النص المفهرس

صفحات 221-240

يكله النبي عليه السلام الى اجتهاده ، ولا مانع من ذلك عقلاً ولا شرعاً .
وقال ابن فورك : يشترط تقريره عليه (قال) : ويجوز أن يجتهد مع النص ثم
يتأمل : فإن كان النص بخلافه صرنا إلى النص ، كذلك يجتهد بحضرته ، فإن
أفتى عليه علمنا أنه حق، وفصّل ابن حزم في الحاضر بين الاجتهاد في الأحكام ،
كإيجاب شيء أو تحريمه فلا يجوز . وقد أفتى أبو السنابك باجتهاده في المتوفى عنها
الحامل بأربعة أشهر وعشر فأخطأ . وأما غير ذلك فيجوز ، كاجتهادهم فيما
يجعلون علماً للدعاء إلى الصلاة ، ولم يكن ذلك على إيجاب شريعة تلزم ، وإنما
كان إيذاناً من بعضهم لبعض . واجتهد قوم بحضرته عليه الصلاة والسلام فيمن
هم السبعون ألفاً الذي يدخلون الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر ، فأخطؤوا في
ذلك ، حتى بين لهم النبي ◌َّهر من هم ، ولم يعنفهم في اجتهادهم . قلت : وإذا
جوزنا للغائب فما ضابط الغيبة ؟ هل هي مسافة القصر أم لا ؟ لم أر فيه نصّأ .
لكن ذكر الغزالي في ((المنخول)) أنه من بعد عنه بفرسخ أو فراسخ .
وأما الوقوع : فاختلف المجوزون فيه : فمنهم من منعه ، لقدرته على اليقين
بأن يسأل النبي ◌َّه. ومنهم من قال: وقع ظنا لا قطعا ، واختاره الآمدي وابن
الحاجب .
ومنهم من فصّل بين الحاضر والغائب ، فقال : وقع للغائب دون الحاضر .
واختاره القاضي في ((التقريب)) والغزالي وابن الصباغ في ((العدة)) وإليه ميل إمام
الحرمين . ونقله إلكيا عن أكثر الفقهاء والمتكلمين . (قال) : وهو أدخل في
الاستقامة ، وأميل الى الاقتصاد من حيث تعذر المراجعة مع تأني الدار في كل
واقعة . وقال عبد الوهاب : إنه الأقوى على أصول أصحابهم . وقال صاحب
((اللباب»: إنه الصحيح.
ومنهم من توقف في الحاضر.، وقطع في الغائب بالوقوع.
هذا حاصل ما في كتب الأصول من الأقوال. وقال الماوردي والروياني في كتاب
الأقضية: اجتهاد الصحابة في زمنه له حالتان :
أحدهما - أن تكون له ولاية، كعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل حين بعثهما إلى
٢٢١

اليمن، فيجوز اجتهادهما، لأن معاذاً قال: أجتهد برأيي، فاستصوبه ، وسواء
اجتهد في حق نفسه أو غيره . ويكون اجتهاده أمراً مسوغا ما لم يرد عن النبي ◌َّ
خلافه .
ثانيهما - أن لا يكون للمجتهد ولاية فله حالان :
أحدهما : أن يظفر بأصل من كتاب أو سنة فيجوز اجتهاده في الرجوع إليهما،
ولا يلزم إذا قدر على النبي ◌َّيقر أن يسأله عما اجتهد فيه ، لأنه إذاً أخذ بأصل
لازم.
و (ثانيهما) أن يعدم أصلاً من كتاب أو سنة فلا يجوز أن يجتهد في حق غيره
لعدم ولايته . وأما في حق نفسه فإن كان مما يخاف فواته ففيه وجهان : (أحدهما)
لا يجوز أن يجتهد لأنه لا يصح منه أن يشرع و (الثاني) يجوز إن كان أهلاً
للاجتهاد. وعلى هذا ففي جواز تقليده وجهان (أحدهما) لا يجوز لغيره أن يقلده
فيه ، لوجود ما هو أقوى منه . فعلى هذا لا يلزم المجتهد إذا قدم على الرسول أن
يسأله .
القسم الثاني - أن يكون المجتهد حاصلاً في مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام
وغائبا عن محلته ، فإن رجع في اجتهاده إلى أصل من كتاب أو سنة صح وجاز أن
يعمل به ، لأن العجلاني سأل بعض الصحابة بالمدينة عن قذف امرأته بما سماه
فقال له: حدٍّ في ظهرك إن لم تأت بأربعة شهداء، ثم سأل رسول الله وَّهِ فأخبره
بما قيل له فتوقف فيه حتى نزلت آية اللعان ، ولم ينكر على من أجابه . وإن لم
يرجع المجتهد إلى أصل ففي جواز اجتهاده وجهان. قال صاحب ((الحاوي)):
والذي عندي أنه يصح اجتهاده في المعاملات دون العبادات ، لأن العبادات
تكليف فتتوقف على الأوامر بها ، والمعاملات تخفيف فتعتبر النواهي عنها .
الثالث : أن یکون المجتهد حاضراً في مجلس الرسول، فإن أمره بالاجتهاد صح
اجتهاده، كما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، وإن لم يأمره بالاجتهاد لم يصح
اجتهاده إلا أن يعلم به فيقره عليه ، فيصير بإقراره عليه صحيحاً ، كما قال أبو بكر
رضي الله عنه بحضرة النبي صل# في سلب القتيل وقد أخذه غير قاتله . قلت : وفي
٢٢٢
١

