النص المفهرس
صفحات 281-300
فإن كل عبارة لا إخالة(١) فيها فهي طرد محذوف، والوارد على الإخالة(١) نقض. ولو أورد على أحد الوصفين مع كونهما مخيلين(١) فهو باطل لا يقبل. نعم، تردّد القاضي في أن المعلل هل يجوز له الاحتراز عن المسألة المستثناة عن القياس بطرد أم لا؟ قال: ويحتمل أن يقال: لا يحتاج إليه أصلاً، فإنه ليس بنقض، ولو فعله استبان به فكان أحسن. ومذهبنا أن العلة منتقضة به، فلا معنى للاحتراز بالطرد . تنبيهان الأول: ذكر الشيخ رحمه الله في ((المهذب)) فيما لو ماتت الأمهات كلها والفروع زكى بحول الأمهات. وقال الأنماطي: يشترط بقاء نصاب من الأمهات، فلو نقص عن النصاب انقطعت التبعية (قال): وما قاله ينكسر عليه بولد أم الولد، أي فإنه يثبت له حق الحرية، لثبوته للأم، ثم يسقط حق الأم بموتها، ولا يسقط حق الولد، بل يعتق بموت السيد كما كانت الأم / تعتق بموته . ٣١١/ب . وقال الأصحاب في باب القراض: إذا مات المالك انفسخ القراض، فلو أراد الوارث تقرير العقد والباقي ناضُّ جاز قطعاً، وإن كان عروضاً قال أبو إسحاق المروزي: يجوز، لأنه إنما امتنع القراض في العروض ابتداء، وهذا ليس بابتداء، بل بناء على أصل عند المالك. وقال الجمهور: لا يجوز، لأن القراض الأول بطل بالموت، وما قاله أبو إسحاق ينكسر بما لو دفع مالاً قراضا يعمل فيه عامل، وحصل المال عروضاً ثم تفاسخا القراض ثم أراد أن يعقدا القراض لا يجوز بالاتفاق وإن كان مبنياً على ما سبق . الثاني: قيل: الخلاف في سؤال الكسر ينبني على الخلاف في القياس في الأسباب، فمن جوزه قَبِل سؤال الكسر، ومن لم يجوِّزه لم يسمع الكسر، وذلك لأن المستدل إذا قال: وصف السرقة كان مناسباً لمعنى كذا وهو موجود في النبش، فيكون سببا، فإن بين أنهما اشتركا في خاصّةٍ بين النبش والسرقة يفارقها غيرها فيها صح الجميع، وإن لم يذكر خاصة فقال: يبطل بالزنى وقطع الطريق وغير ذلك فإن (١) جاءت بالحاء المهملة في جميع النسخ والصواب بالخاء المعجمة. ٢٨١ المعنى الذي وجد في السرقة وجد في قطع الطريق، وهو الحاجة إلى الزجر، ولم ينتهض سبباً لمثل حكم السرقة، فيحتاج المستدل أن يذكر بين النبش والسرقة خاصة تجمعهما، فكأن صحة الكسر موضوعة على صحة القياس في الأسباب، فكل من لم يجوز ذلك يلزمه أن لا يصحح الكسر، ولا طريق لتصحيح الكسر إلا بما ذكرنا، وكل من لم يَبْنِ صحة الكسر على هذا الطريق لم يعرف حقيقته . ٢٨٢ فصْل جواب الكسر نحو ما سبق من الأجوبة في النقض، لأنه نقض في المعنى. قيل إلا أن منع وجود العلة هنا أظهر منه في النقض، لأن الحكمة قد تتفاوت، فقد لا يحصل ما هو مناط الحكم منه في الأصل والفرع، ومنع انتقال الحكم هاهنا، فاندفع بوجه آخر، وهو أنه لم لا يجوز أن يثبت حكم هو أولى بالحكمة. وقال الشيخ أبو إسحاق رحمه الله: الجواب المعتمد في الكسر الفرق من طريق المعنى على وجه الدفع، ولا يكفي رده بأن في الأصل ما يوافق هذه المسألة، وأنت لا تقول به فلا يلزمني، كما في النقض، ولا يكفي الفرق بعد لزوم الكسر بما لا يدفع عن العلة، وهو الفرق مع وجود المعنى الذي علل به، كما لو فرق بعد النقض من طريق اللفظ . . الثّالث - عَدم العكس وهو وجود الحكم بدون الوصف في صورة أخرى بعلة أخرى، كاستدلال الحنفي على منع تقديم أذان الصبح بقوله: صلاة لا تقصر فلا يجوز تقديم أذانها على وقتها، كالمغرب، فنقول: هذا الوصف لا ينعكس، لأن الحكم الذي هو منع تقديم الأذان على الوقت موجود فيما قصر من الصلوات بعلة أخرى . وعَدُّ هذا من القوادح مبني على مسألتين: إحداهما : أن العكس هل هو شرط في العلة؟ وفيه خلاف سبق. والثانية: امتناع تعليل الحكم الواحد بالنوع بعلتين، لأن النوع باقٍ فيه. فإن جوزناه - وهو المختار - لم يقدح، فإن العلل الشرعية يخلف بعضها بعضاً . ٢٨٣ قال إمام الحرمين: إذا قلنا: إن اجتماع العلل على معلول واحد غير واقع (أي كما هو اختياره) فالعكس لازم ما لم يثبت الحكم عند انتفاء العلة بتوقيف. لكن لا يلزم المستدل بيانه. بخلاف ما ألزمناه مثله في النقض، لأن ذاك داع إلى الانتشار. وسببه أن إشعار النفي بالنفي منحطً عن إشعار الثبوت بالثبوت، ولهذا لو فرضنا عللاً لكان إشعار كل واحدة بنفي الحكم كإشعار جزء العلة بالحكم، لا كإشعار العلة المستقلة به، وزوالها لزوال الترجيح. والذي أبطل العلة إذا امتنع الطرد بتوقيف لا يبطلها إذا امتنع العكس بتوقيف، فليتلمّح