النص المفهرس
صفحات 161-180
وجزم ابن برهان بالأول ثم قال: ومن الناس من قال اختلاف الرواية ينزّل منزلة كثرة الرواة، لأنه يوافق إحدى الروايتين الأخريين في شيء، ويستعمل بزيادة، فكان ذلك ككثرة الرواة. وقيل: اختلاف الرواية لا يقدم على رواية من لم تختلف عنه الرواية، لأن اختلاف الرواية يكون لحفظ الراوي. (قال): ومثال ذلك حديث الاستئناف والاستقرار، فإن النبي عليه السلام قال: (إذا بلغت مائة وعشرين استقرت الفريضة) وأبو بكر يروي الاستقرار. وروي عنه أيضاً انه قال: (استؤنفت الفريضة). ومثله إلکیا بحدیث وائل أنه عليه الصلاة والسلام کان یضع ركبتيه ثم یدیه ثم جبهته وأنفه، ولم يختلف الرواة عنه، فذهب الشافعي إليه، وروی حديث أبي هريرة مثل ذلك. وروي عنه النهي عن البروك برك الإبل في الصلاة، أي وضع الركبتين قبل اليدين، فقال الشافعي: حديث وائل انفرد من المعارضة فهو أولى من حديث أبي هريرة، وحديثه قد عاضدته إحدى روايتي أبي هريرة فهو أولى . (قال): ويدخل في هذا نكاح المحرم، وتخيير بريرة، وغير ذلك. وهو راجع إلى الترجيح بكثرة العدد. (قال): ومما يقارب هذا ما نقل عن الشافعي في ترجيح أحد الخبرين على الآخر إذا كان مثل معنى أحدهما منقولاً بألفاظ مختلفة من وجوه، كرواية وابصة بن معبد في الصلاة خلف الصف: (أعد صلاتك، فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف) وروى الجمهور أن أبا بكر وقف بين النبي ◌َّهِ وبين الناس، فكان يؤذنهم بتكبير النبي ◌َّه. وروي من وجه آخر أن أبا بكر أحرم خلف الصف ثم تقدم فدخل فيه، ولم يأمره بإعادة. ووقف أعرابي على يسار الرسول، فأداره عن يمينه. وروي أنه عليه الصلاة والسلام أمّ أنساً وعجوزاً منفردة خلف أنس، فتقدم على رواية وابصة. وهو يرجع أيضاً إلى الترجيح بكثرة العدد / ٤٥ (سابعها) أن يكون أحدهما أحسن استيفاء للحديث من الآخر، كترجيح رواية جابر على رواية غيره في الإفراد، لأنه سرد الحديث من حال النبي وَّر من المدينة إلى أن عاد إليها . (ثامنها) أن يسمع أحد الروايتين من وراء حجاب، والآخر شفاهاً، فإن رواية ١٦١ المشافهة تقدم على رواية الآخر، كحديث عروة عن عائشة أن النبي وَ ل خيّر بربرة حين عتقت، ولو كان زوجها حرّاً ما خيرها، ورواية الأسود عن عائشة أنه كان حرّاً. قلنا: روايته مقدمة، لأن راويها عن عائشة عروة، وهو ابن اختها، وكان يدخل عليها ويسمع الحديث منها شفاهاً، وغيره يسمع من وراء الحجاب . (تاسعها) أن يكون أحد الخبرين برواية (حدثنا) والآخر برواية (أخبرنا)، فالذي برواية (حدثنا) أولى. قاله السهيلي في ((أدب الجدل))، لأن (أخبرنا) يحتمل أنه قُرىء عليه فغفل أوسها. بخلاف (حدثنا). وقيل: إنهما سواء، لأنه كما يحتمل سهو الشيخ في (أخبرنا) يحتمل سهو الراوي في (حدثنا). (عاشرها) أن يكون أحدهما يرويه عن حفظه وكتابه، والآخر يرويه عن أحدهما، فالأول أولى، لبعده من الزلل، ذكره السهيلي أيضاً. وحكى صاحب ((المصادر)) عن الشريف أنه إذا كان أحدهما رواه وسمعه وهو ذاكر له، والآخر يرويه من كتابه، فالأول أولى. فإن ذكر أن جميع ما في كتابه سماعه فلا ترجيح . (حادي عشرها) أن يكون أحدهما يرويه بسماعه من لفظ الشيخ والآخر بقراءته على شيخه إذا قلنا: قراءة الشيخ أعلى، كذا ذكروه. وهذا إنما يستقيم إذا قرأه العالم على العالم. أما إذا قرأه الجاهل على الجاهل فهما سيّان . (ثاني عشرها) ما يرويه بالسماع، على ما يرويه بالإجازة. (ثالث عشرها) المسند راجح على المرسل إن قُبل المرسل، للاتفاق على قبوله، بخلاف المرسل وقال قوم - منهم عيسى بن أبان -: المرسل أولى. وقال قوم - منهم عبد الجبار -: يستويان . قال في ((المحصول)): وما قاله عيسى إنما يصح حيث يقول ((الراوي)): قال الرسول. فأما إذا لم يقل ذلك، بل قال ما يحتمله كقوله: عن النبي عليه الصلاة والسلام. فالأظهر أنه لا ترجيح فيه، لأنه في معنى قوله ((روي عن الرسول)). وذلك يوجب المرجوحية أو الرد، وضعفه الهندي بأنه ظاهر أنه بلغه من سماع ولم يذكر عمن بلغه ولم يصدر منه ما ينبىء عن حصول غلبة الظن له، فلم تقبل روايته . ١٦٢ (قال): والأظهر أنه لا ترجيح فيه، لأنه بمعنى المسند، ولهذا قبله من لم يقبل المرسل. وفيما قاله نظر. وهنا فرعان : أحدهما : هذا الخلاف في غير مراسيل الصحابة، فإن مراسيلهم مقبولة على الصحيح فهي كالمسندة، حتى لو عارضها صحابي صرّح بالسماع فهما سواء. ويحتمل أنه يتطرّقه خلاف. وعلى القول بأنه من صور الخلاف فهو مقدم على مراسيل التابعي، لأن ظاهر روايته عن الصحابة، وكلما علم من المراسيل قلة الوسائط فهو أرجح على ما لم يعلم منه ذلك. وحينئذ فمراسيل كل عصر أولى من مراسيل ما بعده . ثانیھما : إذا كان لا يرسل إلا عن عدل، كابن المسيب، فهو والمسند سواء، ومن ثَمّ رجحه الشافعي. وأما إذا علم من حاله أنه لا يرسل إلا إذا حصل له غلبة الظن بصدق الخبر فمرسله راجح على مسنده . الرابع: بوقت ورود الخبر؟ ويرجح بوجوه، وهي غير قوية في الرجحان، كما قال الإمام : (أولها) الخبر المدني، أي الذي رواته من المدينة، مقدم على غيره، لأنهم أهل مهبط الوحي، وموضعهم موضع الناسخ، ولهم العناية بما وقع عندهم، لأن المدنيات متأخرة عن الهجرة. قال ابن برهان: ولذلك قدمنا روايتهم على رواية أهل الكوفة في ترجيع الأذان وإفراد الإقامة. قال الأستاذ: وكذلك تعارض الآيتين لأن الظاهر أن المدنية ناسخة للمكية، مع إمكان نزول المكية بعد النسخ ونزول المدنية قبله، إلا أن نسخ المكيات بالمدنيات أكثر من العكس . (ثانيها) ترجيح الخبر الدال على علو شأن النبي ◌َّر على ما ليس كذلك . (ثالثها) المتضمن للتغليظ على المتضمن للتخفيف، لأنه عليه الصلاة والسلام ١٦٣ كان في ابتداء أمره يرأف بالناس ويأخذهم شيئا فشيئا، ولا يتعبد بالتغليظ، فاحتمال تأخير التشديد أظهر. هكذا ذكره الآمدي وابن الحاجب، حيث قال: أو شديده، لتأخر التشديدات، لكنه ذكر قبل ذلك أنه يقدم الأخف على الأثقل. وكذا قال البيضاوي: يقدم المتضمن للتخفيف . عد (رابعها) يرجح الخبر المروي مطلقاً على المروي بتاريخ متقدم، لأن المطلق أشبه بالتأخر. كذا قالوا، وهو مخالف لترجيح الأصحاب في البينات إذا أطلقت واحدة وأُرخّت الأخرى أنهما سواء على المذهب . (خامسها) المؤرخ بتاريخ مضيق في آخر عمره وَ لّ على المطلق، لأنه أظهر تأخراً، وسبق ما فيه من الخلاف. وجعل إمام الحرمين منه أخبار الدباغ، وقد سبق أنه لا تعارض فيها. (سادسها) إذا حصل إسلام راويين معاً، كإسلام خالدٍ وعمرو بن العاص وعلم أن أحدهما يحمل الحديث بعد إسلامه فيرجح خبره على الخبر الذي لا يعلم هل تحمله الآخر قبل الإسلام أو بعده؟ لأنه أظهر تأخراً وهذا يستقيم لو كان ذلك الخبر الذي وقع التعارض فيه على ما ذكره من الوصف، أو كان يعلم أن أكثر روايات أحدهما كان بسماعه بعد إسلامه. فأما إذا لم يكن على هذين الوجهين فلا يستقيم . ١٦٤ القَوَل في الترجيح مِن جَهَة المتن وهو باعتبارات : الأول - الترجيح بحسب اللفظ : ويقع بأمور: (أولها) فصاحة أحد اللفظين، مع ركاكة الآخر. وهذا إن قبلنا كلاً منهما، فإن لم نقبل الركيك، كما صار إليه بعضهم، لم يكن مما نحن فيه . وقال قوم: يرجح الأفصح على الفصيح، لأن الظن بأنه لفظ النبي عليه الصلاة والسلام أقوى. والصحيح أنه لا يرجّح به، لأن البليغ قد يتكلم بالأفصح والفصيح، لاسيما إذا كان مع ذوي لغة لا يعرفون سوى تلك الفصيحة، كرواية: (ليس من امبرامصيامُ في امسفر). (ثانيها) يرجح الخاص على العام. قال إلكيا: والفقه على ذلك يدو، كقوله تعالى: ﴿وأَحِلّ لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء / ٢٤] ثم روي أنه نهى عن نكاح المتعة، والشغار، والمحرم، ونكاح المرأة على عمتها، والنكاح بلا ولي وشاهد. وقال الله تعالى: / ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة / ٢٧٥] ثم نهى عن بيع ٦ الغرر، والحصاة، وبيعتين في بيعة، وبيع وسلف. وقال تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي﴾ [الأنعام / ١٤٥] الآية، ثم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، ولئن حمل حامل النهي على التنزيه بدلالة العموم وجد مقالاً، ولكن يقال: الخاص يقضي على العام، فإن الخاص أقرب إلى التعيين من الجملة إذ لا يبعد أن يقصد بها تمهيد الأصول . (ثالثها) يُقَدَّم العام الذي لم يخصَّص على العام الذي خُصَّ. نقله إمام الحرمين عن المحققين، وجزم به سليم وعللوه بأن دخول التخصيص يضعف اللفظ، ولأنه يصير به مجازاً على قول. وقال الإمام الرازي: لأن الذي قد دخله قد أزيل عن تمام ١٦٥ ١ مسماه، والحقيقة تقدم على المجاز، واعترض الهندي بأن المخصوص راجح من حيث كونه خاصاً بالنسبة إلى ذلك العام