معنى أمره به المشاورة . لقوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران/] وقد
اشروهم في أمر وقد شاورهم الأسرى وغيره. وكذلك اجتهادهم بحضرته ليعرضوا
عليهم رأيه، فإن صح قبله، وإلا رده . كبحث الطالب عند أستاذه. وقد اجتهد
معاذ في تركه قضاء الغائب أولاً، ثم الدخول في الصلاة ورضيه النبي ◌َّ وقال:
(قد سنّ لكم معاذ) وكذلك امتناعٍ علي رضي الله عنه من محو اسم النبي مَلّ من
الصحيفة، وكان اجتهاداً عظيماً للنبي وَلّ وخرج من ذلك صور يجوز فيها
الاجتهاد/بحضرة النبي 18َّ ولا ينبغي أن تكون من موضع الخلاف .
وقد احتج الآمدي وغيره على الوقوع: (١) بقضية أبي بكر هذه وقوله وَلاقه :
(صدق) ولم يقله الصديق بغير الاجتهاد. (٢): وكذلك حكّم النبي ◌َّ سعد بن معاذ
في بني قريظة باجتهاده ثم قال: (لقد حكمت بحكم الله). (٣) وروى أنه وَ لّ أُمر
عمروبن العاص وعقبة بن عامر أن یحکما بین خصمین، وقال لهما: إن أصبتما فلكما عشر
حسنات، وإن أخطأتما فلكما حسنة واحدة.
وفي الاستدلال بهذه الأحاديث نظر: أما (الأول) ففي الصحيحين ما حاصله
أن أبا قتادة قَتَلَ عام حنين مشركاً ثم إنه عليه السلام قال : (من قَتل قتيلاً له عليه
بينة فله سلبه) ثلاث مرات ، في كل مرة يقوم أبو قتادة فلا يجد من يشهد له . فلما
كان الثالثة قال : (يا أبا قتادة ما لَكَ؟) قال : فقصصت عليه القصة ، فقال رجل
من القوم : صدق يا رسول الله ، سلب ذلك القتيل عندي فأرضه من حقه . قال
أبو بكر ... . الحديث . وظاهره أن الصديق لم يقله بالاجتهاد ، بل هو تنفيذ
لقوله عليه السلام : (من قتل قتيلاً فله سلبه) .
وأمّا (الثاني) فالنزاع أن الصحابي إذا وقعت له واقعة هل يجب عليه أن يسأله
وَ* ليخبره، كغالب عاداتهم؛ ويجوز له أن يجتهد فيها برأيه مما أداه إليه اجتهاده
فهو حكم الله. وتحكيم سعد بن معاذ ليس من هذا القبيل ، لأنه عليه السلام
فوّض إليه الحكم في واقعة فلا يلزم من ذلك جواز الاجتهاد بغير أمره عليه
السلام .
وأما (الثالث) فقیل ليس له أصل ، بل روی عبد بن حميد في مسنده عن یزید
٢٢٣

ابن الحباب حدثه عن فرج بن فضالة حدثني محمد بن عبد الاعلى عن أبيه عن
عبدالله بن عمرو بن العاصي عن أبيه أن خصمين جاءا إلى النبي وَ يؤثر فقال :
(اقض بينهما) وذكر أبو سعيد النقاش في كتاب القضاة عن بقية عن فرج بن فضالة
عن محمد بن عبدالله البهراني عن أبيه عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال :
جاء خصمان إلى النبي ◌ُّليّ فقال عليه السلام : (اقض بينهما) فقلت : يا رسول
الله كنتَ أولى به ، قال: وإن كان ، قلت : ما أقضي ؟ قال: (على أنك إن
أصبت كان لك عشر حسنات وإن أخطأت كان لك حسنة واحدة) ومداره على
فرج ، وقد ضعفه الأكثرون ، وشيخه محمد وأبوه مجهولان مع الاختلاف في اسم
أبيه ، والاختلاف هل هو عن عبدالله بن عمرو أو عن أبيه . وقد صحح الحاكم
في ((المستدرك)) الحديث ، وفيه نظر.
واستدل البيهقي بحديث ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام نادى يوم انصرف
من الأحزاب: (لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة) فتخوّف ناس فوت(١)
الوقت فصلوا دون بني قريظة. وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا النبي وَّ
وإن فات الوقت. قال: فما عنّف واحداً من الفريقين. متفق عليه. وفيه نظر من
وجهين: ( أحدهما) أن النزاع في أنه هل يجتهد فيما ليس منصوصاً عليه أو يراجع،
وهذا اجتهاد في نصه عليه السلام ما المراد به. وقد يقال: إن المقصود وقوع
الاجتهاد في الجملة. و (الثاني) أنهم كانوا غائبين، وقد سبق القول بجوازه لهم .
ومما يدل على الجواز حديث معاذ لما بعثه إلى اليمن قال: أجتهد برأيي. وصوّبه
عليه الصلاة والسلام. أخرجه الترمذي. وحديث بعثه عليه السلام عليّاً قاضيا،
وقال: لا علم لي بالقضاء، فقال: (اللهم اهدٍ قلبه وثبّت لسانه) أخرجه أبو داود
والنسائي وابن ماجه والحاكم في (المستدرك)). وعن زيد بن أرقم أن رجلاً من
أهل اليمن حدّث رسول الله وسل أن ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر، فأتوا عليّاً
يختصمون في الولد ، فقال : أنتم شركاء متشاكسون [أرى] أن نقرع بينكم ،
(١) في الاصول كلها (قرب).
٢٢٤

