النص المفهرس
صفحات 261-280
هو مأجور، لقوله تعالى: ﴿وَكُلّاً آتينا حكماً وعلماً﴾ [الأنبياء / ٧٩] قال الحسن البصري رحمه الله : لولا هذه الآية لرأيت أن الحكام قد هلكوا. ثُمّ وعلى ماذا يؤجر ؟ اختلفوا ، فقال الماوردي : مذهب الشافعي أنه مأجور على الاجتهاد وإن اخطأ فيه لقصده الصواب وإن لم يظفر به ، وإنما لا يؤجر على الخطأ ، لأن الأجر للترغيب في المثاب ، ولا ترغيب في الخطأ . قال أبو إسحاق : ويجوز أن يؤجر على قصده وإن كان الفعل خطأ ، كما لو اشترى رقبة فأعتقها تقربا إلى الله ثم وجدها حرة الأصل بعد تلف ثمنها ، وهو مأجور وإن لم يصح شراؤه وعتقه لم يقع ، لما أتى به من القصد إلى فك الرقبة والتقرب الى الله . (قال) : وقد نص الشافعي على هذا . وأيضاً لا بد للمجتهد أن يعدل في اجتهاده عن طرق فاسدة فيفتح له فاسدها إلى طرق مستقيمة يظن فيه الحق فعدوله عن تلك الطريقة الفاسدة اجتهاد صحيح فأثيب على ذلك . قال أبو إسحاق : وفيه وجه آخر أنه يؤجر على نيته وعلى نفس الاجتهاد ، ولا يؤجر على الحكم لخطئه فيه . فأما اجتهاده بما بلغ فيه فصواب ، وما بقي عليه من اجتهاده إلى بلوغ معرفة الحق فهو معذور في تخلفه عنه ، لأن فهمه بلغ فيه بعض طرقه ولم يبلغ به أقصى ما طلبه ، وهو فيما إذا أتى به منه مأجور ومصيب فيه ، ومنزلته منزلة الحاج الذي أمر بقطع المسافة ليبلغ به إلى بيت الله ، فسلك بعض الطريق وضعف عن باقيه وتلفت راحلته يؤجر على القدر الذي قصده ، وعبر القفّال عن هذا فقال : لا يستحق الأجر في قصده الخطأ الموضوع عنه ، وإنما يستحق على إنشاء قصد الثواب . ومثاله أن يقوم ليخرج إلى مكة، فأخطأ في وصف الطريق وعدل إلى طريق آخر ، فثوابه من ابتداء قصده إلى موضع عدوله عن الخطأ . (قال): وهذا معنى قول الشافعي : لا يؤجر على الخطأ ، وإنما يؤجر على قصد الثواب . وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام : (نية المؤمن خير من عمله) . وله ثلاث احتمالات : أحدها - / أن نيته في الاجتهاد خير من خطئه في الاجتهاد. وثانيها - أن نيته خير من صواب عمله. ١/٣٦٠ ٢٦١ وثالثها - أن النية أوسع من العمل ، لأنها تسبق الأقوال والأفعال فتعجل عليها . وقال القاضي أبو الطيب : ما قاله أبو إسحاق أولاً أصح ، لأن ذلك الاجتهاد وخلاف الاجتهاد الذي يصيب به الحق ، لأنه لو وصفه في صفته ورتبه على ترتيبه لأفضى به إلى الحق ، فلا يؤجر عليه ولا على بعض أجزائه . وقال أبو عبدالله الطبري في ((العدة)): يثاب المخطىء على ماذا ؟ فيه قولان : (أحدهما) على الاجتهاد ، كرجلين سلكا الجامع من طريقين ، قصد أحدهما الطريق أثيب عليه وإن لم يصل إلى الجامع . و (الثاني ) على القصد ، کرجلین رمیا إلی کافر ، فأصابه أحدهما دون الآخر يثاب المخطىء على القصد. وحكاها الروياني في ((البحر)) عن بعض أصحابنا بخراسان ثم قال : وإطلاق القولين خطأ على ما بينت . وقال إمام الحرمين : الذي ذهب إليه الأئمة أنه لا يؤجر على الخطأ ، بل على قصده الصواب. وقيل: بل على استداده في تقصيّ النظر، فإن المخطىء يستدّ أولا ثم يزول (قال): والأول أقرب ، لأن المخطىء قد يحيد في الأول(١) عن سنن الصواب ثم هو مأجور بحكم الخبر لقصد الصواب وإن أخطأه . وقال الرافعي في (الشرح)) ثم الأجر على ماذا ؟ فيه وجهان عن أبي إسحاق المروزي : (أحدهما) - وهو ظاهر النص واختيار المزني وأبي الطيب - أنه على القصد الى الصواب دون الاجتهاد ، لأنه أفضى به إلى الخطأ فكأنه لم يسلك الطريق المأمور به. قلت : حكاه المزني في كتاب ((ذمّ التقليد)) عن النص فقال : قال الشافعي في الحديث (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر): ((لا يؤجر على الخطأ في الدين لم يؤمر به أحد.، وإنما يؤجر لإرادته الحق الذي أخطأه)). قال المزني فقد ثبّت الشافعي في هذا أن المخطىء أحدث في الدين ما لم يؤمر به ولم يكلّفه ، وإنما أجره على نيته لا على خطئه (انتهى) . وشبّهه القفال في الفتاوى برجلين رميا إلى كافر ، فأخطأ (١) كذا في الأصول. ٢٦٢ أحدهما يؤجر على قصده الإصابة ، بخلاف الساعي إلى الجمعة إذا فاتته يؤجر على القصد وإن لم ينل ثواب العمل . و (الثاني) أنه يؤجر على القصد والاجتهاد جميعاً، لأنه بذل وسعه في طلب الحق والوقوف عليه . وربما سلك الطريق في الابتداء ولم يتيسر له الإتمام . قال ابن الرفعة : وهذا مناسب إذا سلكه في الابتداء . فإن حاد عنه في الأول تعين الوجه الأول . واستدل القاضي الحسين بأنه لو كان القصد لوجب أن يكون عُشر أجر المصيب لقوله عليه السلام : (من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشر حسنات) . قلت : وقد جاء ذلك مصرَّحاً به في مسند أحمد بن