النص المفهرس

صفحات 1-20

الهُدَّة
- الفِقْهِ
في أصُول
تأليف
القَاضِي بِيعَلى مُحَمَّد بن الحَسَين الفّاءِ اليَغَدَارِيّ الحَبَلِيّ
٦
٣٨٠ - ٤٥٨ هـ
حققه وعلّق عليه وخرج نصته
الدكتور أحمد بن على سير المباركي
الأستاذ المشارك فى كلية الشريعة بالرياض
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
المجلد الأول

-0
130
-
4
د
.3
تَّ ارحم الرّ

الهُدَّة
في أصُول الفِقْهِ

حقوق الطبع محفوظة للمحقق
الطبعة الأولى
١٤٠٠ هـ = ١٩٨٠ م
الطبعة الثانية
١٤١٠ هـ = ١٩٩٠ م
ت ٤٦٢٣١٦٩
ص.ب ٥٨٥٨٤ الرياض ١١٥١٥
المملكة العربية السعودية

7
هذا هو القسم الثاني من أطروحة ((الد كتوراه ))، تقدم بها
الباحث إلى كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر للحصول على
درجة ((الدكتوراه ))، وقد نوقشت مساء يوم الاثنين ١١/١١/
١٣٩٧ هـ الموافق ١٩٧٧/١٠/٢٤م، فنالت مرتبة الشرف
الأولى مع الإيصاء بطبع الرسالة وتبادلها مع الجامعات. وكانت
لجنة المناقشة مؤلفة من الاستاذ الدكتور عبد الغني محمد عبد
الخالق رئيس قسم أصول الفقه مشرفاً ، والأستاذ الدكتور محمود
شوكت العدوي عميد الكلية عضواً ، والأستاذ الدكتور محمد
محمد جبر نصار عميد كليات البنات الإسلامية بجامعة الأزهر
عضواً .
٥

.

ا
13
هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ،
ومن دعا بدعوته واهتدى بهداه إلى يوم الدين .
وبعد فقد كان لاختيار هدا الموضوع أسبابه ودواعيه ، يمكن تلخيصها
فيما يلي :
١ - قيمة الكتاب العلمية ، شكلاً وموضوعاً، فهو غزير في مادته حسن
في ترتيبه وتبويبه .
٢ - واعتماد المؤلف على مصادر أصيلة ، في الأصول والفروع واللغة
والنحو وغير ذلك ، وبخاصة رسائل الإمام أحمد ، وكتب أصحابه
المتقدمين .
٣ - ومؤلف هذا الكتاب هو الإمام أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء
البغدادي الحنبلي ، شيخ الحنابلة في عصره ، وناشر مذهبهم أصولاً
وفروعاً في وقته ، فقد كان له الفضل الأكبر في جمع شتات أصول
الحنابلة وتقعيدها ، كما كان له الفضل في تفصيل وبيان مسائل الفقه
الحنبلي ، وكل من جاء بعده فهم عيال عليه في ذلك .
٧
١

٤ - ثم إن إخراج هذا الكتاب ونشره، سيغير من الصورة في أذهان طلاب
العلم عن أصول الفقه عند الحنابلة ، ومدى استقلالها من عدمه ، إذ لا
يوجد كتاب متداول يمثل رأي الحنابلة بجلاء ووضوح ، إذا ما
استثنينا كتاب ((روضة الناظر)) لابن قدامة، و((شرح الكوكب))
المنير لأبي البقاء الفتوحي ، اللذين طبعا طباعة سيئة ، مليئة بالاخطاء
والتحريفات بالإضافة إلى أن المؤلفين من متأخري الحنابلة ، الذين لا
يضارعون أبا يعلى ، لا في الأصول ولا في الفروع .
٥ - وبالإضافة إلى ما سبق أريد أن أُشارك بإخراج كتاب من روائع تراثنا
الإسلامي الضخم ، لعلي بذلك أكون قد قمت ببعض الواجب ،
خدمة للعلم ، وابتغاء الأجر والمثوبة من الله تعالى.
ومن أول يوم سجلت فيه الموضوع شمرت عن ساعد الجد ، وأول
عمل قمت به هو جمع المصادر والمراجع المخطوطة ، سواء كانت
للمؤلف، أم كانت لغيره مما يتعلق بالبحث ، ولو من بعيد .
فبدأت بزيارة مكتبات القاهرة العامة ، فزرت دار الكتب المصرية
فوجدت فيها إضافة إلى ((العدة في أصول الفقه)) ((كتاب التعليق الكبير في
المسائل الخلافية)) للقاضي أبي يعلى، ووجدت أيضاً كتاب ((الفصول)) أو
(( أصول الجصاص)) وقد أفدت من هذا الكتاب ( الأخير) في التحقيق؛
لأنه من أهم المراجع التي استعان بها القاضي أبو يعلى في كتابه ((العدة )).
كما وجدت كتاب ((تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول)) المرداوي
الحنبلي ، الذي عنى كثيراً بتسجيل آراء واختيارات القاضي أبي يعلى .
ثم زرت معهد المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية ،
فوجدت به للمؤلف زيادة على ما ذكر: ((كتاب الروايتين والوجهين))،
كما وجدت كتاب ((الجدل))، لأبي الوفاء بن عقيل(تلميذ المؤلف)، وجزءاً
٨
1