فقرع أحدهم فدفع إليه الولد ، فقال عليه السلام : (ما أعلم فيها إلا ما قال
علي) .
وروى أحمد في مسنده ، بسند على شرطهما عن ابن أبي ليلى ، عن معاذ قال :
كان الناس على عهد الرسول وَلَه إذا سُبق الرجل بعضَ صلاته سألهم فأومؤوا إليه
بالذي سُبق . فقال عليه السلام : (اصنعوا كما صنع معاذ) . وظاهره أن الحكم
تغير من يومئذ وأنه إنما فعل ذلك باجتهاده بأمره عليه السلام ونسخ به الحكم
الأول . بل صرح بذلك فأخرج الطبراني هذا الحديث في ((معجمه))، بسندٍ على
شرطهما إلا فليحاً فعلى شرط البخاري ، ولفظه : عن معاذ قال : فجئت يوماً وقد
سُبقت وأشيرَ إلى بالذي سُبقت به .
فقلت : لا أجده على حال كنت عليها ، فكنت بحالهم التي وجدتهم عليها ،
فلما فرغ رسول الله وَلقر قمت فصليت واستقبل عليه الصلاة والسلام الناس وقال
: (من القائل كذا وكذا؟) قالوا : معاذ ، فقال (قد سَنّ لكم فاقتذوا به . إذا جاء
أحدكم وقد سبق بشيء من الصلاة فليصل مع الإمام بصلاته ، فإذا فرغ الإمام
فليقض ما سبقه به). وكذلك حديث موافقة عمر رضي الله عنه ربه عز وجل في
صحيح البخاري . فدلّ ذلك على جواز الاجتهاد بحضرته عليه الصلاة
والسلام .
فائدة: قال الرازي في ((المحصول)): الخلاف في هذه المسألة لا ثمرة له في
الفقه . واعترضه ابن الوكيل وقال : بل في مسائل الفقه ما يبنى عليه . من ذلك
ما إذا شك في نجاسة أحد الإناءين ومعه ماء طاهر بيقين . ففي جواز الاجتهاد
وجهان : (أصحهما) يجتهد ولا يكلف الغير ، بدليل طهارته من الإناء المظنون
طهارته وهو على شاطىء البحر . وهذا قول من يجوز الاجتهاد في زمنه . و (الثاني)
لا ، وهو قول من يمنع الاجتهاد . وكذلك من اجتهد في دخول الوقت ، هل تجوز
له الصلاة مع القدرة على تمكن الوقت . ورجحان العمل بالاجتهاد فيها أقوى من
التي قبلها .
٢٢٥

وقال بعضهم : هذا التخريج وهم ، فالقادر على سؤال الرسول لا يتيقن أنه
قادر على اليقين حتى يتيقن أنه أنزل عليه في مسألة وحي ، وإلا فما لم ينزل الوحي
فلا حكم فلا قطع ولا ظن . فغاية القادر على الرسول ان يجوّز نزول الوحي
فيكون مجوّزاً لليقين ، وإنما مأخذ هذا الخلاف الأصولي ما في الاجتهاد مع رسول
الله وسلّ من التحري، وما فيه من سلوك طريق لا يأمن فيها / الخطأ مع التمكن
من طريق يأمن فيه الخطأ ، فما قاله الرازي أنه لا ثمرة للخلاف صحيح ، نعم .
الخلاف في جواز الاجتهاد له عليه السلام تظهر ثمرته فيما ذكرناه ، لقدرته على
اليقين بسؤال الله ، وهذا كلام عجيب ، بل قدرته على اليقين مقطوع بها ، سواء
وقع الجواب في الحال . كما كان أغلب أحواله ، أو بعد انتظار الوحي كما في
اجتهاده سواء . وإنما المانع من التخريج أن الاجتهاد في ذلك ليس في حكم
شرعي، لأن الحكم قد علم ، وإنما هو اجتهاد في تعيينه له ، ومسألتنا اجتهاد في
حكم شرعي غير معلوم له ، فلا يلزم من التجويز في المشتبه بعد علمه الجوازُ في
أصل الحكم .
مسألة ؛ يجوز أن يقال لرسول اللـه وَلير : احكم بما تشاء وما ترى من غير
اجتهاد ، فإنك لا تحكم إلا بالصواب بناء على أنه كان يجوز له الاجتهاد . نص
عليه الشافعي وعزاه بعضهم إلى غيره من المجتهدين . وقد سبقت .
٢٢٦

الركن الثالث
المجتهَد فيه
وهو كل حكم شرعي عملي أو علمي يقصد به العلم ليس فيه دليل قطعي .
فخرجٍ بالشرعي العقلى فالحق فيها واحد . والمراد بالعمل ما هو كسب للمكلف
إقداماً وإحجاماً . وبالعلمي ما تضمنه علم الأصول من المظنونات التي يستند
العمل إليها . وقولنا : ليس فيها دليل قاطع [احترازاً] عما وجد فيه ذلك من
الأحكام ، فإنه إذا ظفر فيه بالدليل حرم الرجوع إلى الظن .
مسألة : في الحادثة بحضرة النبي ◌َّي ولم يحكم فيها بشيء يجوز لنا أن نحكم في
نظيرها ، خلافاً لبعض المتكلمين في قوله : لا يجوز . وقال أبو الوفاء بن عقيل :
إن كان له # حكم في نظيرها يصح استخراجه من معنى نطقه جاز، وإلا فلا
وجه لرجوعنا إلى طلب الحكم مع إمساكه عنه . قلت : وهذا كله بحث في الجواز
العقلي ، أما الوقوع فالظاهر أنه لم يقع لوجوب البيان في وقت الحاجة .
٢٢٧

فصل
في تحليل الحُجَج
ليس يكفي في حصول الملكة على شيء تعرّفه ، بل لا بد مع ذلك من
الارتياض في مباشرته ، فلذلك إنما تصير للفقيه ملكة الاحتجاج واستنباط المسائل
أن يرتاض في أقوال العلماء وما أتوا به في كتبهم . وربما أغناه ذلك عن العناء في
مسائل كثيرة وإنما ينتفع بذلك إذا تمكن من معرفة الصحيح من تلك الأقوال من
فاسدها . ومما يعينه على ذلك أن تكون له قوة على تحليل ما في الكتب ورده إلى
الحجج ، فما وافق منها التأليف الصواب فهو صواب ، وما خرج عن ذلك فهو
فاسد ، وما أشكل أمره توقف فيه .
١
٢٢٨

