النص المفهرس
صفحات 61-80
وخص القديم بما إذا لم يظهر له مخالف، فإن ظهر خلافه من صحابي آخر فلا يكون حجة على القديم. وفي كتاب الرضاع، في الكلام على اعتبار العدد، حكاية حكاها الماوردي تقتضي أن قول الشيخين بخصوصهما حجة، فإنه حكى عن الشافعي أنه قال: من سألني عن شيء أجبته من القرآن، فسأله رجل عن مُحرِم قتل زنبوراً. فقال: لا شيء عليه، فقال: أين هذا في كتاب الله؟ فذكر قوله تعالى ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [سورة الحشر / ٧] وقوله عليه السلام: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) وقد سئل عمر عن مُخْرِم قتل زنبوراً فقال: لا شيء عليه. قال ابن الرفعة: فإن صحت هذه الحكاية عن الشافعي لزم منها أن يكون قول كل من الشيخين عنده حجة. ومذهبه الجديد أنه ليس بحجة. (انتهى). وقال السنجي في أول ((شرح التلخيص)): قول الواحد من الصحابة إذا انتشر ولم يعلم له مخالف وانقرض العصر عليه كان عندنا حجة مقطوعاً بصحتها. وهل يسمى إجماعاً؟ على وجهين: فقيل: لا، لقول الشافعي: لا ينسب إلى ساكت قول. والصحيح من المذهب أنه إجماع مقطوع على الله بصحته وهو مذهب كافة المتكلمين، ولم يخالف فيه إلا الجُعَل ومن تابعه فقالوا: لا يكون حجة. قال: فأما إذا لم ينتشر ولم يُعرف له مخالف فللشافعي فيه قولان: القديم أنه حجة، والجديد أن القياس أولى منه. وقال في ((القواطع)): إذا لم ينتشر ولم يعرف له مخالف نظر: فإن كان موافقاً للقياس فهو حجة. إلا أن أصحابنا اختلفوا: هل الحجة في القياس أو في قوله؟ على وجهين: وأما إذا خالف القياس أو كان مع الصحابي قياس خفي، والجلي مخالف مثله، فهذا موضع قولي الشافعي: ففي القديم: قول الصحابي أولى من القياس، وفي الجديد: القياس أولى. وقال السهيلي في ((أدب الجدل)): إن انتشر ورضوا به فهو حجة مقطوع بها، وهل يسمى إجماعاً؟ وجهان. وإن انتشر ولم يعلم منهم الرضا به فوجهان. وإن لم ينتشر فاختلف أصحابنا فيه على طريقين: (إحداهما) أن المسألة على قولين: ٦١ أحدهما - وهو الجديد - أنه ليس بحجة. و(الثانية) أنه إن لم ينتشر في الباقين فهو حجة بلا خلاف، وإنما الخلاف إذا عارضه قياس جلي فحينئذ قول خفيّ. (انتهى). وقال الكيا: إن لم يعرف له مخالف فهو موضع الخلاف. فإذا اختلفوا فلا شك أنه لا حجة فيه. وقيل: يحتج بأقوالهم وإن اختلفت على تقدير اتباع قول الأعلم منهم، وبه قال الشافعي في ((رسالته القديمة))، لأنه جوّز تقليد الصحابي وقال: إن اختلفوا أَخِذ بقول الأئمة أو بقول أعلمهم بذلك، ورجحه على القياس المخالف له. قال الكيا: وإن لم يكن بد من تقليد الصحابة فالواجب أن لا يفضَّل بين أن يختلفوا أو لا، لأن فقد معرفة الخلاف لا ينتهض إجماعاً. وفي جواز تقليد العالم من هو أعلم منه، خلاف: رأى محمد بن الحسن جوازه وإن لم ينقل عنه وجوب ذلك. (قال): ثم مذهب الشافعي قديماً وجديداً اتباع قضاء عمر رضي الله عنه في تقدير دية المجوسي بثمانمائة درهم، وتغليظ الدية بالأسباب الثلاثة اتباعاً لآثار الصحابة واختلف الأصحاب في سبب ذلك: فقيل؛ لأن الواقعة اشتهرت وسكتوا وذلك دليل الإجماع. وقيل: لأنه يرى الاحتجاج بقول الصحابي إذا خالف القياس من حيث لا محمل له سوى التوقيف. (قال): ويظهر هذا في التابعي إذا علم مسالك الأحكام وكان مشهوراً بالورع لا يميل إلى الأهواء، إلا أن يلوح لنا في مجاري نظره فساد في أصل له عليه بنى ما بنى. ويخرج من هذا قول آخر أنه حجة إذا لم يكن مُدرَكاً بالقياسبدون ما للقياس فيه مجال، وهذا القول هو المختار. وبه تنجمع نصوص الشافعي رضي الله عنه، وهذا حكاه القاضي في ((التقريب)) والغزالي استنباطاً من قول الشافعي في كتاب ((اختلاف الحديث)) أنه روي عن علي كرم الله وجهه أنه صلى في ليلة ست ركعات، كل ركعة بست سجدات، ثم قال: إن ثبت ذلك عن علي قلت به، فإنه ٣١ / ب لا مجال للقياس فيه، فالظاهر أنه جعله توقيفاً. هذا لفظه./ قال القاضي: وهذا من قوله يدل على أنه کان يعتقد أن الصحابي إذا قال قولاً لیس للاجتهاد فيه مدخل فإنه لا يقوله إلا سمعاً وتوقيفاً وأنه يجب اتباعه عليه، لأنه لا يقول ذلك إلا عن خبر. (انتهى). ٦٢ لكن الغزالي جعله من تفاريع القديم. وهو مردود، لأن اختلاف الحديث من الكتب الجديدة قطعاً، رواه عنه الربيع بن سليمان بمصر، وبهذا جزم ابن الصباغ في كتاب ((الكامل في الخلاف)) وقال إلكيا" في ((التلويح)) أنه الصحيح، وكذا صاحب ((المحصول)) في باب الأخبار. وعلى هذا ينزل كل ماوقع في الجديد من التصريح فيه بالتقليد، كاتباعه الصديق في عدم قتل الراهب، وتقليده عثمان في البراءة، وعمر في أمهات الأولاد. قال في ((الأم)): إذا أصاب الرجل بمكة حماماً من حمامها فعليه شاة، اتباعاً لعمر وعثمان وابن عباس وابن عمر وغيرهم. وقال في (((اختلاف الحديث)): أخذت بقول عمر في اليربوع والضبع حمّل. وحكى في القديم هذا القول عن الكرخي، واختاره البزدوي وابن الساعاتي وغيرهم من الحنفية. وهذا هو الذي يعبر عنه ابن الحاجب بقوله: انه حجة إذا خالف القياس. نعم، تصرفات الشافعي في الجديد تقتضي أن قوله حجة بشرطين: (أحدهما): أن لا يكون لاجتهاد فيه مجال. (الثاني): أن يرد في موافقة قوله نص، وإن كان للاجتهاد فيه مجال كما فعل في مسائل الفرائض مقلداً زيداً فيها، لقوله وَ له: (أفرضكم زيد) قال إمام الحرمين في ((النهاية)): اختار الشافعي أن يتبع مذهب زيد ولم يضع لذلك كتاباً في الفرائض لعلمه بعلم الناس بمذهب زيد، وإنما نص في مسائل متفرقة في الكتاب فجمعها المزني وضم إليها مذهب زيد في المسائل، ولم يقل: ((تحرَّيتُ مذهب الشافعي)) كقوله في أواخر كتب مضت، فإن التحري اجتهاد، ولا اجتهاد في النقل. وقد تحقق اتباع الشافعي زيداً، وتردد قول الشافعي حيث تردد قول زيد، وقُرب مذهب زيد إلى القياس أن جعل الأم دون الأب في النصيب، قياس ميراث الذكر والأنثى. وكذا قوله: أولاد الأبوين يشاركون ولد الأم لاشتراكهم في القرابة، وجعل الأبوين مانعين الأخوة في رد الأم إلى السدس قياساً على جعل البنين في معنى البنات في استحقاق الثلثين. وقد أورد على هذا أنه خالف القياس في مسائل الجد والإخوة، والمعادّة، وإعطاء الأم ثلث ما يبقى، وليس فيه كتاب ولا سنة ولا قياس - لأنا سوينا بين الأبوين مع الابن ومشاركة أولاد الأم خارجة عن القياس، ٦٣ لأنا نعطي العشرة من إخوة الأبوين نصف السدس مثلً، ونعطي الأخت الواحدة للأم السدس، فأي مراعاة لاتحاد القرابة؟ فإن قيل: إذا كان دليل التقليد الحديث السابق فينبغي أن يتبع علياً رضي الله عنه في قضائه ومعاذاً في الحلال والحرام لقوله: (أقضاكم علي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ)، والجواب - كما قال - أن القضاء يتسع، ويتعلق بما لا يسوغ التقليد فيه، وكذلك الحلال والحرام. (قال): وعندنا أن المذهب لا يستقل بتقليد زيد: وما انتحل مذهبه إلا عن أصل يجوز فيه الرأي، ولهذا خالف الصحابة. والشافعي لم يُخْلُ بمسألة عن احتجاج، وإنما اعتصم بشهادة النبي ◌َليزر ترجيحاً وبهذا تبين. (انتهى). وجرى على ذلك الرافعي. وأما ابن الرفعة فقال: الظاهر أن اختيار الشافعي لمذهب زيد اختيار تقليد، كما يقتضيه ظاهر لفظ ((الأم)) إذ قال الشافعي: وقلنا إذا ورث الجد مع الإخوة قاسمهم ما كانت المقاسمة خيراً له من الثلث، فإذا كان الثلث خيراً له منها أُعطيَه. وهذا قول زيد بن ثابت، وعنه قبلنا أكثر الفرائض وهي التي لا نص فيها ولا إجماع. وجعل الرافعي موضع القولين ما إذا لم ينتشر فيهم، (قال): ثم عن الصيرفي والقفال أن القول فيما إذا لم یکن معه قیاس أصلاً، فإن کان مع قوله قياس ضعيف احتج به وترجح على القياس القوي. (قال): والأكثرون على أنه لا فرق. (قال): وإن انتشر فإما أن يخالفه غيره أو یوافقه سائر أصحابه أو يسكتوا. فإن خالفه فعلی قوله الجديد هو كاختلاف المجتهدين. وعلى القديم هما حجتان تعارضتا، فترجح من خارج، وإن وافقه جميع الصحابة فهو إجماع منهم. ٦٤ التفريع [عَلىَ أَن قَوَل الصحَالي حجّة] إن قلنا أنه حجة فلا يجوز للتابعي مخالفته، وللمستدل أن يحتج به كما يحتج بأخبار الآحاد والأقيسة، لكنه متأخر عنها في الرتبة. فلا يتمسك بشيء منها إلا عند عدمها، وفي تقديم القياس عليه الخلاف السابق. وكذلك القول في ((شرع من قبلنا)) لا يرجع إليه إلا عند عدم أدلة شرعنا. وهل يجوز أن يخص به عموم كتاب أو سنة؟ فيه وجهان لأصحابنا حكاهما الماوردي والروياني والشيخ أبو إسحاق والرافعي وغيرهم. فلو اختلفوا قال الشيخ أبو إسحاق كان قول المخالفين قبلهم بحجتين تعارضتا، وبه جزم الرافعي. قال الشيخ: فيرجح أحد القولين على الآخر بكثرة العدد، فإن استويا قدم بالأئمة، فإن كان في أحدهما الأكثر، وفي الآخر الأقل، لكن مع الأقل أحد الأئمة الأربعة تساويا، فإن استويا في العدد والأئمة، ومع أحدهما قول الشيخين ففيه وجهان: (أحدهما) أنهما سواء، و(الثاني) ترجيح القول الذي معه أحد العمرين، لحديث: (اقتدوا باللّذين من بعدي). ثم ذكر أن الفرق بين اختلاف أقوال الصحابة واختلاف الحديث في أنه لا يجمع بين أقوال الصحابة بتنزيل المطلق على المقيد، وتخصيص العام بالخاص، وتأويل ما يحتمل، ونحو ذلك، مما يجمع به بين الأخبار المختلفة عن النبي ◌َالقر أن جميع الأخبار صادر عن واحد وهو معصوم عليه السلام، فلا يجوز فيها الاختلاف والتضادّ من كل وجه، فيجمع بينهما مهما أمكن، حتى لا يكون أحدهما مخالفاً للآخر. وإذا لم يمكن ذلك كان الثاني ناسخاً للأول. وأما أقوال الصحابة إذا اختلفت فليست كذلك، لاختلاف مقاصدهم، وأن ذلك ليس صادراً عن متكلم واحد . ٦٥ وقال ابن فورك: ذهب الشافعي في القديم إلى قول الأئمة منهم أو أكثرهم مالم يكن فيه واحد من الأئمة. ومن قال من أصحابنا بتقليد العالم لمن هو أعلم منه قال به. وهو قول ابن سریج. ٢٣٢/ ١ وقال الروياني في أول ((البحر)): إذا اختلفوا على قولين /، فإن لم يكن فيهم إمام نُظر: فإن كانوا في العدد سواء فهما سواء، وإن اختلف العدد فهل يُرجع بكثرة العدد؟ فعلى قوله في الجديد: لا يرجح، ويقول ما يوجبه الدليل، وعلى القديم: يرجح كما في الأخبار. وإن كان منهم إمام، فإن كانوا في العدد سواء فالتي فيها الإمام هل هي أولى؟ قولان: قال في القديم: نعم، وقال في الجديد: لا، وإن اختلف العدد والإمام مع الأقل فهما سواء على كلا القولين. ولو اتفقا في العدد وفي أحدهما أبو بكر وعمر، فعلى القديم فيه وجهان: (أحدهما): يرجح قول أبي بكر وعمر على غيرهما. قال الرافعي: وينبغي جريان الوجهين فيما لو تعارض الصدّيق وعمر حتى يستويانٍ على وجه، ويرجح طرف أبي بكر على غيره. وقال الماوردي: إذا اختلفوا أخذنا بقول الأكثر، فإن استويا أخذنا بقول من مَعَه أحد الخلفاء الأربعة، فإن لم يكن رجعنا إلى الترجيح. وقال ابن القطان من أصحابنا في كتابه: إذا اختلف الصحابة اختلف قول الشافعي في هذه المسألة، فكان يقول في موضع من اختلاف علي وابن مسعود: انهما سواء، وقال في موضع آخر من الجديد: انه يصير إلى قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، لأن النص ورد فيهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء) فدل على مزية قولهم على أهل الفتوى. ثم مثل المسألة بالبيع بشرط البراءة من العيوب فقال: قول الأئمة أولى، لأن ابن عمر باع عبداً بالبراءة فقال المشتري: كان فيه عيب علمته ولم تسمه لي، فكان عنده أنه يبرأ من ذلك إذا وقف عليه ولم يسمعه، فقال عثمان: إن لم تحلف بالله على هذا لزمك. وإذا كان هذا هكذا فقد صار إلى قول عثمان، وإنما صار إلى القول بالقياس. وعلى هذه القاعدة إذا اختلفت الصحابة أخذنا بقول الأكثر. ٦٦ وذکر في کتاب «اختلاف علي وابن مسعود» أن علياً صلى في زلزلة ركعتين، في کل ركعة ست سجدات. قال ابن القطان: وإنما سلك في هذين كسلوكه في الأخبار بالترجيح بالكثرة، ولهذا خرجه على قولين. قال ابن قدامة في ((الروضة)): إذا اختلفت الصحابة على قولين لم يجز للمجتهد الأخذ بقول بعضهم من غير دليل، خلافاً لبعض الحنفية وبعض المتكلمين أنه يجوز ذلك مالم ينكر على القائل قوله، لأن اختلافهم دليل على تسويغ الخلاف والأخذ بكل واحد من القولين، ولهذا يرجع إلى معاذ في ترك رجم المرأة (قال): وهذا فاسد، فإن قول الصحابي لا يزيد على الكتاب والسنة، ولو تعارض دليلان من كتاب أو سنة لم يجز الأخذ بواحد منهما بدون الترجيح، ولا نعلم أن أحد القولين صواب والآخر خطأ، ولا نعلمه إلا بدليل. وإنما يدل اختلافهم على تسويغ الاجتهاد في كلا القولين، أما على الأخذ بدون مرجح فكلاً. وأما رجوعهم إلى قول معاذ فلأنه بان له الحق بدليله فيرجع إليه. (انتهى). تنبيه : قال الشافعي: أقول بقول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان، وسكت عن علي، فرد عليه داود وقال: ما بالُهُ تَرك عليّاً، وليس بدون من رضيه في هذا، قال ابن القطان: ولا نظن بالشافعي الإعراض عن أمير المؤمنين علي، وله في هذا مقاصد: منها: أنه ترك ذكره اكتفاء، لأنهم معلومون ببعضهم، فنبه على البعض: ولهذا قال في بعض المواضع: أبو بكر وعمر. ومنها: أنه قصد بذلك الرد على مالك، لأنه يخالفه في هذه المسألة، فقال أقول بقول الأئمة .. إلى آخره، لأن كلامه على من كان بالمدينة. ويشهد لهذا التأويل قول الشافعي في ((اختلاف الحديث))(١): أقول بقول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. فدل على ما سبق. (١) في الأصول كلها: ((اختلاف الخلاف))! ٦٧ ومنها: أن الكلام على ظاهره، وأراد الثلاثة في صورة، وهي ما إذا انفردوا وكان علي حاضراً وسائر أصحابه(١)، وسكتوا عما حكموا به وأفتوا صار إجماعاً. وحينئذ فيصار إلى قولهم، لأن علياً موافق في المعنى. وليس كذلك أمر عليّ بالكوفة، إنما کان بحضرته من يأخذ عنه، فلم یکن في سكوتهم له حجة. قال ابن القطان: والأشبه الوجه الأول، وهو أن يكون ترك ذلك اكتفاء. وكذلك قال ابن القاص في ((التلخيص)). وقال السنجي في ((شرحه)): إنه الأصح أنه ذكر المُعْظَم وأراد الكل (قال): ومن أصحابنا من قول لا يرجح بقول علي كما لا يرجح بقول غيره من الخلفاء. والفرق بينهما بذكر ما سبق، إذا(١) لم يكن قوله صادراً عن رأي الكافة، بخلاف من قبله. تنبيه آخر : حاصل الخلاف في اختلاف الصحابة ثلاثة أقوال: - سقوط الحجة وأنه لا يعتمد قول منها. - التخيير فيأخذ بقول من شاء منهم، وحكاه ابن عبد البر عن القاسم بن محمد وعمر بن عبد العزيز، وعزاه بعضهم لأبي حنيفة. والثالث: أنه يعدل إلى الترجيح، ونص عليه الشافعي في ((الرسالة)) فقال: نصير منها إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الإجماع، أو كان أصح في القياس، وهو الأصح وقول الجمهور. واحتج ابن عبد البر باتفاق الصحابة على تخطئة بعضهم بعضاً، ورجوع بعضهم إلى قول غيره عند مخالفته إياه، وهو دليل على أن اختلافهم عندهم خطأ وصواب. وقال أبو سعيد الاصطخري في كتاب ((أدب القضاء)): وإذا كان من الصحابة خلاف في المسألة لم يجز لمن بعدهم الخروج عن أقاويلهم، لأنه محال أن يخرج الحق عن جميعهم، أو يشمل الخطأ كلهم. وقيل: يجوز الخروج عن أقوالهم. وقيل: يتخيّر من غير دليل. (انتهى). ولعله فرّعه على القول بأنه حجة ثم قال: وإذا (١) لعل الصواب ((الصحابة)). (٢) هكذا في جميع الأصول، ولعله: ((إذ)). ٦٨ حكي القول في حادثة عن واحد من الصحابة وتظاهر واشتهر ولم يخالف فحكمه حكم الإجماع، لعدم النكير منهم. وإذا نقل الثقات عن واحد منهم قولاً غير منتشر في جمیعهم ولم یرو عن واحد منهم وفاقه لا خلافه فقد اختلف فيه. والواجب عندنا المصير إليه، لأنه في المعنى راجع إلى أن العصر قد انخرم والحق معدوم، وهذا مع اختصاص الصحابة بمشاهدة الرسول ومعرفة الخطاب منه، إذ الشاهد يعرف بالحال ما يخفى على من بعده. (انتهى). فائدة : قال ابن عبد السلام في ((فتاويه المَوْصِليّة)): إذا صح عن بعض الصحابة مذهب في حكم من الأحكام لم يجز مخالفته إلا بدليل أوضحَ من دليله، ولا يجب على المجتهدين تقليد الصحابة في مسائل الخلاف، ولا يحل لهم ذلك مع ظهور أدلتهم على أدلة الصحابة، لأن الله تعالى أمرنا باتباع الأدلة ولم يوجب تقليد / ٣٣٢ / ب العلماء إلا على العامة الذين لا يعرفون أدلة الأحكام. فائدة أخرى : ذكر الخطيب البغدادي في كتاب ((الفقيه والمتفقه)) عن الشافعي أنه قال: إذا جاء اختلاف عن الصحابة نظر أتبعهم للقياس إذا لم يوجد أصل يخالفه. فقد خالف علي عمر في ثلاث مسائل القياسُ فيها مع علي، وبقوله أُخذ. - منها: المفقود، قال عمر: يضرب له أجل أربع سنين ثم تعتد، ثم تنكح. وقال علي: لا تنكح أبداً. وقد اختلف فيه عن علي حتى يصح موت أو فراق. - وقال عمر في الرجل يطلق امرأته في سفره ثم يرتجعها فيبلغها الطلاق، ولا تبلغها الرجعة حتى تحل وتنكح: أن زوجها الآخِر أولى إذا دخل بها. وقال علي: هي للأول أبداً، وهو أحق بها. - وقال عمر في الذي ينكح المرأة في العدة ويدخل بها: أنه يفرق بينهما ثم لا ينكحها أبداً. وقال علي: ينكحها بعده. ٦٩ مسألة قال الأستاذ أبو منصور البغدادي في كتاب ((الأصول الخمسة عشر)): أربعة من الصحابة تكلموا في جميع أبواب الفقه، وهم: علي وزيد وابن عباس وابن مسعود. وهؤلاء الأربعة متى أجمعوا على مسألة على قول فالأمة فيها مجمعة على قولهم غيرَ مبتدعٍ لا يعتد بخلافه. وكل مسألة انفرد فيها علي بقول عن سائر الصحابة تبعه فيها ابن أبي ليلى والشعبي وعَبيدة السلماني، وكل مسألة انفرد فيها زيد بقول