النص المفهرس

صفحات 141-160

بأظهر من بعض وتناوله للجميع تناول واحد ، فيجب حمله على عمومه ،
إلا أن يخصه دليل أقوى منه .
و [ أما ] الظاهر فإنه يحتمل معنيين، إلا أن أحدهما أظهر وأحق
باللفظ من الآخر ، فيجب حمله على أظهرهما ، ولا يجوز صرفه عنه إلا بما
هو أقوى منه. وكل عموم ظاهر ، وليس كل ظاهر عموماً ؛ لأن العموم
يحتمل البعض ، إلا أن الكل أظهر .
فالعموم مثل قوله تعالى: ( اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)(١)، [٩/ب]
ومثل قوله تعالى: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) (٢) فكانا عامين في
جميع ما تناولاه . ومثل ذلك أكثر من أن يحصر .
والظاهر: مثل قوله تعالى: ( وَآتُوهُمْ مِن مَالِ اللّهِ الَّذِي
آنَاكُمْ) (٣)، فإنه يحتمل الندب، إلا أن ظاهره الوجوب؛ لأنه أمر ،
وظاهر الأمر الوجوب ، فسمي ظاهراً لذلك (٤) .
وكذلك كل لفظ محتمل لمعنيين أحدهما أظهر من الآخر من طريق
اللغة، أو من طريق الاستدلال . من ذلك ما روي عن النبي عماتم أنه قال
للمرتهن: (ذَهَبَ حقُّك ) (٥) فيحتمل أن يكون المراد به الدين ، ويحتمل
(١) (٥) سورة التوبة .
(٢) (١٠٣) سورة التوبة.
(٣) (٣٣) سورة النور .
(٤) هل الأمر للوجوب أو للندب ؟ قولان: الأول للشافعي ، والثاني لمالك وأبي
حنيفة ، وحجة الشافعي : ظاهر الآية . وحجة أبي حنيفة : السنة والقياس . انظر :
((تفسير الفخر الرازي)) (٢١٩/٢٣ - ٢٢٠).
(٥) هذا الحديث قاله النبي صلى الله عليه وسلم للمرتهن لما ذَفَقَ فرسُ الرهن عنده.
وهو حديث مرسل. أرسله عطاء، كما صرح بذلك أبو داود في ((مراسيله))
ص (٢١). ونقل الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٢١/٤) عن عبد الحق قوله : =
١٤١

حقه من الوثيقة ، إلا أن الظاهر حقه من الوثيقة ؛ لأنه لم يسأل عن مقدار
قيمة الرهن ، ومن يسقط الدين فإنما يسقطه بقدر قيمة الرهن، فدلّ على أن
مراده به حقه من الوثيقة .
وكذلك قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((هما عليَّ يا رسول
اللّه، وأنا لهما ضامن)) (١)؛ فيحتمل أن يكون إخباراً عن ضمان سابق ،
ويحتمل أن يكون ابتداء ضمان ، ولكن الظاهر منه ابتداء ضمان ؛ لأن
حمله على الاخبار يؤدي إلى خطأ النبي عَلالترٍ ، فإنه تَرَك الصلاة على من
كان قد خلف ضامناً ، والضامن بمنزلة الوفاء .
المجمل (٢)
وأما المجمل (٣) فهو ما لا ينبىء عن المراد بنفسه، ويحتاج إلى قرينة
تفسره .
((إنه مرسل، وضعيف))، وقد بين ابن القطان الضعف بأن فيه: (( مصعب بن
=
ثابت بن عبد الله بن الزبير))، وهو ضعيف ، كثير الغلط ، وإن كان صدوقاً .
ومصعب هذا قال عنه الذهبي في كتابه ((المغني)) ( ٦٦٠/٢): ( ضعفه ابن
معين وأحمد وأبو حاتم ) .
(١) هذا الحديث رواه أبو سعيد الخدري رضي اللّه عنه ، أخرجه عنه الدار قطني
والبيهقي بأسانيد كلها - كما يقول الحافظ ابن حجر - ضعيفة. انظر (( تلخيص
الحبير)) ( ٤٧/٣ ).
(٢) راجع في هذا الفصل: ((التمهيد)) لأبي الخطاب الورقة (٧٦/ب ) وما بعدها ،
و((روضة الناظر)) ص (٩٣)، و((شرح الكوكب المنير)) ص (٢١٩)، و ((أصول
الجصاص)) مبحث المجمل الورقة (١٩ - ٣٢)، ومبحث حكم المجمل من
(٢٧٤ - ٢٨٤) الجزء الأول ، مخطوطة الأزهر .
(٣) المجمل لغة: ((المجموع))، من أجملت الحساب، إذا جمعته. أو ((المحصل)):
من أجملت الشيء إذا حصلته. أو (( المبهم)) من أجمل الأمر إذا أبهم. والأخير =
١٤٢

