النص المفهرس
صفحات 101-120
والمذهب أنه لا يثبت الحكم للقرين إلا بأن يساويه في اللفظ أو يشاركه في العلة. وقد بينًا مفارقة الخِطبة للعقد. وهكذا إذا قرن بينهما في اللفظ ثم ثبت لأحدهما حكم بالإجماع لم يثبت أيضاً للآخر ذلك الحكم إلا بدليل يدل على التسوية، كاستدلال المخالف بأنه لا يجب غسل النجاسة بالماء، بل يجوز بالخل ونحوه بقوله: ((حتّيه ثم اقرصيه بالماء)) فقرن بين الحتّ والقرص والغسل بالماء، وأجمعنا على أن الحتّ والقرص لا يجبان، فكذلك الغسل بالماء. وقال بعضهم : یقوی القول به إذا وقعت حادثة لا نص فیھا کان رڈُّها إلى ما قرن معها من الأعيان في بعض الأحوال إولى من ردّها إلى غير شيء أصلاً. هذا ما يمكن خروجه على أصل أصحابنا. وأما الحنفية فقالوا: إذا عطفت جملة على جملة، فإن كانتا تامتين كانت المشاركة في أصل الحكم لا في جميع صفاته، وقد لا يقتضي مشاركة أصلاً وهي التي تسمى ((واو الاستئناف))، كقوله تعالى: ﴿فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمحو الله الباطل﴾ [الشورى /٤٢] فإن قوله: ﴿ويمحو الله الباطل) جملة مستأنفة لا تعلّق لها بما قبلها، ولا هي داخلة في جواب الشرط. وإن كانت الثانية ناقصة شاركت الأولى في جميع ما هي عليه. فإذا قال: هذه طالق ثلاثا، وهذه، طلقت الثانية ثلاثا، بخلاف ما إذا قال: وهذه طالق، لا تطلق إلا واحدة، لاستقلال الجملة بتمامها . وعلى هذا بنوا بحثهم المشهور في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يُقتل مؤمن بكافر)، وسبق في باب العموم. وقد التزم ابن الحاجب، في أثناء كلام له في ((مختصره)): أن قول القائل: ضرب زيداً يوم الجمعة وعَمراً، يتقيد بيوم الجمعة أيضا، وهي تقتضي أن عطف الجملة الناقصة عنده على الكاملة يقتضي مشاركتها في أصل الحكم وتفاصيله، وحكي ذلك عن ابن عصفور من النحويين. وأما أصحابنا فكلامهم مختلف، فقالوا: إذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وفلانة، أن الثانية تتقيد أيضا بالشرط. وكذا لو/ قدّم الجزاء. وقالوا فيما إذا قال: ٣٧ لفلان علي ألفٌ ودرهم: إنه لا يكون الدرهم مفسراً للألف، بل له تفسيرها بما ١٠١ شاء. وهو مذهب. ولو قال: أنت طالق وهذه، وأشار إلى أخرى، فهل تطلق أو تفتقر إلى النية؟ وجهان. ولو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق وأنت يا أم أولادي، فقال العبادي: لا تطلق . فرع : حَجّةُ الإسلام من رأس المال، وتصح الوصية بها من الثلث. فلو قرنها بأشياء تخرج من الثلث، كصدقة التطوع وسقي الماء، فقال ابن أبي هريرة: تعتبر من الثلث، لأن الاقتران قرينة تفيد أنه قصد كونه من الثلث. والمذهب خلافه، لأن اقتران الشيئين في اللفظ لا يوجب اقترانهما في الحكم. ١٠٢ ١٦ دلالَة الالهَام ذكرها بعض الصوفية وقال: ما وقع في القلب من عمل الخير فهو إلهام، أو الشرِّ فهو وسواس. وقال بها بعض الشيعة فيما حكاه صاحب ((اللباب)) قال القفال: ولو ثبتت العلوم بالإلهام لم يكن للنظر معنى، ولم يكن في شيء من العالم دلالة ولا عبرة، وقد قال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ [سورة فصلت /٤١] فلو كانت المعارف إلهاماً لم يكن لإراءة الأمارات وجه(١) . قال: ويُسأل القائل بهذا عن دليله، فإن احتج بغير الإلهام فقد ناقض قوله، وإن احتج به أبطل بمن ادعى إلهاماً(٢) في إبطال الإلهام. وحكى الماوردي والروياني في باب القضاء في حجية الإلهام خلافاً، وفرَّعا عليه أن الإجماع هل يجوز انعقاده لا عن دليل، فإن قلنا لم يصح جعله دليلا شرعياً جوزنا الانعقاد لا عن دليل، وإلا فلا. قال الماوردي: والقائل بانعقاده لا عن دليل هو قول من جعل الإلهام دليلاً. قلت: وقد اختار جماعة من المتأخرين اعتماد الإلهام، منهم الإمام في ((تفسيره)) في أدلة القبلة، وابن الصلاح في ((فتاويه)) فقال: إلهام خاطر حق من الحق (قال): ومن علاماته