تبعه الشافعي ومالك في أكثره. وتبعه خارجة بن زيد لا محالة. وکل مسألة انفرد بها ابن مسعود تبعه علقمة والأسود وأبو أيوب. ٧٠ فصل [التفريع عَلى أن قَول الصحابي ليسَ بحجَة] وإن قلنا: ليس بحجة فلا يكون قول بعضهم حجة على البعض، ولا يجوز لأحد الفريقين تقليد الآخر، ولا يمنع من تقليدهم من ليس بمجتهد، لكن الذي صرف الناس عن تقليدهم أنهم اشتغلوا بالجهاد وفتح البلاد ونشر الدين وأعلامه فلم يتفرغوا لتفريع الفروع وتدوينها، ولا انتشر لهم مذاهب يعرف آحادهم بها، كما جرى ذلك لمن بعدهم. وأما تقليد المجتهد لهم ففيه ثلاثة أقوال للشافعي، ثالثها: يجوز إن انتشر قوله ولم يخالف، وإلا فلا. وقد أفرد الغزالي رحمه الله هذه المسألة بالذكر بعد الكلام في أن قول الصحابة حجة أم لا؟ فقال في ((المستصفى)): إن قال قائل: إذا لم يجب تقليدهم، هل يجوز تقليدهم؟ قلنا: أما العامي فيقلدهم. وأما العالم فإن جاز له تقليد العالم جاز له أن يقلدهم، وإن حرّمنا تقليد العالم للعالم فقد اختلف قول الشافعي في تقليد الصحابة، فقال في القديم: يجوز إذا قال قولاً وانتشر قوله ولم يخالفٍ. وقال في موضع آخر: يقلَّد وإن لم ينتشر. وقال: ورجع في الجديد إلى أنه لا يقلّد العالم صحابياً كما لا يقلد العالم عالماً آخر. نقل المزني عنه ذلك وأن العمل على الأدلة التي فيها يجوز للصحابي الفتوى، وهو الصحيح المختار عندنا (انتهى). وقد تبعه على إفراد هذه المسألة وجعلها فرعاً لما قبلها ابنُ السمعاني والرازي وأتباعه والآمدي، ويوافقه حكاية ابن القطان في كتابه قولين في الصحابي إذا قال قولاً ولم ينتشر: (أحدهما) أن تقليده واجب، وليس للتابعي مخالفته. و (الثاني) أن له مخالفته والنظر في الأدلة. وأعرض ابن الحاجب عن إفراد هذه المسألة بالذكر، لأنها عين ما قبلها، وهو الحق، لأن الظاهر أن الشافعي حيث صرّح بتقليد ٧١ الصحابي لم يرد به التقليد المشهور، وهو قبول قول غيره ممن لا يجب عليه اتباعه من غير حجة، بل مراده بذلك الاحتجاج فإنه استعمله في موضع الحجة فقال في ((مختصر المزني))، في باب القضاء في الكلام على المشاور : ولا يقبل وإن كان أعلم منه حتى يعلم كعلمه أن ذلك لازم له، فأما أن يقلده فلم يجعل الله ذلك لأحد بعد الرسول. هذا نصه. فأطلق اسم التقليد على الاحتجاج بقول النبي وَطير، ولا سيما مع ما استقر من قوله المتكرر في غير موضع بالنهي عن التقليد والمنع منه. ويدل على ذلك قول الماوردي والجوري: أن مذهب الشافعي في القديم أن قول الصحابي حجة بمفرده إذا اشتهر ولم يظهر له مخالف. قال الماوردي: لا سيما إذا كان الصحابي إماماً، وأغرب ابن الصباغ فحكى ذلك عن الجديد وقد سبق. ثُمّ قول الغزالي أنه رجع عنه في الجديد معارض بما نص عليه في كتاب ((الأم)) في غير موضع بتقليد الصحابة، كما سبق في البيع بشرط البراءة. وقوله: ((قلته تقليداً لعثمان)) نقله المزني في مختصره، والربيع في ((اختلاف العراقيين)) فإن كان أراد الشافعي بالتقليد للصحابي في القديم معناه المعروف فهو كذلك هنا أيضاً في الجديد. والأظهر أنه أراد به الاحتجاج بقول الصحابي، وأطلق اسم التقليد عليه مجازاً كما أطلقه في الاحتجاج بقول النبي ومظاهر. وقد قال الغزالي في ((المستصفى)) بعدما سبق: فإن قيل: فقد ترَك الشافعي في الجديد القياس في تغليظ الدية في الحرم لقول عثمان. ولذلك فرق بين الحيوان وغيره في شرط البراءة لقول عثمان. قلنا له: في مسألة شرط البراءة أقوال، فلعل هذا مرجوع عنه. (انتهى). وهذا مردود بأنا قد بينًا أنه نصّ عليه في غير موضع من كتبه الجديدة وقال: إنه الذي ذهب إليه، وبه قطع أبو إسحاق المروزي وابن خيران وغيرهما، ولم يجعلا للشافعي قولاً في المسألة غيره، وهوالذي صححه المتأخرون. وأما مسألة تغليظ الدية فقد احتج الشافعي فيها بما روي عن عثمان أنه قضى في امرأة قتلت بالدية وثلث الدیة، وروي نحوه عن عمر وابن عباس، ولا مخالف لهم من الصحابة، فيكون اعتمد ذلك بناء على أنه إجماع سكوتي، أو ٧٢ لأنه قضى به عثمان، وهو قد نصّ في الجديد على الرجوع إلى قول أحد الخلفاء الأربعة لأنه يشتهر غالباً بخلاف قول المفتي. وقد حكى الغزالي أيضاً في الموضع المشار إليه أيضاً أن الشافعي اختلف قوله فيما إذا اختلف الإفتاء والحكم من الصحابة، فقال مرة: الحكم أولى، لأن العناية به أشد والمشورة فيه أبلغ. وقال