:
فصَل
في وَظِيفَة المَجْتهد
اذا عرضت لهَ واقعَة
اعلم أنه حق على المجتهد أن يطلب لنفسه أقوى الحجج عند الله ما وجد إلى
ذلك سبيلا، لأن الحجة كلما قويت أمن على نفسه من الزلل. وما أحسن قول
الشافعي في ((الأم)): ((وإنما يؤخذ العلم من أعلى)) وقال فيما حكاه عنه الغزالي في
((المنخول)): إذا وقعت الواقعة فيه فليعرضها على نصوص الكتاب، فإنه أعوزه
فعلى الخبر المتواتر ثم الآحاد، فإن أعوزه لم يخض في القياس، بل يلتفت إلى ظواهر
الكتاب ، فإن وجد ظاهراً نظر في المخصصات من قياس وخبر، فإن لم يجد
مخصصا حكمٍ به، وإن لم يعثر على ظاهر من كتاب ولا سنة نظر إإلى المذاهب، فإن
وجدها مجمعاً عليها اتبع الاجماع، وإن لم يجد إجماعاً خاض في القياس . ويلاحظ
القواعد الكلية أولاً ، ويقدمها على الجزئيات ، كما في القتل بالمثقل ، فيقدم قاعدة
الردع على مراعاة الألم ، فإن عدم قاعدة كلية نظر في النصوص ومواقع الإجماع ،
فإن وجدها في معنى واحد ألحق به ، وإلا انحدر إلى قياس مُخيل ، فإن أعوزه
تمسك بالشبه ولا يعول على طرد . قال الغزالي : هذا تدريج النظر على ما قاله
الشافعي ، ولقد أخر الإجماع عن ذلك الأخبار، وذلك تأخير مرتبة لا تأخير عمل،
إذ العمل به مقدم ولكن العمل به مقدم في المرتبة، فإنه مستند قبول الإجماع.
وخالف بعضهم وقال : الصحيح أن نظره في الإجماع يكون أولاً ، إذ النصوص
يحتمل أن تكون منسوخة ، ولا كذلك الإجماع ، وإنما قدم الشافعي النص على
الظاهر تنبيهاً على أنه يطلب من كل شيء ما هو الأشرف ، فأول ما يطلب من
الكتاب والسنة النص ، فإن لم يجد فالظاهر ، فإن لم يجد ذلك في منطوقها ولا
٢٢٩
٠ ٠.

مفهومها رجع إلى أفعال النبي ◌َّي ، ثم في تقريره بعض أمته ، فإن لم يجد نظر في
الإجماع ، ثم في القياس إن لم يجد الإجماع . وسكت الشافعي عما بعد ذلك ، ولا
شك أن آخر المراتب إذا لم يجد شيئاً الحكم بالبراءة الأصلية ، وقد ذكر القاضي في
((التقريب)) ذلك كله .
وقال في ((المستصفى)): يجب أن يرد نظره في كل مسألة وفي النفي الأصلي قبل
ورود السمع، ثم يبحث عن الأدلة السمعية المعتبرة، فينظر في الإجماع، فإن وجده
وإلا ففي الكتاب والسنة المتواترين، وهما في مرتبة واحدة لإفادة القطع، فإن وجد
أخذ به وإلا نظر بعد في عموماتها وظواهرها، فإن وجد وإلا نظر في مخصصات
العموم من أخبار الآحاد والأقسية ، فإن عارض القياس عموما، أو خبرُ واحد
عموما وعدم الترجيح توقف على رأي ، وتخير على رأي ، وإن تعارض دليلان نظر
في النسخ والترجيح ، فإن عدمهما جاء الخلاف في التخيير والوقف . فإن عدم بناه
على حكم الأصل في العقل ، وهو نفي الحكم على ما هو المختار .
مسألة
يشترط في العمل بالنّص الظاهر البحث عن المعارض هل له ناسخ أو مخصّص
أو مقيد أو غير ذلك . وحكى عن قوم أنه لا يشترط، وله الحكم بالدليل بمجرد
الاطلاع عليه. وهذا هو الخلاف السابق في باب العموم، في التمسك بالعام قبل
المخصص. وإذا أوجبنا البحث فإلى أي وقت يبحث ؟ فيه الخلاف السابق هناك
فاستحضره. والعجب من صاحب ((المحصول)) أنه قطع هنا بالبحث عن المعارض
مع قوله في باب العموم أنه يجوز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصص.
وحکی الخلاف فيه عن ابن سريج. ویجری هذا في کل دليل مع معارضه،
كالقياس مع الاستصحاب وغيرها. نعم، إذا وجد المجتهد الإجماع عمل به من
غير بحث ولا طلب على الصحيح ، كما قال الأبياري ، لأنه لا يتصورله معارض
، فإن الإجماعين لا يتعارضان ، ولا يصح نسخه .
٢٣٠

فصل
قال الماوردي: الاجتهاد / بعد النبي وَلهو تنقسم طرقه إلى ثمانية أقسام :
٣٥٥ / ١
أحدها - ما كان الاجتهاد مستخرجاً من معنى النص : كاستخراج علة الربا من
البُرّ ، فهذا صحيح عند القائلين بالقياس .
ثانیها - ما استخرجه من شبه النص : کالعبد في ثبوت ملكه، لتردد شبهه بالحرّ
في أنه يملك لأنه مكلف، وشبهه بالبهيمة في أنه لا يملك لأنه مملوك، فهو صحيح
غير مدفوع عند القائلين بالقياس والمنكرين له، غير أن المنكرين له جعلوه داخلا
في عموم أحد الشبهين . ومن قال بالقياس جعله ملحقاً بأحد الشبهين .
ثالثها - ما كان مستخرجا من عموم النص : كالذي بيده عقدة النكاح في قوله
تعالى: ﴿أو يعفوَ الذي بيده عقدةُ النكاح﴾ [البقرة/٢٣٧] يعم الأب والزوج والمراد
به أحدهما . وهذا صحيح يتوصل إليه بالترجيح .
رابعها - ما استخرج من إجمال النص : كقوله تعالى في المتعة: ﴿ومتعوهن على
الموسع قدره وعلى المقتر قدره) [البقرة/٢٣٦] فيصح الاجتهاد في قدر المتعة باعتبار
حال الزوجين .
خامسها - ما استخرج من أحوال النص : كقوله تعالى في المتمتع ﴿فصيام ثلاثة
أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة/١٩٦] فاحتمل صيام الثلاثة قبل عرفة ،
واحتمل صيام السبعة إذا رجع في طريقه، وإذا رجع إلى بلده ، فصح الاجتهاد في
تغليب إحدى الحالتين على الأخرى .
سادسها - ما استخرج من دلائل النص: كقوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من
سعته﴾ الآية [الطلاق/٧] فاستدللنا على تقدير نفقة الموسر ، فإنه أكثر ما جاءت به
السنة في فدية الأذى ، في أن لكل مسكين مدين ، فاستدللنا على تقدير نفقة
المعسر بمد، فإنه أقل ما جاءت به السنة في كفارة الوطء أن لكل مسكين مدّاً .
٢٣١