أولاً يعرف معناه من لفظه ، وهو أصح .
وذلك مثل قوله تعالى : ( وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ) (١) فإنه
مجمل في جنس الحق وفي قدره ، ويحتاج إلى دليل يفسره ويبين معناه .
فأما قوله تعالى: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)(٢) فإن ذلك
مجمل (٣) ؛ لأن الصلاة في اللغة: دعاء، فكا [ن] كما قال تعالى: ( مَا
كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) (٤). وفي الشريعة
هي : التكبير والقيام والقراءة والركوع والسجود والتشهد والسلام، ولا
يقع على شيء من ذلك اسم الصلاة .
فإذا كان اللفظ لا يدل على المراد به ولا ينجىء عنه وجب أن يكون
مجملاً .
وكذلك الزكاة في اللغة: النَّمَاء والزيادة ، من قولهم : زكا الزرع إذا
زاد ونما . والمراد في الشريعة بالزكاة غير ذلك ، واللفظ لا يدل عليه ولا
ينيء عنه .
وهذا ظاهر كلام أحمد رحمه الله، ذكره في كتاب طاعة الرسول ما له
أشهر. راجع ((التمهيد)) الورقة (٧٦/ب) و((إرشاد الفحول)) ص (١٦٧)،
=
و ((شرح الكوكب المنير)) ص (٢١٩).
(١) (١٤١) سورة الأنعام.
(٢) (٤٣) سورة البقرة .
(٣) قال في المسودة ص (١٧٧): ( هذا ظاهر كلام أحمد ، بل نصه . ذكره ابن
عقيل والقاضي أيضاً في أول العدة ) .
(٤) الآية (٣٥) من سورة الأنفال .
والمكاء هو: الصفير، والتصدية هي: التصفيق. راجع (( تفسير الفخر الرازي))
(١٥٩/١٥).
١٤٣
i

(أَقِيمُوا الصَّلاَة) (١)، ورسول اللّه يَ لتعمل الدال على إقامتها: إن الفجر
ركعتان يجهر فيهما بالقراءة ، والظهر أربع ، والعصر أربع ، لا يجهر
فيهما ، والمغرب ثلاث يجهر بالقراءة فيها .
وقوله: ( وَآتُوا الزَّكَاةَ)(٢) هل فسر ذلك إلاّ رسول الله عز له ثم
أصحابه من بعده ؟
ومن أصحاب الشافعي من قال : ليست بمجمل ، وإن الصلاة في
اللغة: دعاء، فكل دعاء يجوز، إلا أن يخصه الدليل. وكذلك يجب إخراج
الزيادة من الزكاة ، إلا ما خصه الدليل .
وأما قوله تعالى: ((وَلِلَّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)) (٣) فهو
مجمل أيضاً، ولا يدل على أن الحج الشرعي كما ذكرنا في الصلاة
والزكاة .
وقد أومأ إليه أحمد رحمه الله أيضاً في كتاب ((طاعة الرسول))
فقال: قوله تعالى: (ولِلّهِ عَلَى [١٠/أ] النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) فقالوا : السبيل : الزاد والراحلة (٤) ،
وحج رسول الله عز له، ووقّت المواقيت للإحرام. فيما تقول للمدعي
للظاهر من أين تأخذ هذا ؟!
(١) (٤٣) سورة البقرة.
(٢) (٤٣) سورة البقرة .
(٣) (٩٧) سورة آل عمران.
(٤) تخصيص السبيل بالزاد والراحلة ، فيه نظر ؛ لأن هناك أشياء لا بد من توفرها ،
حتى يستطيع الانسان الحج ، كالصحة في البدن ، وكون الطريق مأمونة . راجع
((تفسير الفخر الرازي)) (١٦٢/٨ ١٦٣٠)، و((تفسير القرطبي)) (١٤٧/٤ -
١٤٩ ) .
١٤٤

ومن أصحاب الشافعي من قال : الحج هو : التردد في القصد ، فهو على
عمومه إلا ما خصه الدلیل .
وأما قوله تعالى: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) (١)،
و (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهَاتُكُمْ) (٢) فهذا أيضاً من المجمل (٣)؛ لأن
تحريم الأعيان لا يصح ، وإنما يحرم أفعالنا في العين ، وليس لأفعالنا ذكر
في اللفظ ، والمذكور فيه متروك بالاجماع ، فوجب التوقف فيه ، وطلب
دلیل يدل على المراد .
وقد أومأ إليه أحمد رحمه الله أيضاً في كتاب ((طاعة الرسول)) فقال :
قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ والدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) (٤)،
وقال: (قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمَاً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ
إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةٌ أَوْ دَمَاً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ ) (٥) ،
فلما نهى رسول اللّه متزاتعٍ: ( عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي
مخلب من الطير) (٦)، دلّت أحكام رسول اللّه عَ لفر على أن الآية ليست على
(١) (٣) سورة المائدة.
(٢) (٢٣) سورة النساء .
(٣) هذه الآية ومثيلاتها قد حكم المؤلف ص (١٠٦) بأنها مبينة ، ثم حكم هنا،
أنها مجملة . ولم يتفطن أحد إلى سبب هذا التناقض .. والذي اعتقده أن القاضي أبا
يعلى نقل في الأول كلام الجصاص رحمه الله في أصوله بنصه ، وكان فيه : أن
هذه الألفاظ مبينة .. ولما جاء إلى هنا ، وكان مستقلاً في رأيه حكم بأنها مجملة .
وسنتعرض لذلك عند دراستنا للمخطوطة إن شاء الله تعالى .
(٤) (٣) سورة المائدة .
(٥) (١٤٥) سورة الأنعام .
(٦) هذا الحديث رواه ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً ، أخرجه عنه مسلم في
كتاب الصيد والذبائح باب تحريم كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من =
١٤٥
العدة في أصول الفقه - ١٠