مرة: الفتوى أولى، لأن سكوتهم على الحكم يحمل على الطاعة لأولي الأمر. وعزا هذا الاختلاف للقديم وجعله مرجوعاً عنه. وفيه من النظر ما سلف نصه في كتبه الجديدة. تنبيه : ظهر مما ذكرناه أن ذكر / ((المنهاج)) هذا القول الثالث في أصل مسألة الحجّية ٣٣٣ / أ ليس بغلط، كما زعم شراحه، بل هو الصواب. ٧٣ فصل أما إذا انضم إلى قول الصحابي القياس ففيه مسألتان: إحداهما: إذا تعارض قول صحابيين واعتضد أحدهما بالقياس. وقد سبقت عن النص(١). الثانية: إذا تعارض قياسان واعتضد أحدهما بقول الصحابي، فحكى الرافعي عن الغزالي أنه قد تميل نفس المجتهد إلى مايوافق قول الصحابي ويرجح عنده. قال النووي: وقد صرح الشيخ في ((اللمع)) وغيره من الأصحاب بالجزم بالموافق (انتهى). وأنا أقول: من يرى أن قول الصحابي بمفرده حجة مقدمة على القياس يكون احتجاجه هنا بقول الصحابة بطريق الأولى. ومن يرى أنه ليس بحجة فإما أن یکون القیاسان صحیحین متساویین أو لا ، فإن كانا كذلك ولم يترجح أحدهما على الآخر بمرجح في الأصل أو حكمه، أو في العلة، أو دليلها، أو في الفرع، فالظاهر أن القياس المعتضد بقول الصحابي مقدم، ويكون ذلك من الترجيحات بالأمور الخارجية، كما ترجح أحد الخبرين المعارضين بعمل بعض الصحابة دون الآخر. وأما إذا كان أحد القياسين مرجّحاً على الآخر في شيء مما ذكرنا، ومع المرجوح قول بعض الصحابة فهذا محل النظر على القول بأن قوله ليس بحجة، والاحتمال منقدح. وقد تقدم حكاية ابن الصباغ عن بعض أصحابنا أن القياس الضعيف إذا اعتضد بقول الصحابي يقدم على القياس القوي، وذاك هنا بطريق الأولى، وتقدم نقل الماوردي عن الشافعي أن رأيه في الجديد أن قياس التقريب إذا انضم إلى قول الصحابي كان أولى من قياس التحقيق، ومثّل الماوردي قياس التقريب بما ذكره الشافعي في مسألة البيع بشرط البراءة من العيوب أن الحيوان يفارقه ما سواه، لأنه (١) هنا في مخطوطتين بياض بمقدار سبع كلمات إحداهما الباريسية المعتمدة، وفي غيرهما لا إشارة اليه. ٧٤ يغتذي بالصحة والسقم، وتحول طبائعه، وقّما يخلو من عيب وإن خفي فلا يمكن الإخبار عن عيوبه الخفية بالإشارة إليها والوقوف عليها، وليس كذلك غير الحيوان، لأنه قد يخلو من العيوب ويمكن الإخبار فيها بالإشارة إليها لظهورها، فدل على افتراق الحيوان وغيره من جهة المعنى، مع ما روي معه من قصة عثمان. وحاصله - على ما نقله الماوردي عن الجديد من مذهب الشافعي - أن القياس المرجوح إذا اعتضد بقول الصحابي كان مقدماً على القياس الراجح، فيحتمل أن يكون هذا تفريعاً منه على أن قول الصحابي حجة، كما تقدم عنه في ((الرسالة الجديدة)) ويحتمل أن يكون على القول الآخر الذي اشتهر عند الأصحاب عن الجديد أنه ليس بحجة. وهو ظاهر كلام الماوردي، وقد ترجم القاضي في ((التقريب)) لهذه المسألة، وحكى خلاف القياس، وأنه هل يترجح قول الصحابي بذلك القياس الضعيف على القياس القوي، أو يجب العمل بأقوى القياسين؟ ثم رجح هذا الثاني. مسألة فإن قال التابعي قولاً لا مجال للقياس فيه لم يلتحق بالصحابي عندنا، خلافاً للسمعاني كما سبق. قال صاحب ((الغاية)) من الحنابلة: من قام من نوم الليل فغمس يده في إناء قبل أن يغسلها ذهب الحسن البصري زوال طهوريته، وهو يخالف القياس. والتابعي إذا قال مثل ذلك كان حجة، لأن الظاهر أنه قال توقيفاً عن الصحابة، أو عن نص ثبت عنده. قال صاحب ((المسودة)): وظاهر كلام أحمد وأصحابنا أنه لا اعتبار بذلك، بل يجعل کمجتهداته. ٧٥ ١٢ المصَالح المرسَلة قد مر الكلام في القياس، في المناسب الذي اعتبره الشارع أو ألغاه، والكلام فيما جُهل حاله، أي سكت الشرع عن اعتباره وإهداره، وهو المعبر عنه بـ ((المصالح المرسلة)). ويلقب بـ ((الاستدلال المرسل)). ولهذا سميت ((مرسلة)) أي لم تعتبر ولم تُلغَ. وأطلق إمام الحرمين وابن السمعاني عليه اسم ((الاستدلال))، وعبر عنه الخوارزمي في ((الكافي)) بـ ((الاستصلاح)). قال: والمراد بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق. وفسّره الإمام والغزالي بأن يوجد معنى يُشعر بالحكم مناسب له عقلًا، ولا يوجد أصل متفق عليه، والتعليل المصور جارٍ فيه. وفسّره ابن برهان في ((الأوسط)) بأن لا يستند إلى أصل كلي ولا جزئي. وفيه مذاهب: أحدها: منع التمسك به مطلقاً، وهو قول الأكثرين، منهم القاضي وأتباعه، وحكاه