٢
من كتاب ((الفصول)) له، علاوة على كتاب: ((الإشراف على مذاهب
الأشراف )) للوزير يحيى بن هبيرة الشيباني الحنبلي .
وقد قمت بتصوير تلك المخطوطات على ميكرو فيلم ، ثم كبرتها
بعد ذلك، عدا كتاب ((الفصول في أصول الفقه)) للجصاص ، فلم
أصوره ، بل رجعت إلى نفس المخطوطة عند الاحتياج إليها .
وبعد ذلك شددت الرحال إلى المملكة العربية السعودية، فزرت مكتبات
مكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف والرياض ، افتش عن نسخة ثانية
للعدة ، وعن تراث المؤلف بصفة عامة ، فلم أظفر بشيء من ذلك .
ومن المعلوم أن المكتبة الظاهرية تحوي كثيراً من تراث الحنابلة في
التفسير والحديث والأصول والفقه وغيرها ، لذلك فقد صورت منها على
ميكروفيلم ( ٦٢ ) مخطوطة مما ألفه علماء الحنابلة في شتى العلوم ، سوى
بعض كتب قليلة جداً لغيرهم ، صورت ضمن المجاميع ، ثم كبرتُ تلك
المخطوطات فيما بعد ، واخترت منها المخطوطات التي لها صلة بالبحث ،
وهي :
أولاً - مؤلفات القاضي أبي يعلى :
١ - الأمالي في الحديث .
٢ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
٣ - شرح مختصر الخرقي .
٤ - الفوائد الصحاح العوالي والأفراد والحكايات .
٥ - كتاب الإيمان .
٦ - مختصر المعتمد .
ثانياً - مؤلفات تلاميذه :
١ - التمهيد في أصول الفقه، لأبي الخطاب الكلوذاني .
٩
١
L

٢ - الواضح في أصول الفقه ، لأبي الوفاء بن عقيل البغدادي .
ثالثاً - مؤلفات لغير من ذكر :
١ - الأشربة للإمام أحمد .
٢ - مسائل الإمام أحمد ، رواية ابنه عبد الله .
٣ - مسائل الإمام أحمد ، واسحاق بن راهويه ، رواية
المروزي .
٤ - التمام لما صح في الروايتين ، لابن أبي يعلى .
٥ - شرح الطوفي على مختصر الروضة .
٦ - مختصر أصول ابن اللحام .
ومما يستغرب أنه لا يوجد - حسب علمي - في مكتبات بغداد العامة
أي مؤلف مخطوط للقاضي أبي يعلى مع أنه بغدادي الولادة والمنشأ والوفاة ،
اللهم إلا كتاب (( العمدة في أصول الفقه)) ، الذي لم يكتب عليه اسم مؤلفه ،
ولكن بعد تصويره والاطلاع عليه ، ثبت أنه للقاضي أبي يعلى .
وبعد الحصول على المخطوطات والفراغ من تصويرها ، استكملت
شراء بعض المراجع المطبوعة ، لأتمكن من اختصار الزمن والجهد ، وبعد
ذلك شرعت في العمل مستعيناً بالله تعالى، مواصلاً البحث والاطلاع آناء
الليل وأطراف النهار ، باذلاً الغالي والرخيص ، ويكفي أنني أفنيت فيه
خمس سنين من عمري ، حتى خرج على هذا الشكل والمضمون .
وبعد فهذا جهد المقل ، فإن أكن قد وفقت فيه فذلك بفضل الله
وكرمه ، وإن كانت الأخرى - لا سمح الله - فعزائي أنني اجتهدت ،
ولكل مجتهد نصيب .
ولا أنسى أن أتقدم بالشكر لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التي أتاحت لي الفرصة ، وسهلت لي السبيل بابتعائي على حسابها لمواصلة
١٠