حنبل رحمه الله . وقد سبق بيان حاله في مسألة الاجتهاد في زمانه . مسألة : قال الشافعي في ((الرسالة)) في الرجل يطأ أمته ثم تبين أنها أخته: أما في الغيب فلم تزل أخته أولاً وآخراً . وأما في الظاهر فكانت له حلالاً ما لم يعلم ، وعليه حرام حين علم . وقيل له : إن غيرنا يقول ؛ إنه لم يزل آثما بإصابتها ولكن الإثم مرفوع عنه . مسألة : نقل عن داود وأصحاب الظاهر أن كل من أفتى في حادثة بحكم يريد به التقرب إلى الله فهو مصيب سواء كان مجتهداً أو لم يكن وهذا يزيد على العنبري، لأن ذاك صوّب كل مجتهد في الأصل ، وهذا صوب في كل شيء وإن لم يكن مجتهدا بعدما بذل وسعه . تنبيهات : الأول : من صوّب المجتهدين شَرَطَ في ذلك أن لا يكون مذهب الخصم مستنداً إلى دليل ينقض الحكم المستند إليه، قاله الشيخ عزالدين في ((قواعده)). قال: ولهذا لم يكن شرب الحنفي للنبيذ مباحاً وإن قلنا بتصويبهم. وقد أورد على القائلين به قولهم : إنه لا حكمٍ في النازلة معين ، فصار كمن يقول: ليس في البيت متاع، وكل من وجد فيه متاعاً وجده . وأجيب بأنه يعني : لا حكم أي معيناً(١) فيها فيدرك قبل الطلب ، كما يدرك بغير طلب من النصّ والظاهر ، بل (١) في الأصل (معين). ٢٦٣ فيها حكم لها ولغيرها يدركه المجتهد عند تصفح قوانين الشرع الكلية ، تلحق بها الجزئيات ، ففي كل مسألة حكم معين على هذا الوجه قال تعالى : ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [سورة الانعام/٣٨]. الثاني : قيل على أصول المصوبة: إنا نقطع بالأحكام، وإن المخطّئة تظنها ظنّاً. قال ابن المنير : وهو عندي وهم على القوم ، وذلك لأن المصوبة تقول : لا يكفيه أي ظن كان ، بل لا بد من اجتهاد وبذل وسع . في تصحيح المقتضي وتحقيق الشرط ورفع المعارضات ، بحيث لو أخل بذلك لكان مخطئاً آثمً . الثالث : قيل : الدليل على أنه ليس كل مجتهد مصيباً قول من قال من المجتهدين : ليس كل مجتهد مصيبا ، لأنه إن أصاب فما قاله حق ، وإن أخطأ فقد نقض قوله فلم يكن كل مجتهد مصيباً ، ولك في حل هذه الشبهة طرق : إحداها - أن المسألة قطعية ، كما صرح به الأصوليون والخلاف في ((أن المصيب واحد)) إنما هو في المسائل الاجتهادية . أما المسائل الأصولية القطعية فالمصيب فيها واحد قطعاً . الثانية - يلتزم أنه مصيب في قوله : ليس كل مجتهد مصيباً ولكن لم قلت : أنه يلزم من ذلك أن يكون الواقع في نفس الأمر . ليس إلا أنه ليس كل مجتهد مصيبا. وقولك أنه مصيب قلنا : وكذلك خصمه أيضاً مصيب ، بناء على القول المصوب بحكم الله في حق هذا أنه ليس كل مجتهد مصيباً ، غير أنه في حق خصمه أن كل مجتهد مصيب . الرابع : سلمنا أن هذه المسألة من المسائل الاجتهادية الفقهية ، لكن ما الذي يعني القائل بأن كل مجتهد مصيب ؟ إما أن يعتقد بطلان قول القائل بأن المصيب واحد أو يعتقد صحته . وإن عنيت بالباطل مالا يكون مطابقاً لما في نفس الأمر ، وبالصحة ما يكون مطابقا له فهو فاسد هنا ، لأنه محل النزاع ، كيف وأن مذهب القائل بتصويب الجميع أنه لا حكم له أصلاً ، وإنما الأحكام تابعة لظنون المجتهدين . وإن عنيتَ بالباطل والحق ما في ظن المجتهدين من غير أن يكون في الواقعة حكم معين في نفس الأمر فجميع الأحكام الاجتهادية على هذا التقدير حق ٢٦٤ وصواب ، فإذاً القول بتصويب الكل وعدمه حق وصواب ، لأنه غالب على ظن تقييده . الخامس : إن من فروع هذه المسألة اقتداء الشافعي ، كما قال إمام الحرمين في ((النهاية)) والأصح فيه الصحة / إلا أن يتحقق إخلاله بما يشترطه ويوجبه، لأنا ٣٦٠/ب نقطع بالمخالفة حينئذ ، لاحتمال أن يكون مذهباً راجحاً عنده . ولهذا قال القاضي أبو الطيب : لا يجوز للشافعي أن يفوض القضاء إلى الحنفي في مسألة يعتقد المفوّض أن مذهب أبي حنيفة [فيها] غير صحيح ، لأنه يُعين على ما يعتقد تحريمه . (قال) : ولكن يجوز أن يفوض إليه الحكم فيها ، لاحتمال أن يتغير اجتهاده فيوافق الشافعي ، فلا يكون المفوّض عند التفويض معيناً على ما يعتقد منعه . فروع : الأول : قد راعى الشافعي وأصحابه خلاف الخصم في مسائل كثيرة، وهو إنما يتمشى على القول بأن مدعي الإصابة لا يقطع بخطأ مخالفه، وذلك لأن المجتهد لما كان يجوّز خلاف ما غلب على ظنه ونظر في متمسك خصمه فرأى له موقعاً راعاه على وجه لا يخل بما غلب على ظنه ، وأكثره من باب الاحتياط والورع، وهذا من دقيق النظر والأخذ بالحزم . وقال القرطبي : ولذلك راعى مالك الخلاف (قال) : وتوهم بعض أصحابه أنه يراعي صورة الخلاف وهو جهل أو عدم إنصاف . وكيف هذا وهو لم يراع كل خلاف وإنما راعى خلافاً لشدة قوته . قلت : وقد يراعي الشافعي الخلاف المشدد على نفسه دون غيره ، ولهذا لما قرر القصر على مرحلتين