ابن برهان عن الشافعي. قال الإمام: وبه قال طوائف من متكلمي الأصحاب . الثاني : الجواز مطلقاً، وهو المحكيّ عن مالك رحمه الله، قال الإمام في ((البرهان)): وأفرط في القول به حتى جرّه إلى استحلال القتل وأخذ المال لمصالح تقتضيها في غالب الظن وإن لم يجد لها مستنداً. وحكاه غيره قولاً قديماً عن الشافعي . وقال أبو العزّ المقترح في ((حواشيه على البرهان)): إن هذا القول لم يصح نقله عن مالك، هكذا قاله أصحابه، وأنكره ابن شاس أيضاً في ((التحرير)) على الإمام وقال : أقواله تؤخذ من كتبه وكتب أصحابه، لا من نقل الناقلين. وكذلك استنكره القرطبي في كتابه فقال: ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى ٧٦ الاعتماد عليه، وهو مذهب مالك. (قال): وقد اجترأ إمام الحرمين وجازف فيما نسبه إلى مالك من الإفراط في هذا الأصل. وهذا لا يوجد في كتاب مالك، ولا في شيء من كتب أصحابه. وهذا تحامل من القرطبي، فإن الإمام قد حمل كلام مالك على ما يصح. وسيأتي. وقد قال ابن دقيق العيد: نعم، الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحاً على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل. ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح في الاستعمال على غيرهما. (انتهى). وقال القرافي: هي عند التحقيق في جميع المذاهب، لأنهم يعقدون ويقومون بالمناسبة، ولا يطلبون شاهداً بالاعتبار، ولا يُعنى بالمصلحة المرسلة إلا ذلك. (قال): وإمام الحرمين قد عمل في كتابه ((الغِيائي)) أموراً وحرّرها وأفتى بها، والمالكية بعيدون عنها، وحثّ عليها وقالها للمصلحة المطلقة. وكذلك الغزالي في ((شفاء الغليل)) مع أن الاثنين شديدا الإنكار علينا في المصلحة المرسلة. (قلت): وسيأتي تحقيق مذهب الرجلين. وقال البغدادي في ((جنة الناظر)): لا تظهر مخالفة الشافعي لمالك في المصالح، فإن مالكاً يقول: إن المجتهد إذا استقرأ موارد الشرع ومصادره أفضى نظره إلى العلم برعاية المصالح في جزئياتها وكلياتها/ وأن لا مصلحة إلا وهي معتبرة في ٣٣٣ / ب جنسها، لكنه استثنى من هذه القاعدة كل مصلحة صادمها أصل من أصول الشريعة (قال): وما حكاه أصحاب الشافعي عنه لا يعدو هذه المقالة إذ لا أخصّ منها إلا الأخذ بالمصلحة المعتبرة بأصل معين، وذلك مغير للاسترسال الذي اعتقدوه مذهباً، فبان أن من أخذ بالمصلحة غير المعتبرة فقد أخذ بالمرسلة التي قال بها مالك، إذ لا واسطة بين المذهبين. والثالث : إن كانت المصلحة ملائمة لأصل كلي من أصول الشرع، أو الأصل جزئي جاز بناء الأحكام، وإلا فلا. ونسبه ابن برهان في ((الوجيز)) للشافعي وقال: إنه الحق المختار، ومثّله بقوله في المطلّقة الرجعية: إنه لا يحل وطؤها، لأن العدة شرعت لبراءة الرحم، والوطء سبب الشغل، فلو جوزناه في العدة لاجتمع ٧٧ الضدان. فليس لهذا الأصل جزئي، وإنما أصله كلي مهدر، وهو أن الضدين لا يجتمعان . وقال إمام الحرمين: ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى اعتماد تعليق الأحكام بالمصالح المرسلة، بشرط ملاءمته للمصالح المعتبرة المشهود لها بالأصول. وهذا قريب من نقل ابن برهان. وينبغي أن ينزل على ذلك قول الخوارزمي في ((الكافي)): إن ظاهر كلام الشافعي يقتضي اعتبارها وتعليق أحكام الشرع بها. لكن إذا قيدناه بهذا انسلخت المسألة من المصالح المرسلة، فإنه إذا شرط التقريب من الأصول الممهدة، وفسّره بالملاءمة كان من باب القياس في الأسباب، فيكون من قسم المعتبر، وبه يخرج عن الإرسال، ويعود النزاع لفظياً. ولهذا قال ابن برهان في ((الأوسط)): لا يظن بمالك ــ على جلالته - أن يرسل النفس على سجيتها وطبيعتها، فيتبع المصالح الجامدة التي لا تستند إلى أصول الشرع بحال، لا على كلي ولا على جزئي. إلا أن أصحابه سمعوا أنه بنى الأحكام على المصالح المطلقة فأطلقوا النقل عنه في ذلك. ومثله قول إمام الحرمين، في باب ترجيح الأقيسة: ولا نرى التعليق عندنا بكل مصلحة، ولم يَرَ ذلك أحد من العلماء (قال): ومن ظن ذلك بمالك فقد أخطأ. وقال ابن المنير في(١) الخلاف: من العلماء من رأى أن ورود الحكم المعين على الوفق نازل منزلة البينة، ثم الملاءمة نازلة منزلة تزكية البينة بالشهود المقررة عند التهمة، فهذا يرد الاستدلال المرسل، لأن صاحبه ما أقام على صحته بينة غير دعواه، فلا يتوقع للتزكية، ولا