الذي لم يدخله التخصيص. وحكى ابن كج التقديم عن قوم، ووجهه بإجماعهم على التعلق بما لم يخص. واختلفوا فيما خص . (قال): وعندنا أنهما سواء، ولا فرق بينهما لاستوائهما في حكم سماع الحادثة من هذا اللفظ كهو من اللفظ الآخر. وأيضاً فإن المخصوص يدل على قوته، لأنه قد صار كالنص على تلك العين (قال): وقد أجمعوا كلهم على أن العموم إذا استثني بعضه صح التعلق به . واختار ابن المنير مذهباً ثالثا، وهو تقديم العام المخصوص على العام الذي لم يخص، لأن المخصوص قد قّت أفراده حتى قارب النص، إذ كل عام لابد أن يكون نصّاً في أقل متناولاته، فإذا قرب من الأقل بالتخصيص فقد قرب من التنصيص فهو أولى بالتقدم . (رابعها) - يتقدم العام المطلق على العام الوارد على سبب، إن قلنا: العبرة تعموم اللفظ لأنه يوهنه ويحطّه عن رتبة العموم المطلق، ومبنى الترجيح على غلبة الظنون، قاله الإمام في ((البرهان))، وسبق مثله عن إلكيا، وقطع به الشيخ في ((اللمع)) وسليم في ((التقريب))، وصاحب ((المحصول)) وغيرهم (قالوا): لأن الوارد على غير السبب متفق على عمومه، والوارد على سبب مختلف في عمومه . قال الهندي: ومن المعلوم أن هذا الترجيح إنما يتأتى بالنسبة إلى ذلك السبب. وأما بالنسبة إلى سائر الأفراد المندرجة تحت العامَّين فلا، والمراد من قولهم الوارد على سبب راجح، أي بالنسبة إلى المسبب، لا بالنسبة إلى الأفراد، وإن كان كلامهم مطلقاً غير مقيد بحالة دون حالة، قلت: وإليه أشار ابن الحاجب بقوله في المسبب . (خامسها) ترجيح الحقيقة على المجاز، لتبادرها إلى الذهن، وهذا ظاهر إذا لم بغلب المجاز، فإن غلب كان أظهر دلالة منها، فلا تقدم الحقيقة عليه. (سادسها) أن يكون مجاز أحدهما أشبه بالحقيقة، فيقدم على ما مجازه يشبهها . ١٦٦ (سابعها) المشتمل على الحقيقة العرفية أو الشرعية على المشتمل على الحقيقة اللغوية. قال في ((المحصول)): وهذا ظاهر في اللفظ الذي صار شرعياً، أي بأن يكون اللفظ واحداً والمعنى في أحد الخبرين يدل على المعنى الشرعي، وفي الآخر على اللغوي. أما الذي لم يثبت ذلك فيه، مثل أن يدل هذا اللفظ بوضعه الشرعي على حكم واللفظ الثاني بوضعه اللغوي على حكم، وليس للشرع في هذا اللفظ اللغوي عرف شرعي، فلا يسلم ترجيح الشرعي على اللغوي، لأن هذا اللغوي إذا لم يَنْقُله(١) الشرع فهو لغوي عرفي شرعي. وأما الثاني فهو شرعي وليس بلغوي ولا عرفي، والنقل خلاف الأصل. (ثامنها) والخبر المستغنى عن الإضمار في الدلالة على المفتقر إليها. (تاسعها) يقدم الخبر الدال على المراد من وجهين على الدال عليه من وجه واحد، كقوله عليه السلام: (إنما الشفعة فيما لم يقسم) فقضيته أن ما قسم لا شفعة فيه، ثم قال: (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) فيقدم على رواية (الجار أحق بشفعته) لأن هذا الحديث يدل بوجه، وحديثنا يدل بوجهين. (عاشرها) ترجيح الخبر الدال على الحكم بغير واسطة على ما يدل عليه بواسطة، لزيادة غلبة الظن بقلة الواسطة، كقوله عليه الصلاة والسلام: (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل) فإنه لا يدل على بطلان نكاحها إذا نكحت نفسها بإذن وليها إلا بواسطة الإجماع، أو يقال: إذا بطل عند عدم الإذن بطل بالإذن، إذ لا قائل بالفرق. والحديث الآخر (الأيّم أحق بنفسها من وليها) فإنه يدل على بطلان نكاحها إذا نكحت نفسها مطلقا من غير واسطة، فالحديث الثاني أرجح . (حادي عشرها) يرجح الخبر المذكور من لفظ مُومٍ إلى علة الحكم على ما ليس كذلك، لأن الانقياد إليه أكثر من الانقياد إلى غير المعلل، لأن ظهور التعليل من أسباب قوة التعميم، كتقديم قوله عليه السلام: (من بدّل دينه فاقتلوه) على حديث النهي عن قتل النساء، من جهة أن التبديل إيماء إلى العلة . (١) في الأصول كلها (بقلة). ١٦٧ (ثاني عشرها) المتقدم فيه ذكر العلة على الحكم، وعَكَسَ النقشواني . (ثالث عشرها) المذکور مع معارضة أولی مما لیس کذلك، کحدیث (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)، فيرجح على الدال على تحريم الزيادة . (رابع عشرها) المقرون بنوع من التهديد، لأنه يدل على تأكد الحكم الذي تضمنته، كقوله عليه السلام: (من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم) . (خامس عشرها) المقرون بالتأكيد، بأن يكرر أحدهما ثلاثاً، والآخر لم