أن يشرح له الصدر ولا يعارضه معارض من خاطر آخر. وقال أبو علي التميمي في كتاب ((التذكرة في أصول الدين)): ذهب بعض الصوفية إلى أن المعارف تقع اضطراراً للعباد على سبيل الإلهام بحكم وعد الله سبحانه وتعالى بشرط التقوى، واحتج بقوله تعالى: ﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً﴾ [سورة الأنفال / ٢٩] أي تفرقون به بين الحق والباطل، ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً﴾ (١) في الأصول كلها (وجهاً)! مع أن (كان) هنا تامة. (٢) في الأصول كلها (إلهام). ١٠٣ [سورة الطلاق / ٢] أي مخرجاً على كل ما التبس على الناس وجه الحكم فيه، ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾ [البقرة/ ٢٨٢] فهذه العلوم الدينية تحصل للعباد إذا زكت أنفسهم وسلمت قلوبهم لله تعالى بترك المنهيات وامتثال المأمورات، إذ خبره صدق، ووعده حق، فتزكية النفس بعد القلب لحصول المعارضة فيه بطريق الإلهام بحكم وعد الله (١) تعالى، وذلك كإعداده بإحضار المقدمتين فيه مع التفطن لوجوه لزوم النتيجة عقيب النظر لقدرة الله اضطراراً، ولا مدخل القدرة الحادثة فیه . وأما حصول هذه المعارف على سبيل إلهام المبتدأ من غير استعداد يكون من العبد فأحد هذين الوجهين غير ممكن في العقل ويمتنع في العادة. وما ذكر من ان مدارك العلوم الإلهام يحتاج إلى هذا التفصيل، وهو غلط في الحصر إذ ليس هو جميع المدارك، بل مدرك واحد على ما بيناه. وتأول بعض العلماء قولهم، وقال يمكن أن يريدوا أن العلوم كلها ضرورية مخترعة لله تعالى . وقال الإمام شهاب الدين السهروردي رحمه الله في بعض أماليه محتجا على الإلهام بقوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى﴾ [القصص / ٧] وقوله: ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ [النحل / ٦٨] فهذا الوحي مجرد الإلهام: ثم إن من الإلهام علوماً تحدث في النفوس الزكية المطمئنة. قال عليه السلام: (إن من أمتي لمحدَّثين ومتكلمين، وإن عمر لمنهم) وقال تعالى: ﴿ونفسٍ وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها﴾ [الشمس / ٧ - ٨] فأخبر أن النفوس ملهمة، فالنفس الملهمة علوماً لدنّية هي التي تبدلت صفتها واطمأنت بعد أن كانت أمّارة . (قال): وهذا النوع لا تتعلق به المصالح العامة من عالم الملك والشهادة، بل تختص فائدته بصاحبه دون غيره، إذ لم تكن له ثمرة السراية إلى الغير على طريق العموم، وإن كانت له فائدة تتعلق بالاعتبار على وجه خاص (قال): وإنما لم تكن له السراية إلى الغير على طريق العموم عن مفاتيح الملك لكون محلها النفس، وقربها من الأرض والعالم السفلي، بخلاف المرتبة الأولى، وهو الوحي الذي قام ٠٠ (١) في الأصول كلها ((وعيد)) ! . ١٠٤ 1 [بنقله] الملك الملقى، لأن محله القلب المجانس للروح الروحاني العلوي. (قال): وبينهما مرتبة ثالثة وهي النفث في الروع يزداد بها القلب علماً بالله وبإدراك المغيبات، وهي رحمة خاصة تكون للأولياء فيها نصيب، وإنما يكون بعثا في حق رسول الله وَلقول لا يتصل بروح القدس، وترد عليه كموجة ترِد على البحر، فيكشف لرسول الله وَ الفر جبريل عقب ورودها على جبريل عليه السلام، فتصير الرحمة بواسطة جبريل واصلة إلى رسول الله وَ الر بنفث في روعه. (انتهى). واحتج غيره بما في الصحيح من قوله وَالر: (قد كان في الأمم محدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر) قال ابن وهيب: يعني ملهمون. ولهذا قال صاحب «نهاية الغريب)): جاء في الحديث تفسيره أنهم الملهمون، والملهم هو الذي يلقى في نفسه الشيء فيخبر به حدساً وفراسة، وهو نوع يخصّ الله به من يشاء من عباده، كأنهم حُدِّثْوا بشيء فقالوه. وأما قوله وَله: (استفت قلبك وإن أفتاك الناس) فذلك في الواقعة التي تتعارض فيها الشُّبَه والريب. قال الغزالي: واستفتاء القلب إنما هو حيث أباح الشيء، أما حيث حرم فيجب الامتناع، ثم لا يعوَّل على كل قلب، فربّ مُوسَوَس ينفي كل شيء، ورب مساهل نظر إلى كل شيء. فلا اعتبار بهذين القلبين، وإنما الاعتبار بقلب العالم الموفق المراقب لدقائق الاحوال، فهو المحك الذي تمتحن به حقائق الصور، وما أعزّ هذا القلب. وقال البيهقي في ((شعب الإيمان)): هذا محمول على أنه يعرف في شأنه من علم الغيب ما عسى يحتاج إليه أو يحدث على لسان ملك بشيء من ذلك، كما ورد في بعض طرق الحديث: (وكيف يحدث؟ قال يتكلم الملك على لسانه). وقد روي عن إبراهيم بن سعد أنه قال في هذا الحديث: يعني يلقي / في روعه . ٣٣٧ / ب تنبيه : لا يخفى أن المراد بهذا في غير الأنبياء عليهم السلام، وإلا فمن جملة طرق الوحي الإلهام . ١٠٥ ١٧ الهَاتف الذي يَعلم أنه حَقّ مثل الذي سمعوه يأمر بغسل النبي ◌ََّ في قميصه. كذا أورده صاحب ((المسودة)) في ذيل الأدلة المختلف فيها (قال): لكنه من باب الفضائل. وكذلك ما استخاره الله تعالى لنبيه، كقول العباس في حدو الصارخ: اللهم خر لنبيك، وهي بمنزلة القرعة. فعله تكريماً له . قلت: وقد صنف ابن أبي الدنيا كتاباً في الهواتف، وصدّره بحديث هتف جبريل بين السماء والأرض . ١٨ رؤيَا النَّبي وعَِّ لَهُ في النوم، على وجه حكاه الأستاذ أبو إسحاق، يكون حجة ويلزمه العمل به، وقد سبق فيه مزيد بيان في صدر الكتاب. والصحيح أن المنام لا يثبت حكماً شرعياً ولا بينة، وإن كانت رؤيا النبي ◌َّل حقّاً، والشيطان لا يتمثّل به، ولكن النائم ليس من أهل التحمل والرواية لعدم تحفّظه . وأما المنام الذي روي في الأذان، وأمر النبي ◌َّ بالعمل به فليس الحجة فيه المنام، بل الحجة فيه أمره بذلك في مدارك العلم . ١٠٦ التَّحْخار والتر الجميع ١٠٧ [كتاب] التعَادل وَالتراجيح والقصد منه: تصحيح الصحيح، وإبطال الباطل اعلم أن الله تعالى لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة، بل جعلها ظنية قصداً للتوسيع على المكلفين، لئلا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل عليه، وإذا ثبت أن المعتبر في الأحكام الشرعية الأدلة الظنية، فقد تُعارض بعارضٍ في الظاهر بحسب جلائها وخفائها، فوجب الترجيح بينهما، والعمل بالأقوى. والدليل على تعيين الأقوى: أنه إذا تعارض دليلان أو أمارتان فإما أن يعملا جميعا، أو يلغيا جميعا، أو يعمل بالمرجوح والراجح(١) وهذا متعين، وفيه فصلان: (١) كذا في الأصول كلها، ولعله (أو الراجح). ١٠٨ الفصل الأول في التعَارض والنظَر في حقيقته وَشْروطه، وأقسَامُه، وَاحْكَامه أما حقيقته : فهو تفاعل من العُرْض (بضم العين) وهو الناحية والجهة وكأن الكلام المتعارض يقف بعضه في عُرض بعض، أي: ناحيته وجهته، فيمنعه من النفوذ إلى حيث وُجِّه. وفي الاصطلاح: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة . وأما شروطه : (فمنها) التساوي في الثبوت، فلا تعارض بين الكتاب وخبر الواحد إلا من حيث الدلالة . (ومنها) التساوي في القوة فلا تعارض بين المتواتر والآحاد، بل يقدم المتواتر بالاتفاق، كذا نقله إمام الحرمين وغيره، لكن قال ابن كج في كتابه: إذا ورد خبران أحدهما متواتر والآخر آحاد، أو آية وخبر، ولم يمكن استعمالهما، وكانا يوجبان العمل، فيحتمل أن يقال: يتعارضان ويرجع إلى غيرهما لاستوائهما في لزوم الحجة لو انفرد كل منهما، فلم يكن لأحدهما مزية على الآخر. وحكى إمام الحرمين في تعارض الظاهر من الكتاب والسنة مذاهب: أحدها: يقدم الكتاب لخبر معاذ. والثاني: يقدم السنة، لأنها المفسرة للكتاب والمبينة له . والثالث: التعارض وصححه واحتج عليه بالاتفاق السابق، وزيّف الثاني بأنه ١٠٩ ليس الخلاف في السنة المفسرة، بل المعارضة، قلت: ولهذا نقل عن أحمد أنه كان يقدم السنة على الكتاب بطريق البيان، كتخصيص العموم ونحوه. قال بعض أصحابه: وليس هذا مخالفاً لما حكي من تقديم الكتاب على السنة، لأنه دل