٣
دراستي ، ضارعاً إلى الله تعالى أن يوفق القائمين عليها لخدمة الإسلام
والمسلمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
الدکتور
أحمد بن علي بن أحمد سير المبارکي
الثلاثاء ٣٠ / رمضان سنة ١٣٩٧ هـ
القاهرة :
الموافق ١٤ / سبتمبر سنة ١٩٧٧ م
١١

-
--
1
i
1
!

التّعريفُ بالمؤلّف
!
1

1
.

!
التعريف بالمؤلف (*)
اسمه ، ونسبه
هو : العالم العلامة شيخ الحنابلة في عصره الإمام محمد بن الحسين بن
محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء ، القاضي ، أبو يعلى ، البغدادي ،
الحنبلي، المعروف في زمانه : بابن الفراء ، والفراء نسبة إلى خياطة الفراء
وبيعها. واشتهر بعد ذلك : بالقاضي أبي يعلى (١) .
هكذا ذكر اسمه واسم أبيه في جميع مراجع ترجمته التي تمكنت
من الاطلاع عليها ، عدا السمعاني في كتابه: ((الأنساب)) (٢)، وابن
كثير في كتابه: (( البداية والنهاية)) (٣)، فقد ذكرا أن اسم أبيه ( الحسن )
بالتكبير ، وهذا خطأ ، يدل على ذلك أمور :
• هذه لمحة موجزة عن المؤلف ، انتزعناها من القسم الدراسي (القسم الأول من رسالة
الدكتوراه ) .
(١) ((تاريخ بغداد)) (٢٥٦/٢)، و((طبقات الحنابلة)) (١٩٣/٢)، و((اللباب))
(٤١٣/٢)، و((سير أعلام النبلاء)) ( الورقة ١٦٨ / أ - القسم الثاني من الجزء
الحادي عشر ) .
(٢) ص (٤١٩ - ٤٢٠).
(٣) (١٢ / ٩٤) طبعة مكتبة المعارف .
١٥

الأول : أن العمدة في ترجمة القاضي أبي يعلى هما الخطيب البغدادي
وابن أبي يعلى، الأول في ((تاريخه))، والثاني في ((طبقاته))، وقد ذكراه
باسم ( الحسين ) مصغراً ، وهما ألصق به وأعرف الناس بشئونه ، فالأول
تلميذه ، والثاني ابنه ، وحسبك بالمنزلتين قرباً ومعرفة .
الثاني: أن صاحب ((اللباب)) قد صحح ما أخطأ فيه السمعاني في
((أنسابه)) فقد ذكره باسم ( الحسين) مصغراً (١).
الثالث : أن ابن كثير عندما ترجم لوالد القاضي أبي يعلى في
كتابه: (( البداية والنهاية))(٢)، ذكره باسم (الحسين ) مصغراً.
الرابع : أن اسمه في الموجود من مؤلفاته : ( محمد بن الحسين )
بالتصغير .
الخامس : أن هناك كثيراً ممن ترجموا للقاضي ، ذكروا أن اسم
أبيه هو (الحسين)، بالتصغير، منهم ابن الجوزي في كتابه: ((المنتظم)) (٣)،
وفي كتابه: ((مناقب الإمام أحمد)) (٤)، وابن الأثير في كتابه: ((الكامل)) (٥)
والذهبي في كتابه: ((العبر في خبر من غبر)) (٦)، وفي كتابه: (( سير
أعلام النبلاء)) (٧) وفي كتابه: ((دول الاسلام)) (٨)، والعليمي في
(١) ((اللباب)) (٢ / ٤١٣).
(٢) (٣٢٧/١١) .
(٣) (٨ / ٢٤٣) .
(٤) ص ( ٥٢٠ ).
(٥) (١٠ / ١٨).
(٦) (٣ / ٢٤٣).
(٧) ورقة (١٦٨ / أ) القسم الثاني من الجزء الحادي عشر.
(٨) ص (٢٦٩) .
١٦