الطالب تفاوت المراتب، وقال الآمدي: لا يَرِد سؤال العكس إلا أن يتفق المناظران على اتحاد العلة . الرابع - عَدمِ التَّأثيرْ قال ابن الصباغ: وهو من أصح ما يعترض به على العلة، وهو عدم إفادة الوصف أثره، بأن يكون غير مناسب، فيبقى الحكم بدونه. ومِن ثَمّ اختص بقياس المعنى، وبالعلة المستنبطة المختلف فيها. ولابد من التزام عدم الحكم عند عدم العلة، وهو معنى قول الفقهاء: إن الحكم إذا تعلق بعلة زال بزوالها، ولهذا التزموا الطرد والعكس في باب الربا، بأن حكم الربا لا يثبت اتفاقاً دون علة الربا. وقد استعمله الشافعي في مباحثة له مع محمد بن الحسن، كما سيأتي . قال إلكيا: وعلى هذا فلا معنى لقولهم: إن العلل الشرعية أمارات منصوبة على الحكم، ومن أثبت علامة على حكم فليس له أن ينصب ضدها، فإنّا بينًا أن الحكم إذا تعلق بعلة وثبت بها فذلك الحكم الذي صار نتيجة العلة لا یبقی دون العلة، فإن النتيجة لا تبقى دون الناتج . وقال ابن السمعاني: ذكر كثير من أصحابنا سؤال عدم التأثير، ولست أرى له وجهاً بعد أن يبين المعلل التأثير لعلته. وقد ذكرنا أن العلة الصحيحة ما أقيم الدليل على صحتها بالتأثير. وقد ذكر مشايخ أصحابنا في سؤال عدم التأثير وتصحيحه كلاماً طويلاً وعدُّوه سؤالاً قوياً، وقالوا: إذا أورد السائل هذا السؤال ٢٨٤ فينبغي أن ينظر المعلل، فإن وجد له تأثيراً في طرد العلة والمأخوذ على الطرد والعكس، وعلل الشارع شرطها الاطراد دون الانعكاس، بل إذا كانت مطردة منعكسة ترجح صحة العلة . وقد قسم أهل النظر عدم التأثير إلى أقسام: أحدها - عدم التأثير في الوصف بكونه طردياً، وهو راجع إلى عدم العكس السابق، كقولنا: صلاة الصبح لا تُقصر فلا تقدم على وقتها، كالمغرب. فقوله: ((لا تقصر)) وصف طردي بالنسبة إلى وصف التقديم، وحاصله يرجع إلى طلب المناسبة . وقد تناظر الشافعي رضي الله عنه مع محمد بن الحسن في مسألة نكاح المرأة في عدة نكاح أختها البائنة، فإن محمداً قال: النكاح كان محرما وقد زال النكاح ولم يبق تحريم، فسلّم الشافعي أن الذي بقي من العلة غير النكاح ولم يَرَ العدة علقة من علائق النكاح، لكنه قال: يثبت التحريم بعلة أخرى وهي توقع جمع الماء في رحم أختين. فقال الشافعي رحمه الله: إن صَحّ ذلك فإذا خلاها وطلقها وشرعت في العدة فهلًّ جاز نكاح أختها، إذ لا جمع في الماء، وليس هذا من قبيل العكس / ١/٣١٢ المردود، فلا يتجه أن يقال في غير الممسوسة: معللة بعلة أخرى، إذ التحريم إنما يتعلق بالنكاح أو الجمع، ولا ثالث، فلا يبقى بعدها إلا صورة العدة، ولا نظر إليها . الثاني : عدم التأثير في الأصل بكونه مستغنى عنه في الأصل، لوجود معنى آخر مستقل بالغرض. كقولنا في بيع الغائب: مبيع غير مرئيّ فلا يصح، كالطير في الهواء. فنقول: لا أثر لكونه غير مرئي، فإن العجز عن التسليم كافٍ، لأن بيع الطير لا يصح إن كان مرئياً. وحاصله معارضة في الأصل، لأن المعترض يلغي من العلة وصفا ثم يعارض المستدل بما بقي . قال إمام الحرمين: والذي صار إليه المحققون فساد العلة لما ذكرناه، وقيل: بل يصح، لأن ذلك القيد له أثر في الجملة وإن كان مستغنى عنه، كالشاهد الثالث بعد شهادة عدلين. وهو مردود لأن ذلك القيد ليس محلّه ولا وصفاً له فذكره لغو، ٢٨٥ بخلاف الشاهد الثالث، فإنه(١) يتهيأ لأن يصير عند ذلك(٢) أحد الشاهدين ركنا. (قال): وأما الوصف الذي لا أثر له إما أن يذكر لدفع نقض ما لولاه لورد أوْ لا . فإن لم يكن لدفع النقض فهو هدر، وإلا فالطاردون جوزوا ذكره لدفع النقض. وغيرهم اختلفوا فيه. والمختار أنه إذا كان النقض من مسائل الاستثناء فذكر هذا الوصف في الدليل للتنبيه على محل الاستثناء لا تأثير فيه، وإلا فلا. وجعل البيضاوي في ((منهاجه)) كون عدم التأثير من القوادح مبنياً على منع تعليل الحكم الواحد بالشخص بعلتين. فإن جوزنا وهو المختار، لم يقدح. وسبقه إلى البناء إمام الحرمين. وقال ابن الحاجب: كل ما فرض جعله وصفاً في العلة من طردي إن كان المستدل معترفاً به، فقيل: مردود والمختار أنه يكون غير مردود، لجواز أن يكون فيه غرض صحيح لدفع النقض الصحيح إلى النقض المكسور، وهذا صعب بخلاف الأول فإنه معترف بأنه غير مؤثر . الثالث: عدم التأثير في الأصل والفرع جميعاً، بأن تكون له فائدة في الحكم، إما ضرورية كقول من اعتبر الاستنجاء بالأحجار: عبادة متعلقة بالأحجار لم تتقدمها معصية فاشترط فيها العدد