الدليل على كونه بياناً، فيرجح باعتبار ذلك، لا بطريق ترجيح النوع على النوع، وسبق في باب التخصيص الخلاف في قياس نصّ خاصٍ إذا عارض عموم نص آخر مذاهب كثيرة . (ومنها): اتفاقهما في الحكم مع اتحاد الوقت، والمحل، والجهة، فلا امتناع بين الحل والحرمة، والنفي والإثبات في زمانين في محل أو محلين، أو محلين في زمان، أو بجهتين، كالنهي عن البيع في وقت النداء مع الجواز . وذكر المناطقة: شروط التناقض في القضايا الشخصية ثمانية: اتحاد الموضوع، والمحمول، والإضافة، والجزء، والكل، وفي القوة، والفعل، وفي الزمان والمكان، وزاد بعض المتأخرين تاسعاً، وهو اتحادها في الحقيقة والمجاز، ليخرج نحو قوله تعالى: ﴿وترى الناس سكارى وما هم بسكارى﴾ [الحج /٢] وهو راجع إلى الإضافة، أي يراهم بالإضافة إلى أهوال يوم القيامة سكارى مجازا، وما هم بسكارى بالإضافة إلى الخمر، ومنهم من رد الثمانية إلى ثلاثة، وهي: اتحاد الموضوع، والمحمول، والزمان، ومنهم من يردها إلى الأوَّلَين لاندراج وحدة الزمان تحت وحدة المحمول، ومنهم من يردها إلى أمر واحد، وهو الاتحاد في النسبة الحكمية لاغير، فتندرج الشروط الثمانية تحت هذا الشرط الواحد . ونبه الأصفهاني شارح ((المحصول)) على أن هذه الشروط ليس المراد بها اعتبارها في تناقض كل واحدة واحدة من القضايا، بل القضية إن كانت مكانية اعتبر فيها وحدة الموضوع والمحمول والمكان، كقولنا: زيد جالس. زيد ليس بجالس. وإن كانت زمانية اعتبر فيها وحدة الزمان، وبالجملة فوحدة الموضوع والمحمول معتبرة في تناقض القضايا بأسرها، وأما بقية الشروط فبحسب ما يناسبها قضية قضية فافهمه . ١١٠ واعلم أن الباحث في أصول الشرع الثابتة في نفس الأمر لا يجد ما يحقق هذه الشروط. فإذاً لا تناقض فيها . وأما أقسامه : فبحسب القسمة العقلية عشرة، لأن الأدلة أربعة، ثم يَقعُ بين كل واحد منها وباقيها، فيقع بين الكتاب والكتاب وبين الكتاب والسنة، والسنة والسنة، وبين الكتاب والإجماع، وبين الكتاب والقياس، فهذه أربعة وبين السنة والسنة، وبين السنة والإجماع، وبين السنة والقياس، فهذه ثلاثة - وبين الإجماع والإجماع، وبين الإجماع والقياس، وبين القياس والقياس، فهذه ثلاثة . أما التعارض بين الكتاب والكتاب فلا حقيقة له في نفس الأمر وإنما قد يُظن التعارض بينه، ثم لابد من دفعه بحمل عام على خاص، أو مطلق على مقيد، أو مجمل على مبينً، وغير ذلك من التصرفات . فأما التعارض بين الكتاب والسنة، فإن كان الخبر متواترا فالقول فيه كتعارض الآيتين، وإن لم يكن متواتراً فالكتاب مقدَّم على ما سبق . وأما التعارض بين الكتاب والإجماع فإن ثبت/ عصمة الإجماع لم يتصوَّر ١/٣٣٨ كالآيتين، وإلا فالكتاب مقدَّم. وأما التعارض بين الكتاب والقياس، فالكتاب مقدم طبعاً لعصمته دون القیاس. وأما تعارض السنتين فإن كانتا متواترين فكالكتاب بعضه ببعض، وإن كانتا آحاداً طلب ترجيح إحداهما على الأخرى بطريقة، فإن تعذر فالخلاف في التخيير أو التساقط، وإن كان إحداهما متواتراً والأخرى آحاداً فالمتواتر . وأما تعارض السنة والإجماع فإن كانا قطعيين لم يمكن التعارض بينهما كالآيتين، وإن كان الإجماع قطعيا مع خبر الواحد فالإجماع مقدَّم، وإن كان ظنيا مع خبر الواحد فقد تعارض دليلان، والاحتمالات ثلاثة: (ثالثها) يقدم الإجماع اللفظي المتواتر دون السكوتي ونحوه . ١١١ وأما تعارض السنة والقياس فلا شك في تقديم قاطع السنة عليه، أما السنة غير المقطوع بها، فإن كان القياس جليا ففي تقديمه عليها وعكسه تردُّد، بناءً على أنه دلالة لفظية. أو قياسيه، وإن كان غير جلي قدم الخبر. وأما تعارض الإجماع والإجماع، فإن ثبت عصمتهما لم يتقدر التعارض بينهما كالآيتين، وإن لم يثبت أمكن الجمع بينهما أوٍ يرجح أحدهما بقوة مستنده أو صفته، كتقدم الإجماع النصي على القياسي، والنّطقي على السكوتي، واللفظي الحقيقي على