كتابه: المنهج الأحمد (١) وابن العماد في كتابه: ((شذرات الذهب)) (٢)،
والنابلسي في كتابه: ((مختصر طبقات الحنابلة)) (٣)، والصفدي في كتابه:
((الوافي بالوفيات)) (٤)، وبروكلمان في كتابه: ((تاريخ الأدب العربي)) (٥)
والزركلي في كتابه: ((الأعلام)) (٦)، وابن تغري بردي في كتابه (( النجوم
الزاهرة )) (٧) .
وقد كانت أسرة (( أبي يعلى)) أسرة علم ومعرفة ، فأبوه أبو عبد الله
الحسين بن محمد .. الفقيه الحنفي ، أحد العلماء الصالحين الموصوفين بالزهد
والورع والتقى . أسند الحديث ، ودرس الفقه على أبي بكر أحمد بن علي
الرازي الحنفي المعروف بالجصاص ، وكان من المكرمين عنده ، حدث
أن مرض أبو عبد الله مائة يوم ، زاره الرازي فيها خمسين مرة ، ولما
بلَّ من مرضه ، قال له الرازي معتذراً : مرضت مائة يوم ، فعدناك
خمسين يوماً ، وذاك قليل في حقك .
روى عن جماعة ، وعنه ابنه أبو خازم محمد بن الحسين . عرض عليه
منصب القضاء ، فامتنع منه .
قال عنه الذهبي: ((كان من أعيان الحنفية، ومن شهود الحضرة)).
مات في سنة ( ٣٩٠ هـ)، ولابنه ((أبي يعلى)) عشر سنين إلا أياماً. (٨)
(١) (٢ / ١٠٥).
(٢) (٣ / ٣٠٦ ).
(٣) ص (٣٧٧) .
(٤) (٣ / ٧) .
(٥) (١ /٥٠٢) في النص الألماني.
(٦) (٦ / ٣٣١) .
(٧) (٤ / ٢٠١).
(٨) البداية والنهاية (١١ / ٣٢٧)، وسير أعلام النبلاء الورقة (١٦٨ / أ) القسم الثاني
من الجزء الحادي عشر، وطبقات الحنابلة (٢ / ١٩٤) والمنتظم (٢١٠/٧).
١٧
العدة في أصول الفقه - ٢

وكان جده لأمه : عبيد اللّه بن عثمان بن يحيى أبو القاسم الدقاق ،
المعروف بابن ( جليقا ) بالجيم واللام والمثناة التحتية بعد قاف ممدودة ،
أو ابن ( جنيقا ) بابدال اللام نوناً ، نسبة إلى أحد أجداده .
ولد جده المذكور سنة (٣١٨هـ)، وكان ثقة مأموناً مكثراً . روى عن
المحاملي ، وعنه العتيقي والأزهري وابن بنته أبو يعلى .
قال عنه أبو الفوارس: ((كان ثقة مأموناً ، حسن الخلق ، ما رأينا
مثله في معناه )) .
وقال ابن الجوزي: ((كان صحيح السماع، ثبت الرواية)). مات
في شهر رجب سنة ( ٣٩٠ هـ) (١).
وتقف المصادر التي اطلعت عليها على ما ذكرت من أجداد القاضي أبي
يعلى ، غير ذاكرة أصله الذي ينتمي إليه ، وإنما اكتفت بأنه بغدادي المولد
والنشأة والوفاة .
مولده :
ولد القاضي أبو يعلى في شهر محرم لتسع وعشرين أو ثمان وعشرين.
خلون منه ، سنة ثمانين وثلاثمائة هجرية .
نقل ذلك الخطيب البغدادي في (( تاريخ بغداد)) (٢)، قال : ( حدثني
أبو القاسم الأزهري ، قال : كان أبو الحسين بن المحاملي يقول : ....
سألته - أي القاضي أبا يعلى - عن مولده ، فقال: ولدت لتسع وعشرين
أو ثمان وعشرين ليلة خلت من المحرم سنة ثمانين وثلاثمائة ) .
(١) البداية والنهاية (٣٢٦/١١)، وتاريخ بغداد (٣٧٧/١٠)، واللباب (٢٩٩/١) ،
والمنتظم (٢١٠/٧ ) .
(٢) (٢٥٦/٢) .
١٨