سابعها - ما استخرج من أمارات النص : كاستخراج دلائل القبلة لمن خفيت
عليه ، مع قوله تعالى: ﴿وعلامات وبالنجم هم يهتدون﴾ [النحل /١٦] مع
الاجتهاد في القبلة بالأمارات والدلالة عليها من هبوط الرياح ومطالع النجوم .
ثامنها - ما استخرج من غير نص ولا أصل : قال : واختلف أصحابنا في
صحة الاجتهاد بغلبة الظن على وجهين :
(أحدهما) - لا يصح حتى يقترن بأصل ، فإنه لا يجوز أن يرجع في الشرع الى
غير أصل ، وهو ظاهر مذهب الشافعي . ولهذا كان ينكر القول بالاستحسان ،
لأنه تغليب ظن بغير أصل .
و (الثاني) يصح الاجتهاد به ، لأنه في الشرع أصل ، فجاز أن يستغني عن
أصل . وقد اجتهد العلماء في التقدير على ما دون الحدّ بآرائهم في أصله من ضرب
٦
وحبس . وفي تقديره بعشر جلدات في حال ، وبعشرين في حال . وليس لهم في
هذه المقادير أصل مشروع . والفرق أن الاجتهاد بغلبة الظن يستعمل مع عدم
القياس .
مَسألة
قال المزني رحمه الله في كتاب ((فساد التقليد)): إذا اختلف الأئمة وادعت كل
فرقة بأن قولها نظرُ الكتاب والسنة وجب الاقتداء بالصحابة وطلبهم الحق بالشورى
الموروثة عن النبي ◌َّر، قال تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ [الشورى/٣٨]
فيحضر الإمام أهل زمانه فيناظرهم فيما مضى وحدث من الخلاف ، ويسأل كل
فرقة عما اختارت، ويمنعهم من الغلبة والمفاخرة، ويأمرهم بالإنصاف والمناصحة،
ويحضّهم على القصد به إلى الله ، فإن الله تعالى يقول : ﴿إِن يريدا إصلاحاً
يوفق الله بينهما﴾ [النساء /٣٥] فبذلك يتبين لهم النظر للكتاب والسنة . فإن قيل:
٢٣٢

إذا لم يقم الإمام بذلك فالسبيل(١) إلى معرفته، قيل : على العالم الذي وقف في
الفتوى موقف الإمام أن يطلب العلماء فيناظرهم بمثل مناظرة الإمام ، فإن كان - أو
كانوا - بموضع لا يصل فيه إليهم فأقرب ما بعد ذلك النظر في كتب من تقدم من
السلف ومن بعدهم من العلماء والاحتجاج لهم، وعليهم تتبع الحق ممن قامت
حجته فيهم بما وصفت وإدامة الرغبة إلى الله في توفيقه للفهم في كتابه وسنة نبيه
محمد مرَّه، فإنه لا يُدرَك خير إلا بمعرفته (انتهى). وهي فائدة جليلة .
فائدة : على فقيه النفس ذي الملكة الصحيحة تتبع ألفاظ الوحيين الكتاب
والسنة واستخراج المعاني منهما . ومن جعل ذلك دأبه وجدها مملوءة ، وورد البحر
الذي لا ينزف ، وكلما ظفر بآية طلب ما هو أعلى منها ، واستمد من الوهاب .
ومن فقه الفقه قولهم في حديث ميمونة (هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم
به) إن فيه احتياطا للمال وإنه مهما أمكن أن لا يضيع فلا ينبغي أن يضيع .
والفقيه أعلى ، يأخذ من هذا ما هو أعلى منه ، وهو أن الجالس على الحاجة ، أو
المستريح على القارعة تحت ظل شجرة إذا باحث نفسه قال لها : هلا حصّلت ثوابا
وعملا صالحاً ، فإذا قال له الوسواس : أنت على الخلاء ، وما عساك تحصل من
الطاعة وأنت بمكان تنزه عنه ذكر الله ، يقول؛ إنما مُنعنا ذكر الله بالألسن ، فهلا
استحضرت ذكر المنعم بدفع هذا الأذى عنا ، وتهيؤ القوة الدافعة ، حتى لا يخلو
. تحصيل الطاعة من المحالّ القذرة . كما أن الشارع لم يغفل عن فتح تحصيل المال
من المقذّرات والميتات بمعالجة الدباغ .
وكذلك قوله وَيقول: (لا تنكح المرأة على عمتها وخالتها، فإنكم إذا فعلتم ذلك
قطعتم أرحامهُنّ) فيتعدى استنباطه إلى تحريم كل ما يوقع القطيعة والوحشة بين
المسلمين وإفساد ما بينهم ، حتى السعي على بعضهم في مناصب بعض ووظيفته
من غير موجب شرعي وقس على ذلك وأمثاله تغنم بتحصيل الفوائد وتثمير
الأعمال .
(١) لعلها (فما السبيل). مع صحة ما في الاصول.
٢٣٣