المعنوي . وأما تعارض الإجماع والقياس فإن ثبت عصمة الإجماع قدم، وإن لم يثبت فهو تقدم الشبهي والطردي ونحوهما من الأقيسة الضعيفة . أما القياس الجلي مع الإجماع ففيه تردد . وأما تعارض القياس والقياس فهما إما جليّان أو خفيان أو أحدهما جلي دون الآخر، فالجليان يستعمل بينهما الترجيح، وغير الجليين لابد من الترجيح بينهما، وإن كان أحدهما جليا قدم على غير الجلي، وسيأتي تفصيله. وأما تقدير أقسام التعارض، من جهة دلالة الألفاظ قطعا مفهوما وعموماً وخصوصا وغير ذلك فكثير، وسنفصلهما . تنبيه : يقع التعارض في الشرع بين الدليلين كما ذكرنا وبين البينتين، بأن تقوم بينة لزيد بكذا ولعمرٍو به، وبين الأصليين، كما لو قَدّ ملفوفاً وزعم الولي حياتَه والجاني موتَه فإن الأصل بقاء الحياة، والأصل براءة الذمة، وبين الأصل والظاهر كثياب الكفار، ويختلف العلماء في ذلك كله، واتفقوا على تغليب الأصل على الغالب في الدعاوي، وعلى تغليب الغالب على الأصل في البينة، فإن الغالب صدقها والأصل براءة الذمة، وقال إمام الحرمين في باب زكاة الفطر من ((النهاية)) تقابل الأصلين مما يستهين به الفقهاء وهو من غوامض مآخذ الأدلة الشرعية وكيف يستجيز المحصّل اعتقاد تقابل أصلين لا يرجح أحدهما على الآخر، وحكى فيهما النفي والإثبات، وهذا لو فرض لكان مباهتةً ومحاورة لا سبيل إلى بت قول فيها في فتوى أو حكم . ١١٢ إذا علمت ذلك فالتعادل بين الدليلين القطعيين المتنافيين ممتنع اتفاقاً سواء كانا عقليين، أو نقليين، وكذلك بين القطعي والظني لتقدم القطعي لأنه لو وقع لاجتمع النقيضان أو ارتفعا، وهذا فيه أمران: (أحدهما): أنه بناء منهم على أن العلوم غير متفاوتة فإن قلنا بتفاوتهما اتجه الترجيح بين القطعيات لأن بعضها أجلى من بعض . (ثانيها): أنه بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، وأما في الأذهان فجائز، فإنه قد يتعارض عند الإنسان دليلان قاطعان بحيث يعجز عن القدح في أحدهما، وقد ذكروا هذا التفصيل بالنسبة إلى الأمارتين فليجىء مثله في القاطعين، وأما التعادل بين الأمارتين في الأذهان فصحيح، وأما في نفس الأمر على معنى أنه ينصب الله تعالى على الحكم أمارتين متكافئتين في نفس الأمر بحيث لا يكون لأحدهما مرجح، فاختلفوا فيه، فمنعه الكرخي وغيره، وقالوا: لابد أن يكون أحد المعنيين أرجح وإن جاز خفاؤه على بعض المجتهدين، ولا يجوز تقدير اعتدالهما. قال إلكيا: وهو الظاهر من مذهب عامة الفقهاء، وبه قال العنبري. وقال ابن السمعاني: إنه مذهب الفقهاء، ونصره وحكاه الآمدي عن أحمد بن حنبل وهو الذي ذكره القاضي وأبو الخطاب من أصحابه، وصار صائرون إلى أن ذلك جائز، وهو مذهب أبي علي وأبي هاشم، ونقل عن القاضي أبي بكر. قال إلكيا: وهو المنقول عن الشافعي، ثم اختار إلكيا قول الكرخي، ونقله عن إمام الحرمين، وقال: إنه قطع به (قال): والاستحالة متلقاة من العادة المطردة، وما نقله عن الشافعي إن كان من جهة قوله بالقولين في مسائل كثيرة فلا يدل، لأنه تعادل ذهني، ولا نزاع فيه، وإن كان من جهة قوله في البينتين فالمأخذ مختلف، بل نص على الامتناع في ((الرسالة))، فقال في باب علل الأحاديث: ولم نجد عنه وَّ حديثين نسبا للاختلاف فكشفناه إلا وجدنا لهما مخرجاً، وعلى أحدهما دلالة بموافقة كتاب أو سنة، أو غيره من الدلائل (انتهى). وقرره الصيرفي في شرحها فقال: قد صرح الشافعي بأنه لا يصح عن النبي يسير أبداً حديثان صحيحان متضادان ينفي أحدهما ١١٣ ما يثبته الآخر من غير جهة الخصوص والعموم والإجمال والتفسير إلا على وجه النسخ وإن لم يجده، وقد حكى الجرجاني من الحنفية قول الكرخي بالمنع، ثم قال: وهو اختلاف قول أبي حنيفة رحمه الله في سؤر الحمار لما تساوى عنده الدليلان توقف عنه، وليس كما قال لأن أبا حنيفة لم يخيّر في الأخذ بأيهما شاء، بل أخذ بالأحوط وجمع بين الدليلين، فقال: يتوضأ به ويتيمم، نعم، حكي عنه التخيير في وجوب زكاة الخيل وعدمه، وهذا هو الخلاف الذي يعبرون عنه بتكافؤ الأدلة، والراجح - كما قاله في ((اللمع)) - أنه لا يجوز، بل لابد من ترجيح أحدهما على الآخر، وهو الذي نصره ابن السمعاني وغيره، وقال سليم في ((التقريب)): إنه الأشبه، لأن الأحاديث أحادية تؤدي إلى تكافؤ الأدلة وتعارضها، وهو خلاف موضوع الشريعة لئلا يلزم خلو الوقائع عن حكم الله. ٣٣٨ / ب وفصّل القاضي من الحنابلة بين مسائل الأصول فيمتنع، وبين الفروع / فيجوز، فإن أراد بالأصول القطعي فليس خلافنا فيه، ثم قال ابن دقيق العيد: هذا الخلاف يحتمل أن يكون في الوقوع، ويحتمل أن يكون في التجويز العقلي، قلت: هو جار فيهما فقد حكى ابن فورك قولاً بامتناع وجود خبرين لا ترجيح بينهما، وعزاه ابن برهان لأحمد والإمام، وحكى الماوردي والروياني في خلاف تكافؤ الأدلة وجهين لأصحابنا، ونقل أن الأكثرين على جوازه ووقوعه. وقد قال عثمان رضي الله عنه لما سئل عن الجمع بين الأختين المملوكتين فقال حرمتهما آية وأحلتهما آية، ثم قضية إمام الحرمين في موضع أن الجواز جارٍ، سواء قلنا المصيب واحد أو كل مجتهد نصيب، وقال القاضي والأستاذ أبو منصور والغزالي وابن الصباغ: الترجيح بين الظواهر المتعارضة إنما يصح على قول من رأى أن المصيب في الفروع واحد، وأما القائلون بأن كل مجتهد مُصيب فلا معنى لترجيح ظاهر على ظاهر، لأن الكل صواب عنده واختار الرازي وأتباعه أن تعادل الأمارتين على حكم واحد في فعلين متباينين جائز وواقع، كمن ملك مائتين من الإبل فإن واجبه أربع حقاق أو خمس بنات لبون، وأما تعارضهما على حكمين متباينين لفعل واحد كالإباحة والتحريم مثلا فإنه جائز عقلاً ولكنه ممتنع شرعاً . ١١٤ ١ التفريع: التعادل الذهني حكمه: الوقف، أو التساقط، أو الرجوع إلى غيرهما، وأما التعادل في نفس الأمر فإن قلنا بالجواز وتعادلا، وعجز المجتهد عن الترجيح وتحير ولم يجد دليلاً آخر، فاختلفوا على مذاهب: أحدها : أنه يتخير، وبه قال الجبائي وابنه أبو هاشم. قال إلکیا:وسوّيا في ذلك بين تعارض الخبرين والقياسين، ونقله الرازي والبيضاوي عن القاضي، والذي في ((التقريب)) أنه رأيٌ للقائلين بأن كل مجتهد مُصيب. والثاني: التساقط كالبينتين إذا تعارضتا، ويطلب الحكم من موضع آخر، ويرجع إلى العموم أو إلى البراءة الأصلية، وهذا ما قطع به ابن كج في كتابه، (قال): لأن دلائل الله سبحانه لا تتعارض، فوجب أن يستدل بتعارضهما على وَهَائِها جميعاً، أو وهاءٍ(١) أحدها غير أنا لا نعرفه، فأسقطناها جميعا، وكلامه يشعر بتفريعه على القول بمنع التعادل ونقله إلكيا عن القاضي، والأستاذ أبو منصور عن أهل الظاهر، بالنسبة إلى الحديثين، وأنكره ابن حزم في كتاب ((الإعراب))، وقال: إنما هو قول بعض شيوخنا، وهو خطأ، بل الواجب الأخذ بالزائد إذا لم يقدر على استعمالها جميعا، فاستثنى أحدهما من الآخر . الثالث: إن كان التعارض بين حديثين تساقطا ولا يعمل بواحد منهما، أو بين قياسين فيتخير. حكاه ابن برهان في ((الوجيز)) عن القاضي ونصره. والفرق أنا نقطع أن النبي وسير ما يتكلم بهما، فأحدهما منسوخ قطعاً ولم نعلمه، فتركناهما، بخلاف القياسين، وقد عرف أن القاضي نسب إليه كل من هذه الأقوال . الرابع: الوقف كالتعادل الذهني حكاه الغزالي وغيره، وجزم به سليم في ((التقريب))، واستبعده الهندي، إذ الوقف فيه إلى غاية وأمد، إذ لا يرجى فيه ظهور الرجحان، وإلا لم تكن مسألتنا، بخلاف التعادل الذهني فإنه يتوقف فيه إلى أن يظهر المرجح قلت: لعل قائله أراد بالتوقف عن الحكم والتحاقهما بالوقائع قبل ورود الشرع فيجيء فيه الخلاف المشهور، لا وقف خبره، ولم يذكر الإمام في (١) في بعض الأصول (وهانها ... وهن .. ). ١١٥ ((البرهان)) غيره (قال): وهذا حكم الأصولي، ولكن بما يراه أن الشريعة إذا كانت متعلقة بالمفتين ولم يشعر