الطير (١٥٣٣/٣ - ١٥٣٥).
==
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الأطعمة باب النهي عن أكل السباع (٣١٩/٢).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الصيد باب أكل كل ذي ناب من السباع
( ١٠٧٧/٢ ) .
وأخرجه النسائي في كتاب الصيد والذبائح باب إباحة أكل لحوم الدجاج
(١٨٢/٧ ) .
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الأضاحي باب ما لا يؤكل من السباع (١٢/٢ ) .
وأخرجه عنه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) في كتاب الأطعمة باب النهي عن
أكل كل ذي ناب من السبع وكل ذي مخلب من الطير (٣٢٧/١).
وأخرجه الدار قطني في (( سننه)) عن خالد بن الوليد رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ
(( نهى يوم خيبر عن أكل لحوم الخيل ، والبغال ، والحمر ، وكل ذي ناب من
السبع أو مخلب من الطير)) (٢٨٧/٤).
وأخرجه الترمذي عن جابر رضي الله عنه في كتاب الأطعمة باب ما جاء في كراهية
کل ذي ناب و ذي مخلب ( ٧٣/٤ ) .
كما أخرجه عنه أبو داود في الكتاب والباب المذكورين سابقاً (٣٢٠/٢).
أما النهي عن الجزء الأول من الحديث ، وهو قوله : ( نهى عن أكل كل ذي
ناب من السباع ) فقد أخرجه البخاري عن أبي ثعلبة الخشني في كتاب الطب
باب ألبان الأن (١٨١/٧ ).
وأخرجه مسلم عن أبي ثعلبة في الكتاب والباب المذكورين سابقاً ، كما أخرجه
عن أبي هريرة بلفظ : ( كل ذي ناب من السباع فأكله حرام ) .
كما أخرجه الترمذي عن أبي ثعلبة وأبي هريرة في الموضع المذكور سابقاً ، وعن
أبي ثعلبة أيضاً في كتاب السير باب ما جاء في الانتفاع بآنية المشركين (١٢٩/٤ ).
وأخرجه ابن ماجه عن أبي ثعلبة وأبي هريرة في الموضع السابق .
وأخرجه الدارمي عن أبي ثعلبة الخشني في الموضع السابق أيضاً .
وأخرجه النسائي عن أبي ثعلبة وأبي هريرة في الكتاب المذكور سابقاً باب
تحريم أكل السباع ( ١٧٧/٧ ).
=
١٤٦

ظاهرها ، وأنه هو المعبر عما في كتاب الله تعالى ، ومن لزم ظاهر الآية
لزمه أن يبيح لحم الكلاب والهرر والفيل والفأر والقرد وغير ذلك مما نهى
عنه (١) .
وقال تعالى في سورة النساء : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ)
إلى قوله ( وَأُحِلَّ لَكُم مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) (٢) كما يقول في البنت من
الرضاعة ، وبنت الأخ والعمة والحالة من الرضاعة ، ولم يذكروا ، أليس
يرجع إلى قول النبي عَزملائه؟! وقوله تعالى: (وأُحِلَّ لَكُم مَا وَرَاءَ
وأخرجه الإمام مالك في « الموطأ » في کتاب الصيد باب تحريم کل ذي ناب من
=
السباع عن أبي ثعلبة وأبي هريرة رضي الله عنهما (٩٠/٣ - ٩١).
وأخرجه الإمام الشافعي في كتاب الأطعمة باب النهي عن أكل كل ذي ناب
من السباع عن أبي ثعلبة وأبي هريرة (٤٢٩/٢ ).
وأخرجه الطيالسي عن أبي ثعلبة في الموضع السابق .
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((تيسير الوصول)) (٣٥٧/٢ - ٣٥٨)،
و(( المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٧٥٥)، و((تلخيص الحبير)) (١٥١/٤ -
١٥٢) .
(١) للعلماء في التوفيق بين الآية والحديث أقوال :
الأول : أن الآية منسوخة بهذا الحديث ؛ لأنها مكية ، والحديث قاله الرسول
عليه الصلاة والسلام في المدينة .
الثاني : أن الآية محكمة ، ولا حرام إلا ما فيها .
الثالث : أن الآية محكمة ، وما حرمته فهو حرام ، بالاضافة إلى تحريم ما حرمته
الأحاديث ، وعليه جمهرة العلماء ، وهو مدلول كلام أحمد هنا .
الرابع : أن هناك سؤالاً خاصاً ، جاءت الآية جواباً عنه ، فكانت خاصة .
راجع: ((الجامع لأحكام القرآن)) (١١٥/٧ - ١١٩)، و((التفسير
الكبير)) للفخر الرازي (٢١٨/١٤ - ٢٢٣).
(٢) (٢٤) سورة النساء .
١٤٧