يؤكد، فيرجح المؤكد على غيره، لأن التأكيد يبعد احتمال المجاز والتأويل، كقوله (أيما امرأة نكحت نفسها فنكاحها باطل باطل باطل) فإنه راجح على ما يرويه الحنفية (الأيّم أحق بنفسها من وليها)، لو سلم دلالته على المطلوب . (سادس عشرها) المقصود به بيان الحكم، كقوله: (فيما سقت السماء العشر من التمر) مع قوله: (ليس فيها دون خمسة أوسق من التمر صدقة) ولا يجوز أن يتأوَّل فيقال: معناه ليس فيها صدقة يأخذها العامل، بدليل الخبر الآخر، لأن أحدهما قُصِد فيه بيان المزكي، والآخر بيان الزكاة. وهذا معنى قول الشافعي: الكلام يجمل في غير مقصوده ويفضَّل في مقصوده. ومنه قوله (في سائمة الغنم زكاة) مع قوله: (في أربعين شاة شاة) وكذلك (ليس فيما دون خمسة أوسق من الورق صدقة) / مع قوله: (في الرِقَة ربع العشر) فيحمل الأمر على بيان المزكي والزكاة، لا على ما لم ينقل له الخبر ولم يدل عليه المسموع، ذكره إلكيا. (ثم قال): نعم: قد يرد على صورة البيان وإن لم يكن بيانا حقّاً، كقوله في حديث ماعز: أشهدت على نفسك أربعاً، وفي لفظ: أنت تشهد؟ وأنه ردده، فقال أهل العراق: إنه لما ردده مراراً ثم قال: أشهدت على نفسك أربعاً، دل على أن قوله: ((فإن اعترفت فارجمها)) أي اعترفت أربعاً. فقلنا: لم يكن التردد والرد لأنه لا يجب الحد بالاعتراف الأول، ولكن لم يفصح أولاً بما يلزمه الحد ورأى فيه دلائل الخبل بالجنون، ولذلك قال: لعلك لمست، وسأل عن النون والكاف فقلنا في مثل لك: رواية ماعز مقدمة، وقلبوا الأمر فلم يجعلوا البيان في القسم المتقدم معتبراً، قدّموا العموم عليه، وقدموا البيان على العموم هاهنا. ١٦٨ ومن هذا اختلاف الروايات في سجود السهو قبل السلام وبعده، فكان ما رواه الشافعي أولى، لأن فيما رواه: (واسجد سجدتي السهو قبل السلام، فإن كان أربعاً فالسجدتان ترغيما للشيطان وإن كان خمساً شفعتها بالسجدتين) فذكر الترغيم، والشفع لا يكون مع الفصل والتخلل، فكان ما نقلناه إيماء إلى بيان السبب على ما ردده . وله وجه آخر من الترجيح، وهو ورود الأمر والفعل، ونقلوا الأمر فقط، والأمر أبين من الفعل الذي يمكن تقدير اختصاصه برسول الله وليه . سابع عشرها - مفهوم الموافقة على المخالفة: على الصحيح، لأنه اقوى. وقيل تقدم المخالفة لأنها تفيد تأسيسا، والموافقة للتأكيد، والتأسيس أولى. وقيل: يتعارض مفهوم الغاية والشرط. وينبغي أن يُمثّل له بقوله تعالى: ﴿حتى يَطهرْنَ، فإذا تطهّرْنَ فَأَتوهن﴾ [البقرة / ٢٢٢] فإن مفهوم الغاية يقتضى حِلّ القربان قبل الغسل، ومفهوم الشرط يقتضي المنع قبل الغسل. الثاني - الترجيح بحَسب مَدلوله وهو الحكم، ويقع على أمور: أولها: أن يكون أحد الخبرين مفيداً لحكم الأصل والبراءة والثاني ناقلا، فالجمهور على أنه يجب ترجيح الناقل، وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق، ونقله الأستاذ أبو منصور عن أكثر أصحابنا، وجزم به ابن القطان في كتابه. (قال): وانما لم نقل: إنهما سواء لأن الناقل زائد على المقرِّر، ومن أصلنا قبول الزيادة، كما لو شهدا على رجل بألف درهم، وشهد آخران بالبراءة أو القضاء، فالإبراء أولى، لأنهما قد شهدا بما شهد به الأولان وزاد النقل على تلك الحالة، وكما قلنا في الجرح والتعديل: إذا اجتمعا فالجرح أولى (انتهى) . وقيل: يجب ترجيح المقرِّر، واختاره الإمام الرازي والبيضاوي، كحديثَي مس الذكر، فإن الناقض ناقل عن حكم ١٦٩ الأصل، والآخر مقرِّر له . تنبيه : قال القاضي عبد الجبار: هذا الخلاف ليس من باب الترجيح، بل من باب النسخ، لأنا نعمل بالناقل على انه ناسخ، ولأنه لو كان من باب الترجيح لوجب أن يعمل بالخبر الآخر لولاه لكنا إنما نحكم بحكم الأصل، لدلالة العقل، لا لأجل الخبر، والصحيح أنه من باب الترجيح، ولهذا أوردوه في بابه لا في باب النسخ، لأنا لا نقطع بالنسخ، بل نقول: الظاهر ذلك وإن کان خلافه فهو داخل في باب الأولى، وهو ترجيح . ثانيها - أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط: بأن يقتضي الحظر، والآخر الإباحة، فيقدم مقتضي الحظر، لأن المحرمات يحتاط لإثباتها ما أمكن، ولحديث: (دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك) قال الشيخ في ((اللمع)) وابن برهان: هذا هو الصحيح . وقيل: يرجح المقتضي للإباحة، لأنها تستلزم (نفي الحرج) الذي هو الأصل، واختاره القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)) وأشار الآمدي إلى القول به بحثاً، وحكاهما الشيخ أبو إسحاق وجهين . وقال القاضي والإمام والغزالي: يتساويان، فلا يقدم أحدهما على الآخر، لأنهما حكمان شرعيان صدق الراوي فيهما على وتيرة واحدة، وصححه الباجي ونقله عن شيخه القاضي أبي جعفر . وصوّر في ((الحاصل)) المسألة بأن يقتضى العقل حرمة وإباحة ما أباحه أحد الخبرين، وحرَّمه الآخر. ثم نقل فيه التساوي، ثم قال: لا يستقيم ذلك على أصلنا العازل للعقل عن أحكام الشرع. أما على أصل المعتزلة فنعم . وقال سليم: إن كان للشيء أصل إباحة وحظر، وأحد الخبرين يوافق ذلك الأصل(١)، والآخر بخلافه، كان الناقل عن ذلك الأصل أولى، كتقديم الخبر في (١) في الاصول (الآخر). ١٧٠ تحريم النبيذ. وإن لم يكن له أصل من حظر ولا إباحة فيرد خبر يقتضي الإباحة، وآخر الحظر، فوجهان: (أحدهما) أن الحظر أولى للاحتياط، ولأن الحرام يغلب. و(الثاني) أنهما سواء لأن تحريم المباح كتحليل الحرام، فلم يكن لأحدهما مزية على الآخر . وقد روینا في المعجم الكبير للطبراني عن محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا يحيى الحمامي، حدثنا موسى بن محمد الأنصاري، عن يحيى بن الحارث التميمي، عن أم معبد مولاة قرظة بن كعب قال، أي نبي الله وَلقّى: (إن المحرِّم ما أحل الله كالمستحل ما حرّم الله) والله أعلم . وقال إلكيا: إن كانت الإباحة هي الأصل فالحظر أولى، وهذا ليس من المتعارض، فنقدم الإباحة على طريان الحظر، فكان الإباحة في حكم المنسوخ. وإن كان الحظر هو الأصل فالأخذ بالإباحة أولى. أما إذا تعارضا ولم يعلم أصل أحدهما فهو موضع التوقف : - فذهب عيسى بن أبان الى أن الحظر يرجح، وقيل: إنه مذهب الكرخي، لأن الحرام يغلب . - وقال أبو هاشم: يستحيل ورود الخبرين في الحظر والإباحة ولا يمكن تقدير المستحيل . ثم قال إلكيا: والحق ما قاله أبو هاشم إذا أمكن من تعارضهما من هذا الوجه والرجوع إلى وجه آخر في الترجيح إما من حيث الاحتياط إذا امكن القول به في الترجيح على ما بيناه، أو بوجه آخر قدمناه . فائدة : من أمثلة هذا القسم أن القاضي بكار والمزني اجتمعا في جنازة، وكان القاضي يريد أن يسمع كلام المزني، فسأل بعض أصحابه المزني فقال: يا أبا إبراهيم، جاء في الأحاديث تحريم النبيذ، وجاء تحليله، فلم قدمتم التحريم على التحليل؟ فقال المزني: لم يذهب أحد من العلماء إلى أن النبيذ كان حراماً في الجاهلية ثم نسخ، ١٧١ ووقع الاتفاق على أنه كان حلالاً. فهذا يعضد صحة الأحاديث بالتحريم، فاستحسن ذلك منه . ثالثها - أن يقتضي أحدهما التحريم والآخر الإيجاب : ورجح الآمدي وغيره المقتضي للتحريم، لأنه يستدعي دفع المفسدة، وهي أهم من جلب المصلحة، ورجح البيضاوي التساوي، وهي أقرب، لتعذر الاحتياط، / الأنه بالعقل بخلاف التحريم بالترك/، بخلاف الإيجاب، فكلاهما يوقع في العقاب، وجزم به الأستاذ أبو منصور وقال: لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بدلیل . ومثاله: حديث ابن عمر: (إنما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له) قال نافع: فكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون بعث من ينظر، فإن رأى فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطراً، وإلا أصبح صائماً. وهذا يستدل به من يقول بوجوب صوم يوم الشك. ويعارضه خصمه بحديث عمار بن ياسر: (من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم) صححه الترمذي وغيره. وذكر القاضي في ((مختصر التقريب)) في تعارض العلة المقتضية للإيجاب مع العلة المقتضية للندب أن بعضهم قدم الإيجاب (قال): وفيه نظر، فإن في الوجوب قدراً زائداً على الندب. والأصل عدمه . رابعها - أن يكون أحدهما مثبتا والآخر نافياً : وهما شرعيان، فالصحيح تقديم المثبت، ونقله إمام الحرمين عن جمهور الفقهاء، لأن معه زيادةً علم ولهذا قدموا خبر بلال في صلاته عليه الصلاة والسلام داخل البيت على خبر أسامة أنه لم يصل . وقيل: بل يقدم النافي . وقيل: بل هما سواء، لاحتمال وقوعهما في الحالين، واختاره في ((المستصفى))، بناء على أن الفعلين لا يتعارضان، وهو قول القاضي عبد الجبار. قال الباجي : وإليه ذهب شيخه أبو جعفر، وهو الصحيح . ١٧٢ وقيل: إلا في الطلاق والعتاق . وفصل إمام الحرمين