٣٥ / ب
مسألة : ادعى الغزالي وغيره الإجماع على أن كل مجتهد غلب على ظنه حكم
كان ذلك حكم الله تعالى في حقه وحق من قلده حتى لو اعتقد خلاف الإجماع
لدليل كان حكم الله في حقه إلى أن يطلع على مخالفته الإجماع . وفي ذلك نظر ،
لأن الشافعي رضي الله عنه قال في ((سير الواقدي)) - وهو من كتب ((الأم)) من
أواخرها - : فإذا قُدّم المرتد ليقتل فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده
ورسوله، وقتله بعض الولاة فالذين لا يرون أن يستتاب المرتد فعلى قاتله الكفارة
والدية ، ولولا الشبهة لكان عليه القود . وحكى القاضي أبو الطيب في كتاب
الحج في باب الإحصار من ((تعليقه)) / أن الشافعي قال في كتاب المناسك الكبير
: لو كان يذهب ــ أي المحرم - إلى أن المريض يحل إذا بعث الهدي بمنى ، فبعث
الهدي فنحر هناك أو ذبح لم يحل . وكان على إحرامه ، وإذا رجع إلى مكة كان
حراماً كما كان (قال القاضي أبو الطيب رحمه الله): وهذا يدل من الشافعي على
أن من اعتقد مذهباً وعمل به لم يحكم بصحة فعله عنده ، لأن هذا اعتقد جواز
التحلل وتحلل ولم يجعله حلالاً بذلك ولم نصححه في حقه . ونقله الروياني في
((البحر)) عن القاضي أبي الطيب وأقرَّه. وقال الأصحاب في باب الزنى في الشبهة :
كل جهة صححها بعض العلماء أباح الوطء بها لا حدّ فيها على المذهب وإن
كان الواطىء يعتقد التحريم . وقيل : يجب على من يعتقد حرمته دون غيره .
مسألة : نص الشافعي رضي الله عنه على أن العالم لا يقول في مسألة: ((لا
أعلم)) حتى يجهد نفسه في النظر فيها ثم يقف. كما أنه لا يقول: ((أعلم)) ويذكر ما
علمه حتى يجهد نفسه ويعلم، نقله بعض المتأخرين . ووجهه أن العالم ليس
كالعامّي ، فقوله : لا أعلم يهون أمر المسألة ويطمع السائل في الإقدام مع أنها قد
تكون منصوصة الحكم . وأيضاً فالعالم مأمور بالنظر ليتعلم ويعلّم ، فليس قوله
((لا أعلم)) من الدين في شيء حتى يقف عند مقتضيات العلم بعد سبرها . ولا
شك أن هذا محمول على من يطلق ((لا أعلم)) إطلاقاً . أما من يقيد كلامه بما
يعرف فيه المعنى فلا يمنع .
مسألة : هل على المجتهد بيان الدليل الذي دل علمه على المسألة ؟ يتجه فيه
تخريج خلاف من المفتي : هل يجب عليه ؟ كما سنذكره في باب الفتوى، أو من
٢٣٤
١

الشاهد : هل يجب عليه بيان مستنده من مشاهدة أو استفاضة أو لا يجب ؟ بناء
على أنه لم يأت بها إلا على اعتقاد صحة وقوعها . والمشهور الثاني . نعم ، قال
الرافعي في باب الشهادة على الشهادة : يبين الفرع في الأداء جهة التحمل من
استدعاء أو أداء أو بيان سبب . قال الإمام : لأن الغالب الجهل بطريقه ، فإن
كان يعلم ووثق به القاضي جاز تركه .
مسألة : إذا وجدنا عن مجتهد حكماً وظفرنا له بدليل مناسب ، وفقدنا غيره ،
فهل يجوز لنا جعله معتمداً لهذا المجتهد ؟ جزم به القرافي في ((القواعد)) قال :
ولهذا أجمعت الأمة على أنّا إذا رأينا في كلام الشارع حكماً ، وظفرنا له بمناسبة
جزمنا بإضافة الحكم إليها مع تجويز أن لا يكون الأمر كذلك عقلاً ، لكن
الاستقراء دلّ عليه .
مَسألة
يجب على المجتهد أن يقصد باجتهاده طلب الحق عند الله وإصابة العين التي
يجتهد فيها . قال الماوردي : هذا هو الظاهر من مذهب الشافعي (قال): ويشبه أن
يكون من مذهب المزني أن عليه أن يقصد باجتهاده طلب الحق عند نفسه ، لأن ما
عند الله لا يعلم إلا بالنص ، وعلى كلا المذهبين عليه أن يتوصل باجتهاده إلى
طلب الحق وإصابة العين ، فيجمع بين هذين الشرطين .
وقال بعض العراقيين من الفقهاء والمتكلمين : عليه الاجتهاد وليعمل بما يؤديه
اجتهاده اليه ، فيجعلون عليه الاجتهاد ولا يجعلون عليه طلب الحق بالاجتهاد ،
ونسب إلى أبي يوسف . واختلف عن أبي حنيفة فقيل : في بعض الأحكام عليه
طلب الحق بالاجتهاد ، كقولنا ، وفي بعضها يعمل بما يؤديه إليه اجتهاده کأبي
يوسف . وقد اختلطت مذاهب الناس في هذا حتى التبست . واحتج القائلون بأن
عليه طلب الاجتهاد ، لا طلب الحق ، بأن ما أخفاه الله لا طريق لنا إلى إظهاره .
وفي إلزامه تكليفُ ما لا يطاق . وهو غلط لأن الاجتهاد نوع من الاستدلال .
٢٣٥

وحكى الرافعي في باب الاجتهاد في القبلة ، عن الصيدلاني قولين : أنه هل
المكلف به الاجتهاد لا غير ، أو كلف التوجه للقبلة ؟ وفائدتهما فيما لو اجتهد ثم
تيقن الخطأ ، هل يجب القضاء ؟ فعلى الأول : لا يجب ، وعلى الثاني : يجب .
وذكر إمام الحرمين في ((النهاية)) هناك هذا الخلاف أيضاً وقال : إنه يجري في كل
مجتهد فيه ، ففي قولٍ : يكلف إصابة المطلوب ، وفي قول : يكلف بذل المجهود
في الاجتهاد .
في حكم الاجتهاد : لا يخلو حال المجتهد فيه إما أن تتفق عليه أقوال المجتهدين
أو تختلف : فإن اتفقت فهو إجماع يجب العمل به ، وإن اختلفت أقوالهم فإما أن
يكون في حكم عقلي أو شرعي :
الأول - العقلي : فإن كان الغلط مما يمنع معرفة الله سبحانه ورسوله ، كما في
إثبات العلم بالصانع والوحدانية وما يتعلق بالعدل والتوحيد ، فالحق فيها واحد ،
هو المكلف ، وما عداه باطل . فمن أصابه أصاب الحق ، ومن أخطأه فهو كافر .
وإن كان في غير ذلك ، كما في مسألة الرؤية وخلق القرآن ، وكما في وجوب
متابعة الإجماع والعمل بخبر الواحد ، فقد أطلق الشافعي عليه اسم (الكفر) ،
فمن أصحابه من أجراه على ظاهره ، ومنهم من أوله على كفران النعم ، وصححه
النووي وغيره ، ولا شك في أنه مبتدع فاسق ، لعدوله عن الحق .
هذا كله إذا كانت المسألة دينية . أما ما ليس كذلك ، كما في وجوب تركيب
الأجسام من ثمانية أجزاء ، وانحصار اللفظ في المفرد والمؤلف ، فلا المخطىء فيه
آثم ، ولا المصيب مأجور ، إذ يجري مثل هذا مجرى الخطأ في أن مكة شرّفها الله
أكبر من المدينة أو أصغر .
وقال عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة : كل مجتهد في الأصول
مصيب . ونقل مثله عن الجاحظ . ويلزم من مذهب العنبري أن لا يكون أحد
من المخالفين في الدين مخطئاً . وأما الجاحظ فجعل الحق في هذه المسائل واحدًا،
ولكنه يجعل المخطىء في جميعها غير آثم . أما رأي العنبري فبَيُّ الاستحالة ، فإنه
يستحيل أن يكون الحق أن العالم قديم وأنه محدث ، وأما [رأي] الجاحظ فباطل ،
٢٣٦