ذَلِكُمْ) أليس الظاهر يدل على أن ما وراء ما حرم مباح؟ فكيف يقول
في تزويج المرأة على عمتها أو خالتها ؟ أليس يرجع في هذا إلى قول النبي
سٍ؟! (١) .
ومن أصحاب الشافعي من قال : المراد به أفعالنا في الأمهات والميتة ،
والعرب تحذف بعض الكلام إذا كان فيما أبقت دليل على ما ألقت .
وأما قوله: ( وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ ) (٢) فهذا أيضاً من المجمل (٣)؛
لأن الله تعالى حكى عنهم - وهم أهل اللسان - أنهم قالوا : (إنَّمَا
الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا، وَأَحَلَّ اللّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا )، وإذا كان
(١) قلت: وكلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى لا يدل على أن الآيات المذكورة مجملة،
بل يدل على أنها كانت عامة ، يعمل بها ، حتى جاءت النصوص الأخرى ،
فزادت عليها أحكاماً أخرى .
ويدل لما ذهبت إليه أمور :
أولاً : قوله : ( فلما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم (( عن كل ذي ناب من
السباع ، وكل ذي مخلب من الطير )) دلت أحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم
على أن الآية ليست على ظاهرها ) والظاهر غير المجمل ؛ لأن الظاهر يجب العمل
به بخلاف المجمل .
ثانياً : قوله : ( ومن لزم ظاهر الآية لزمه أن يبيح لحم الكلاب ) .. يفيد أن
النصوص المذكورة دالة على أحكامها وملزمة بها ، والمجمل لا يدل دلالة معينة ،
ولا إلزام بما جاء به .
ثالثاً: قوله : ( وقوله تعالى (( وَأُحِلَّ لَكُم مَا وَرَاءَ ذَلِكُم)) أليس الظاهر يدل على
أن ما وراء ما حرم مباح؟. ) ، ولو كانت مجملة لما دلت على شيء ، ولما أطلق
عليها اسم (( الظاهر)).
(٢) (٢٧٥) سورة البقرة .
(٣) ذكر المؤلف ص (١١٠) أن هذه الآية مبينة، وقد سبق قريباً ذكر السبب في ذلك .
١٤٨

كذلك افتقر إلى قرينة تفسره ، وتميز بينه وبين الربا .
ومن أصحاب الشافعي من قال : البيع هو : الإيجاب والقبول عندهم ،
فهو على عمومه إلا ما خصه الدليل .
وأما قوله تعالى: ( وَالسََّرِقُ وَالسَّرِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِ يَهُمَا) (١)،
فليس من المجمل (٢) ، وإنما هو من العموم ، ويجوز الاحتجاج به .
وقد أومأ أحمد رحمه اللّه إلى هذا في كتاب ((طاعة الرسول)) فقال :
قوله : (السََّرِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ، فالظاهر يدل على
أنه من وقع عليه اسم سارق ، وإن قل ، فقد وجب عليه القطع ، أيستعمل
(١) (٣٨) سورة المائدة .
(٢) هذه الآية احتدم الخلاف فيها بين العلماء ، هل هي مجملة ، أو مبينة ؟ فذهب
الجمهور إلى : أنها عامة مبينة ، وقد دخلها التخصيص ، وهو رأي الشافعية
والحنابلة والظاهرية وبعض الحنفية .
وذهب بعض الحنفية - ومن بينهم أبو الحسن الكرخي - إلى أنها مجملة .
والإجمال عند القائلين به : في قدر المسروق الذي يجب فيه القطع ، وفي القطع ،
حيث يطلق على الإبانة ، وعلى الجرح ، وعلى الموضع الذي يقع عليه لفظ اليد ،
حيث تطلق عليها من المنكب إلى أطراف الأصابع ، كما تطلق على بعضها ، وعلى
المخاطب بتنفيذ القطع ، هل هو شخص معين أو الأمة ، أو الإمام ؟
وقد أجاب القائلون بالعموم بما محصله : أن الآية عامة في كل ما ذكر ، ولكن
الأحاديث القولية والفعلية خصصت العموم ، ولولاها لعمل بالآية على عمومها .
راجع في هذا: ((التفسير الكبير)) للفخر الرازي (٢٢٤/١١ -٢٢٥)، و((الجامع
لأحكام القرآن)) (١٥٩/٦ - ١٧٦)، و ((تيسير التحرير)) (١٧٠/١ - ١٧١)،
و((إرشاد الفحول)) ص (١٧٠)، و((مناهج العقول)) و((نهاية السول)) كلاهما
شرح ((لمنهاج الأصول)) (١٤٦/٢ - ١٤٨)، و ((المسودة)) ص ( ١٠١ -
١٠٢)، و((أصول الجصاص)) الجزء الأول الورقة (٢٢ - ٢٣) مخطوطة
الأزهر .
١٤٩