الزمان منهم فلا يَقع مثل هذه الوقعة، ومن هاهنا حكى ابن برهان في ((الوجيز)» عن الإمام امتناع وجود خبرين لا ترجيح لأحدهما على الآخر . والخامس: يأخذ بالأغلظ كما حكاه المارودي والروياني . والسادس : يصار إلى التوزيع إن أمكن تنزيل كل أمارة على أمر والأخرى على غيره كما في الثلثين يقسم بينهما على قول، وكما في الشفعة توزع على عدد الرؤوس وتارة على عدد الأنصباء . والسابع: إن وقع بالنسبة إلى الواجبات، فالتخيير، إذ لا يمتنع التخيير في الشرع، كمن ملك مائتين من الإبل. وإن وقع بالنسبة إلى حكمين متناقضين، كالإباحة والتحريم، فالتساقط والرجوع إلى البراءة الأصلية ذكره في ((المستصفى)). والثامن: يقلد عالما أكبر منه، ويصير كالعامي لعجزه عن الاجتهاد، حكاه إمام الحرمين . والتاسع : أنه كالحكم قبل ورود الشرع، فتجيء فيه الأقوال المشهورة، حكاه إلكيا الطبري، وهو غير قول الوقف على ما سبق فيه . تنبيهات الأول : ما فرضناه من الخلاف عند العجز عن الترجيح وعن دليل آخر هو الصواب وصرح به الغزالي وغيره، وأطلق جماعة الخلاف في مطلق التعادل ومرادهم ما ذكرناه . ١١٦ الثاني : ستأتي، فيما إذا اختلف على العامي جواب مفتيين، مذاهب أخرى ينبغي استحضارها هنا، لكن المذهب هناك التخيير، وهنا اختلف أصحابنا في الترجيح، والفرق أن العامي يضطر إلى المرجح، وأما المجتهد فله تصرف وراء التعارض . الثالث : إذا تخيّر فللمناظر ثلاثة أحوال: فإن كان مجتهداً تخير في إلحاقه بما شاء إن قلنا: كل مجتهد مصيب، فإن قلنا: الحق في واحد، امتنع التخيير قاله القاضي في ((التقريب))، وإن كان فتيا، فقال القاضي: قالت المصوِّبة: لا يجوز له تأخير المستفتي، بل يجزم بمقتضى أحدهما، وقيل: يجوز وهو الأولى عندنا، وبه أجاب في ((المحصول)). واستشكل الهندي الجزم بأحدهما، وقال: ليس في التخيير الأخذ بأي الحكمين شاء، واختار رأياً ثالثا. وهو أن المفتي بالخيار بين أن يجزم له الفتيا، وبين أن يخيّره، إذ ليس في كل واحد منهما مخالفة دليل ولا فساد، فيسوغ الأمران. وإن كان حاكما. فقال القاضي: أجمع الكل يعني المصوبة والمخطئة أنه ليس له تخيير المتحاكمين في الحكم بأيهما شاء، بل عليه بت الحكم باعتقاده، لأنه نُصب لقطع الخصومات، ولو خيرهما لما انقطعت خصومتهما، لأن كل واحد منهما يختار الذي هو أرفق له، بخلاف حال المفتي . فلو اختار القاضي إحدى الأمارتين وحكم بها لم يكن له أن يحكم بالأخرى في وقت آخر، لأنه يؤدي إلى اتهامه بالحكم بالباطل، حكاه القاضي عن كثير من القائلين بأن الكل مصيب، وحكي عن العنبري جوازه، وليس ما قاله ببعيد لأن هذه التهمة قائمة في الحكم إذا تغير / اجتهاده، وحكم بالقول وضده وقد قال عمر ٣٣٩/ أ رضي الله عنه في المشرّكة: ذلك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي . نعم، احتج في ((المحصول)) و((المنهاج)) للمنع بقوله رَّير لأبي بكر رضي الله عنه: ١١٧ (لا تحكم في قضية بحكمين مختلفين) وقد أنكر عليهم هذا الحديث، وسئل عنه الذهبي فلم يعرفه، قلت: وهو تحريف، وإنما هو لأبي بكرة. كذلك رواه النسائي في سننه في الأقضية . مَسألة تناقشوا في الذي يضاف إليه التعارض، فمنهم من تسمّح وأضافه إلى الأمارات، ومنهم من ناقش نفسه وأضافه إلى صور الأمارات، بناءً على أن المرجوحية ليست بأمارة حقيقة إذ الحكم عندها مفقود مظنون العدم، نعم، صورتها محفوظة، ومعنى الصورة عندهم راجع إلى تقدير الانفراد، أي لو انفردت هذه الأمارة عن المعارض لكانت أمارة حقيقة، ويلزم هذا القائل أن يقول بتعارض القاطعين، والترجيح بينهما بهذا الاعتبار، وأجيب: بأن الأمارة وجد فيها مقتضى الصحة، وإنما يختلف العمل بها لمعارض، فجاز أن يطلق عليها التصحيح والترجيح، وأما الشبهة فلا مقتضى فيها للصحة البتة. وإذا عرف الفرق بين كون الشيء فيه مقتضى الصحة، ويختلف عمله، وبين كونه لا مقتضى للصحة