فقال: النافي إن نقل لفظاً معناه النفي، كما إذا نقل أنه لا يحل، ونقل الآخر أنه يحل، فهما سواءَ، لأن كل واحد منهما مثبت، وإن لم يكن كذلك بل أثبت أحدهما فعلاً أو قولاً، ونفاه الآخر بقوله(١): ولم يقله، أو لم يفعله، فالإثبات مقدم، لأن الغفلة تتطرق إلى المصغي والمستمع وإن كان محدثا . وحكى ابن المنير(٢) عن إمام الحرمين أنه فصّل بين إمكان الاطلاع على النفي يقيناً بضبط المجلس وتحقق السكوت، أو لا، فإن اطلع على النفي يقيناً وادعى سبباً يوصل لليقين تعارضا ولا يرجح الإثبات والنفي . وقال إلكيا: إذا تعارض رواية النفي والإثبات وكانا جميعاً شرعيين استُفسر النافي، فإن أخبر عن سبب علمه بالنفي صار هو والمثبت سواء، ولهذا لم يرجح الشافعي رواية نفي الصلاة على شهداء أحد على رواية الإثبات، لأن النفي اعتضد بمزيد ثقة، وهو أن الراوي جابر وأنس، والمقتول عم أحدهما ووالد الآخر، ولا يخفى ذلك عليهما. وإن قال النافي: لم أعلم بما يزيله، فعدم العلم لا يعارض الإثبات، كرواية عائشة أنه وَّ قبّلها وهو صائم، وأنكرته أم سلمة، لأنها أخبرت عن علمها فلا يدفع حديث عائشة، وكحديث الصلاة في الكعبة . وحاصله: إن كان النافي قد استند إلى العلم فهو مقدم على المثبت، وفي كلام الشيخ عز الدين نحوه، وهو حينئذ كالمثبت، وهو نظير النفي المحصور. وقد صرح أصحابنا بقبول الشهادة فيه. وكذلك لو شهد اثنان بالقتل في وقت معين، وآخران أنه لم يقتل في ذلك الوقت لأنه كان معنا ولم يغب عنا تعارضا . وبحث فيه الرافعي، ورده النووي وقال: الصواب أن النفي إن كان محصورا يحصل العلم به قبلت الشهادة. وما قاله النووي صحيح، والنفي المحصور والإثبات سيان. وقال ابن فورك: إن كان المثبت حكما شرعيا، والنافي على حكم (١) في جميع النسخ (لقوله). (٢) هذه الكلمة تحتمل في النسخ أن تقرأ (المنفر) ١٧٣ العادة فالمثبت أولى، وإن كان الحكمان شرعيين فقد تساويا إلا أن يكون ما ورد بالنفي بين أنه لم يعلم ثبوت الحكم، فيكون المثبت أولى، كرواية عائشة في تقبيلها وهو صائم، وأنكرته أم سلمة لأنها أخبرت عن عدم علمها، وذلك لا يدفع حديث عائشة (قال): وإن كان النافي أخص من المثبت فالحكم للأخص . وتحصّل أن المثبت يقدم إلا في صور: أحدها): أن ينحصر النفي، فيضاف الفعل إلى مجلس واحد لا تكرار فيه، فحينئذ يتعارضان . (الثانية): أن يكون راوي النفي له عناية به، فيقدم على الإثبات، کما قدم حديث جابر في ترك الصلاة على قتلى أحد، على حديث عقبة بن عامر أنه صلّى علیهم، لأن أباه کان من جملة القتلى، وکما قُدّم حديثه في الإفراد على حديث أنس في القِران، لأنه صرف همته إلى صفة حج النبي ◌َّر منذ خرج من المدينة إلى آخره. (الثالثة): أن يستند نفي النافي إلى علم . خامسها - ترجيح الخبر النافي للحدّ والعقاب على الموجب لهما : - على أصح الوجهين، كحديث (ادرؤوا الحدود بالشبهات) - والثاني: أنهما سواء، حكاه سليم. وذكر الغزالي أن ذلك مما يعد ترجيحا وليس بترجيح، (قال): لأن هذا لا يوجب تفاوتاً في صدق الراوي فيما نقله من لفظ الإيجاب أو الإسقاط، وضعّف قول من يقول: الرافع أولى وإن كان الحد بسقط بالشبهة. وهذا الخلاف يجري في أنه هل ترجح العلة المثبتة للعتق على النافية له، لتشوف الشارع إلى العتق. سادسها - المثبت الطلاق والعتاق مقدم على النافي: لأن الأصل عدم التغيير. وعكس قوم لموافقة التأسيس . ٦ ١٧٤ سابعها - إذا كان أحد الخبرين أخف وحكم الآخر أثقل : فقيل: إن الأول أولى. وقيل بالعكس . ثامنها - أن يكون حكم أحدهما لا تعم به البلوى : والآخر تعم به. فالأول راجح للاتفاق فيه . تاسعها - أن يكون أحدهما موجبا لحکمین: والآخر موجبا لحكم واحد، فالأول أولى، لاشتماله على زيادة علم ينفيها الثاني. وفي تقديم الثاني عليه إبطالها . عاشرها - الحكم المثبت للحكم الوضعي: أولى من الحكم المثبت للحكم التكليفي، لأن الوضعي لا يتوقف على ما يتوقف عليه التكليفي من أهلية المخاطب وفهمه وتمگّنه، لأن غير المتوقف أولى من المتوقف . وقيل: التكليفي أولى، لأنه أكثر مثوبة، وأنه مقصود الشارع بالذات، وأنه الأكثر من الأحكام، فكان أولى. ٠ الثالث - الترجيح بحَسب الأمُور الخارجية وله أسباب : أولها - اعتضاد أحد الخبرين بقرينة الكتاب: كتقديم (الحج والعمرة فريضتان) على رواية (العمرة تطوع) لموافقته لحكم القرآن