قال : فأما أنا فأحب أن لا أقصر في أقلَّ من ثلاثة أيام احتياطاً على نفسي . قال القاضي أبو الطيب : وهو كقوله : إذا مرض الإمام أنه يصلي قاعدا والناس قيام خلفه ، ولا أفضل له أن يستخلف من يصلي بهم حتى يخرج من الخلاف . وله نظائر كثيرة . على أن الأبياري استشكل استحباب الخروج من الخلاف ، فإن الأمة إذا اختلفت على قولين بالتحريم والإباحة فالقول بأن الترك متعلق بالثواب ، والفعل ٢٦٥ جائز قول لم يقل به أحد . نعم ، الورع يليق به . ثم اعلم أن عين الخلاف لا ينتصب شبهة ولا يراعى ، بل النظر إلى المأخذ وقوته . قال الرويانى في باب الشهادات من ((البحر)): لو كان الخلاف بنفسه ينتصب شبهة لاستوت المسألتان ، يعنى مسألة إيجاب الحد على الحنفي بشرب النبيذ وشهادته ، وإنما الشبهة في الدلائل . الثاني : لو كان الزوجان مجتهدين فخاطبها الزوج بلفظة نوى بها الكناية في الطلاق ، ولا نية . وترى المرأة أنها صريحة فيه ، فللزوج طلب الاستمتاع بها ، ولها الامتناع منه ، ، عملاً مع كل منهما بمقتضى اجتهاده، وطريق قطع المنازعة بينهما أن يراجعا مجتهداً آخر ليحكم بينهما بما يؤدي إليه اجتهاده ، سواء قلنا: المصيب واحد ، أم كلّ مصيب . فإن كانا مقلدين قلد من شاء ، فإن اختلفا يخير إن استويا ، وإلا فيقلد الأعلم والأورع ، وإن كانت تتعلق بغيره عمل بما قلنا في المجتهدين . هكذا قال في ((المحصول)) وغيره . وأما القاضي فذكر في مختصر ((التقريب)) أن من القائلين بأن المصيب واحد من صار في هذه الصورة إلى الوقف حتى يرفع الأمر إلى القاضي . فعلى هذا يكون حكم الله فيها هو الوقف ظاهراً وباطنا حتى يرفع أمرها إلى القاضي فينزلها على اعتقاد نفسه ، وهذا حكم الله حينئذ . ومنهم من قال : تسلم المرأة إلى الزوج الأول ، فإن نكحها نكاحاً يعتقد صحته وهو السابق به فلا يبعد أن يكون هذا هو الحكم . (قال) : وهذه الصورة وأمثالها من المجتهدات ، وفيها تقابل الاحتمالات ، فيجتهد المجتهد فيها عندنا وما أدى إليه اجتهاده فهو حق من وقف أو تقديم أو غيرهما من وجوه الجواب . الثالث : ولا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد ، وإلا يؤدي إلى نقض النقض ويتسلسل فتضطرب الأحكام ولا يوثق فيها . فلو فرضنا أن المجتهد خالع امرأته وأداه اجتهاده إلى أن الخلع فسخ وليس بطلاق فتزوجها الرابعة بعد ذلك بمقتضى هذا الاعتقاد من غير محلل ثم تغير اجتهاده وأداه إلى أنه طلاق ، فإن تغير بعد قضاء القاضي بمقتضى الاجتهاد الأول بصحة النكاح لم ينقض بالاجتهاد الثاني بل ٢٦٦ يبقى على النكاح ، وإن تغير قبل القضاء بالصحة وجب عليه مفارقتها . لأن المصاحب الآن قاضٍ بان اجتهادُه الأول خطأ ، فيعمل به ، وليس هذا نقض الاجتهاد بالاجتهاد ، بل ترك العمل بالاجتهاد الأول . هكذا ذكره في ((المستصفى)) و((المحصول)) و((المنهاج)). وقوله في الحاكم مبني على أن حكمه ينفذ باطناً ، وإلا فلا يلزم من فراقه إياها نقض حكم الحاكم ، لأن هذا بالنسبة إلى أمره في خاصة نفسه . ونقل الرافعي عن الغزالي أنه يلزمه تسريحها ولم يذكر هذا التفصيل (ثم قال) وأبدى تردداً فيما إذا فعل المقلد مثل ذلك ثم تغير اجتهاد مقلده (قال) : والصحيح أن الجواب كذلك لو تغير اجتهاد المقلد في الصلاة فإنه يتحول . وهذا الذي قاله الغزالي نقله النووي عن الصيمري والخطيب البغدادي (قال) ولا نعلم فيه خلافاً لأصحابنا . هذا فيما إذا تغير اجتهاده في حق نفسه ، فلو تغير في حق غيره كما لو أفتى مقلده بصحة نكاح المختلعة ثلاثاً ونكحها المقلد ، عملاً بقوله ، ثم تغير اجتهاده ، قال في ((المحصول)) و((الأحكام)) وتبعه الأبيارى في ((شرح البرهان)»: الصحيح أنه يجب عليه تسريحها ، كما في حق نفس المجتهد ، بخلاف قضاء القاضي فإنه متى اتصل بالحكم المجتهد فيه استقر ولم يكن له النقض عند تغير اجتهاده . وقال صاحب ((المحصول)). لو نكح رجل نكاحاً في محل الاجتهاد ثم استفتى فأفتاه بالإفساد ، فهل تبين المرأة على الزوج لمجرد الفتوى ؟ فيه وجهان : أحدهما : نعم، والثاني : لا حتى يقضي القاضي، قلت: وحكاهما إمام الحرمين في ((النهاية)) في باب الامتناع عن اليمين عن رواية صاحب ((التقريب)). (قال): وذكر وجها ثالثا مفصّلاً فقال : إن صحّح النكاح قاضٍ فالفتوى لا ترفعه ، وإن لم يتصل تصحيحه بقضاء قاض ارتفع بالفتوى . وحكاها الماوردي أيضاً في باب عدد الشهود (قال) : وهذا إذا اعتمد في العقد الفتوى ، فلو كان الحاكم متوليه لم يرتفع إلا بحكمه . وخصّ الخلاف بما إذا لم يكونا مجتهدين ، فإن كان الزوجان مجتهدين واختلفا فلا يرتفع إلا بحكم الحاكم . وجزم ابن السمعاني بأن المفتي إذا أفتاه باجتهاده ثم ٢٦٧ تغير اجتهاده لا يلزمه تعريف المستفتي بتغير اجتهاده إذا كان قد عمل به ، وإلا فينبغي أن يعرفه إن تمكن منه، لأن العامي إنما يعمل بدلالة قوله، وقد خرج عن ١/٣٦١ / ذلك، فينبغي أن يخبره عن قوله . ولو قال مجتهد للمقلد - والصورة هذه -: أخطأ به من قلدته ، فإن كان الذي قلده أعلم فهو كما لو تغير اجتهاد مقلَّده ، وإلا فلا أثر له . قال النووي : وهذا ليس بشيء ، بل الوجه الجزم بأنه لا يلزمه شيء ولا أثر لقول الثاني . الرابع : حيث كانت حجة الحكم قطعية فالمختار أن حكم الحاكم إذا وقع بخلافه ينتقض ، بخلاف الظّنّية . وقيل : في جميع الأحكام ، وعلى هذا قول من يجعل على الحاكم دليلا قاطعاً ، وبعض هؤلاء قال : لا ينقض في شيء من الأحكام . والمذهب أنه لا ينتقض في الاجتهاديات وإن قلنا : المصيب واحد لعدم تعيّنه ، ومنه ما لو حكم باجتهاده لدليل أو أمارة ثم ظهر له أمارة تساوي الأولى . وكذا ما هو أرجح من الأولى ، لكن لا ينتهي إلى ظهور النص ، وإن كان لو قارن لوجب الحكم به ، لأن الرجحان حاصل حال الحكم . أما لو ظهر نص أو إجماع أو قياس جلي بخلافه نقض هو وغيره ، لأنه مقطوع به ، فلم ينقضه الظن وإنما نقض بالدليل القاطع على تقديم النص والقياس الجلي على الاجتهاد ، فهو آمر لو قارن العلم به لوجب تقديمه قطعاً ، فكذلك نقض به . قال ابن الرفعة : وكلام الشافعي في ((الأم)) مصرح بأن مراده بالنص الذي ينتقض به قضاء القاضي إذا خالفه هو الظاهر . ٢٦٨ ا خَاتَمَة مضى الكلام على الخلاف في العقائد وأصول الفقه ، وهكذا اختلاف القراء والمختار أن الكل مصيب ، لصحة الكل عن النبي عليه الصلاة والسلام ، وخلافهم إنما هو في الاختيار ، ومن قرأ عن إمام لا يمنع القراءة الأخرى . وممن صرح بأن الحق في القراءات كلها ابن فورك في كتابه في الأصول . (قال) : وليست كالأحكام لأنها غير متضادة ، وأحكام القراءات لا يجوز ورود العبارة بها معاً في زمن واحد . ونظير قراءة ﴿وما هو على الغيب بظنين﴾ [التكوير / ٢٤] ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾. نظير من قال: هو حلال، وقال الآخر: هو مثله ، لا نظير من قال : هو حلال ، وقال الآخر : هو حرام . ٢٦٩ التقليد مأخوذ من القلادة التي يقلد غيره بها ، ومنه : قلدت الهدي : فكأن الحكم في تلك الحادثة قد جُعل كالقلادة في عنق من قلد فيه . واختلفوا في حقيقته ، هل هو : قبول قول القائل وأنت لا تعلم من أين قاله ؟ ، أي من كتاب أو سنة أو قياس . أو : قبول القول من غير حجة تظهر على قوله؟ وجزم القفال في ((شرح التلخيص)) بالأول ، والشيخ أبو حامد في ((تعليقه)) والأستاذ أبو منصور بالثاني ، وعليه ابن الحاجب وغيره . وتنبنى عليهما مسألتان : المسألة الأولى: أن العمل بقول النبي وَلّ هل يسمى تقليداً ؟ وفيه وجهان ، فإن قلنا بالثاني فلا يسمى تقليداً ، لأنه قول النبي وَ لّ نفس الحجة ، كذا قال ابن القطان وغيره ، وتردد فيه ابن دقيق العيد ، لأنه إن أريد بالسبب الذي قيل فيه خصوص ذلك السبب وعينه فهذا متوجه يقتضي أن يكون اتباعهم تقليداً . وإن أريد به أمر أعم من هذا ، فإن قلنا : إن الأنبياء لا يجتهدون فقد علمنا أن سبب أقوالهم الوحي فلا يكون تقليداً أيضاً على الأول . وإن قلنا إنهم يجتهدون فقد علمنا أن السبب أحد الأمرين : إما الوحي أو الاجتهاد . وعلى كل تقدير فقد علمنا السبب ، واجتهادهم معلوم العصمة . قلت : ويشهد له أن القفال بنى الخلاف في تسميته مقلداً على الخلاف في أنه هل كان عليه السلام يقول عن قياس ؟ فإن كان يقوله - وهو الأصح - فيقلد ، لأنه لا يدري أقاله عن وحي أو قياس، وإن قلنا بالمنع فليس بتقليد . وقال القاضي الحسين في ((التعليق)): لا خلاف أن قبول قول غير النبي وَل من الصحابة والتابعين يسمى ٢٧٠ تقليداً. وأما قبول قوله عليه السلام فهل يسمى تقليداً ؟ وجهان ينبنيان على الخلاف في حقيقة التقليد ماذا ؟ . قلت : وذكر الشيخ أبو محمد الجوينى في المسألة في أول ((السلسلة)) أن الذي نص عليه الشافعي أنه يسمى تقليداً ، فإنه قال في حق الصحابي لما ذهب إلى أنه لا يجب الأخذ بقوله ما نصه: فأما أن يقلده فلم يجعل الله ذلك لأحد بعد رسول الله وَال ـ (انتهى) وخطّأ الماوردي من قال أنه ليس بتقليد، ولكن قال الرويانى في ((البحر)): أطلق الشافعي على جعل القبول من النبي وَلّ تقليداً ولم يرد حقيقة التقليد ، وإنما أراد القبول من السؤال عن وجهه . وفي وقوع اسم التقليد عليه وجهان (قال) : والصحيح من المذهب أنه يتناوله هذا الاسم ، وفي هذا إشارة إلى رجوع الخلاف إلى اللفظ، وبه صرح إمام الحرمين في ((التلخيص)) وقال: هو اختلاف في عبارة يهون موقعها عند ذوي التحقيق . واختار ابن السمعاني أنه لا