ومنه المسألة مثل قوله عز وجل : (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ) (٧).
ومنه الندب ، مثل قوله تعالى: ( فَكَاتِبُوهُمْ) (٨)، وقوله :
(١) (٤٣) سورة البقرة.
(٢) (٢٨٢) سورة البقرة .
(٣) (١٠) سورة الجمعة.
(٤) (٢) سورة المائدة .
(٥) (٢٣) سورة البقرة .
(٦) (٤٠) سورة فصلت .
(٧) (١٤٧) سورة آل عمران .
(٨) (٣٣) سورة النور .
٢١٩

( وَافْعَلُوا الْخَيْرَ ) (١) وقوله: (وَأَحْسِنُوا وَاللّهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ) (٢).
ومنه الحثّ على الإكرام، مثل قوله: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ
عَلَيْكُمْ) (٣).
ومنه ما ورد على وجه الامتنان مثل قوله : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ
لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَّاكِبِهَا) (٤) الآية.
وصورة الجميع واحدة من طريق اللفظ ، وإنما تختلف بالإرادة ؛ لأن
اللّه تعالى أراد فعل الصلاة والزكاة ، ولم يرد فعل الصيد، والانتشار في
الأرض .
والجواب : أن الحكم إنما اختلف في هذه المواضع لاختلاف الاستدعاء،
فإن أحدهما استدعى الفعل ، والآخر أباحه ، وبعضه تحذير وتهديد ، وليس
باستدعاء ، وبعضه قام الدليل على أنه ندب [٢٠/ب].
ومحصول هذا الجواب : أنه إنما عدل عن الصيغة القرينة ، ومسألة
الخلاف في الصيغة إذا تجردت عن القرائن .
وجواب آخر وهو : أن هذا يبطل بأسماء الحقائق ، كالأسد والحمار ،
حقيقة في البهيمة ، وإن كان قد يعدل بها إلى الرجل البليد ، والشجاع
بقرينة ، كذلك ها هنا .
واحتج بأن الأمر لا يخلو من أن يكون أمراً؛ لأن الآمر أراد إيجاد
اللفظ وإحداثه ، أو لأنه أراد أن يكون خطاباً لمن دونه ، أو لأنه أراد فعل
(١) (٧٧) سورة الحج .
(٢) (٩٣) سورة المائدة.
(٣) (٤٩) سورة الأعراف .
(٤) (١٥) سورة الملك.
٢٢٠
١