بينة. ومنهم من نزّل الملاءمة منزلة البينة على صدق الدعوى في صدق الوصف، وجعل ورود الحكم المعين على الوفق كالاستظهار، فلم يضره فواته في أصل الاعتبار. والرابع: اختيار الغزالي والبيضاوي وغيرهما تخصيص الاعتبار بما إذا كانت تلك المصلحة ضرورية قطعية كلية، فإن فات أحد هذه الثلاثة لم يعتبر. (١) في الأصول كلها هنا بياض يبدو أنه اسم أحد كتبه الأصولية. ٧٨ والمراد بـ ((الضرورية)) ما يكون من الضروريات الخمس التي يجزم بحصول المنفعة منها. و(الكلية) لفائدة تعم جميع المسلمين احترازاً عن المصلحة الجزئية لبعض الناس، أو في حالة مخصوصة، كمن أجاز للمسافر إذا أعجله السفر أن يدفع التبر لدار الضرب وينظر مقدار ما يخلص منه فيأخذ بقدره بعد طرح المؤونة، فهذه مصلحة لضرورة الانقطاع من الرفقة لكنها جزئية بالنسبة إلى شخص معين وحالة معينة. ومثّل الغزالي لاستجماعه الشرائط بمسألة التترس، وهي ما إذا تترس الكفار بجماعة المسلمين، ولو رمينا التُّرْس لقتلنا مسلماً من دون جريمة صدرت منه. قال الغزالي: فلا يبعد أن يقول المجتهد: هذا الأسير مقتول بكل حال، لأنا لو كففنا عن الترس لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى أيضا، فحفظ المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع، لأنا نقطع أن الشارع يقصد تقليل القتل كما يقصد حسمه عند الإمكان، فحيث لم يُقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل، وكان هذا التفاتاً(١) على مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودة بالشرع لا بدليل واحد، بل بأدلة خارجة عن الحصر، ولكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب لم يشهد له أصل معين فينقدح اعتبار هذه المصلحة بالأوصاف الثلاثة وهو كونها ضرورية كلية قطعية. فخرج بـ ((الكلية)) ما إذا أشرف جماعة في سفينة على الغرق، ولو غرق بعضهم لنجوا فلا يجوز تغريق البعض. وبـ ((القطعية)) ما إذا شككنا في أن الكفار يتسلطون عند عدم رمي الترس، وبـ ((الضرورية)) ما إذا تترسوا في قلعة بمسلم، فلا يحل رمي الترس، إذ لا ضرورة بنا إلى أخذ القلعة. وهذا من الغزالي تصريح باعتبار القطع بحصول المصلحة لكن الأصحاب حكوا في مسألة التترس وجهين، ولم يصرحوا باشتراط القطع. وقد يقال: إن هذا التفصيل يؤول إلى ما نقل عن الشافعي، ولهذا قال إمام الحرمين: هولا يستجيز (١) هكذا في المخطوطة الباريسية وتقرأ في الخطوطة الازهرية (اتفاقا) وفي غيرها (اتبغاء). ٧٩ التأني(١) والإفراط في البعد، وإنما يسوغ تعليق الأحكام لمصالح رآها شبيهة بالمصالح المعتبرة وفاء بالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول. واختاره إمام الحرمين أو نحواً منه. وقال القرطبي: هي بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها. وأما ابن المنير فقال: هو احتكام من قائله، ثم هو تصوير بما لا يمكن عادة ولا شرعاً: أما عادة فلأن القطع في الحوادث المستقبلة لا سبيل إليه، إذ هو غيب عنها. وأما شرعاً فلأن الصادق المعصوم أخبرنا بأن الأمة لا يتسلط عدو عليها ليستأصل شأفتها(٢) (قال): وحاصل كلام الغزالي ردّ الاستدلال، لتضييقه في قبوله باشتراط مالا يتصور وجوده. (انتهى). وهذا تحامل منه، فإن الفقيه يفرض المسائل النادرة لاحتمال وقوعها، بل المستحيلة للرياضة. ولا حجة له في الحديث، لأن المراد كافة الخلق، وصورة الغزالي إنما هي في أهل محلة بخصوصهم استولى عليهم الكفار، لا جميع العالم. وهذا واضح. وقال ابن دقيق العيد: لست أنكر على من أعتبر أصل المصالح، لكن الاسترسال فيها. وتحقيقها يحتاج إلى نظر شديد ربما خرج عن الحد المعتبر. وقد نقلوا عن عمر رضي الله عنه أنه قطع(٣) لسان الحطيئة بسبب الهجو، فإن صح ذلك فهو من باب العزم على المصالح المرسلة، فحمله على التهديد الرادع ٣٣٤ / ١ للمصلحة أولى من حمله على حقيقة القطع للمصلحة وهذا نحو / النظر فيما يسمى مصلحة مرسلة (قال): وقد شاورني بعض القضاة في قطع أنملة شاهد، والغرض منعه عن الكتابة بسبب قطعها! وكل هذه منكرات عظيمة الوقع في الدين، واسترسال قبيح في أذى المسلمين. (١) كذا في الأصول كلها. (٢) في الأصول كلها (شأوها) ومعنى الشأو الأمد. أما الشأفة فهي قرحة إذا قطعت مات صاحبها ومنها استأصل الله شأفته أي أذهبه فمات. (٣) لعل الصواب : عزم على قطع. ٨٠