فيه، فباعتبار مقتضى الصحة أطلقنا على المرجوحية أنها أمارة، بخلاف الشبهة في القواطع. مَسألة قول العالم في المسألة بقولين مختلفين، قال ابن السمعاني: لا يعلم قبل الشافعي به تصريحاً، وهو رحمه الله قد ابتكر هذه العبارة وذكرها في كتبه، وقد أنكر عليه كثير من مخالفيه ونسبوه إلى الخطأ وقالوا: هذا دليل على نقصان الآلة، وقلة المعرفة، قالوا: وأما الرواية عن أبي حنيفة ومالك رضي الله عنهما، فذلك في حالتين ١١٨ مختلفتین، والمجتهد قد يجتهد في مجتهد في وقت فیؤدي اجتهاده إلى شيء، ثم يجتهد في وقت آخر فيؤدي إلى خلافه، إلا أن الثاني يكون عن الأول، وإنما المستنكر اعتقاده قولين مختلفين في وقت واحد، في حادثة واحدة فهذا طعن المخالفين في القولين (قال): وقد صنف بعضهم في ذلك تصنيفاً ورأيت لأبي عبد الله البصري الملقب بجُعَل في هذا كتابا مفرداً صنفه للمعروف بالصاحب، وهو إسماعيل بن عباد، أي في إنكار ذلك على الشافعي رضي الله عنه، وقد قسم أصحابنا القولين تقسيما بينوا فيه فساد هذا الاعتراض، وأن الذي قاله الشافعي ليس هو موضع الإنكار ثم ذكر كلام الماوردي الآتي . واعلم أن الكلام في مسألة القولين في موضعين . (أحدهما) : ما طعن به على الشافعي . (والثاني): في كيفية إضافتهما إليه . أما الأول : فأجاب الأصحاب بأنه لا عيب فيه، بل فيه دلالة على صحة قريحته، وتبخُّره في الشريعة، مع التنبيه على النظر في المأخذ، ومعرفة أصول الحوادث، وتعليمهم طرق الاستنباط، وقال سليم الرازي: أنكر جماعة القولين، وقالوا: إنما يسوغ ذلك على القول بأن كل مجتهد مصيب، وأما على قوله: إن المصيب واحد فلا، وقال المحققون: بل لمخرجها طرق فذكرها . وقال ابن كج وابن فورك وغيرهما من قدماء الأصحاب: المستنكر اعتقادهما معاً في حالة واحدة، كما يستحيل كون الشيء على ضدَّين من الحدوث والقِدَم، والوجود والعدم، ومعلوم أن هذا ليس كذلك، بل لقوله مخارج ثلاثة: (أحدها): اعتقاده القطع ببطلان ما عدا ذين(١) القولين، وقد يكون واقفاً فيهما، وقد أجمعت الصحابة على قولين ولم ينكر عليهم . (١) في الأصول ((ذلك)). ١١٩ (ثانيها): أن يختلف قوله لتعارض الدليلين، كقول عثمان رضي الله عنه: أحلّتهما آية وحرمتهما آية . (ثالثها): أن يقوله على طريق التخيير لتساوي الدليلين عنده من جميع الوجوه بناء على أن كل مجتهد مصيب ، وهو كما عمل عمر في الشورى، جعل الأمر بين ستة . وحكى إمام الحرمين الاعتذار (الأول) عن أبي إسحاق المروزي، وزيّفه بأن الشافعي لا يقطع بتخطئة مخالفه، ومن تدبّر أصوله عرف ذلك، وحكى (الثالث): عن القاضي، وقال: إنه بناه على اعتقاده أن مذهب الشافعي تصويب المجتهدين، وليس كذلك بل مذهبه أن المصيب واحد، ثم لا يمكن التخيير فيما إذا كان أحد القولين تحريماً والآخر تحليلاً، إذ يستحيل التخيير بين حرام ومباح . (قال): وعندي أنه حيث نص على قولين في موضع واحد، فليس له فيها مذهب، وإنما ذكر القولين لتردده فيهما، وعدم اختياره لأحدهما، ولا يكون ذلك خطأ منه، بل يدل على عُلوِّ رتبة الرجل، وتوسعه في العلم وعلمه بطرق الأشباه فإن قيل: فلا معنى لقولكم للشافعي قولان إذ ليس له على هذه المسائل قول ولا قولان، قلنا هكذا نقول ولا نتحاشى منه وإنما وجه الإضافة إلى الشافعي هو ذكره لهما، واستقصاؤه وجوه الأشباه فيهما، هذا أسَدُّها وأوضحها . وأما الثاني: فاعلم أنه إذا نقل عن مجتهد في مسألة واحدة قولان متنافيان فله حالتان: (الحالة الأولى) أن يكون في موضع واحد بأن يقول: في هذه المسألة قولان: ثم إما أن يعقّب بما يشعر بالترجيح لأحدهما بأن يقول: أحبهما إليّ وأشبههما بالحق عندي، وهذا مما أستخير الله فيه، أو يقول: هذا قول مدخول أو منكر، فيكون ذلك قوله لأنه الذي ترجح عنده. قال أبو القاسم بن كج: ولا يجوز أن يقال إنه على قولين، لأنه إنما ذكر الآخر ليبعث على طريق الاجتهاد . ١٢٠