يسمي تقليداً ، بل هو اتباع شخص ، لأن الدليل قد قام في أن له حجة ، فلا يكون قبولُ قولِهِ قبولَ قولٍ في الدين من قائله بلا حجة . وأغرب القاضي في ((التقريب)) فنقل الإجماع على أن الآخِذَ بقول النبي عليه الصلاة والسلام ، والراجعُ إليه ليس بمقلد ، بل هو صائر إلى دليل وعلم يقين . فأما كونه صائراً إلى دليل وعلم يقين فلا ريب فيه ، وأما كونه لا يسمى تقليداً فمردود بالخلاف السابق . وقد قال الشافعي رحمه الله: ولا يجوز تقليد أحد سوى النبي وَلير ، وهذا نص في أن الرسول وَ ل# يقلَّد، بل وفي أنه لا يقلَّد سواه . وأما القاضي فإنه أول كلام الشافعي وقال : لعله أراد بتقليده عليه الصلاة والسلام أنه ليس لأحد أن يقول له : من أين قلت ؟ ولا : لم قلت ؟ (ثم قال) : فإن كان أراد هكذا فكذا أيضاً جاء في العامّي مع المجتهد ، فإنه لا يسأله : من أين قلت ؟ وإذا لم يكن العامي عنده مقلداً فلا يكون أيضاً . هذا كذلك . وهذا الذي قاله القاضي ممنوع ، بل الأصحاب اختلفوا في كلام الشافعي على طرق : (أحدها) تأويل من اعتقد أنه لا تقليد في اتباع الرسول ، ولا في اتباع العامي المجتهد . ورأس هذه الطائفة القاضي ، وقد أوّله كما رأيت ، وتبعه الغزالي . ٢٧١ واتفقت هذه الطائفة على الاعتضاد بهذا النص من الشافعي على أن اتباع العامي المجتهد ليس بتقليد ، فجرت على ظاهر قول الشافعي في المستثنى دون المستثنى منه ، ٣٦ / ب وتصرفت في المستثنى بالتأويل إِما مع الاعتراض، / كالقاضي ، أولا معه ، کالغزالي . و (ثانيها) فرقة اعتقدت أن العامّي مقلَّد، وأن الأخذ بقول النبي عليه السلام مقبول ليس بتقليد، وهذه الطائفة لم تجرٍ على ظاهر النص، لا في المستثنى ولا في المستثنى منه، ومنهم ابن السمعاني فقال: هذا مذكور على طريق التوسع لا على طريق الحقيقة، ورأس هذه الطائفة الشيخ أبو حامد الأسفرايني، فقال في أول ((تعليقه)) إذا قلنا بقوله الجديد فلا يجوز تقليد أحد بحال. وأما قول الشافعي في ((أدب القضاء)): إنه لا يجوز لأحد أن يقلد أحداً إلا الرسول. فمن فهم منه أن قبول(١) قوله يسمى تقليداً فقد غلط ، وتقليد الرسول لا يجوز . وإنما صورته صورة التقليد ، وليس في الحقيقة تقليداً ، وذلك أنه إن سئل عن شيء فأجاب كان جوابه في الصورة مثل أن يسأل الشافعي فيجيب ، لكن حقيقة التقليد قبول قول المجيب بغير دليل ، فجواب الشافعي لا يمكن هنا فلا بد فيه من الدليل ، وجواب الرسول بعينه حجة ودليل ، فلا يكون مثله في الجواب (انتهى) . وذكر بعضهم للنص تأويلين : (أحدهما) أن المعنى أنه لا يجوز لكل أحد تقليد أحد بعد الرسول ، بل يفترقون ، فعالِهِم لا يقلَّد ، وعامّيهم يقلَّد . وأما الرسول فنسبة العالم والجاهل إليه سواء ، والكل بالنسبة إليه بمنزلة الجاهل عند المجتهد يأخذ بقوله تقليداً ، بل(٢) لأنا قد قلنا : إن للعامي سؤالَ العالم عن مأخذه ، ولا كذلك الرسول [فليس] لعامي ولا للعالم أن يقول له: لم ؟ ولا : من أين ؟ وهذا التأويل أبقى لكلام الشافعي في المستثنى والمستثنى منه على ظاهره ، وليس فيه عمل إلا في تعميم قوله ((أحد)) على أن المعنى : كل أحد . (١) في الأصول (نقول) !. (٢) هنا في الباريسية بياض بمقدار كملة. والكلام في غيرها متصل دون زيادة. ٢٧٢ و (ثانيهما) : إبقاء الكلام على ظاهره من كل وجه، وهو مبني على أنه لا يقلد إلا الرسول و 1. وأما المجتهد فلا يقلد. وذلك أن معنى التقليد أن يلقي المرء المقاليد ويطرح كله ويجعل اعتماده فيما يقع له من الحوادث وفي تفرق حملها على الرسول والرجوع إليه في كل نائبة ندرة(١). وإنما تطمئن فيمن لا يخطىء ، وذلك هو مَنْ قوله حجة ، وهو الرسول صلوات الله وسلامه عليه . فإن قلت : والرجوع إلى المجتهد رجوع إليه . قيل : ولكن لا وثوق بصواب المجتهد . فإذاً لا يقلد إلا الرسول 18 . وعلى هذا ينبغي أن يحمل نهي الشافعي عن التقليد حيث قال المزني : هذا مختصر اختصرته من علم الشافعي ومن معنى قوله، مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره (انتهى) فعلى التأويل الأول : يقلد، وعلى الثاني: لا يقلد فتواه . وأما دعوى القاضي الاتفاق على أن الرسول لا يقلد فكان الحامل له على ذلك اعتقاده أن المقلد شاكٌّ فيمن يقلده ، وليس ذلك عندنا بل المقلد لا شك عنده ، لوثوقه بالمقلد الذي ألقى بتقاليده إليه . ولما تقارب الخلاف زعم إمام الحرمين أنه لفظيّ ، ولما اعتقد القاضي أن اتباع العامي تقليد ، وأن المقلد شاك مع التقليد ، تبعاً للشيخ أبي الحسن الأشعري ، وهي مسألة (إيمان المقلد) التى تعزى لأبي الحسن ، ولذلك أطلقنا الكلام في بيان معنى التقليد ، ليخرج منه هذه المسألة . ومن ثَمّ عقد القاضي في ((التقريب)) بابا في إمكان التقليد في جملة أصوله وفروعه . ثم لما فرغ عقد بابا في أنه لا يجوز التقليد في فروع الأحكام ، كما لا يجوز في أصولها . المسألة الثانية : في أن أخذ العامي بقول المجتهد، هل يسمى تقليداً أم لا ؟ فقيل: ليس بتقليد، لأنه لا بُدّ له من نوع اجتهاد، وبه جزم القاضي والغزالي والآمدي وابن الحاجب . وحكاه العبادي في ((زيادته)) عن الأستاذ أبي إسحاق ، لأنه بذل مجهوده في الأخذ بقول الأعلم . وقال القاضي في ((مختصر التقريب)): الذي نختاره أن ذلك ليس بتقليد أصلاً ، فإن قول العالم حجة في حق المستفتى. نصبه الرب عَلَماً في حق العاميِ ، فأوجب عليه العمل به، كما أوجب على المجتهد العمل باجتهاده ، واجتهاده علَم عليه . (١) هكذا في مخطوطتي احمد الثالث والأزهرية أما في الباريسية فهي هكذا (ولاده) !. ٢٧٣ ويتخرج من هذا أنه لا يتصور تقليد مباح في الشريعة ، لا في الأصول ولا في الفروع . إذ التقليد على ما عرفه القاضي: اتباع من لم يقم باتباعه حجة ولم يستند إلى علم. (قال): ولو ساغ تسمية العامي مقلداً مع [أنّ] قول العالم في حقه واجب الاتباع جاز أن يسمى المتمسك بالنصوص وغيرها من الدلائل مقلداً. قال القاضي: ولأنه يستند إلى حجة قطعية وهو الإجماع، فلا يكون تقليدا. وهذا بناء منه على أحد تفسيري التقليد . وذهب معظم الأصوليين - كما قاله إمام الحرمين - إلى أنه مقلد له فيما يأخذه ، لأنا إن فسرناه بقبول القول بلا حجة فقد تحقق ذلك، إذ قوله في نفسه ليس بحجة، وإن فسرناه بقبول القول مع الجهل بمأخذه فهو متحقق في قول المفتى أيضاً . قال ابن السمعاني : ولعله الأولى ، لأنه لا يعرف حجة ما يصير إليه من الحكم قبل ، والإجماع سبق القاضي . على أن العوام يقلدون المجتهدين ، ولو لم يكن تقليداً فليس في الدنيا تقليد . ومن نظر كتب العلماء والخلافيين وجدها طافحة بجعل العوام مقلدين ، ولهذا قال في ((المستصفى)) بعد ما ذكر أن العامي إذا أخذ بقول المجتهد فهو ظانٌّ صدقه ، والظن معلوم ، ووجوب الحكم عند الظن ، وهذا علم قاطع ، والتقليد جهل . فإن قيل : قد رفعتم التقليد من البين . وقال الشافعي : لا يحل لأحد تقليد أحد سوى الرسول ، فقد أثبت تقليداً . قلنا : قد صرح بإبطال التقليد إلا ما استثنى ، فظهر أنه لم يجعل الاستفتاء ، وقبول خبر الواحد ، وشهادة العدول تقليداً . نعم ، يجوز تسمية قول الرسول تقليدا توسعاً واستثناء من غير جنسه . ووجه التجوز أن يقول : قوله وإن كان حجة دلت على صدقه جملة فلا يطلب منه حجة على غير تلك المسألة ، فكان تصديقا بغير حجة خاصة ، ويجوز أن يسمى ذلك تقليداً مجازا (انتهى) . وهذا أخذه من كلام القاضي ، ولا يوافقٍ على أن رجوع العامي ليس بتقليد ، والقاضي إنما قال ذلك بناء على أن المقلد شاكً . ولم يقتصر الآمدي وابن / أ الحاجب على ما فعل القاضي والغزالي / بل زادا: لو سمّى مسمّ الرجوع إلى من قوله حجة تقليداً فلا مشاحة في التسمية . قلت : وبذلك صرح القاضي في ٢٧٤ ((التقريب)) أيضاً. وهذا صحيح على قولنا . أما على قول القاضي والآمدي أن المقلد شاكٌّ فيمن يقلده فلا تنبغى هذه التسمية ، لخروجها عن وضع اللسان . ومن اعتقد أن المقلد شاكّ فينبغي أن يمنع من تسمية الرسول مقلداً ، وإذا عُرفت المدارك هانت المسالك . واعلم أن القاضي والغزالي يقولان : لا تقليد في الدنيا . وأما الآمدي فيقول : لا تقليد في رجوع المرء إلى قول العامي ، والمجتهد إلى قول مثله ، يعنى حيث لا يجوز له الأخذ به . وإنما قلنا ذلك ليخرج الأخذ بقوله عند ضيق الوقت ونحوه ، مما جوّزه قوم . واعترض الآمدى - تبعا للغزالي - بأنه لو سمّى مسّمٍ الرجوع إلى الرسول وإلى الإجماع والمفتى والشهود تقليداً بعرف الاستعمال فلا مشاحة في اللفظ ، وابن الحاجب تبع الآمدي ، وكذا ابن الصلاح صرّح بما يوافقهم حكماً . غير أنه أتى بغير تعريفهم للتقليد . وما صرح به من أن رجوع العامي إلى المفتى ليس بتقليد مع دعواه في كتاب ((أدب الفتيا)) من منازعة الشيخ أبي علي وأمثاله من كونهم ليسوا مقلدين للشافعي فعجب ، إذ كيف يقضي على أبي على - وهو الحبر - بالتقليد، ولا يقضى بذلك على العامي الصرف، وما ذاك إلا أنه وقت التعريف مع الغزالي، وعند الانفصال جرى على ما هو مقرر عند الفقهاء من أن رجوع العامي إلى المجتهد تقليد . وقد يأخذ المجتهد بقول مجتهد، ولكن تسمية ذلك أخذاً مجاز ، لأنه إنما أخذه منه لما أدّاه إليه نظره ، لا لكون ذلك قاله ، وإنما سمي القول قوله - إن سمى - لسبقه إليه كما نقول أخذ الشافعي بقول مالك ، أو بقول أبي حنيفة في مسائل سبقاه إلى القول بها . ومن تبحر في مذهب إمام ولم يبلغ رتبة الاجتهاد فأفتى على مذهب ذلك الإمام كان المستفتى مقلداً لذلك الإمام ، لا للمفتي . حكاه القاضي الحسين عن شيخه القفال . ذكره في ((الكافي)). وجزم به إمام الحرمين في ((الغِيائيّ)). وقال الرافعي إنه المشهور للأصحاب ، إلا أن أبا الفتح الهروي أحد أصحاب الإمام صرح بأنه يقلد المتبحر في ٢٧٥ 1 نفسه . وقال ابن الصلاح : ينبغي تخريج هذا على الخلاف في أن ما يخرّجه أصحابنا على مذهب الشافعي هل يجوز أن ينسب إليه ؟ وفيه خلاف ، والمختار أنه لا يجوز . مسألة : قال ابن فورك : أقمنا الدلالة على أن التقليد ليس من طرق العلم بوجه، لأن الرجوع إلى الدعوى لا يثمر علماً، لأن صورة دعوى المحق صورة دعوى المبطل ، وإنما يثمر بالدليل . مسألة : قال الروياني في ((البحر)) : قيل : من يجوز تقليدهم أربعة أصناف : أحدها - النبي عليه الصلاة والسلام ، بناء على أن قوله يسمى تقليداً ، وهو الأصح، لقيام الدليل على صدقه . والثاني - المخبر عن الرسول . والثالث - المجمعون على حكم ، فتقليدهم فيما أجمعوا عليه واجب . والرابع - الصحابة على أحد القولين . وحكى ابن السمعاني وجهين في تسمية خبر الواحد تقليداً (قال): وأولاهما أنه لا يسمى تقليداً ، لأنه لا يقع التسليم لقوله إلا بعد الاجتهاد في عدالته فصار قوله مقبولاً بدليل . (قال) : وأما تقليد الأمة إذا قالت قولاً عن إجماع فهو حجة . وقال المتأخرون : الرجوع إلى قول الرسول والإجماع ، والقاضي إلى البينة ، ليس بتقليد . قلت : والخلاف يرجع إلى عبارة كما سبق . ٢٧٦ فصْل التقليد ينقسم إلى قسمين : أحدهما : أن يكون المقلد عالماً بأن الذي يقلده لا يخطىء ، فيما قلده فيه ، فيلزمه القبول بمجرده ، كقبول الأئمة عن الرسول الأحكام ، وقبول قول المجمعين . قال الأستاذ : وأجمع أصحابنا على وجوب هذا القول ، وإنما اختلفوا في تسميته تقليداً. والثاني : قبوله على احتمال الصواب والخطأ . والعلوم نوعان : عقلي وشرعي . الأول: العقلي وهو المسائل المتعلقة بوجود الباري وصفاته ، واختلفوا فيها ، والمختار أنه لا يجوز التقليد ، بل يجب تحصيلها بالنظر، وجزم به الأستاذ أبو منصور، والشيخ أبو حامد الأسفرايني في تعليقه، وحكاه الأستاذ أبو إسحاق في ((شرح الترتيب)) عن إجماع أهل العلم من أهل الحق وغيرهم من الطوائف. وقال أبو الحسين بن القطان في كتابه : لا نعلم خلافاً في امتناع التقليد في التوحيد. وقال بعضهم : لو خشي المكلف أن يموت لم يجز التقليد . وحكاه ابن السمعاني عن جميع المتكلمين ، وطائفة من الفقهاء وقالوا : لا يجوز للعامي التقليد فيها ، ولا بد أن يعرف ما يعرفه بالدليل . وقالوا : العقائد الأصولية عقلية، والناس مشتركون في العقل. وقال: وأكثر الفقهاء على خلاف هذا، وقالوا : لا يجوز أن يكلف العوام لاعتقاد الأصول بدلائلها، لما في ذلك من المشقة، ومثله ما نقله صاحب ((العنوان)) عن الفقهاء من جواز التقليد فيها ، تأسياً بالسلف ، إذ لم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أجلاف العرب بالنظر ، ونازعه ابن دقيق العيد في هذا الاستدلال بأنه إذا أريد بالنظر المصطلح، من ترتيب المقدمات فلا يعتبر اتفاقاً وإن ٢٧٧ أراد أنه لم يحصل لهم النظر في نفس الأمر ، من غير هذا الترتيب والاصطلاح ممنوع ، وكيف وقد شاهدوا المعجزة ، وأحوال الرسول ، والقرائن التي شاهدوها أفادتهم القطع . وقيل: بل يجب التقليد، والاجتهاد فيه حرام، ونقله صاحب ((الأحوذي)) عن الأئمة الأربعة وقال إمام الحرمين في ((الشامل)): لم يقل بالتقليد في الأصول إلا الحنابلة ، وقال الاسفرايني : لم يخالف فيه إلا أهل الظاهر . وقال القرافي : وسألت الحنابلة فقالوا : مشهور مذهبنا منع التقليد والغزالي يميل إليه ، وحكاه القاضي عياض في ((الشفاء)) عن غيره. وقال الأستاذ أبو إسحاق: ذهب قوم من كَتَبَة الحديث ، إلى أن طلب الدليل فيما يتعلق بالتوحيد غير واجب، وإنما الغرض هو الرجوع إلى قول الله ورسوله، ويرون الشروع في موجبات العقول كفرا، وان الاستدلال والنظر ليس هو المقصود في نفسه، وإنما وهو طريق إلى حصول العلم ٣٦٢ / ب حتى يصير بحيث لا يتردد، فمن حصل له هذا الاعتقاد الذي لا شك فيه، من غير دلالة، فقد صار مؤمناً وزال عنه كلفة طلب الأدلة، ومن أحسن الله إليه، أنعم عليه بالاعتقاد الصافي من الشبهه والشكوك، فقد أنعم عليه بأكل أنواع النعم وأحلها، حتى لم يكله إلى النظر والاستدلال، لا سيّما العوام، فإن كثيراً منهم تجده في صيانة اعتقاده أكثر ممن شاهد ذلك بالأدلة . ومن كان هذا وصفه ، كان مقلداً في الدليل، غير أن أصحابنا أجمعوا، على أن هذا الاعتقاد يجب أن يكون في النيات، بحيث لا يرد عليه من الشبهة إلا ما يرد على صاحب الاستدلال ، وجزم الأستاذ أبو منصور