كالجمار. وإما غير ضرورية. فإن لم يعتبر الضرورية لم يعتبرها من طريق أولى. وإلا فترد. مثاله قولنا: الجمعة صلاة مفروضة فلم تفتقر إلى إذن الإمام، كالظهر، فإن قولنا: ((مفروضة)) حشو، إذ لو حذف لم ينتقض بشيء، لكن ذكر لتقريب الفرع من الأصل بتقوية الشبه بينهما، إذ الفرض بالفرض أشبه. واعلم أنا إذا قلنا: إن عدم التأثير في الأصل فقط قادح كان هذا قادحاً بطريق أولى. وقال الشيخ أبو إسحاق في ((الملخص)): هذا القسم أصعب ما نحن فيه. وعندي أنه لا يجوز تعليق الحكم عليه . الرابع: عدم التأثير في الفرع، کقولهم، زوجت نفسها فلا يصح، كما لو تزوجت من غير كفء، فنقول: ((غير كفء)» لا أثر له، فإن النزاع في الكفء (١) في الأصول كلها (فإنها) مع أن الضمير للشاهد، وهو مذكر. (٢) كذا في الأصول كلها. وفي بعضها عند هذه الكلمة اشارة توقف من الناسخ. ولعل الصواب (ردّ). ٢٨٦ ونحوه سواء. وحاصله يرجع إلى الثاني، ويرجع أيضاً إلى المناقشة في الفرض وهو تخصيص بعض صور النزاع بالحجاج، وقد اختلف فيه على مذاهب: الجواز، وهو الأصح. والمنع، قاله الأستاذ أبو بكر. وقال إمام الحرمين: إن كان مبينا لمحل السؤال لم يجز، كما إذا سئل الشافعي عن ضمان الضيف المغرور فقال: يبرأ، وفرض في المكره. فهذا لا يجوز، إذ براءة المكره لأنه آلة، وبراءة الضيف لأنه مغرور، ففي كل مسألة علة مباينة فتقاطعتا. وإن لم يكن، بأن وقع في طريق يشتمل عليه سؤال السائل جاز، كما لو سئل عن عتق الراهن فأبطله، وفرض في المعسر. والخامس: عدم التأثير في الحكم: وهو أن یذکر في الدليل وصفاً لا تأثير له في الحكم المعلل به، كقولنا في المرتدين يتلفون الأموال: مشركون أتلفوا في دار الحرب فلا ضمان، كالحربي. فإن دار الحرب لا مدخل لها في الحكمة، فلا فائدة لذكرها، إذ من أوجب الضمان أوجبه وإن لم يكن في دار الحرب. وكذا من نفاه نفاه مطلقا ويرجع إلى الضرب الأول، لأنه يطالب بأمر كونه في دار الحرب . والفرق بين هذا و(الثالث) أن هذا أعم وذاك أخص، فإنه يلزم من أن يكون له تأثير في الحكم أن لا يكون له تأثير في الأصل والفرع من غير عكس، ولهذا لم يذكر الآمدي وابن الحاجب (الثالث). وقال الآمدي: حاصل هذا القسم يرجع الى عدم التأثير في الوصف فلم يبق غير عدم التأثير في الوصف وفي الأصل. قلت: ولهذا اقتصر على إيرادها في ((المنهاج)) وهو من محاسنه . تنبيه : عدم العكس وعدم التأثير من باب واحد. وقد بان مما سبق أن عدم التأثير أعم من عدم العكس، وهو الذي نقله إمام الحرمين عن الجدليين أنهم قسموا عدم التأثير إلى ما يقع في وصف العلة، وإلى ما يقع في أصلها. وجعلوا الواقع في الأصل معللاً بعلل، فالعلة الواحدة لا يتضمن انتفاؤها انتفاء الحكم. وهذا منشؤه من تعدد العلة في الأصل، وإن اتحدت العلة جرّ ذلك إلى الانعكاس، وهو يوضح أن تقسيمه إلى الأصل والوصف لا حاصل له . ٢٨٧ وقال الشيخ أبو إسحاق في كتاب ((الحدود)) أن القاضي أبا الطيب يذهب إلى أن التأثير والعكس لا فرق بينهما. والصحيح أن العكس: عدم العلة لعدم الحكمة، والتأثير: زوال الحكم لزوال العلة في موضع ما. قال: ومن أصحابنا من قال: يجب زوال الحكم لزوال العلة في موضع من أصل العلة. ومنهم من قال: لا فرق بين أن يزول الحكم لزوال العلة في موضع من أصل العلة أو من سائر الأصول وهذا هو الصحيح، وإليه رجع القاضي. فعلى هذا: الفرق بين العكس والتأثير ظاهر، لأن العكس هو زوال لزوال العلة في جميع المواضع، أو في أي موضع كانت. والتأثير: زواله لزوال العلة في موضع. انتهى. فرع : ذكر إمام الحرمين: ليس للمستدل إلزام المعترض نفي الحكم عند نفي علته بمجرد إقامة الدليل على علته، فإن أراد أن يدعوه إلى إلزام العكس فعليه حينئذ أن يضم إلى تصحيح علته إبطال علة خصمه، فإذا تم له ذلك دعاه إلى العكس، فإن ٣١٢/ب بين الخصم ثبوت الحكم / حينئذ مع نفي العلة فعلى المستدل حينئذ أن يبين التوقيف الذي منع العكس . ثم طرد الإمام هذا في العلة القاصرة إذا عارضها الخصم بمتعدية، فعلى المعلل بالقاصرة إبطال المتعدية، فإذا تم له إبطالها ألزم خصمه حينئذ نفي الحكم في محل التعدي لانتفاء العلة القاصرة عنه . تنبيه : قد يبقى الحكم بعد زوال علته في صور على أحد القولين للشافعي رضي الله عنه - كلمس المحارم، وتحريم الادخار في زماننا لأجل من دَفّ، ومنع ثبوت الخيار للجلب إن لم يغبن، ولمن لم يعلم بالعيب إلا بعد زواله، ولمن عتقت