فإن النبي عليه الصلاة والسلام قاتل اليهود والنصارى ، وكذلك الصحابة ، ولولا
أنهم مخطئون وآثمون لما كان كذلك . قال ابن السمعاني : وكان ابن العنبري
يقول في مثبتي القدر : هؤلاء عظّموا الله ، وفي نافي القدر : هؤلاء نزّهوا الله ،
وقد استبشع هذا القول منه ، فإنه يقتضي تصويب اليهود والنصارى وسائر الكفار
في اجتهادهم (قال) : ولعله أراد أصول الديانات التي اختلف فيها أهل القبلة،
كالرؤية وخلق الأفعال ونحوه / . وأما ما اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل ١/٣٥٦
الملل ، كاليهود والنصارى والمجوس ، فهذا مما يقطع فيه بقول أهل الإسلام .
قلت : وهذا أحد المنقولات عنه . قال القاضي في ((مختصر التقريب)):
اختلفت الرواية عن العنبري فقال في أشهر الروايتين : إنما أصوّب كل مجتهد في
الدين تجمعهم الملة . وأما الكفرة فلا يصوّبون . وغلا بعض الرواة عنه فصوّب
الكافرين المجتهدين دون الراكنين إلى البدعة .
ونحن نتكلم معهما مختصراً فنقول : أنتما (أولاً) محجوجان بالإجماع قبلكما
وبعدكما . و (ثانيا) إذا أردتما بذلك مطابقة الاعتقاد للمعتقد فقد خرجتما عن حيز
العقلاء وانخرطتما في سلك الأنعام . وإن أردتما الخروج عن عهدة التكليف ونفي
الحرج - كما نقل عن الجاحظ - فالبراهين العقلية من الكتاب والسنة والإجماع
الخارجة عن حد الحصر تردّ هذه المقالة . وأما تخصيص التصويب بالمجمعين على
الملة الإسلامية فنقول : مما خاض فيه المسلمون القول بخلق القرآن وغير ذلك مما
يعظم خطره . وأجمعوا قبل العنبري على أنه يجب على المرء إدراك بطلانه .
وقال الغزالي في ((المنخول)): لعله أراد خلق الأفعال وخلق القرآن ، إذ المسلم
لا يكلف الخوض فيه ، بخلاف قِدَم العالم ونفي النبوات ، وهو مع هذا فاسد ،
فإن اعتقاد الإصابة المحققة على هذا محال .
وقال الكيا : ذهب العنبري إلى أن المصيب في العقليات واحد ، ولكن ما
يتعلق بتصديق الرسل وإثبات حدوث العالم وإثبات الصانع ، فالمخطىء فيه غير
معذور . وأما ما يتعلق بالقدر والجبر وإثبات الجهة ونفيها فالمخطىء فيه غير معذور
ولو كان مبطلاً في اعتقاده بعد الموافقة بتصديق الرسل والتزام الملة، وبين ذلك على
٢٣٧

أن الخلق ما كلفوا إلا اعتقاد تعظيم الله وتنزيهه من وجه ، ولذلك لم يبحث
الصحابة عن معنى الألفاظ الموهمة للتشبيه ، علماً منهم بأن اعتقادها لا يجر حرجاً .
وقال ابن برهان : لعله أراد أنه معذور في اجتهاده ، ولكن عبر عنه بالمصيب .
والذي نقله الإمام عنهما الجواز في الأصول مطلقاً بمعنى حطّ الإثم ، لا بمعنى
المطابقة للحق في نفس الأمر ، إذ فيه الجمع بين النفي والإثبات ، وهو مُحَال . وما
ذكراه ليس بمحال عقلاً ، لكنه محال شرعاً ، للإجماع على تخليد الكفار في النار ،
ولو كانوا غير آثمين لما ساغ ذلك .
وأما ابن فورك فنقل عنه ذلك فيما يمكن فيه التأويل ، نحو القول بالقدر
والإرجاء .
وقال القاضي عياض في ((الشفاء)): ذهب العنبري إلى تصويب أقوال
المجتهدين في أصول الدين فيما كان عرضة للتأويل وحكى القاضي ابن الباقلاني
مثله عن داود بن على الاصفهاني ، وحكى قوم عنهما أنهما قالا ذلك فيمن علم الله
من حاله استفراغ الوسع في طلب الحق من أهل ملتنا وغيرهم . وقال الجاحظ
نحو هذا القول . وتمامه في أن كثيراً من العامة والنساء والبُله مقلدة النصارى
واليهود وغيرهم لاحجة لله تعالى عليهم ، إذ لم يكن لهم طباع يمكن معها
الاستدلال ، وقد نحا الغزالي قريباً من هذا المنحى في كتاب ((التفرقة بين الإسلام
والزندقة ((وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحداً من النصارى
واليهود، وكل من فارق دين المسلمين ووقف في تكفيرهم أو شك ، لقيام النص
والإجماع على كفرهم. فمن وقف فيه فقد كذب النص. (انتهى).
وما نسبه للغزالي غلط علیه، فقد صرح بفساد مذهب العنبري، كما سبق عنه،
وهو بريء من هذه المقالة والذي أشار إليه في كتاب ((التفرقة)) هو قوله: إن من لم
تبلغه الدعوة من نصارى الروم أو الترك أنهم معذورون، وليس فيه تصويبهم،
والكلام إنما هو فيمن بلغته الدعوة وعاند . وإنما نبهت على هذا لئلا يغتر به
الواقف عليه .
وقال ابن دقيق العيد : ما نقل عن العنبري والجاحظ إن إرادا أن كل واحد من
٢٣٨