من كتاب الله تعالى/، وهو قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ ٠/٣٤٧ [البقرة / ١٩٦ ] . ١٧٥ وهذا قاله الشافعي فعارضه القاضي وقال: وقوله ((أتموا)) دليل مستقل. ونحن نقول للقاضي: يجوز الترجيح بالمستقل وإن منعناه لكنا أخذنا من المستقل وصفا في الدليل، وهو تراخي النظم. وكان الشافعي يقول: ما وافق ظاهر الكتاب كانت النفوس أميل إليه، والقاضي يقول: بل الذي يخالف ظاهر الكتاب لا يُنقل ما نُقِل إلا عن زيادة الثبت. وما ذكره القاضي أقرب إلى قياس الأصول، وما ذكره الشافعي أوفق للعرف وهو المعتبر . وقال إمام الحرمين: ما ذكروه عن الشافعي فيه نظر، فإن إتمام الحج ليس فيه تعرض للابتداء، وهما مفترقان في وجوب إتمامهما بعد الشروع فيهما. (قال): ولم يذكر هذا لأن الشافعي ذكره متنمقا(١) بإيراد كلامه. ونحن نقول للإمام: الإتمام يطلق تارة على أصل الفعل وعلى إتمامه بعد الشروع فيه، لكن المراد هنا الأول، فإن الآية نزلت في عام الحديبية ولم يكن ◌َّ محرما بالحج حتى يؤمر بإتمامه . ومن مُثُله التغليس بالفجر، فإنه موافق لقوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ [آل عمران / ١٣٣]. وكترجيح حديث ابن عباس في التشهد، لموافقته لقوله: ﴿تحية من عند الله مباركة طيبة﴾ [النور / ٦١]، وترجيح حديث عائشة في البكاء على الميت، لقوله: ﴿لا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [النجم / ٣٨] وهذا يستعمله الشافعي كثيراً، وبنى عليه هذه الأصول . وكذا قدم حديث خوات في صلاة ذات الرقاع على رواية ابن عمر، لأجل الحذر المأمور به في القرآن، وجعله في ((المنخول)) من أصله، فوافق الأصول، لأن رواية خوات الأفعال فيها قليلة (قال): وقال القاضي للشافعي: إن كنت تتهم ابن عمر بحيده عن القياس فمحال، وليس القياس مناسبا لمأخذ الدليل حتى يقدح فيه. وإن قلت: إن الغالب على الرسول الجري على قياس الأصول فيعارضه أن الغالب أن الناقل عن القياس يكون أثبت في الرواية من المستمر عليه. ولهذا تقدم شهادة الإبراء على شهادة أصل الدين. قال إلكيا: وما ذكره الشافعي أوجه في مطرد العادة والعرف ولا يظهر للمسألة (١) في بعض النسخ تقرأ هذه الكلمة (منسقا) أو محققا). ١٧٦ فائدة في الحكم، وإنما الخلاف في الطريق، وهذا الخلاف بين الشافعي والقاضى فيما يرجع إلى النص، أما إذا تعارض ظاهران واعتضد أحدهما بقياس فلا شك أن الذي لم يتجه فيه تأويل متأيد للقياس لا يبالي به. ولو تعارض قياسان عاضدان للتأويل وأحدهما أجلى قدم الأجلى، ولو تعارض ظاهران أو نصّان وأحدهما أقرب إلى الاحتياط فالقاضي يرى تعارضهما أخذاً مما تقدم، والشافعي يرى تقديم الأحوط، لأنه أقرب إلى مقصود الشارع، كرواية خوات مع ابن عمر، وكإحدى الآيتين إذا تضمنت إحداهما تحليلا والأخرى تحريما. وقد قال عثمان: أحلّتهما آية وحرمتهما آية. فلا يتجه في ذلك إلا الحكم بالاحتياط . ثانيها - أن يكون فعل النبي ◌َّ موافقاً له: فإنه يقدم على الآخر، كحديث التغليس. ثالثها - أن يكون أحدهما قولا والآخر فعلًا: فيقدم القول، لأن له صيغة، والفعل لا صيغة له. وقد سبق في الأفعال الخلاف في ذلك . رابعها - أن يكون أحدهما مصرحا بالحكم: والآخر على طريق ضرب المثال، كاحتجاجنا في وجوب الصلاة بأول الوقت وجوبا موسّعاً بحديث: (صلى بي جبريل .. ) الحديث، واستدلالهم بحديث: (ما مثلكم مع من كان قبلكم إلا كمن استأجر أجيراً .. ) إلى آخره. فاحتجوا به على أن وقت العصر آخر الوقت، ذكره ابن برهان وغيره. وقال بعض الحنفية: ترجح العبارة على الإشارة، فإن حديث الإجارة سيق لبيان فضيلة هذه الأمة، وفيه إشارة إلى أن وقت الظهر أكثر من وقت العصر، بأن يبقى وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه. كما قاله أبو حنيفة، لأنه لو انتهى لصيرورة ظل الشيء مثله لكان وقت العصر أكثر من وقت الظهر، لكنه متعارض بصلاة جبريل وهي عبارة ترجحت على الإشارة . ١٧٧ خامسها - أن يكون أحدهما عليه عمل أكثر أهل السلف: فيقدم على ما ليس كذلك، لأن الأكثر يوفق للصواب ما لا يوفق له الأقل، كتقديمنا حديث تكبيرات العيد في الركعة الأولى وأنها سبعة سوى تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمس سواها أيضاً على حديث الحنفية أنها في الأولى خمس، وفي الثانية أربع، لعمل الخلفاء الأربعة