وهذه الرواية هي التي عوّل عليها المؤرخون في ذكر مولده ، ولم أجد
أحداً خالف في ذلك فيما اطلعت عليه من المراجع (١) .
نشأته وطلبه العلم وأهم أعماله :
ولد القاضي أبو يعلى في ((بغداد)) كعبة العلم وقبلة العلماء وحاضرة
العالم الإسلامي في ذلك العصر ، بل حاضرة العالم كله ، فقد كانت النهضة
العلمية آنذاك مكتملة الأسباب متوفرة الدواعي ، ولم تكن تلك النهضة خاصة
بعلم دون آخر ، بل كانت شاملة للنواحي العلمية المتعددة ، فكان في كل
علم أساتذته وطلابه ، كما كان في كل علم مكتبته ورواده .
في هذه البيئة العلمية نشأ أبو يعلى وترعرع .
بالإضافة إلى ذلك فقد توفر لأبي يعلى بيت علمي، يتعاون مع البيئة
العلمية العامة ، فقد كان أبوه على جانب كبير من العلم والفقه ، لذلك
حرص على تعليم ابنه وتنشئته تنشئة علمية صالحة ، وكان يتولى بنفسه تعليم
فتاه .
وكانت مدرسة الحديث آنذاك عامرة بشيوخها ، فبدأ الطفل في التلقي
والسماع ، وهو لم يتجاوز الخامسة من عمره ، وكان أول سماعه من
المحدث علي بن معروف (٢) .
ولم يمهل القدر والد الغلام، حتى يرى ثمرة غرسه، فتمتد يد المنون إليه،
(١) راجع في هذا: ((البداية والنهاية)) (٩٤/١٢)، طبعة مكتبة المعارف، و((طبقات
الحنابلة)) (١٩٥/٢). و((الكامل)) (١٨/١٠) و((المنتظم)) (٢٤٣/٨)، و((المنهج
الأحمد )) (١٠٥/٢).
(٢) ((سير أعلام النبلاء))، الورقة (١٦٨/ب) الجزء الحادي عشر و((طبقات الحنابلة))
(١٩٥/٢ ) .
١٩

فتخترمه ، وذلك في سنة ( ٣٩٠ هـ )، ولغلامه من العمر عشر سنين إلا
أياماً (١).
ويشاء الله تعالى أن يعيش الغلام هذه الفترة يتيماً، ولعل ذلك سر من .
أسرار نبوغه وتفوقه ، إذ أن كثيراً من العباقرة والأفذاذ ينشأون غالباً
يتامى ، ليتمرنوا على شَظَف العيش وقسوة الحياة ، ليخرجوا بعد هذه
المعاناة ، وهم أشد ما يكونون صلابة عود ومضاء عزيمة .
ولكن أباه قبل أن يفارق الدنيا أوصى بتربية ابنه والقيام بشئونه إلى رجل
يعرف بالحربي، كان يسكن بحي في بغداد، يقال له: (( دار القز))،
فانتقل الصبي إلى مكان وصيه، بعد أن كان يسكن ((باب الطاق )) حي
من أحياء بغداد أيضاً .
وفي (( دار القز)) هذا، كان فيه رجل صالح، يعرف: بابن مُفْرحة
المقرىء ، كان يقرىء القرآن في مسجد بهذا الحي ، ويلقن طلابه بعض
العبارات من ((مختصر الخرقي)) ، فقصده الصبي ، وتلقى عنه ما كان
يستطيع ذلك المقرىء أداءه ، ولكن التلميذ طلب من معلمه الزيادة ،
فأجابه بأسلوب المتواضع العارف قدر نفسه: ((هذا القدر الذي أحسنته ،
فإن أردت زيادة ، فعليك بالشيخ أبي عبد الله بن حامد ، فإنه شيخ هذه
الطائفة (٢))).
وينتهي هذا الطور من حياة هذا الغلام ، لينتقل إلى الطور الثاني، وهو
طور اتصاله بالشيخ أبي عبد الله الحسن بن حامد الحنبلي وتفقهه عليه .
كان الشيخ ابن حامد - رحمه الله تعالى - إمام الحنابلة في عصره في
(١) ((سير اعلام النبلاء)) الورقة (١٦٨/أ) الجزء الحادي عشر، و((طبقات الحنابلة))
(١٩٤/٢ ) .
(٢) طبقات الحنابلة (١٩٤/٢).
٢٠
: