النص المفهرس

صفحات 41-60

سابقة، وذلك يأباه حكايتهم الخلاف، هل كان متعبداً بشريعة موسى أو عيسى؟
فإن شرائع بني إسرائيل لم تتعدَّ إلى بني إسماعيل، بل کان کل نبي بين موسى
وعيسى يبعث إلى قومه فلا تتعدى رسالته قومه. حتى نقل المفسرون أن موسى عليه
السلام لم يبعث إلى أهل مصر بل لبني إسرائيل وليأخذهم من القبط من يد
فرعون، ولذلك لما جاوز البحر لم يرجع إلى مصر لتعم فيها شريعته، بل أعرض
عنهم إعراضاً كلياً. وحينئذ لا يكون الله تعالى تعبد نبينا محمداً وَل﴿ بشريعتهما
ألبتة، فبطل قولنا: أنه كان متعبَّداً (بفتح الباء)، بل (بكسرها). وهذا بخلاف ما
بعد نبوته، فإن الله تعالى تعبده بشرع من قبله على الخلاف، بنصوص خاصة،
فيستقيم الفتح بعد النبوة دون ما قبلها. وكلام الآمدي يقتضي خلاف ذلك، فإنه
قال: غير مستبعد في العقول أن يعلم الله تعالى مصلحة شخص معين في تكليفه
شريعة من قبله، وهذا يقتضي (فتح الباء). ولم نر لغيره تعرضاً لذلك. قلت: قد
وقع ذلك في عبارة غيره، كما سبق.
الثالث: قال إمام الحرمين: هذه المسألة لا يظهر لها فائدة، بل تجري مجرى
التواريخ المنقولة. ووافقه المازري والأبياري وغيرهما ويمكن أن يظهر في إطلاق
النسخ على ما تعبد به بورود شريعته المؤيدة.
المسألة الثانية
في أنه هل تعبد بعد النبوة بشرع من قبله ◌َ # أم كان منهياً عنها؟
والبحث هنا مع القائلين بالتعبد قبله. وأما من نفاه ثَمَّ [فقد] نفاه ها هنا
بالأولى. على مذاهب:
أحدها: أنه لم يكن متعبداً، بل كان منهياً عنها، وحكاه ابن السمعاني عن أكثر
المتكلمين وجماعة من أصحابنا ومن الحنفية، وهو آخر قولي الشيخ أبي إسحاق، كما
قاله في ((اللمع)) واختاره الغزالي في آخر عمره، وقال ابن السمعاني: إنه المذهب
٤١

الصحيح، وكذا قال الخوارزمي في ((الكافي)) لأنه لما بعث معاذاً إلى اليمن لم
يرشده، بل ذكر له الكتاب والسنة والاجتهاد. ونصره الصيرفي في ((الدلائل))
(قال): وأما حديث: كان يجب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه، فإن صح
فهو محمول على الاختيار لا الوجوب. (انتهى). والحديث رواه البخاري. قال
بعضهم: وإنما ذلك لأنهم كانوا على بقية من دين الرسل، فما تبين أنهم لم يحرفوه
ولا بدلوه فأحب موافقتهم لقوله تعالى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ [سورة الأنعام / ٩٠] ثم
قضيته أنه غير متعبد بها ولا منهي عنها. وقال النووي في «زوائده)): الأصح أنه
ليس بشرع لنا، لكن نقل ابن الرفعة عن النص خلافه، وقال ابن حزم: إنه
الصحيح (قال) ولقد قبح إسماعيل بن إسحاق القاضي من المالكية في قوله: إن
رجم النبي ◌َّل قر اليهود بين الزانيين تعبد بما في التوراة (قال): وهذا قريب من
الكفر. وقال في كتابه ((الإعراب)): لا يجوز العمل بشيء من شرائعهم، لقوله
تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً﴾ [سورة المائدة / ٤٨] واختاره الإمام
الرازي والآمدي .
المذهب الثاني: أنه كان متعبداً باتباعها، إلا ما نسخ منها، ونقله ابن السمعاني
عن أكثر أصحابنا وعن أكثر الحنفية وطائفة من المتكلمين. وقال ابن القشيري : هو
الذي صار إليه الفقهاء. وقال سليم: أنه قول أكثر أصحابنا، واختاره الشيخ أبو
إسحاق أولاً في ((التبصرة)) واختاره ابن برهان وقال: إنه قول أصحابنا، وحكاه
الأستاذ أبو منصور عن محمد بن الحسن (قال): ولذلك استدل بقصة صالح النبي
٣٢٨ / ب عليه السلام وقومه في شِرب الناقة على إجازة / المهايأة. وقال الخفاف في ((شرح
الخصال)): شرائع من قبلنا واجبة علينا إلا في خصلتين: (إحداهما) أن يكون
شرعنا ناسخاً لها، أو يكون في شرعنا ذكر لها، فعلينا اتباع ما كان من شرعنا وإن
كان في شرعهم مقدماً. (انتهى) واختاره ابن الحاجب، وهو معنى قولهم: إذا
وجدنا حكماً في شرع من قبلنا ولم يرد في شرعنا ناسخ له لزمه التعلق به. قال ابن
السمعاني: وقد أومأ إليه الشافعي في بعض كتبه. قلت: وقال ابن الرفعة في
((المطلب)) إن الشافعي نص عليه في ((الأم)) في ((كتاب الإجارة)) وأنه أظهر الوجهين
في ((الحاوي)). (انتهى).
٤٢

وقال إمام الحرمين: للشافعي ميل إلى هذا، وبنى عليه أصلاً من أصوله في
((كتاب الأطعمة))، وتابعه معظم الأصحاب. وقال في ((النهاية)): وقد استأنس
الشافعي لصحة الضمان بقوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ [سورة
يوسف / ٧٢] فكان الحِمل في معنى الجعالة لمن ينادي في العير بالصواع، ولعله كان
معلوماً عندهم وتعلق الضمان به، وقال أيضاً في ((كتاب الضمان)) فيمن حلف
ليضربَنّ عبده مائة سوط، فضربه بالعثكال: إنه يبرأ، لقصة أيوب عليه السلام،
اتفق العلماء على أن هذه الآية معمول بها في ملتنا، والسبب فيه أن الملل لا تختلف
في موجَب الألفاظ وفيما يقع بِرّاً وحِنثاً. وثبت عن ابن عباس أنه سجد في ((سورة
ص)) وقرأ قوله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [سورة
الأنعام / ٩٠] فاستنبط التشريع من هذه الآية. رواه أحمد وسعيد بن منصور. وقال
أبو بكر عبد الوهاب: إنه الذي تقتضيه أصول مالك. وكذا قال القرطبي : ذهب
إليه معظم أصحابنا. وقال ابن العربي في ((القبس)): نص عليه مالك في ((كتاب
الديات)) من ((الموطأ)). ولا خلاف عنده فيه.
وإذا قلنا بأنه شرع لنا فقيل: شرع إبراهيم صلوات الله عليه وحده، وقيل:
شرع موسى عليه السلام شرعنا إلا ما نسخ بشريعة عيسى. وقيل: شريعة عيسى
وحده. حكاه الشيخ في ((اللمع)) والقاضي عبد الوهاب وغيرهما. ونقلا الخلاف
بعينه في الملتين. وقال الماوردي في ((الحاوي)): ما تضمنته شرائع من قبلنا، فيما لم
يقصه الله علينا في كتابه، لا يلزمنا حكمه، لانتفاء العلم بصحته. وأما ما قصه
علينا في كتابه لزمنا فيه شرائع إبراهيم، لقوله تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة
إبراهيم﴾ [سورة النحل / ١٢٣] . وفي لزوم ما شرعه غيره من الأنبياء وجهان:
(أحدهما): يلزمه، لكونه حقاً مالم يقم دليل على نسخه. (والثاني): لا يلزم،
لكون أصله منسوخاً. (انتهى). وما ذكره من الوفاق على إبراهيم ذكره القاضي
ابن كج في أول كتاب ((التجريد)) فقال: اختلف أصحابنا في شرائع من قبلنا، هل
تلزمنا؟ ولم يختلفوا في أن شريعة إبراهيم لازمة لنا. وقال في كتابه ((الأصول)): إذا
ثبت في شريعة موسى شيء، هل يجوز بعد بعث محمد وزير التمسك به؟ وجهان:
(أحدهما): يجب علينا الاقتداء بشرائعهم إلى أن يمنع من ذلك شرعنا. (والثاني):
٤٣

لا اقتداء إلا بشريعة إبراهيم. قال ابن القطان: كان أبو العباس بن سريج يقول:
ما حكى الله في كتابه عنهم فهو حق، وهو واجب في شريعتنا إلا أن يغير عنه. وقد
كان سائر أصحابنا يقولون: ما حكي لنا عنهم مما تقوم به الحجة من المستفيض
والمتواتر سواء في أنه على وجهين. (انتهى).
المذهب الثالث: أنه لم يتعبد فيها بأمر ولا نهي. حكاه ابن السمعاني.
المذهب الرابع: الوقف. حكاه ابن القشيري. وحكى ابن برهان في ((الأوسط))
عن أبي زيد، أن ما أخبر الله عن الأنبياء المتقدمين، كقسمة المهايأة في قوله تعالى:
﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم﴾ [سورة القمر / ٢٨] وقوله: ﴿ولمن جاء به حمل بعير
وأنا به زعيم﴾ [سورة يوسف / ٧٢] وقوله: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس
بالنفس .. ﴾ [سورة المائدة / ٤٥] (قال): فهذا يكون شرعنا، لأنه مصون عن
التحريف. وهذا لا يصلح جعله مذهباً بالتفصيل، لاقتضائه أن القائل بأنه شرع
بقوله وإن احتمل التبديل، وهو لا يقوله أحد. ويحتمل أن يجعل المنقول عنهم عما
في القرآن خاصة، كما هو ظاهر عبارة الماوردي السابقة، فيجيء حينئذ التفصيل،
إلا أنه لا وجه لهذا التخصيص. ولهذا قال القرطبي: فيما إذا بلغنا شرع من تقدمنا
على لسان الرسول، أو لسان من أسلم كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار، ولم
يكن ذلك منسوخاً ولا مخصوصاً بأحد. (انتهى).
قلت: ويلحق بهم النجاشي، وقد روى ابن حبان في ((صحيحه)) عن عامر بن
شهر قال: كلمتان سمعتهما، ما أحب أن لي بواحدة منهما الدنيا وما فيها، إحداهما
من النجاشي، والأخرى من النبي ◌َّر. فأما الذي سمعتها من النجاشي فإنّا كنّا
عنده إذ جاءه ابن له من الكتّاب يعرض لوحَه (قال): وكنت أفهم بعض كلامهم،
فمر بآيةٍ فضحكت. فقال: مالذي أضحكك؟! والذي نفسي بيده لُأنزلت من
عند ذي العرش أن عيسى بن مريم قال: إن اللعنة تكون في الأرض إذا كانت
إمارة الصبيان. والذي سمعته من النبي وَليل يقول: اسمعوا من قريش ودعوا
فِعلَهم. قلت: وقد فرّقه أبو داود، فروى أوله في ((كتاب الجراح)) وباقيه في ((كتاب
السنة)). وقال فيه ابن عبد البر: حديث حسن. وروى عبد الله بن المبارك عن
٤٤

عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الرحمن: ((رجلٍ من أهل صنعاء)) قال: أرسل
النجاشي ذات يوم وراء أصحابه فدخلوا عليه وقد جلس على التراب ولبس
الخُلقان، فبشّرهم بنصرة النبي ◌َّر ببدر، فسألوه عن جلوسه على هذه الحالة،
فقال: إنا نجد في كتاب الله تعالى الذي أنزله على عيسى وَله: إن حَقّاً على عباد
الله أن يُحدثوا لله تواضعاً عند كل ما أحدث لهم من نعمة. فلما أحدث الله نصر
نبيه أحدثت لله هذا التواضع. وروى الحاكم في ((المستدرك)) عن عكرمة عن ابن
عباس عن النبي ◌َّلقر قال: (مكتوب في التوراة: من سرّه أن تطول حياته، ويزاد في
رزقه فليصل رحمه). وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة.
والقول بجريان هذا في أخبار من لم يطلع النبي ◌َّلقر عليه بعيد. وقال الكيا ما
حاصله: المراد بشرع ما قبلنا ما حكاه الله ورسوله عنهم أما الموجود بأيديهم
فممنوع اتباعه بلا خلاف. (قال): وعلة المنع إما لتهمة التحريف، وإما لتحقق
النسخ. (قال) ووقع الإجماع على أحد هذين الاحتمالین. وتظهر فائدتهما فیما حكاه
الله لنبيّه من شرعهم. فإن قلنا: التهمة التحريف فلا يتجه. وإن قلنا لتحقق
النسخ اطرد ذلك في المحكي وغيره. قلت: ولهذا فصّل أبو زيد والماوردي ما
سبق .
تنبيهات :
الأول :
قال المقترح: هذا الخلاف مبني على أن كل شريعة لما وردت، كانت خاصة أو
كانت عامة، فالذي / فضَّل يقدر أن تكون عامة، وهل اندرست أم لا؟ والذي ٣٢٩ / أ
يدعي أنها شرع لنا يحتاج إلى إثبات أنها حيث وردت دامت ولم تندرس. وقال ابن
برهان: هو مبني على أن نفس بعثة الأنبياء لا تصلح أن تكون ناسخة ومغيرة.
وعندهم: تصلح لذلك.
٤٥

الثانى :
قال الأستاذ أبو منصور وغيره: فائدة الخلاف في هذه المسألة تظهر في حادثة
ليس فيها نص ولا إجماع، ولها حكم شرعي معلوم في شرع قبل هذا الشرع، هل
يجوز الأخذ به أم لا؟. ومن فروعه: ما إذا تعذر الاطلاع على حكم ما يحل أكله
ويحرم، وثبت تحريمه بشرع سابق بنص أو شهادة فقولان: (أحدهما): أنا
نستصحبه حتى يظهر ناسخ وناقل. و (أصحهما): لا، بل يعمل بظاهر الآية من
الحل. وعلى الأول فلو اختلف فيه، ففي ((الحاوي)) للماوردي: إنما يعتبر حكمه في
أقرب الشرائع بالزمن للإسلام. وإن اختلفوا فوجها تعارض الأشباه.
الثالث :
قال القاضي في ((التقريب)): ليس تحقيق الخلاف أن يقول المخالف: أنه قد أمر
بمثل شرع من تقدم، لأن أحداً لا ينكر هذا، فإن كان هذا قول المخالفين فإنه ورد
عليه أمر مستأنف مبتدأ موافق لشرع من قبله، فقد وافقوا على المعنى، وإنما
الخلاف في أنه هل يلزمه بعد المبعث العمل بشريعة من قبله على وجه الاتباع لنبي
قبله وفُرض لزوم دعوته. قال القاضي: فهذا هو الباطل الذي ننكره.
الرابع :
إذا قلنا باستصحاب شرع من قبلنا فله ثلاثة شروط:
(أحدها): أن يصح النقل بطريقة أنه شرعهم. وذلك بأربع طرق: إما بالقرآن
كقوله تعالى: ﴿أن تذبحوا بقرة﴾ [سورة البقرة / ٦٧]، أو تصحيح السنة، كما
استدلوا بحديث الغار على صحة بيع الفضولي وشرائه، أو ثبت نقل بطريق التواتر
الذي لا يمكن الغلط فيه. ولا يشترط فيه الإيمان على ما سبق في ((باب الخبر)). هذا
هو الذي يقتضيه القياس، لكن الظاهر خلافه، ولهذا قال الرافعي في ((كتاب
الأطعمة)): لا يعتمد قول أهل الكتاب. وإما بأن يشهد به اثنان أسلما منهم ممن
يعرف المبدَّل.
الشرط الثاني: أن لا تختلف في تحريم ذلك وتحليله شريعتان، فإن اختلفتا كأن
كان ذلك حراماً في شريعة إبراهيم، وحلالاً في شريعة غيره، فيحتمل أن يؤخذ
٤٦

بالمتأخر، ويحتمل التخيير، وإن لم نقل بأن الثاني ناسخ للأول، فإن ثبت كون
الثاني ناسخاً وجهل كونه حراماً في الدين السابق أو اللاحق توقف ويحتمل الرجوع
إلى الإباحة الأصلية.
الشرط الثالث: أن يكون التحريم والتحليل ثابتاً قبل تحريفهم وتبديلهم، فإن
استحلوا وحرّموا بعد النسخ والتحريف فلا عبرة به البتة.
الخامس :
هذا كله في فروع الدين، فأما العقائد فهي لازمة لكل أحد. قال تعالى:
﴿أولئك الذين هدى الله، فبهداهم اقتده﴾ [سورة الأنعام / ٩٠] ويدل لذلك أن
العلماء احتجوا على أن الله خالق لفعل العبد بقوله تعالى حاكياً عن إبراهيم:
(أتعبدون ما تنحتون. والله خلقكم وما تعملون﴾ ولم يردّ المعتزلة هذا بأنه شرع
سابق .
وألحق بعضهم بالإيمان تحريم القتل والكفر والسرقة والربا ونحوهما، وقال
اتفقت الشرائع على تحريمها، وإنما اختلفوا: هل حرمت في شرعنا بخطاب
مستأنف أم بالخطاب الذي أنزل على غيره وتعبد باستدامته، ولم ينزل عليه
الخطاب إلا بما يخالف شرعهم. فقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي والغزالي: كان
ذلك بخطاب مستأنف وطردوا قولهم: لم يتعبد بشريعة من قبله.
السادس :
ذكر القاضي أبو عبد الله الصيمري من أئمة الحنفية في كتابه ((مسائل الخلاف
في الأصول)» خلافاً في أنه هل يجوز أن يبعث الله تعالى نبياً تكون شريعته مثل
الذي قبله، أم يجب أن تكون له شريعة مفردة؟ قال: أما من جهة العقل فهو
جائز، ومن الناس من قال لابد أن يختص بشريعة [غير شريعة] من قبله.
(انتهى). ولعل هذا الخلاف هو أصل الخلاف في مسألتنا. ثم رأيت التصريح
بذلك في كتاب ((الذريعة)) الشريف المرتضى. (قال): وقيل: يجوز أن يتعبد الله
نبياً بمثل شريعة النبي الأول بشرطين: أن تندرس الأولى فيجددها الثاني، أو بأن
يزيد فيها مالم يكن فيها. فأما على غير هذا الوجه هو عبث (قال): والصحيح:
٤٧

الجواز ولا عبث إذا علم الله أنه ينتفع بالثاني من لا ينتفع بالأول، لتكون النعمة
الثانية على سبيل ترادف الأدلة.
فائدة :
قال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى: بدء الشرائع كان في التخفيف، ولا
يعرف في شرع نوح وصالح وإبراهيم ثقيل، ثم جاء موسى بالتشديد والأثقال،
وجاء عيسى بنحو من ذلك، وكانت شريعة نبينا وَل* تنسخ تشديد أهل الكتاب،
ولا تطلق بتسهيل من كان قبلهم، فهي على غاية الاعتدال.
مَسألة
يجوز أن يقال لنبي أو مجتهد: احکم بما شئت من غير اجتهاد فهو صواب، أي
فهو حكمي في عبادي، إذا علم أنه لا يختار إلا الصواب ويكون قوله إذ ذاك من
جملة المدارك الشرعية، ويسمى (التفويض)، قاله القاضي في ((التقريب)) وتبعه
جماعة منهم الكيا وابن الصباغ، وقال: إنه قول أكثر أهل العلم.
قال القاضي: وقال أكثر المعتزلة: لا يجوز، بناء على رأيهم أن الشرع مبني على
المصالح، وقد لا يكون في اختياره مصلحة. وقال الشريف المرتضى في ((الذريعة)):
الصحيح السماع، ولابد في كل حكم من دليل لا يرجع إلى اختيار الفاعل.
(وقال): خالف يونس بن عمران في ذلك وقال: لا فرق بين أن ينص له على
الحكم وبين أن يعلم أنه لا يختار إلا ما هو المصلحة، فيفوض ذلك إلى اختياره.
(انتهى). وقال أبو بكر الرازي في ((أصوله)): الصحيح أنه لا يجوز ذلك إلا بطريق
الاجتهاد .
والثالث: وبه قال أبو علي الجبائي في أحد قوليه: يجوز ذلك للنبي دون العالم،
ذكر ذلك في قوله تعالى ﴿كل الطعام كان چِلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل
على نفسه﴾ [سورة آل عمران / ٩٣]. قال أبو الحسين: ثم رجع عن هذا القول.
٤٨

وهذا القول اختاره ابن السمعاني، قال: وقد ذكر الشافعي في ((الرسالة)) ما يدل
عليه. وقال أبو الحسين في ((المعتمد)): ذكر الشافعي في الرسالة ما يدل على أن الله
تعالى لما علم أن الصواب يتفق من نبيه جعل له ذلك، ولم يقطع عليه بل جوّزه
وجوز خلافه. وقال صاحب ((المصادر)): ذكر الشافعي ما يدل على الجواز، فإنه
قال فيها: الحكم يثبت بالوحي، أو بأن ينفث في روعه. وكأنه يشير بذلك إلى
خاطر یلقی إليه، أو باجتهاد، أو بأن يوفق في الحكم. (قال): وهو مذهب موسى
ابن عمران بعينه. وقد ردّوا عليه بأنه / لابد في الشرعيات من دلالة مميزة للصلاح ٣٢٩ / ب
من الفساد، واختيار المكلف لا يصلح أن يكون مميزاً. وقال ابن الصباغ في
((العدة)): حكي عن الشافعي أنه قال في كتاب ((الرسالة)): إن الله تعالى لما علم أن
الصواب يتفق من نبيه جعل ذلك إليه. ولم يقطع بذلك (قال): وهذا لا يجيء على
قول الشافعي، فإن مذهبه أن الحق واحد نُصبت عليه أمارة. ويحتمل أنه أشار
بذلك إلى أنه جعله إليه بالاجتهاد لما علم أن الصواب يتفق منه، وحينئذ يجب
اتباعه مطلقاً، بخلاف غيره من المجتهدين. (انتهى).
وزعم الآمدي والرازي أن تردد الشافعي في الجواز، وقال غيرهما: بل في
الوقوع مع الجزم بالجواز، وهو الأصح نقلاً، وهو المختار إن لم يقع نقلاً. وصرح
ء
القاضي في ((التقريب)) بالجواز وتردد في الوقوع. قال ابن دقيق العيد: محل الخلاف
في هذه المسألة إنما هو في الحكم بالرأي من غير نظر في مستنداته الشرعية، وإلا
كان اجتهاداً جائزاً للعلماءِ - من غير خلاف - والنبيِّ وَّز على قول. وهي المسألة
الآتية في الاجتهاد.
وقال ابن السمعاني: هذه المسألة وإن أوردها متكلمو الأصوليين فليست
بمعروفة بين الفقهاء، وليس فيها كبير فائدة، لأن هذا في غير الأنبياء لم يوجد، ولا
يتوهم وجوده في المستقبل، فأما في حق النبي ◌َ ه فقد وجد، وسبق في كلام آخر
يتعلق بهذه المسألة، عند الكلام في أن الأحكام لابد لها من علة.
٤٩

٩
إطبَاق النَّاس من غَير نكير
هذا الدليل يستعمله الفقهاء في مواضع، كاستدلال أصحابنا على طهارة
الأنفحة بإطباق الناس على أكل الجبن، واستدلالهم على جواز قرض الخبز.
واستدلال الحنفية على جواز الاستصناع لمشاهدة السلف له من غير إنكار مع
ظهوره واستفاضته، ودخول الحمام من غير شرط أجرة ولا تقدير انتفاع وغير
ذلك.
وهو يقرب من الإجماع السكوتي من غير تقرير النبي ◌َّ على الفعل، من غير
نكير يقوم مقام التصريح بالتجويز، لأن النهي عن المنكر لازم للأمة، بل قال إمام
الحرمين في الكلام على وجوب ركعتي الطواف: وقد يستدل الشافعي على وجوب
الشيء بإطباق الناس على العمل. وما كان مقطوعاً به فالعادة لا تقتضي تردد الناس
فيه. (انتھی).
وينبغي أن يقال: هذا لا يتم إلا إذا اتفق في عصره عليه السلام أو في عصر
الصحابة والتابعين. وأما بعد ذلك فتزايد الحال إلى هذا الزمان الذي كم فيه من
بدعة، وقد تواطؤوا على عدم الإنكار لها، فلا ينبغي أن يجعل الإطباق على الفعل
مع عدم النكير دليلاً على الإباحة على الإطلاق. وقد كان عبد الله بن الحسن يكثر
الجلوس على ربيعة، فتذاكرا يوماً، فقال رجل: ليس العمل على هذا. فقال عبد
الله: أرأيت إن كثر الجهال حتى يكونوا هم الحطام فهم الحجة على الناس. قال
ربيعة: أشهد أن هذا الكلام لا يقبله إلا الأنبياء عليهم السلام.
وقال الصيرفي في كتاب ((الدلائل)): والأعلام المعتادة بين الناس ضربان:
(أحدهما) ما يعتادونه في أكلهم وشربهم ولباسهم ونحوه، فلا كلام فيه، لأن هذا
تابع للمقاصد لاحجر فيه. (والثاني) ما اعتادوه في دياناتهم. وهذا إما أن يكون
٥٠

عادة لقوم دون قوم، فليس هؤلاء حجة على غيرهم إلا بدليل، كقوم ألفوا مذهب
مالك في بلدة. وإما أن يكون عادة لجميع الناس في جميع الأمصار مستفيضاً فهذا
لا يجوز خلافه، لأنه لا يستفيض بينهم فعل شيء من الأشياء إلا وهو مباح أو
موجب، على حسب ما يُلزمونه أنفسهم، فإن كان ذلك موجوداً في الأغلب فليس
بحجة. (قال): ومن زعم أن الأحكام وقعت على العادات فغلط، بل هي مبتدأة
مستأنفة .
٥١

١٠
دلالَة السياق
أنكرها بعضهم، ومن جهل شيئاً أنكره.
وقال بعضهم: إنها متفق عليها في مجاري كلام الله تعالى. وقد احتج بها أحمد
على الشافعي في أن الواهب ليس له الرجوع من حديث (العائد في هبته كالكلب
يعود في قيئه) حيث قال الشافعي: هذا يدل على جواز الرجوع. إذ قيء الكلب
ليس محرماً عليه، فقال أحمد: ألا تراه يقول فيه: (ليس لنا مثل السوء، العائد في
هبته .. ) الحديث. وهذا مثل سوء فلا يكون لنا. واحتج بها في أن المراد بأنه
استيعابهم واجب، وسياق الآية يدل على الأول بقوله تعالى: ﴿ومنهم من يلمزك في
الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا، وإن لم يُعطّوا منها إذا هم يسخطون﴾ [سورة
التوبة / ٥٨] فإن الله تعالى لما رأى بعض من لا يستحق الصدقة يحاول أن يأخذ
منها، ويسخط إذا لم يعط يقطع طمعه ببيان أن المستحق لها غيره، وهم الأصناف
الثمانية .
وقال الشيخ عز الدين في كتاب ((الإمام)): السياق يرشد إلى تبيين المجملات،
وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات. وكل ذلك بعرف الاستعمال. فكل
صفة وقعت في سياق المدح كانت مدحاً، وإن كانت ذماً بالوضع. وكل صفة
وقعت في سياق الذم كانت ذمّاً وإن كانت مدحاً بالوضع، كقوله تعالى: ﴿ذق أنك
أنت العزيز الكريم﴾. [سورة الدخان / ٤٤].
٥٢

١١
قَول الصحَاني
اتفقوا على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس بحجة على صحابي آخر
مجتهد، إماماً أو حاكماً أو مفتياً. نقله القاضي، وتبعه المتأخرون، منهم الآمدي
وابن الحاجب وغيرهما. فإن قيل: يقدح فيه قول إمام الحرمين: قال الشافعي
رضي الله عنه في بعض أقواله: إذا اختلف الصحابة فالتمسك بقول الخلفاء أولى.
قال الإمام: وهذا كالدليل على أنه لم يسقط الاحتجاج بأقوال الصحابة من أجل
الاختلاف .
قلنا: مراده أنه حجة علينا، لا على من عاصره من الصحابة. نعم، هنا
مسألتان: (إحداهما) بالنسبة إلى وجوب التقليد، و(الثانية) بالنسبة إلى جوازه،
والقاضي إنما حكى الاتفاق في الأولى، وحكى الخلاف في الثانية فقال: وقد اتفق
على أنه لا يجب على الصحابي تقليد مثله من الصحابة، فبذلك لا يجب تقليد
غيرهم من العلماء لهم، لتساوي أحوالهم. (قال): وقد أجاز بعضهم تقليد بعض
الصحابة بعضاً، واحتجوا بإجابة عثمان إلى تقليد أبي بكر وعمر في الأحكام، وإن
لم نعتبر وجوب ذلك. (انتهى). وقد يدعى أنها مسألة واحدة. ويلزم من القول
بالجواز الوجوب، وكلام الشيخ في ((اللمع)» يقتضي ذلك، فإنه قال: إذا أجمعوا بين
الصحابة على قولين بني على القولين في أنه حجة أم لا. فإن قلنا ليس بحجة لم
يكن قول بعضهم حجة على بعض، ولم يجز تقليد / واحد منهما، بل يرجع إلى ٣٣٠/أ
الدليل. وإن قلنا إنه حجة فها هنا دليلان تعارضا فيرجح أحدهما على الآخر بكثرة
العدد من الجانبين، أو يكون فيه إمام. (انتهى).
ثم هذا الاتفاق صحيح بالنسبة إلى زمنهم. أما بالنسبة إلى من بعدهم إذا
اختلفوا فقد ظن قوم أن حجية قول الصحابي تزول إذا خالفه غيره من الصحابة،
لأنه ليس اتباع قول أحدهما أولى من الآخر، وتعلقوا بما تقدم من نقل الإجماع.
٥٣

وهذا ضعيف، لأن ذلك إنما هو بالنسبة إلى غيره من الصحابة، وإنما الخلاف
المشهور في أنه هل هو حجة على التابعين ومن بعدهم من المجتهدين. وفيه أقوال:
الأول : أنه ليس بحجة مطلقاً، كغيره من المجتهدين، وهو قول الشافعي في
الجديد، وإليه ذهب جمهور الأصوليين من أصحابنا والمعتزلة. ويومىء إليه الإمام
أحمد، واختاره أبو الخطاب من أصحابه. وزعم عبد الوهاب أنه الصحيح الذي
يقتضيه مذهب مالك، لأنه نص على وجوب الاجتهاد واتباع ما يؤدي إليه صحيح
النظر فقال: وليس في اختلاف الصحابة سعة، إنما هو خطأ أو صواب.
الثاني : أنه حجة شرعية مقدمة على القياس، وهو قوله في القديم. ونقل عن
مالك وأكثر الحنفية. قال صاحب ((التقويم)): قال أبو سعيد البردعي: تقليد
الصحابة واجب، يترك بقوله القياس، وعليه أدركنا مشايخنا. وذكر محمد بن
الحسن: إن شرى ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن لا يجوز. واحتج بأثر عائشة
رضي الله عنها والقياس، وقال: وليس عن أصحابنا المتقدمين مذهب ثابت،
والمروي عن أبي حنيفة: ((إذا أجمعت الصحابة سلمنا لهم، وإذا جاء التابعون
زاحمناهم)) لأنه كان منهم، فلا يثبت لهم بدون إجماع. (انتهى).
ومن كلام الشافعي في القديم، لما ذكر الصحابة رضوان الله عليهم: وهم
فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك فيه علم أو استنبط، وآراؤهم
لنا أجمل وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا. ومن أدركنا ممن يُرضى أو حُكي لنا عنه
ببلدنا صاروا فيما لم يعلم للرسول(١) وَلا فيه سنة إلى قولهم إن أجمعوا، وقول بعضهم
إن تفرقوا. فهكذا نقول: إذا اجتمعوا أخذنا باجتماعهم، وإن قال واحدهم ولم
يخالفه غيره أخذنا بقوله، وإن اختلفوا أخذنا بقول بعضهم ولم نخرج عن أقاويلهم
كلهم .
وقال في موضع آخر منه (٢): فإن لم يكن على قول أحدهم دلالة من كتاب ولا
سنة كان قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أحبَّ إلى أن أقول من
(١) في الاصول كلها (الرسول).
(٢) أي من المذهب القديم.
٥٤

غيرهم أن أخالفهم. مِن قبل أنهم أهل علم وحكاية. (ثم قال): وإن اختلف
المفتون بعد الأئمة - يعني من الصحابة - ولا دليل فيما اختلفوا فيه، نظرنا إلى
الأكثر، فإن تكافؤوا نظرنا إلى أحسن أقاويلهم مخرجاً عندنا.
واعلم أن هذا القول اشتهر نقله عن القديم، وقد نص عليه الشافعي في
الجديد أيضاً، وقد نقله البيهقي، وهو موجود في كتاب الأم، في باب خلافه مع
مالك، وهو من الكتب الجديدة فلنذكره بلفظه، لما فيه من الفائدة:
قال الشافعي رحمه الله: ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعذر على من
سمعهما مقطوع إلا باتباعهما، فإذا لم يكن كذلك صرنا إلى أقاويل أصحاب
الرسول أو واحدهم، وكان قول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله
عليهم أحب إلينا إذا صرنا إلى التقليد، ولكن إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل
على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة فنتبع القول الذي معه الدلالة، لأن قول
الإمام مشهور فإنه يلزم الناس ومن لزم قولهُ الناسَ كان أظهر ممن يفتي الرجل
والنفرَ، وقد يأخذ بفتياه وقد يدعها. وأكثر المفتين يفتون الخاصة في بيوتهم
ومجالسهم، ولا يُعنى الخاصةُ بما قالوا عنايتَهم بما قال الإمام.
ثم قال: فإذا لم يوجد عن الأئمة فأصحاب رسول الله و 10 في الدين في موضع
الأمانة أخذنا بقولهم، وكان اتباعهم أولى بنا من اتباع مَن بعدهم. والعلم
طبقات :
الأولى: الكتاب، والسنة إذا ثبتت السنة.
والثانية: الإجماع مما ليس في كتاب ولا سنة.
والثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي ﴿ ﴿ ولا نعلم له مخالفاً فيهم.
والرابعة: اختلاف أصحاب الرسول.
والخامسة: القياس على بعض هذه الطبقات. ولا يصار إلى شيء غير الكتاب
والسنة وهما موجودان. وإنما يؤخذ العلم من أعلى. هذا نصه بحروفه. وقد رواه
البيهقي عن شيوخه عن الأصم عن الربيع عنه. وهذا صريح منه في أن قول
٥٥

الصحابي عنده حجة مقدمة على القياس، كما نقله عنه إمام الحرمين، فيكون له
قولان في الجديد، وأحدُهما موافق للقديم وإن كان قد غفل عن نقله أكثر
الأصحاب.
ويقتضي أيضاً أن الصحابة إذا اختلفوا كان الحجة في قول الخلفاء الأربعة إذا
وجد عنهم، للمعنى الذي أشار إليه الشافعي، وهو اشتهار قولهم ورجوع الناس
إليهم. وقد استعمل الشافعي ذلك في «الأم» في مواضع كثيرة (منها) قال في کتاب
الحكم في قتال المشركين ما نصّه: وكل من يحبس نفسه بالترهُّب تركنا قتله، اتباعاً
لأبي بكر رضي الله عنه: ثم قال: وإنما قلنا هذا اتباعاً لا قياساً. وقال في كتاب
(اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى)) في باب الغصب: أن عثمان قضى فيما إذا شرط
البراءة في العيوب في الحيوان. قال: وهذا يذهب إليه، وإنما ذهبنا إلى هذا تقليداً.
وإنما كان القياس عدم البراءة. وقال ابن الصباغ: إنما احتج الشافعي بقول عثمان
في الجديد لأن مذهبه إذا لم ينتشر ولم يظهر له مخالف كان حجة. (انتهى). وقال في
عتق أمهات الأولاد: لا يجوز بيعها - تقليداً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
الثالث : أنه حجة إذا انضم إليه قياس.
فیقدم حينئذ علی قیاس ليس معه قول صحابي.
نص عليه الشافعي رحمه الله في كتاب ((الرسالة)) فقال: وأقوال أصحاب النبي
عليه السلام إذا تفرقوا نصير منها إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الإجماع، أو كان
أصح في القياس. وإذا قال واحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم له موافقةً ولا
خلافاً صرت إلى اتباع قول واحدهم. وإذا لم أجد كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً ولا
شيئاً يحكم له بحكمه، أو وجد معه قياس. هذا نصه بحروفه.
وقال ابن الرفعة في ((المطلب)): حكى القاضي الحسين وغيره من أصحابنا عن
٣٣٠ / ب الشافعي أنه يرى في/الجديد أن قول الصحابي حجة إذا عَضَده القياس. وكذا
حكاه ابن القطان في كتابه فقال: نقول بقول الصحابي إذا كان معه قياس
(انتهى). وكذا قال القفال الشاشي في كتابه، فقال: قال في الجديد: إنه حجة إذا
٥٦

اعتضد بضرب من القياس يقوى بموافقته إياه. وقال القاضي في ((التقريب)): في
باب القول في منع تقليد العالم العالم : إن الذي قاله الشافعي في الجدید، واستقر
عليه مذهبه، وحكاه عنه المزني فقال في الجديد: أقول بقول الصحابي إذا كان معه
قياس. وقال ابن أبي هريرة في ((تعليقه)) في باب الربا : عندنا أن الصحابي إذا كان
له قول وكان معه قياس وإن كان ضعيفاً فالمضيّ إلى قوله أولى، خصوصاً إذا كان
إماماً، ولهذا منع الشافعي بيع اللحم بالحيوان المأكول بجنسه وغيره، لأثر أبي بكر
الصديق رضي الله عنه.
قلت: ويشهد له أن الشافعي استدل في الجديد على عدم وجوب الموالاة في
الوضوء بفعل ابن عمر رضي الله عنهما، ثم قال: وفي مذهب كثير من أهل العلم
أن الرجل إذا رمى الجمرة الأولى ثم الأخيرة ثم الوسطى أعاد الوسطى ولم يعد
الأولى، وهو دليل في قولهم على أن تقطيع الوضوء لا يمنع أن يجزىء عنه، كما في
الجمرة. (انتهى). فاستدل بفعل الصحابى المعتضد للقياس، وهو رمي الجمار،
وعلى الغسل أيضاً، كما وقع في أول كلامه.
نعم، المشکل على هذا القول أن القیاس نفسه حجة، فلا معنى حينئذ لاعتبار
قول الصحابى فيه، ويؤول حينئذ هذا إلى القول بأنه ليس بحجة على انفراده.
ولهذا حكى ابن السمعاني وجهين لأصحابنا أن الحجة في القياس، أو في قوله،
بعد أن قطع أنه حجة إذا وافق القياس. ولأجل هذا الإشكال قال ابن القطان:
أجاب أصحابنا بجوابين:
(أحدهما) أن الشافعي أراد بالقياس أن يكون في المسألة قياسان، فيكون قول
الصحابة مع أحد القياسين أولى من القياس المجرد (قال): وهذا كالبراءة من
العيوب، فإنه اجتذبه قياسان: أحدهما يشبه ... (١)، وذلك أن البراءة إنما تجوز فيما
علمه، فأما البراءة مما لا يعلمه فممتنعة. وهذا الذي يوجبه القياس على غير
الحيوان أن يوجب قياساً آخر، وهو أن الحيوان مخصوص بما سواه من حيث يغتذي
(١) هنا في أصول ثلاثةٍ كلمة صورتها: (البيان).
٥٧

بالصحة والسقم ويخفي عيوبه، صار إلى تقليد عثمان مع هذا القياس.
والثاني: كان الشافعي يتحرّج أن يقال عنه: إنه لا يقول بقول الصحابة
فاستحسن العبارة فقال بقول الصحابي إذا كان معه القياس. (انتهى).
وقال ابن فورك: إن قيل: كيف قال الشافعي أنه حجة إذا كان معه قياس،
والقياس في نفسه حجة وحده؟ قيل: اجتذب المسألة وجهان من القياس قوي
وضعيف، فقوي القياسُ الضعيف بقول عتمان. فإن قيل: كيف ترك أقوى
القياسين بقول صحابي واحد فإنه لو انفرد القياسان عن قول الصحابي كان إما أن
يتساويا فيسقطا، أو يصح أحدهما فيبطل الآخر. وإن كان قول الصحابي مع
الصحيح فهو تأکید له.
قيل له: إن قول الصحابي إذا لم يعلم له مخالف له قوة على قول الصحابي الذي
ظهر خلافه كما نقول: إن قول الصحابي إذا انتشر قوله ولم يعلم له مخالف أقوى من
قول من لم ينتشر ولم يعلم له مخالف فكان أدون هذه المنازل إذا عضده بعض
الأشياء ملحقة بمنزلة الشبه وإن كان ذلك الشبه لو انفرد لم يكن حجة. فأما أولى
القياسين فلا يسلم من معارضة ما تبطل معه دلالته وهو قول الصحابي الذي لا
مخالف له مقترناً بالشبه الذي ذكرناه.
وقال الصيرفي في ((الدلائل)): معنى قول الشافعي في الجديد أنه ليس بحجة أنه
إذا تجاذب المسألة أصلان محتملان يوافق أحدهما قول الصحابي، فيكون الدليل
الذي معه قول الصحابي أولى في هذا على التقوية وأنه أقوى المذهبين فلا يغلط على
الشافعي. هذا وجه قوله: إن تقليده لا يلزم إلا أن يوجد في الكتاب أو السنة ما
يخالفه ويعضده ضرب من القياس. وعلى هذا فهو مقوّ للقياس ومغلّب له كما
يغلب بكثرة الأشباه.
وظاهر نص الرسالة المذكورة يقتضي تساوي القياسين: لأنه لم يفرق بين قياس
وقياس. نعم، قوله: ولا شيئاً في معناه يحكم له بحكمه ظاهر في تقديم القياس
الجلي على قول الصحابي، وهو مستند إمام الحرمين في قوله: أن الشافعي قال في
بعض أقواله: القياس الجلي. ولما حكى الروياني في ((البحر)) القولين الأولين قال:
٥٨

ومن أصحابنا من قال: القولان إذا لم يكن معه قياس أصلاً، فإن كان مع قوله
قياس ضعيف فقوله معه يقدم على القياس القوي. وهو اختيار القفال وجماعة.
وهو ضعيف عندي، لأنه لا يجب الرجوع لقول الصحابي بانفراده، وكذلك
القياس الضعيف، فكيف إذا اجتمع ضعيفان غلبا القوي؟ (انتهى). وما حكاه
عن القفال حكاه الشيخ في ((اللمع)) عن الصيرفي، ثم خطأه، وحكاه ابن الصباغ
في ((العدة)) عن حكاية بعض الأصحاب عن الشافعي أنه إذا كان مع قول
الصحابي قياس ضعيف فهو أولى من القياس الصحيح قولاً واحداً، ثم ضعفه ابن
الصباغ. وحكاه الماوردي في كتاب الأقضية من ((الحاوي)) عن القديم. لكنه قال:
ذلك في القياس الخفي مع الجلي، وأن الخفي يقدم على الجلي إذا كان مع الأول
قول الصحابي (قال): ثم رجع الشافعي عنه في الجديد وقال: العمل بالقياس
الجلي أولى. وقال الماوردي أيضاً في ((الحاوي)) في مسألة البيع بشرط البراءة من
العيوب: مذهب الشافعي في الجديد أن قياس التقريب إذا انضم إلى قول
الصحابي أولى من قياس التحقيق. وكذلك قال أبو الحسن الحوري في شرح
مختصر المزني. (قلت): وهو ظاهر إطلاقه في ((الرسالة)). وقال ابن كج في كتابه:
إذا قال الصحابي قولاً وعارضه القياس القوي نظر: فإن كان مع الصحابي قياس
خفي كان المصير إلى قول الصحابي أولى، لقضية عثمان في بيع اللحم بالحيوان.
وإن كان قول الصحابي فقط وقد عارضه القياس فقال الشافعي في القديم: إن
قوله يقدم، لعلمه بظواهر الكتاب، وقال في الجديد: أولى، ولأن الله أمر بالرجوع
عند التنازع إلى الكتاب، ولأن الصحابي يجوز عليه السهو.
٣٣١ / أ
الرابع : أنه حجة إذا خالف القياس. /
لأنه لا محمل له إلا التوقف. وذلك أن القياس والتحكم في دين الله باطل
فيعلم أنه ما قاله إلا توقيفاً. قال ابن برهان في ((الوجيز)): وهذا هو الحق المبين.
قال: ومسائل الإمامين أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما تدل عليه. فإن
٥٩

الشافعي غلّظ الدية بالأسباب الثلاثة بأقضية الصحابة، وقدّر دية المجوسي بقول
عمر، وأبا حنيفة قدّر الجعل في رد الآبق بأربعين درهماً لأثر ابن مسعود.
وقال الأبياري في ((شرحه)) هو أشبه المذاهب. وقال ابن المنير: هذا المذهب لا
يختص الصحابيَّ، فكل عالم عدل إذا خالف القياس ظن به المخالفة للتوقيف.
والظاهر إصابته في شروطه. قلت: وقد طرده ابن السمعاني فيه كما سيأتي. ثم
قال: ثم هو لا يختص غير الصحابي إذا كان المخالف صحابياً، فيجب إذاً على
الصحابي الاقتداء بالصحابي المخالف للقياس.
والحاصل عن الشافعي أقوال:
أحدها: أنه حجة مقدمة على القياس، كما نص عليه في ((اختلافه مع مالك))
وهو من الجديد.
والثاني: أنه ليس بحجة مطلقاً، وهو المشهور بين الأصحاب أنه الجديد.
والثالث: أنه حجة إذا انضم إليه قياس، فيقدم حينئذ على قياس ليس معه
قول صحابي، كما أشار إليه في ((الرسالة)). ثم ظاهر كلامه فيها أن يكون القياسان
متساویین .
وتقدم في نقل إمام الحرمين عنه في قول تخصيص القياس الجلي بتقديمه على قول
الصحابي. فعلى هذا يكون المراد بـ ((القياس يعتضد بقول الصحابي)) القياس
الخفي، ويكون فيما نقله الإمام قول رابع في المسألة من أصلها.
وتقدم أيضاً عن الماوردي: إذا اعتضد بقياس التقريب فهو أولى من قياس
التحقيق .
وعن حكاية ابن الصلاح: إذا اعتضد بقياس ضعيف فهو أولى من القياس
القوي، فيتخرج من هذا قولان للشافعي إن جعلنا القياس الضعيف أعم من
قياس التقريب وغيره، وإلا فقول خامس. وخصّ الماوردي القولين الأولين بما إذا
كان موافقاً لقياس جلي، فإن لم يكن معه قياس جلي قدم القياس الجلي قطعاً
٦٠