المجتهدين مصيب لما في نفس الأمر فهو باطل قطعاً ، لأن الحق متعين في نفس
الأمر في جهة واحدة ، والمتفاضلان لا يكونان حقين في نفس الأمر . وإن أريد به
أن من بذل الوسع ولم يقصر في الأصوليات أنه يكون معذوراً غير معاقب فهذا
أقرب وجهاً ، لكونه نظرياً ، ولأنه قد يعقد فيه أنه لو عوقب وكلف بعد استفراغه
غاية الجهد لزم تكليفه لما لا يطاق .
وقال في ((شرح الإلمام)): يمكن أن يجيب العنبري عمّارُدّ به عليه من تبييت
المشتركين واغترارهم(١) وعدم المعرفة بالفرق بين المعاند وغيره ، فله أن يقول :
المكلف منه مع إمكان النظر بين معاند ومقصر ، وأنا أقول بهلاك كل واحد منهما .
هذا إن كان ما قالا بناء على ما ذكرناه . وأما الذي حكى عنه من الإصابة في
العقائد القطعية فباطل قطعاً ، ولعله لا يقوله إن شاء الله تعالى .
وأما المخطىء في الأصول والمجسمة : فلا شك في تأثيمه وتفسيقه وتضليله.
واختلف في تكفيره. وللأشعري قولان. قال إمام الحرمين وابن القشيري
وغيرهما: وأظهر مذهبيه ترك التكفير، وهو اختيار القاضي في كتاب ((إكفار
المتأولين)) : وقال ابن عبد السلام : رجع الأشعري عند موته عن تكفير أهل
القبلة، لأن الجهل بالصفات ليس جهلاً بالموصوفات . وقال : اختلفنا في عبارة
والمشار إليه واحد . والخلاف فيه وجهان لأصحابنا كما قاله ابن القشيري، وكان
الإمام أبو سهل الصَعْلوكي: لا يكفر ، قيل له : ألا تكفر من يكفّرك ؟ فعاد إلى
القول بالتكفير . وهذا مذهب المعتزلة ، فهم يكفرون خصومهم ويكفر كل فريق
منهم الآخر. قال الإمام: ومعظم الأصحاب على ترك التكفير. وقالوا: إنما نكفر
من جهل وجود الرب، أو علم وجوده ولكن فعل فعلاً، أو قال قولاً ، أجمعت
الأمة على أنه لا يصدر ذلك إلا عن كافر . ومن قال بتكفير المتأولين يلزمه أن يكفّر
أصحابه في نفي البقاء أيضا ، كما يكفر في نفي العلم وغيره من المسائل المختلف
فيها . قلت : وقد أطلق الشافعي رحمه الله تكفير القائل بخلق القرآن ، لكن
جمهور اصحابه تأولوه على كفران النعمة ، كما قاله النووي وغيره .
(١) أي أخذهم على غِرّة.
٢٣٩

الثاني - ما يتعلق بالمسائل الأصولية : / ككون الإجماع حجة ، وكون القياس
٣٥٦ / ب
وخبر الواحد حجة ، وكالخلاف في اشتراط انقراض العصر في الإجماع ، وفي
الحاصل عن اجتهاد ، ومنه اعتقاد كون المصيب واحداً في الظنّات. قال الغزالي:
فهذه المسائل أدلتها قطعية ، والمخالف فيها آثم مخطىء . وقال أبو الحسين في
((شرح العمد)) : لا يجوز التقليد في أصول الفقه ، ولا يكون كل مجتهد مصيبا ،
بل المصيب واحد ، بخلاف الفقه في الأمرين (قال) : والمخطىء في أصول الفقه
يلحق بأصول الدين . كذا قال ولم يحك فيه خلافاً .
قال القرافي : وقد خالف جماعة من الأئمة في مسائل ضعيفة المدارك ،
كالإجماع السكوت ، والإجماع على الحروب ونحوهما فلا ينبغي تأثيمه ، لأنها
ليست قطعية، كما أنّا في أصول الدين لا نؤثم من يقول: العرض يبقى زمانين أو
بنفي الخلا وإثبات الملا وغير ذلك .
الثالث - ما يتعلق بالأحكام الشرعية الفقهية : فقال الأصم وبشر المريسى: إن
الحق فيها واحد وأن أدلتها قاطعة، فلذلك من تعدى الحق فيها فهو مخطىء وآثم،
فكيف بمسائل العقائد، وإنما يستقيم هذا المذهب إذا لم يكن القياس حجة،
وكذلك خبر الواحد والعمومات كلها، فالحجج المثبتة لكون هذه حجة يلزمها
بطلان هذا المذهب .
وأما جمهور الأمة فقد قالوا : إن هذه المسائل منها مالا يسوغ فيه الاجتهاد ،
ومنها ما ليس كذلك ، والتي لا يسوغ فيها الاجتهاد وهي التي أدلتها قاطعة فيها ،
فإنّا نعلم بالضرورة أنها من دين النبي عليه الصلاة والسلام كوجوب الصلوات
الخمس وصوم رمضان وتحريم الزنى والخمر ، والمخطىء في هذا كافر لتكذيبه الله
تعالى ورسوله . ومنها ما ليس كذلك ، كجواز بيع الحصا ، وتحريم الخنزير .
والمخطىء في هذه آثم غير كافر .
وأما التي يسوغ فيها الاجتهاد فهي المختلف فيها، كوجوب الزكاة في مال
الصبي، ونفي وجوب الوتر وغيره مما عدمت فيها النصوص في الفروع، وغمضت
فيها الأدلة ويرجع فيها إلى الاجتهاد، فليس بآثم .
٢٤٠