تحت عبد ولم تعلم عتقها حتى عتق، وإسقاط الشفعة لمن باع حصته قبل العلم بها. والمرجّح فيها زوال الحكم عند زوال العلة . وشذ عن هذا وطء الراهن المرهونة، فإنه حرام إن كانت ممن لا تحبل. ومدركه أن المظنة تقام مقام المظنون . ٢٨٨ الخامس - القَلبْ ويتعلق به مباحث: الأول - في حقيقته : وقد اختلف في تعريفه. فقال الآمدي: هو ان يبين القالب ان ما ذكره المستدل يدل عليه، لا له. أو يدل عليه وله. (قال): والأول قلّما يتفق في الأقيسة، ومثّله في المنصوص باستدلال الحنفي في توريث الخال بقوله ويفر: (الخال وارث من لا وارث له) فأثبت إرثه عند عدم الوارث. فيقول المعترض: هذا يدل عليك لا لك، لأن معناه نفي توريث الخال بطريق المبالغة، أي: الخال لا يرث. كما يقال: الجوع زاد من لا زاد له، والصبر حيلة من لا حيلة له. أي ليس الجوع [زاداً]، ولا الصبر حيلة . والذي يدل على المستدل، وله: مَحَلَّ التقسيم. وقال الإمام الرازي: هو أن تعلق على العلة المذكورة في قياس يقتضي الحكم المذكور فيه ويرد إلى ذلك الأصل بعينه. وإنما اشترطنا اتحاد الأصل لأنه لو رد إلى أصل آخر لكان حكم ذلك الأصل الآخر إما حاصلاً في الأصل الأول فمردُّه إليه، أو غير حاصل بأصل القياس الأول نقض(٢) على تلك العلة. قال الهندي: وهو غير جامع لخروج ما يكون من القلب في غير القياس. ومعلوم أن القلب لا يختص بالقياس قال: والتحقيق أنه دعوى لأنّ(٢) ما ذكره المستدل عليه، لا له، في تلك المسألة على ذلك الوجه. الثاني - [في اعتباره] : وقد أنكره بعضهم من جهة أن الحكمين، أعني ما يثبته المستدل وما يثبته القالب، إن لم يتنافيا فلا قلب، إذ لا منع من اقتضاء العلة الواحدة لحكمين غير (١) كذا في جميع النسخ. (٢) في الاصول (أن). ٢٨٩ متنافيين، فلا يفسد به. وإن استحال اجتماعهما في صورة واحدة فلم يمكن الرد إلى ذلك الأصل بعينه، فلا يكون قلبا، إذ لابد فيه من الرد إلى ذلك الأصل . والجمهور على إمكانه. وأجابوا عن هذا بأن الحكمين غير متنافيين لذاتهما، فلا جَرَمَ يصحُّ اجتماعهما في الأصل، لكن قام الدليل على امتناع اجتماعهما في الفرع، فإذا أثبت القالب الحكم الآخر في الفرع بالرد إلى الأصل وشهادة اعتباره امتنع ثبوت الحكم الأول فيه. وأحال إمام الحرمين إشعار الوصف الواحد بحكمين متناقضين، فمنع الشارح الأبياري التناقض بين حكمي العلة وقلبها في الثاني، واستدل على عدم التناقض باجتماع الحكمين في الأصل. قال ابن المنير: والصواب منع الإمام بالنسبة إلى مواضع المستدل والقالب، لأنهما تواضعا على أنهما لا يجتمعان في الفرع ولا يرتفعان عنه، فهي مناقضة بالمواضعة، لا بالحقيقة. لكن لا أُصوِّب قوله: إن الوصف الواحد لا يشعر بمتناقضین، فإنه قد يشعر بهما، بدليل قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ [المائدة/ ٩٠] غاية ما في الباب أن الوفاء بالحكمين لا يتصور، فتعين أحدهما بالترجيح، كما قال تعالى: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ [البقرة/ ٢١٩] فنبّه على رجحان المفسدة . الثالث - في أنه قادح أم لا : وقد اختلفوا فيه : فقيل: هو إفساد العلة مطلقاً، فلا يصح التعليق بها لواحد منهما . ونقل تسليم الصحة مطلقاً لأن الجامع دليل، والخلاف في أنه دليل للمستدل أو عليه، وهذا ظاهر قول من يسميه (معارضة)، فإن المعارضة لا تفسد العلة، فلا يمنع من التعلق بها حتى يثبت رجحانها من خارج. وهو قول الشيخ أبي إسحاق . وقيل: إنه تسليم للصحة، على تقدير الصحة. وظاهر كلام إمام الحرمين أنه لازم جدلاً لا ديناً، ولهذا قال: تلتبس فيه الحظوظ المعنوية بالمراسم الجدلية، بخلاف المعارضة فإنها مناقضة ديناً وجدلاً. ٢٩٠ والمختار عند الجمهور أنه حجة قادحة في العلة. قال الشيخ أبو إسحاق: وذكر الشيخ أبو علي الطبري من أئمة أصحابنا أنه من ألطف ما يستعمله الناظر. وسمعت القاضي أبا الطيب الطبري يقول: إن هذا القلب إنما ذكره المتأخرون من أصحابنا حيث استدل أبو حنيفة رحمه الله بقوله عليه السلام: (لا ضرر ولا ضرار) في مسألة الساحة، قال: وفي هدم البناء ضرر بالغاصب، فقال له أصحابنا: وفي منع صاحب الساحة من ساحته إضرار. فقال: يجب أن يذكر مثل هذا في القياس . ومن أصحابنا من قال: لا يصح سؤال القلب. قال: وهو شاهد زور، يشهد لك ويشهد عليك، لأنه لا يمكن إلا فرض مسألة على المستدل، وليس للسائل ذلك لأنه انتقال، وهذا باطل، لأن القالب عارض المستدل بما لا يمكن الجمع بينه وبين دليله، فصار كما لو عارضه بدليل آخر. وقيل: هو باطل، إذ لا يتصور إلا في الأوصاف الطردية . وقال أبو الوليد الباجي: القلب سؤال صحيح يوقف الاستدلال بالعلة ويفسدها، وإليه ذهب القاضي أبو بكر، وكان القاضي أبو الطيب الطبري وشيخنا أبو إسحاق الشيرازي يقولان: هو معارضة وأنه لا يفسد العلة. قال: وعندي فيه تفصيل وهو أن القلب ضربان: أحدهما: قلب بجميع أوصاف العلة . فهذا يفسد العلة المقول بها، لأنه يجب أن يكون للعلة تعلق بالحكم الذي تعلق عليها واختصاص بحيث لا يصح تعلق الضدّ بها، فإذا بين السائل صحة أن يعلق عليها ضده خرجت عن أن تكون علة، كقولنا في أن الخيار في المبيع يورث، فإن الموت معنى يزيل التكليف فوجب أن لا يبطل الخيار، كالجنون والإغماء. فيقول الحنفي: أقلب هذه العلة فأقول: إن الموت معنى يبطل التكليف فوجب أن لا ينقل الخيار إلى الوارث، كالجنون والإغماء. ثانيهما: القلب ببعض الأوصاف: فهذا هو معارضة على ما ذكره شيخنا. / لأن للمستدل أن يقول: إنما جعلت ١/٣١٣ ٢٩١ العلة جميع الأوصاف، فإذا قلب ببعضها فلم تفسد العلة وإنما جئت بأخرى. كقول المالكي في ضم الذهب والفضة في الزكاة: مالان زكاتهما ربع العشر بكل حال، فيضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة، كالصحاح والمكسّرة، فيقول الشافعي : أقلب العلة وأقول: مالان زكاتهما ربع العشر بكل حال فلم يضم أحدهما الى الآخر بالقيمة، كالصحاح والمكسرة . ونقل في ((المنخول)) عن المحققين أنه مردود وليس معارضة، فإن شرطهما التعارض في نفس الحكم والمشهور أنه نوع معارضة، إذ محال أن يدل على المذهبين من جهة واحدة بل من جهتين، لاشتراك الأصل والجامع، فكان أولى بالقبول، ولأن المعارضة هي أبداً معنى في الأصل أو الفرع، أو دليل مستقل يقتضي خلاف ما ادعاه المستدل. وهذا الوصف كذلك. فعلى هذا للمستدل أن يمنع حكم القالب في الأصل، وأن يقدح في العلة بالنقض وعدم التأثير والقول بالموجب إذا أمكنه . وفي جواز قلب قلبه وجهان لأصحابنا، حكاهما الشيخ أبو إسحاق : أحدهما: الجواز، بناء على أنه معارضة، فإذا قلبه على القالب صار شاهدا له من وجهين، وللقالب من وجه واحد، فيترجح عليه . والثاني: المنع، ورجحه الباجي، لأنه نقض، والنقض لا يصح أن يُنقض، وكذلك القلب لا يُقلب. ورجح في ((المحصول)) الجواز بشرط أن لا يكون مناقضاً للحكم، لأن قلب القالب إذا فسد بالقلب سلم أصل القياس من القلب. وإن قلنا: إنه ليس بمعارضة بل هو إفساد العلة فليس للمستدل أن يتكلم على قلبه بكل ما للقالب أن يتكلم على دليل المستدل، لما تقدم في النقض . نعم، يفترق القلب والمعارضة في صور: أحدها: أن القلب معارضة مبنية على إجماع الخصمين، سواء انضم إليهما إجماع الأمة أم لا. والمناقضة في المعارضة حقيقية، وفي القلب وضعية. أي تواضع الخصمان أو المجمعون على المناقضة . ٢٩٢ ٤ ثانيهما : أن علة المعارضة وأصلها قد يكون مغايراً لعلة المستدل وأصله، بخلاف القلب فإن علته وأصله هما علتا المستدل وأصله، ذكره إمام الحرمين وغيره. ثالثهما: أنه لا يحتاج إلى أصل ولا إثبات الوصف. وكل قلب معارضة، بخلاف العكس. رابعهما : أنه لا يمكن فيه الزيادة في العلة وفي سائر المعارضات يمكن . خامسها : أنه لا يمنع منه وجود العلة في الأصل والفرع، لأن أصل القالب وفرعه هو أصل المعلل وفرعه. ويمكن ذلك في بقية المعارضات. ذكر هذين الأخيرين صاحب ((المحصول))، وتبعه الهندي. وقال السهيلي وغيره من الجدليين القسم الأول من القلب، وهو الذي يتبين فيه أن دليل المستدل عليه، لا له، هو من قبيل الاعتراضات، ولا يتجه في قبوله خلاف. وأما الثاني، وهو ما يدل على المستدل من وجه آخر، كمثال الاعتكاف ومسح الرأس وبيع الغائب، فاختلفوا فيه، هل هو اعتراض أو معارضة؟ فزعم قوم أنه معارضة، لأن المعترض يعارض دلالة المستدل بدلالة أخرى. (قال): ولهذا الخلاف فوائد : منها: أنه إن قيل: إنه معارضة جازت الزيادة عليه، مثل أن يقول في بيع الغائب: عقد معاوضة مقتضاه التأبید، فلا ینعقد علی خیار الرؤية، کالنكاح، وإن قيل: هو اعتراض لم تجز فيه الزيادة. انتهى. وهذا يخالف ما سبق عن ((المحصول)). والفرق بينهما أن المعارضة كدليل مستقل فلا يتعذر بدليل المستدل، بخلاف الاعتراض فإنه منع للدليل، فلا تجوز الزيادة ويكون كالكذب على المستدل حيث يُقَوَّل ما لم يقل . ومنها: إن قلنا أنه معارضة جاز قلبه من المستدل كما يعارض العلة، مثل أن يقول المستدل في بيع الفضولي: لا يصح لأنه تصرف في مال الغير بلا ولاية ولا نيابة، فلا يصح قياساً على الشراء، فيقول المستدل: أنا أقلب هذا الدليل وأقول: ٢٩٣ تصرف في مال الغير بلا ولاية ولا نيابة، فلا يقع لمن أضافه إليه، كالشراء، فإن الشراء يصلح لمن أضيف إليه وهو المشترى له، بل صح للمشتري وهو الفضولي، ومن قال: إنه اعتراض لم يجز ذلك، لأنه منع، والمنع لا يُمنع . ومنها: أنه إن قلنا: إنه معارضة جاز أن يتأخر عن المعارضة، لأنه كالجزء منها . وإن كان اعتراضاً لم يجز ووجب تقديمه عليها، لأن المنع مقدم على المعارضة . ومنها: أن من جعله معارضة قبل فيه الترجيح، ومن قال: إنه اعتراض منع من ذلك، لأن المعارضة تقبل الترجيح، كالدليل المبتدأ، والمنع لا يقبل الترجيح. الرابع - في أقسامه : أحدها : قلب الحكم المطلوب: وهو ما يدل على تصحيح مذهب المعترض، مع إبطال مذهب المستدل. إما صريحاً كقولنا في بيع الفضولي: عقد في حق الغير بلا ولاية ولا نيابة فلا يصح، كما إذا اشترى شيئاً لغيره بغير إذنه. فيقول الخصم: عقد في حق الغير بلا ولاية فيصح، كما إذا اشترى شيئاً لغيره بغير إذنه فإنه يصح بالإجماع في حق العاقد. قال الشيخ أبو إسحاق رحمه الله: وهذا على أقسام القلب . وإما ضمناً كقول الحنفي في الاعتكاف: لُبث فلا يكون بنفسه قربة، کالوقوف بعرفة، وغرضه اشتراط الصوم وإنما لم يصرح به لأنه لم يجد أصلاً يلحقه به فيقول: لبث فلا يشترط فيه الصوم، كالوقوف . وجوابه إما بمنع صحة القلب إن كان لا يقبله، وإما أن يتكلم عليه بكل ما يتكلم على العلل المبتدأة من المنع وعدم التأثير والنقض، على ما سبق فيه من الخلاف. وكذا القلب على أحد الوجهين فيقول: هذه الأوصاف التي ذكرت فيها لا تؤثر في حكم القلب، وهي مؤثرة في حكم علتي، أو يقول: هذه العلة لا تصلح للحكم الذي علقت عليها وتصلح للحكم الذي علقتُ عليها فيقول في صورة البيع: هذه الأوصاف لا يحتاج إليها في حكم علتك، لأنك لو اقتصرت على ٢٩٤ قولك: عقد عقده في حق الغير فيصح، لم ينقض، أو يقول: هذه الأوصاف التي ذكرتها تقتضي إفساد البيع وقد علقت عليها صحة العقد، وهذا خلاف مقتضى العلة لم يصح . الثاني: ما يدل على إبطال مذهب المستدل: - إما صريحا، كقولهم: مسح الرأس ركن فلا يكفي أقل ما ينطلق عليه الاسم، كالوجه. فيقال: فلا يتقدر بالربع، كالوجه . - وإما بالإلتزام ، كقولهم في بيع الغائب : صحيح، كنكاح الغائب، بجامع أن كلا عقد معاوضة، فنقول: فلا تثبت الرؤية في بيع الغائب/، قياساً على ٣١٣/ب النكاح، بالجامع المذكور . ومن هذا القسم: قلب التسوية، لتضمنه التسوية بين الفرع والأصل. وهو أن يكون في الأصل حكمان واحدٌ منهما منتفٍ في الفرع بالاتفاق بين الخصمين، والآخر مُنَازع فيه، فإذا أراد إثباته في الفرع بالقياس على الأصل اعترض بوجوب التسوية بينهما في الفرع على الأصل. فيلزم عدم ثبوته فيه، كقولهم في طلاق المكره: مكلف مالك للطلاق فيقع طلاقه، كالمختار، ويلزم منه أن لا يقع طلاقه ضمنا، ولأنه إذا ثبت المساواة بين إقراره وإيقاعه، وإقراره غير معتبر بالاتفاق، فيكون إيقاعه أيضا غير معتبر. كقولهم في الوضوء: طهارة بالمائع، فلا تجب فيها النية، كالنجاسة. فنقول: فيستوي جامدها ومائعها كالنجاسة في النية . وفي قبول هذا النوع وجهان لأصحابنا حكاهما القاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق : أحدهما: لا يقبل. واختاره أبو القاسم بن كج. لأن القياس إنما يحتج به في الأحكام الشرعية، والتسوية ليست من الأحكام الشرعية، ولأن القالب يريد في الأصل غير ما يريد في الفرع، فلا يجوز أن يؤخذ حكم الشيء من ضده واختاره القاضي والأستاذ أبو منصور وابن السمعاني وطائفة ممن قبل أصل القلب، لأنه لا يمكن التصريح فيه بحكم العلة، فإن الحاصل في الأصل نفي، وفي الفرع إثبات . ٢٩٥ والثاني : وحكاه إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق، وصححه الشيخ أبو إسحاق رحمه الله والباجي وغيرهما، أن الشارع لو نص على ذلك فقال: أقصد التسوية بين الإقرار والإيقاع كان صحيحاً. وكل ما جاز أن يُنصَّ عليه جاز أن يُستنبط ويُعلق عليه الحكم . وجوابه: إما بإمكان صحة القلب أو بالكلام عليه بما يتكلم على العلل المبتدأة فنقول: التسوية بين المائع والجامد لا تصح بالإجماع. ألا ترى أن عندك المائع في الوضوء لا يفتقر إلى تعيين النية، فلا يمكن التسوية بينهما . وقيل: من أجوبته: أن يقول: هذا الحكم الذي ذكرتُه مصرَّح به، والذي عارضتني به غير مصرح به، والمصرح به أولى من غيره وهذا باطل، لأن حكمهما واحد . الثالث : القلب المكسور وهو أن يستعمل جمع أوصاف المستدل، كاستدلال المالكي على صحة ضم الذهب والفضة في الزكاة، فإنهما مالان زكاتهما ربع العشر بكل حال فضم أحدهما الى الآخر، كالصحاح والمكسرة. فيقول الشافعي: أقلب هذه العلة فأقول: مالان زكاتهما ربع العشر، وهما من وصف واحد، فلم يضم أحدهما إلى الآخر بالقيمة، كالصحاح والمكسرة . الرابع : القلب المبهم وهو أن لا يتضمن تسوية، كقولهم في الكسوف: صلاة مسنونة فلا يثنى فيها الركوع، كالعيدين. فيقلبه ويقول: صلاة مسنونة تختص بزيادة، كصلاة العيدين. من غير تعرض لخصوص الزيادة هل هي ركوع أو غيره، لأنه لو تعرض لخصوصها في الركوع لم يشهد له الأصل المذكور . ومن أنواع القلب: - جعل المعلول علة، والعلة معلولاً. وإذا أمكن ذلك تبين أن لا علة، فإن العلة هي الموجبة، والمعلول هو الحكم الواجب به، كالفرع مع الأصل، فلم يجز ٢٩٦ أن يكون الحكم علة والعلة حكما. فلما احتمل الانقلاب دل على بطلان التعليل، كقولنا في ظهار الذمي: إنه يصح لأنه يصح طلاقه، كالمسلم، فيقول الحنفي : المسلم لم يصح ظهاره لأنه صح طلاقه، وإنما صح طلاقه لأنه صح ظهاره. ومن جعل الظهار علة للطلاق لم يُثبت ظهار الذمى . قال الشيخ أبو إسحاق رحمه الله: هذا النوع اختلف فيه: فقال بعض أصحابنا وبعض الحنفية: إنه صحيح يمنع صحة الدليل، لأنه يتوقف ثبوت كل منهما على ثبوت الآخر، فلا يثبت واحد منهما، للدور. وقيل: لا يمنع، لأن العلل الشرعية أمارات بجعل الشارع، ويجوز أن يجعل كل من الحكمين أمارة للآخر. قال الباجي: وهذا هو الصحيح. وقال الشيخ في موضع آخر: ذهب ابن الباقلاني إلى أنه سؤال صحيح يوقف العلة. والذي عليه عامة أصحابنا أنه لا يعترض على العلة ولا يوجب وقفها، وهو اختيار شيخنا أبي الطيب رحمه الله، ونَصره في کتاب ((التبصرة)). وقال ابن الصباغ رحمه الله في ((العدة)): قيل: لا يعارض العلة. والصحيح أنهما يتعارضان. وجوابُ هذا: الترجيحُ، إن قلنا به . السَادس: القَوَل بالموجب (بفتح الجيم)، أي: القول بما أوجبه دليل المستدل. أي الموجب (بكسرها) فهو الدليل المقتضي للحكم، وهو تسليم مقتضى ما نصبه المستدل موجبا لعلته، مع بقاء الخلاف بينهما فيه. وذلك بأن يظن المعلل أن ما أتى به مستلزم المطلوبه من حكم المسألة المتنازع فيها، مع كونه غير مستلزم، فلا ينقطع النزاع بتسليمه، وهذا أولى من تعريف الإمام الرازي له بموجب العلة، لأنه لا يختص بالقياس، أي: أن يكون دليله لا يُشعر بحكم المسألة المتنازع فيها. وهذا فيه إشكال، لأن الاستدلال على غير محل النزاع لا يعتد به، والاستدلال على محل النزاع لا يمكن القول بموجبه . ٢٩٧ وأجيب بأن المستدل قد يتخيل من الخصم مانعاً لحكم المسألة بحيث لو بطل ذلك المانع تقرر أن الخصم يسلم له الحكم، فيجعل المستدل عمدته في الاستدلال لإبطال ما تخيله ظنّاً منه أنه إذا بطل كونه مانعاً سلم الحكم، فكأنه قد استدل على غير الحكم المسئول، أو استدل على أن الأمر المذكور غير مانع من الحكم، وإذا لم يكن مانعا لزم الحكم . وقال ابن المنير: حدُّوه بتسليم مقتضى الدليل مع بقاء النزاع فيه. وهو غير مستقيم، لأنه يدخل فيه ما ليس منه، وهو بيان غلط المستدل على إيجاب النية في الوضوء بقوله: (في أربعين شاة شاة). فقال المعترض: أقول بموجب هذا الدليل، لكنه لا يتناول محل النزاع فهذا ينطبق عليه الحد وليس قولاً بالموجَب، لأن شرطه أن يظهر عذر للمستدل في الغلط، فتمام الحد أن يقال: هو تسليم نقيض الدليل مع بقاء النزاع حيث يكون للمستدل عذر معتبر. انتهى. وكان الشيخ محبي الدين القرميسي من أئمة الأصول والجدل بالاسكندرية يذهب إلى أنه تقرير التسليم وليس بتسليم حقيقة. وحقيقته بيان انحراف الدليل عن محل النزاع، وعلى هذا فلا يلزم منه الانقطاع، بل إن ثبت انحراف الدليل ١/٣١٤ فقد انقطع المستدل، وإن ثبت أنه غير منحرف / لم ينقطع المعترض، بل ينزل على أنه في مسألة النزاع ويورد عليه ما يليق به . وینبني على هذا الخلاف فرعان: (أحدهما): أنه هل يجب تأخير القول بالموجَب عن بقية الأسئلة؟ (الثاني): أنه حيث لزم فهل هو انقطاع؟ فإن قلنا بالأول فإذا سلم المعترض ذلك حقيقة وتبين أنه محل النزاع فقد سلم المسألة وكان منقطعاً. وإن قلنا بالثاني إنه عبارة عن انحراف الدليل عن محل النزاع وأنه بين ذلك بأن سلم مدلول الدليل تقديراً لا تحقيقاً مع بقاء النزاع، فعلى هذا إن لزم ذلك فقد انقطع المستدل، وإن لم يلزمه لم يحكم بانقطاع المعترض. بل له أن يورد بعد ذلك ما شاء من الأسئلة. وهذا هو الذي كان يختاره القرميسي . ٢٩٨ ومن أعذاره : أن يبني المستدل على أن الخصم يوافق على المقتضي، وإنما يمنعه من العمل ثم تخيل ما ليس بمانع مانعاً، فيعمد المستدل إلى ذلك المانع فيبطله ليسلم المقتضى فيلزم الخصم الموافقة. هذا ظن المستدل، ويكون المعترض مثلا لا يوافقه على المقتضي، أو يوافقه ولكن المانع عنده أجنبي عما يخيل المستدل أنه المانع عنده، أو غير أجنبي ولكنه جزء المانع، فلا يلزم من سلب الماهية عن الجزء سلب الماهية عن الكل، أو مانع مستقل ولكن يجوز أن يكون هناك مانع آخر. وإذا جاز تعدد العلل جاز تعدد الموانع . ومنها : أن يذكر المستدل إحدى المقدمتين ويسكت عن الأخرى ظنا أنها مسلمة، فيقول الخصم بموجب المقدمة المذكورة، ويبقى على المنع، لأنه يتجه على منع السكوت عنها . ومنها : أن يعتقد تلازماً بين محل النزاع وبين محل آخر، فينصب الدليل على ذلك المحل بناء منه على أنه ما ثبت(١) الحكم في ذلك المحل لزم أن يثبت في محل النزاع، فيقول المعترض بالموجّب ويمنع الملازمة. انتهى. والقول بالموجَب من أحسن ما يجيء به المناظر، ومنه قوله تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله .. ﴾ في جواب ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقون/٨] فإنهم كنّوا بالأعز عن فريقهم وبالأذل عن فريق المؤمنين، وأثبتوا للأعزّ الإخراج، فأثبت الله تعالى في الرد عليهم صنف العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، أي: فإذا كان الأعز يُخرِج الأذل فأنتم المخرجون (بفتح الراء) وهو من أحسن وجوه الاعتراضات، وأكثر الاعتراضات الواردة على النصوص ترجع إليه، لأن النص إذا ثبت فلا يمكن ردُّه، فلا يرد عليه سؤال إلا وحاصله يرجع إلى تسليم النص ومنع لزوم الحكم منه . والفرق بينه وبين المعارضة أن حاصله يرجع إلى حيد الدليل الصحيح عن محل (١) (ما) هنا شرطية مثل (مهما)، والمعنى: مهما ثبت الحكم: لزم. ٢٩٩ النزاع، والمعارضة فيها اعتراف بمساس الدليل لمحل النزاع. قال إلكيا: وإنما يتصور القول بالموجب إذا لم يأت المعلل بما يؤثر في نفسٍ الحكم المتنازع فيه، بل يعترض لإبطال ما ظنه موجباً ومؤثراً عند الخصم والمؤثّر غيره، ولو صرح بنفس الحكم فلا يتصور توجه القول بالموجّب . وقال ابن السمعاني، تبعا للإمام: هو سؤال صحيح إذا خرج مخرج الممانعة، ولابد في توجهه من شرط، وهو أن يسند الحكم الذي تنصب له العلة إلى شيء، مثل قول الحنفي في ماء الزعفران: ماء خالطه طاهر، والمخالطة لا تمنع صحة الوضوء، فيقول السائل: المخالط لا يمنع الماء، مع أنه ليس بماء مطلق . وشرط في ((المنخول)) لصحته أن يبقى الخلاف معه في محل النزاع، (قال): ولا ينافي القول بالموجب مع التصريح بالحكم الذي أثبت النزاع فإنه يرتفع الخلاف. وإنما يتوجه إذا أجمل الحكم، وقال: إن كان كذا فجاز أن يكون كذا، فيقول بموجبه في بعض الصور، أو يتعرض لنفي علة الخصم. وما ذكرناه من جعله من قوادح العلة صرح به الكيا والإمام الرازي والآمدي وغيرهم، ووجهه إنه إذا قال بموجبها كانت العلة في موضع الإجماع، ولا تكون متناولة لموضع الخلاف، ولأنه إذا كان تسليم موجب ما ذكره من الدليل لا يرفع الخلاف علمنا أن ما ذكره ليس بدليل الحكم الذي قصد إثباته . وظاهر كلام الجدليين أنه ليس من قوادح العلة، لأن القول بموجب الدليل تسليم، فكيف يكون مفسدا؟ وحكى في ((المنخول)) أن القول بالموجب لا يسمى اعتراضاً لأنه مطابقة للعلة ، والخلاف لفظي . وقد عدّه إمام الحرمين في ((البرهان)) من الاعتراضات الصحيحة ، ثم قال: ثم الأصوليون تارة يقولون : القول بالموجب ليس اعتراضا ، وهو لعمري كذلك، فإنه لا يبطل العلة، لأنه إذا جرت العلة وحكمها مختلف فيه فلأن تجري وحكمها متفق عليه أولى قال المقترح في تعليله : إن أرادوا بقولهم : لا يبطل العلة مطلقا فمسلم ، فإنها لا تبطل في جميع مجاريها، وأن أرادوا لا تبطل في محل النزاع فغير صحيح، فإنه يلزم من القول بالموجب إبطال العلة في محل النزاع، وهذا هو الذي ٣٠٠