وغيرهم على الأول . وقيل: لا يرجح، وبه قال الكرخي والجبائي، لأنه لا حجة في قول الاكثر، وكذلك الحكم فيما إذا تعارضا وعمل بأحدهما بعض الصحابة ولم ينقل مثل ذلك في الآخر، فيرجح الأول. قال في ((المنخول)): وإن كنا لا نرى تقديم عمل الصحابة على الحديث، خلافا لمالك. وقال إمام الحرمين: استشهد الشافعي بما رواه أنس في نصُب النعَم وقدمه على رواية علي فيها، لأن عمل الشيخين يوافق رواية أنس، فقال رضي الله عنه: أقدّم حديث أنس. قال الإمام: وهذا مما يجب التأنّ فيه، فليس هذا من باب عمل الصحابة بخلاف الخبر، إذ لم يصح عندنا بلوغهم حديث علي(١)ثم لم يعملوا به. والرأي تعارضهما ويقدم حديث أنس من جهة أن النصُب مقادير لا مجال للرأي فيها، فيقدم من هذه الجهة . قال إلكيا: والذي قاله المحققون أنا إن تحققنا بلوغ الحديثين الصحابة وخالفوا أحدهما فمخالفة الصحابة للحديث قادحة فيه، سواء عارضه غيره أم لا، وفيه خلاف. وإن لم يتحقق بلوغ الحديث إياهم فالشافعي يرجح به، وفيه نظر على الجملة، فإن الحديث الآخر إذا لم يبلغهم لم يكونوا مخالفين له حتى يقال: لعلهم علموا بناسخ، إلا أن يقال: ما عملوا به مدة عمرهم يدل على أنه الأصح والأوضح . سادسها - أن يكون أحدهما يتوارثه أهل الحرمين: والآخر لم يتوارثوه، فيقدم الأول على الثاني، كتقديم رواية الترجيع في الأذان. قاله ابن برهان . (١) كذا في الأصول. والمراد ((بلوغ حديث علي إيّاهم)) كما يأتي. ١٧٨ سابعها - أن يكون مع أحدهما عمل أهل المدينة : ذكره الأستاذ أبو إسحاق. (قال): واختلف أصحابنا في عمل أهل الكوفة والبصرة إذا انضاف إلى احدى الروايتين ولم يكن مع الأخرى عمل أهل الحجاز ولا الكثير الظاهر، فقيل: موافقة العمل من هذه الجهة يوجب التقديم ويرجح ٢/ ٣٤٨ / ١ وقال الأكثرون: إنه لا يكون ترجيحاً . ثامنها - أن يكون مع أحدهما مرسل عن ثقة: فتقدم به الرواية التي توافقه. تاسعها - أن يكون أحدهما موافقاً للقياس: والآخر مخالفاً له، كحديث (الضحك ينقض الوضوء) مع حديث (يبطل الصلاة ولا يبطل الوضوء) قاله ابن برهان وغيره. ووجهه أن المعقول المعنى أغلب شرعاً، فالإلحاق بالغالب أولى من الإلحاق بالنادر، وسبق ما فيه من الخلاف. عاشرها - أن يكون مع كل منهما تأويل وقياس أحد التأويلين أوضح: فهو مقدم. قال في ((المنخول)): واختلفوا في أن هذا هل يكون ترجيحاً بالقياس؟ قال القاضي: جوّز الشافعي ترجيح النص بالقياس، والظاهر بالقياس، وأنا أجوّز ترجيح الظاهر دون النص. وقال الغزالي: المختار أن هذا تقديم حديث غير مؤوّل على حديث مؤول، ولكن من التأويل بالقياس. ١٧٩ الكَلامُ عَلى تُراجيح الأقيسَة وهي إما أن تكون قطعية فيدخلها الترجيح، وإن قلنا بتفاوت المعلوم، وإما أن تكون ظنية فكذلك على المشهور. وحكى إمام الحرمين عن القاضي أنه ليس في الأقيسة المظنونة تقديم ولا تأخير، وإنما الظنون على حسب الاتفاق. (قال): وبناه على أصله أنه ليس في مجال الظنون مطلوب، وإذا لم يكن مطلوب فلا طريق على التعيين، وإنما المظنون على حسب الوفاق. ثم عظّم الإمام النكير على القاضي وقال: هذه هفوة عظيمة، وألزمه القول بأنه لا أصل للاجتهاد. والحق أن القاضي لم يُرِد ما حكاه الإمام عنه، كيف وقد عقد فصولاً في ((التقريب)) في تقديم بعض العلل على بعض، فعلم أنه ليس يعني إنكار الترجيح فيها، وإنما مراده أنه لا يقدم نوعاً على نوع على الإطلاق، بل ينبغي ان يرد الأمر في ذلك إلى ما يظنه المجتهد راجحاً، والظنون تختلف، فإنه قد يتفق في آحاد النوع القوي شيء يتأخر عن النوع الضعيف، وهذا صحيح، وهو راجع إلى ما قاله الإمام عن تقديم الشبه الجلي على المعنى الخفي، مع أن غالب المعنى مقدم على غالب الشبه، وكأنه يقول: الترجيح في الأقيسة الظنية ثابت بالنسبة إلى عموم آحاد كل نوع، لا بالنسبة إلى غالب كل نوع. وأما قول الإمام: إنه بناه على أصله في أنه ليس في المجتهدات حكم معين فضعيف، وشبهة الإمام في ذلك أنه إذا قال: لا حكم، فكأنه قال: لا مطلوب، فنقول: إن كان كما قلت استحال الظن، والحكم بأن الظنون لا تقديم فيها ولا تأخير فرع وجودها. نعم، القاضي يقول: لا حكم في المجتهدات قبل الظن، ولكن فيها مطلوب، وهو السبب الذي يبنى على ظنه وجود الحكم، كصحة خبر الواحد أو الظاهر أو القياس مثلا، فيطلب المجتهد ظن وجود ذلك، والظنون تختلف . ١٨٠