بوجوب النظر، ثم قال: فلو اعتقد من غير معرفة بالدليل ، فاختلفوا فيه ، فقال أكثر الأئمة : إنه مؤمن من أهل الشفاعة، وإن فسق بترك الاستدلال ، وبه قال أئمة الحديث ، وقال الأشعري وجمهور المعتزلة: لا يكون مؤمناً ، حتى يخرج فيها عن جملة المقلدين (انتهى) . وقد اشتهرت هذه المقالة عن الأشعري ، أن إيمان المقلد لا يصح ، وقد أنكر أبو القاسم القشيري ، والشيخ أبو محمد الجويني، وغيرهما من المحققين صحته ٢٧٨ عنه، وقيل: لعله أراد به قبول قول الغير بغير حجة، فإن التقليد بهذا المعنى قد يكون ظناً، وقد يكون وهماً، فهذا لا يكفي في الإيمان . أما التقليد بمعنى الاعتقاد الجازم لا الموجب، فلم يقل أحد أنه لا يكفي في الإيمان، إلا أبو هاشم من المعتزلة وإذا منعنا التقليد في ذلك قال الأستاذ أبو إسحاق: فاتفقوا على أنه لا يجب أن يبلغ فيه رتبة الاجتهاد، بحيث يحل له الفتوى في الحكم . وقال ابن السمعاني: إيجاب معرفة الأصول على ما يقوله المتكلمون ، بعيد جداً عن الصواب ، ومتى أوجبنا ذلك فمتى يوجد من العوام من يعرف ذلك ؟ ويصدر عقيدته عنه ؟ كيف وهم لو عرضت عليهم تلك الأدلة لم يفهموها ، وإنما غاية العامي، أن يتلقى ما يريد أن يعتقده ويلقى [به] ربه، من العلماء، ويتبعهم في ذلك ويقلدهم ، ثم يسلم عليها بقلب طاهر عن الأهواء والأدخال، ثم يعض عليها بالنواجذ، فلا يحول، ولا يزول، ولو قطع إربا، فهنيئاً لهم السلامة، والبعد عن الشبهات الداخلة على أهل الكلام، والورطات التي تغولوها، حتى أدت بهم إلى المهاوي والمهالك، ودخلت عليهم الشبهات العظيمة وصاروا متجرئين، ولا يوجد فيهم متورع عفيف إلا القليل، فإنهم أعرضوا عن ورع الألسنة، وارسلوها في صفات الله تعالى بجرأة وعدم مهابة وحرمة، ففاتهم ورع سائر الجوارح، وذهب عنهم بذلك ورع اللسان، والإنسان كالبنيان يشد بعضهم(١) بعضاً، فإذا خرب جانب منه، تداعى سائره إلى الخراب، ولأنه ما من دليل لفريق منهم يعتمدون عليه، إلا ولخصومهم عليه من الشبهة القوية . ونحن لا ننكر من الدلائل العقلية بقدر ما ينال المسلم به رد الخاطر، وإنما المنكر إيجاب التوصل إلى العقائد في الأصول، بالطريق الذي اعتقدوا، وساموا به الخلق، وزعموا أن من لم يفعل ذلك لم يعرف الله تعالى، ثم أدى بهم ذلك إلى تكفير العوام أجمع ، وهذا هو الخطيئة الشنعاء ، والداء العضال، وإذا كان السواد الأعظم هم العوام، وبهم قوام الدين، وعليهم مدار رحا الإسلام، ولعل لا يوجد في البلدة الواحدة التي تجمع المائة الف، من يقوم بالشرائط التي تعتبرونها، إلا العدد القليل الشاذ الشارد النادر ، ولعله لا يبلغ عَقد العشرة ، فمن يجد المسلم (١) كذا. وهو على ارادة جنس الانسان أي الناس. ٢٧٩ من قبله، أن يحكم بكفر هؤلاء الناس أجمع، ويعتقد أنهم لا عقيدة لهم في أصول أصلاً ، وإنهم أمثال البهائم (انتهى) . الثاني : الشرعي : وهو المتعلق بالفروع والمذاهب وفيه ثلاثة : فرقة أوجبت التقليد وفرقة حرمته وفرقة توسطت . [الأول] فذهب بعض المعتزلة إلى تحريم التقليد مطلقاً ، كالتقليد في الأصول، ووافقهم ابن حزم ، وكاد يدعى الإجماع على النهي عن التقليد، قال ونقل عن مالك أنه قال : (أنا بشر أخطىء وأصيب ، فانظروا في رأيي ، فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به ، ومالم يوافق فاترکوه) وقال عند موته : وددت أني ضربت بکل مسألة تكلمت فيها برأي سوطاً ، على أنه لا صبر لي على السياط قال : فهذا مالك ينهى عن تقليد، وكذلك الشافعي وأبو حنيفة، وقد ذكر الشافعي عن النبي وَل حديثاً ، فقال بعض جلسائه : يا أبا عبدالله ، أتأخذ به ؟ فقال له : أرأيت على زنارا ؟ أرأيتني خارجاً من كنيسة ؟ حتى تقول لي في حديث النبي مهار: أتأخذ بهذا؟ ولم يزل رحمه الله في كتبه ينهى عن تقليده وتقليد غيره هكذا رواه المزني في أول ((مختصره)) عنه . وهذا الذي قاله ممنوع، وإنما نهوا المجتهد خاصة عن تقليدهم، دون من لم يبلغ هذه الرتبة. قال القرافي : مذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد، وإبطال التقليد لقوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [سورة التغابن/١٦] واستثنى مالك أربع عشرة صورة للضرورة: وجوب التقليد على العوام ، وتقليد القائف ، إلى آخر ما ذكره. والثاني يجب مطلقاً ، ويحرم النظر ، ونسب إلى بعض الحشوية. والثالث : وهو الحق ، وعليه الأئمة الأربعة وغيرهم يجب على العامي ، ويحرم على المجتهد ، وقول الشافعي وغيره: ((لا يحل تقليد أحد)) مرادهم على المجتهد ، قال عبد الله بن أحمد : سألت أبي ، الرجل يكون عنده الكتب المصنفة ، فيها قول الرسول واختلاف الصحابة والتابعين ، وليس له بصيرة بالحديث الضعيف ٢٨٠