الظاهر، أو يستعمل ما سنَّ رسول اللّه مَ اللهِ: (( القطع في ربع دينار (١)؟!
وفي المجمل دل على [١٠/ب] أنه ليس على ظاهرها وأنها على بعض السراق .
(١) هذا الحديث روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مرفوعاً، أخرجه عنها البخاري
في كتاب الحدود باب قول الله تعالى: ((وَالسّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِ بَهُمَا))
(١٩٩/٨ - ٢٠٠ ) .
وأخرجه عنها مسلم في كتاب الحدود باب حد السرقة ونصابها ( ١٣١٢/٣ -
١٣١٣ ) .
وأخرجه عنها أبو داود في كتاب الحدود باب فيما يقطع فيه السارق (٤٤٨/٢ ).
وأخرجه عنها الترمذي في كتاب الحدود باب ما جاء في كم تقطع يد السارق
(٥٠/٤) وقال فیه: (( حديث حسن صحيح )) .
وأخرجه عنها النسائي في كتاب السرقة باب القدر الذي إذا سرقه السارق قطعت
يده ( ٧٠/٨) .
وأخرجه عنها ابن ماجه في كتاب الحدود باب حد السارق (٨٦٢/٢).
وأخرجه عنها الدارمي في كتاب الحدود باب ما يقطع فيه اليد ( ٩٤/٢) .
وأخرجه عنها الإمام مالك في (( الموطأ)) في كتاب الحدود باب ما يجب فيه القطع
( ١٥٥/٤ ) .
وأخرجه عنها الدار قطني في كتاب الحدود (١٨٩/٣ ).
وأخرجه عنها أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) في كتاب الحدود باب حد السارق
وفي كم تقطع يده؟ (٣٠١/١).
وأخرجه عنها الإمام أحمد في ((مسنده)) (٣٦/٦، ٨٠، ٨١، ١٠٤).
وأخرجه عنها الطحاوي في كتابه (( شرح معاني الآثار )» في كتاب الحدود باب
المقدار الذي يقطع فيه السارق ( ١٦٤/٣ ) .
راجع في هذا الحديث أيضاً: ((تلخيص الحبير)) (٦٤/٤)، و((المنتقى من
أحاديث الأحكام )) ص (٦٥٠ ) .
١٥٠
:

وحكى عن عيسى بن أَبَان(١) أنها من المجمل(٢)، وإليه ذهب أصحاب أبي
حنيفة (٣) ؛ لأن المراد به سارق مخصوص لقدر مخصوص من حرز مخصوص ،
واللفظ لا يدل عليه .
وهذا غير صحيح ؛ لأن السارق معلوم في اللغة ، وهو من أخذ الشيء
مستتراً مستخفياً به ، فيجب حمله على عمومه إلا ما خصه الدليل ، كقوله :
( اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) (٤) .
[ تعريف المفسر ]
فأما المفسر : فما ينبىء عن الم اد بنفسه ، أو يعرف معناه من لفظه ولا
يفتقر إلى قرينة تفسره ، وهذه صفة النص ، وقد ذكرناه (٥) .
[ تعريف المحكم ] (٦)
وأما المحكم : فقد يعبر به عما لم ينسخ، فيقال: هذا محكم ، وهذا منسوخ
(١) هو عيسى بن أبان صدقة ، أبو موسى ، أحد فقهاء الحنفية المشهورين . وَلِيَ
قضاء البصرة عشرين سنة مع العفة والنزاهة. له كتب. منها: (( الجامع في الفقه))
و((اجتهاد الرأي)). مات بالبصرة سنة ( ٢٢١ هـ).
له ترجمة في ((الأعلام)) (٢٨٣/٥)، و((تاريخ بغداد)) (١٧٥/١١).
(٢) قال الجصاص في أصوله الجزء الأول الورقة (١٨) ما نصه: ( وقد ذكر أبو
موسى عيسى بن أبان : العام في مواضع ، فسماه مجملاً ، وهذا كلام في العبارة ،
ولا يقع في مثله مضايقة ) .
(٣) هذا العزو غير محرر ، وتحريره أنه لبعض أصحاب أبي حنيفة . انظر المراجع
التي ذكرناها قريباً عند تعليقنا على آية السرقة ص (١٤٩) .
(٤) (٥) سورة التوبة .
(٥) سبق ذكره ص (١٣٧) .
(٦) سيأتي الكلام على المحكم والمتشابه باستفاضة ص ( ٦٨٤ - ٦٩٥).
١٥١

وحد ذلك : ما بقي حکمه ، أو تأبد حكمه .
وقد يعبر به عن المفسر ، كما قال تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ
عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ
مُتْشَابِهَاتٌ ) (١) ، وأراد بالمحكمات المفسرة المستغنية في معرفة معانيها
عما يفسرها .
وحد ذلك ما ذكرته ، وهو ما ينبىء عن المراد بنفسه ، أو يعقل معناه
من لفظه .
[ تعريف المتشابه ]
وأما المتشابه فهو : المشتبه المحتمل الذي يحتاج في معرفة معناه إلى تأمل
وتفكر وتدبر وقرائن تبينه وتزيل إشكاله . وسنعيد ذكره في موضع آخر
ونحكي الخلاف فيه (٢).
[ تعريف مفهوم الخطاب ] (٣)
وأما مفهوم الخطاب فهو التنبيه بالمنطوق به على حكم المسكوت عنه ،
مثل حذف المضاف كقوله : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) (٤)، ومعناه:
(١) (٧) سورة آل عمران .
(٢) وذلك ص ( ٦٨٤ - ٦٩٣ ).
(٣) راجع هذا الفصل في كتاب ((المسودة)) ص (٣٥٠) فإنه نقل أكثر كلام القاضي
هنا، كما تراجع ((شرح الكوكب المنير)) ص (٢٣٨) وما بعدها .
(٤) (١٩٧) سورة البقرة.
١٥٢
أ
١

-- -
أفعال الحج في أشهر (١). وقوله: (فَصِيَامُ ثَلاَثَةٍ أَيَّامٍ في الْحَجِّ) (٢)،
فتقديره : في إحرام الحج (٣). وقوله: (فَمَنْ كَانَّ مِنْكُم مَّرِيضاً
أَوْ بِهِ أَذِىّ منْ رَأْسِهِ فَقِدْيَةٌ ) (٤)، ومعناه : فحلق فقدية (٥) .
وكقوله تعالى: (فَلاَ تَقُلْ هُمَا أُفٍّ) (٦)، فنبه بذلك على تحريم الضرب
والشتم ؛ لأنه إنما منع من التأفيف لما فيه من الأذى ، وذلك في الضرب
أعظم . فوجب أن يكون بالمنع أولى . ويسمى هذا القسم فحوى الخطاب .
وقال بعض أهل اللغة : اشتق ذلك من تسميتهم الأبزار فحافحاً ،
ويقال: ((فح قدرك يا هذا))، فسمى فحوى ؛ لأنه يظهر معنى اللفظ ،
كما تظهر الأبزار طعم الطبيخ ورائحته .
ويسمى أيضاً لحن القول ؛ لأن لحن القول ما فهم منه بضرب من
الفطنة . يقال : لحنت فلاناً إذا كلمته بكلام يعلمه ولا يعلمه غيره . ورجلان
تلاحنا إذا فعلا مثل ذلك. ومنه قوله تعالى: ( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ
الْقَوْلِ ) (٧) . وقال الشاعر :
(١) وهناك تقديران آخران هما :
أولاً : الحج حج أشهر معلومات .
ثانياً : أشهر الحج أشهر معلومات .
على أنه يمكن أن تفهم الآية من غير تقدير، وذلك يجعل الأشهر نفس الحج؛ لأن
الحج يقع فيها. راجع ((التفسير الكبير)) للفخر الرازي (١٦٠/٥ ).
(٢) (١٩٦) سورة البقرة .
(٣) وقدره الفخر الرازي بقوله: ( فعليه ثلاثة أيام وقت اشتغاله بالحج ) (١٥٥/٥)
من تفسيره .
(٤) (١٩٦) سورة البقرة .
(٥) قدر ذلك الفخر الرازي في تفسيره (١٥١/٥) بقوله : ( فحلق فعليه فدية ) .
(٦) (٢٣) سورة الإسراء .
(٧) (٣٠) سورة محمد .
١٥٣
L

مَنْطِقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيَا نَاً وخيرُ الحديث ما كان لحناً (١)
وقيل : لحن القول ما دل عليه ، وحذف استغناء عنه بدليل الكلام عليه
نحو قوله تعالى: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ
الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ ) (٢) . فدل على أنه ضرب ، فانفجرت . ونحو
قوله : (اذْهَبَا إلَى فِرْعَوْنَ إنّهُ طَغَى) (٣)، ولم يذكر أنهما ذهبا،
اكتفاءً بما حكاه من جواب فرعون لهما حتى (٤) قال: (فَمَنْ رَبُّكُمَا
يَا مُوسَى، قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْىٍ [١١/أ] خَلْقَهُ ثُمَّ
هَدَى) (٥) . وأشباه ذلك .
[ تعريف دليل الخِطَاب ]
وأما دليله فهو دليل الخطاب، وذلك إذا علق بصفة فيدل على أن الحكم
فيما عدا الصفة بخلافه .
(١) هذا البيت قاله الشاعر مالك بن أسماء في جارية له ضمن ثلاثة أبيات هي:
حب أم أنت أكمل الناس حسنا
أمغطى مني على بصري للـ
یشتهي الناعتون یوزن وزنا
وحديث ألذه هو مما
ناً وأحلى الحديث ما كان لحنا
منطق صائب و تلحن أحيا
ويلاحظ : أنه أتى بكلمة ( أحلى ) بدل كلمة ( خير ) التي أتى بها المصنف .
راجع: ((عيون الأخبار)) لابن قتيبة المجلد الثاني ص ( ١٦١ - ١٦٢ )،
و(معجم الشعراء)) للمرزباني ص (٢٦٦)، و((البيان والتبيين)) للجاحظ (١٤٧/١)
وروايته للبيت المستشهد به كرواية ابن قتيبة ، وقد رواه الجاحظ أيضاً في كتابه
المذكور (٢٢٨/١) وروايته للبيت مثل رواية المؤلف.
(٢) (٦٠) سورة البقرة .
(٣) (٤٣) سورة طه .
هكذا في الأصل ، ولعل الصواب ( حين ) .
(٤)
الآيتان ( ٤٩، ٥٠ ) سورة طه .
(٥)
١٥٤

و کذلك إذا علق بعدد ، وهذا فصل فيه خلاف ، وکلام کثیر ، يأتي
الكلام عليه في موضع آخر (١) .
فصل
[ في تعريف التّخْصِيص ]
وأما التخصيص فهو تمييز بعض الجملة بحكم (٢).
وقيل : إخراج بعض ما تناوله العموم (٣) .
وقيل : بيان المراد باللفظ العام .
وهذا حد تخصيص العموم ، وليس بحد تخصيص مطلق ؛ لأنه لا فرق
بين أن يكون داخلاً في حكم عموم مخالف له وبين أن يكون داخلاً فيه ؛
لأنا نقول خص الأحرار بأحكام ، وخص الرجال بأحكام ، وخص رسول
الله عز لته بأحكام وخص ذو القربى بأحكام ، وخص الوالد بالرجوع في
الهبة ، وخص المستطيع بإيجاب الحج ، وخص العلماء بكذا ، وخص بلد
كذا بكذا ، وخص السلطان فلاناً بالإكرام والعطاء .
[ تعريف النّسْخ ] (٤)
وأما النسخ فحده : بيان انقضاء مدة العبادة التي ظاهرها الإطلاق .
(١) وذلك ص (٤٤٨) وما بعدها .
(٢) هذا التعريف ذكره الشوكاني في كتابه ((إرشاد الفحول)) ص (١٤٢)، ونسبه
لابن السمعاني. وقد ذكره الشيرازي في كتابه ((اللمع)) ص (١٧) ، ولم ينسبه
لأحد .
(٣) هذا التعريف لأبي الحسين البصري كما في كتابه ((المعتمد في أصول الفقه))
(٢٥١/١) غير أن فيه كلمة (الخطاب) بدل كلمة (العموم).
(٤) سيأتي الكلام عن النسخ في بحث مستقل مستفيض ص (٧٦٨ - ٨٣٨).
١٥٥

وإن شئت قلت : بيان ما لم يرد باللفظ العام في الأزمان .
وقد قيل : التخصيص تقليل ، والنسخ تبديل. وهذا غير صحيح ؛
لأن الردة تبديل ، وتغيير العهد والوصية تبديل ، وليس بنسخ . قال الله
سبحانه : ( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ
يُبَدِّلُونَهُ ) (١). وقال تعالى: (رِجّالٌ صَدَقُوا مَّا عَاهَدُوا اللّهَ
عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا
تَبْدِ يلاً) (٢).
وفيما ذكرنا من الحد احتراز من الحكم المعلق على زمان مخصوص، وأن
انقضاءه ليس بنسخ له؛ لأن الحكم لم يكن مطلقاً، وذلك مثل قوله تعالى:
( أُحِلَّ لَكُمْ لَيَلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ
وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنْكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ
فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ
اللّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيِّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ
مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُوا الصِّيَّامَ إِلَى اللَّيْلِ) (٣)،
وليس انقضاء الليل نسخاً للحكم المأذون فيه ، ولا انقضاء النهار نسخاً
للصوم المأمور به فيه .
فإن قيل : قوله تعالى : ( وَالأَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نسَائِكُمْ
فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ (٤) أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ
فِي الْبِيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ
(١) (١٨١) سورة البقرة .
(٢) (٢٣) سورة الأحزاب .
(٣) (١٨٧) سورة البقرة .
(٤) كلمة: ( عليهن ) ساقطة من الأصل .
١٥٦

سَبِيلاً ) (١) ليس بمطلق، وقد قلتم إنه منسوخ بقوله تعالى: (الزَّانِيَة
والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)(٢) قيل: هذه
الغاية مشروطة في كل حكم مطلق ؛ لأن غاية كل حكم إلى موت المكلف
أو إلى النسخ .
فصل
[ تعريف الأمْر](٣)
الأمر اقتضاء الفعل أو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه .
وإنما قلنا: ((بالقول)) ؛ لأن الرموز والإشارات ليست بأمر حقيقة ،
وإنما سمي أمراً على طريق المجاز .
وقولنا: ((ممن هو دونه))؛ لأن قول العبد لربه : اغفر لي ، وتجاوز
عني ، وكفِّر سيئاتي، فإنه (٤) ليس بأمر ، وإنما هو سؤال [١١/ب] وطلب. وكذلك
قول المملوك لمالكه : أطعمني ، واكسي ، سؤال وطلب ، وليس بأمر ،
ولهذا لا يجوز أن يقال : إن المالك مأمور ، وإنه مطيع بفعله . فإن قيل :
قد يأمر بالكلام وتبليغ الرسالة ، وهذا أمر ، وليس بأمر بالفعل .
قيل : الكلام فعل ، وتسميته : قولاً وكلاماً ونطقاً ، لا يمنع من أن
يكون فعلاً ؛ لأن الكتابة والإشارة والأكل والشرب والقيام والقعود
فعل ، وإن اختص كل واحد منهما باسم ، فإذا كان كذلك ، كان الحد
حاصراً لجنس الأمر .
(١) (١٥) سورة النساء.
(٢) (٢) سورة النور .
(٣) سيأتي بحث الأمر باستفاضة وتفصيل ص (٢١٤ - ٤٢٤).
(٤) كلمة ( فإنه ) قلقة ، فكان الأولى حذفها .
١٥٧

وحكى عن أبي بكر بن فورك أنه قال : الأمر ما يكون المأمور بامتثاله
مطيعاً .
والأول أصح ؛ لأن عبارة الحد يجب أن تكون أظهر من عبارة
المحدود ؛ لتفيد بيانه وتفسيره ، فأما إذا كانتا في الإجمال سواء ، لم تصح
عبارة الحد .
[ المَنْدُوب مَأمُور بِهِ ] (١)
وإذا ثبت هذا فإن مذهب أحمد رحمه الله : أن المندوب إليه
مأمور به .
وقد نص على ذلك في رواية ابن إبراهيم (٢) فقال: (( آمين)) أمر من
النبي علمافله (٣). وعلى هذا لا يحتاج إلى الزيادة فيما ذكرنا من حدّ
الأمر .
ومنهم من قال : المندوب ليس بمأمور به .
فعلى هذا يجب أن يقال في حد الأمر : اقتضاء الفعل ، أو استدعاء الفعل
بالقول ممن هو دونه على وجه لا يتضمن التخيير بين فعله وتركه ، وهذا
فصل يأتي الكلام فيه (٤) .
(١) راجع في هذا الفصل: ((المسوّدة)) ص (٦ - ٨)، و((روضة الناظر)) ص
(٢٠ - ٢١ ) .
(٢) ((إبن إبراهيم)) لم نستطع تعيين المراد بابن إبراهيم؛ لأن هناك كثيرين ممن صحبوا
الإمام أحمد ، ممن أبوهم إبراهيم .
(٣) ستأتي هذه الرواية ص (٢٤٨)، ولفظها: (آمين أمر من النبي صلى الله عليه وسلم،
((فإذا أمن القارىء فأمنوا ))، فهو أمر من النبي صلى اللّه عليه وسلم ). وهناك
سيخرج الحديث .
(٤) وذلك ص (٢٤٨) .
١٥٨

[ تعريف النَّهْي ] (١)
والنهي : اقتضاء أو استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه .
وقيل : المنع من طريق القول . وإنما قيل : من طريق القول ؛ لأن من
قيد عبده ، أو أغلق عليه بابه ، فقد منعه ، وليس ذلك بنهي .
فصل
[ تعريف الوَاجِب]
والواجب : ما في فعله ثواب ، وفي تركه عقاب . ولا يحتاج إلى ذكر
الثواب ؛ لأن الندب فيه ثواب . وإنما يبين الواجب عن المستحب والمباح ،
بما في تركه عقاب .
وقيل الواجب : ما لا يجوز تركه من غير عزم على فعله ، وهذا حده
الذي يميزه عما ليس بواجب ؛ لأن المستحب يجوز تركه من غير عزمٍ على
فعله ، وكذلك المباح . وأما ما كان واجباً فإنه لا يجوز تركه إذا كان وقته
مضيفاً ، وإن كان وقته موسعاً لم يجز تركه إلا بشرط العزم على فعله في آخر
الوقت .
وقيل الواجب : ما لا يجوز تركه إلى غير بدل ، فإن كل واجب لا يجوز
تركه إلى غير بدل ، وتأخيره عن أول الوقت إلى آخره فإنما يجوز بشرط
العزم على فعله في الثاني، والعزم بدل من تقديمه في أول الوقت .
وحكي عن أبي بكر بن فورك أنه قال : الواجب ما لا بدّ من فعله .
وقال كثير من الفقهاء : ما لا يجوز إخراجه عن وقته من غير عذر ، أو
ما يعصى بإخراجه عن وقته من غير عذر .
(١) سيأتي الكلام عن النهي ص (٤٢٥ - ٤٤٧ ).
١٥٩

وفيه احتراز من ترك المسافر صوم رمضان ، فإنه يتركه لعذر .
فإن قيل : هذا ليس بخاص لجنس الواجب ، وإنما هو تحديد للمؤقت
منه .
قيل: كل واجب مؤقت؛ لأنه لا يخلو: إما [١٢/أ] أن يكون مؤقتاً بوقت
معلوم الطرفين مثل الصلاة والصيام ، أو يكون على الفور ، مثل الزكاة
والحج والعمرة ، فيكون وقته زمان الإمكان .
والوجوب في اللغة : عبارة عن السقوط ، من قولهم : وجبت الشمس ،
ووجب القمر ، ووجب الحائط إذا سقط .
وقال تعالى: ( فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُهَا) (١) أي سقطت . فسمى ما
لا بدّ من فعله واجباً ؛ لأن تكليفه سقط عليه سقوطاً لا ينفك منه إلا
بفعله (٢).
[ تعريف الفَرْض ]
(٣)
وأما الفرض : فهو عبارة عن أشياء :
فهو في عبارة اللفظ : ما كان في أعلى منازل الوجوب ، مثل ما ثبت
بنص القرآن وخبر التواتر ، والإجماع .
(١) (٣٦) سورة الحج .
(٢) هناك تعريفات للواجب راجع فيها: ((شرح الكوكب المنير)) ص (١٠٨ - ١٠٩)
و ((المسودة)) ص (٥٧٥ - ٥٧٦)، و((روضة الناظر)) ص (١٦)، و((الواضح
في أصول الفقه)) الجزء الأول الورقة (٢٧/ب - ٢٨/أ).
(٣) راجع في هذا ((الواضح في أصول الفقه)) الجزء الأول الورقة (٢٨/أ)، و ((شرح
الكوكب المنير)) ص (١٠٩).
١٦٠