النص المفهرس
صفحات 241-260
1 المناكحات والمعاملات .. إلى قياس الشبه، ولا يلزمنا الطرد لأنا في غنية عنه إذ هو منسحب على جميع الحوادث، فلم يكن من داع إليه، فوضح أن القول بالشبه عن محل الضرورة، ولولا الضرورات لما شرع أصل القياس. تنبيهات الأول: بنى القاضي الخلاف في قياس الشبه على أن المصيب واحد أو كل مجتهد؟ فإن قلت: المصيب واحدٌ فالأولى بك إبطال قياس الشبه، وإن قلت بتصويبهم، فلو غلب على ظن المجتهد حكم من قضية اعتبار الشبه فهو مأمور به قطعاً، ووافقه إمام الحرمين على البناء على هذا الأصل على تقرير ثبوت كونها ظنية، لكن خالف في أن المسألة ظنية وقال: الأليق بما مهده من الأصول أن يقال؛ كل ما آل إلى إثبات دليل من الأدلة فيطلب فيه القطع، وربما يقول: إن المجتهد المتمسك بضرب من القياس إذا غلب على ظنه شيء وفي الحادثة نصّ لم يبلغه فهو مأمور قطعاً بما أدى إليه اجتهاده وإن كان القياس في مخالفه مردوداً. الثاني : قال الروياني في ((البحر)): اعلم أن كثرة الأشباه إنما تقوي أحد جانبي القياس إذا أمكن إثبات الحكم بكل واحد من الأوصاف. فأما إذا لم يقم الحكم إلا المجموع أوصاف حتى يرد بها إلى أصل، فيرد إلى أصل آخر بوصف واحد، فإن كان ذلك الوصف من جملة الأوصاف فتعلق الحكم بالوصف الواحد أولى، وإن كان وصفاً آخر سوى الأوصاف المجموعة فيما سواه، مثل علة الطّعم في الربا أولى من علة القوت لأنه ما من قوت إلا وهو طعام، فكان من علل به علل الطعام وزيادة، وعلة ((الطعام والكيل)) مستويتان، فتقدم إحداهما على الآخر بالترجيح، وليس أحدهما داخلاً في جملة الآخر إذا كان الأصل المردود إليه واحداً غير أن أحد القياسين يرد الفرع إليه بوصف، والآخر يرده إليه بذلك الوصف وبغيره من الأوصاف، فضمُّها إليه بالوصف الواحد أولى. ٢٤١ : : : 1 الثالث : هل يستعمل ((الشبه)) مرسلاً كما استعمل المناسب مرسلاً؟ قال الأبياري في ((شرح البرهان)): هذا شيء غامض ولم أقف فيه على نص، ولو قيل به لم يبعد. انتهى. وقد صرح إمام الحرمين بالمنع منه، بخلاف المناسب، ورتب ذلك على أحد تفسيريه في الشبه وهو: أن يناسب تشابه الأصل والفرع مطلقاً، لا في حكم معين، فعلى هذا لا يتحقق الشبه إلا بأصل. وإن قلنا في تفسيره: ما يوهم مناسبة للحكم الخاص أو ملاءمة لأوصافٍ نصّ الشارع عليها ولم تظهر مناسبتها. أو غير ذلك من التفاسير السابقة جاز استعماله مرسلاً. ٢٤٢ المسْلك الثامن الْدَوَران ويعبّر عنه الأقدمون بـ ((الجَرَيان)) وبـ ((الطرد والعكس)) وهو: أن يوجد الحكم عند وجود وصف ويرتفع عند ارتفاعه في صورةٍ واحدة، كالتحريم مع السُّكْر في العصير، فإنه لما لم يكن مسكراً لم يكن حراماً، فلما حدث السُّكْر فيه وُجدت الحرمة ثم لما زال السُّكر بصيرورته خلاّ زال التحريم، فدلّ على أن العلة ((السُّكر)). وأما في صورتين، كوجوب الزكاة مع ملك نصاب قام في صورة أحد النقدین، وعدمه مع عدم شيء منها، كما في ثياب البذلة حيث لا تجب فيها الزكاة لفقد شيء مما ذكرناه. ومن أمثلته قوله على الصلاة والسلام في حديث ابن اللتبية حين استعمله النبي ◌َلر على بعض أعماله، فجاء بهدايا لنفسه فقال: هذا لكم، وهذا لي، فخطب النبي ◌َّ وقال: (ما بالُنا نستعمل أقواماً فيجيء أحدهم فيقول: هذا لکم وهذا لي، ألا جلس في بیت أبیه وأُمّه حتى تأتیه ھدیته إن كان صادقاً) وهذا إثبات العلة بالدوران، وهو ثبوت الحكم عند ثبوت الوصف وانتفاؤه عند انتفائه. واختلف الأصوليون في إفادة الدوران العلية على مذاهب: أحدها: أنه يفيد القطع بالعِلّية، ونقل عن بعض المعتزلة وربما قيل: لا دليل فوقه، حكاه ابن السمعاني عن بعض أصحابنا. والثاني: أنه يفيد ظنّ العِلّية بشرط عدم المزاحم، لأن العلة الشرعية لا توجب الحكم بذاتها وإنما هي علامة منصوبة، فإذا دار الوصف مع الحكم غلب على الظن كونه معرِّفاً له وينزل بمنزلة الوصف المومأ إليه بأن يكون علة وإن خلا عن المناسبة. وهو قول الجمهور، منهم (إمام الحرمين)، ونقله عن القاضي. وممن حكاه عن الأكثرين إلكيا. ٢٤٣ وقال ابن السمعاني: وإليه ذهب كثير من أصحابنا. قال: ولأصحابنا العراقيين شغف به، وقال الهندي: إنه المختار، وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أبي على بن أبي هريرة، وحكاه الشيخ أبو إسحاق عن أبي بكر الصيرفي. قال إمام الحرمين: ذهب كل من يُعزَى إلى الجدل إلى أنه أقوى ما تثبت به العلل. وذكر القاضي أبو الطيب الطبري أن هذا المسلك من أقوى المسالك وكاد يُدُّعى إفضاؤه إلى القطع. وإنما سميت هذا الشيخ لغشيانه مجلس القاضي مدة وإعلاقه طرفاً من كلامه، ومن عداه حیاله. قلت: والذي رأيته في ((شرح الكفاية)) للقاضي أبي الطيب ما لفظه: وأما الطرد فإنه شرط في صحتها، وليس بدليل على صحتها، ولا يجوز إذا اطرد معنى أن يحكم بصحته حتى يدل التأثير أو شهادة الأصول عليه. وكذا قال الشيخ أبو إسحاق في ((التبصرة)): الطرد والجريان شرط في صحة العلة، وليس بدليل صحتها. وقيل: دليل على الصحة، وبه قال الصيرفي، وقال: إذا لم يرد بها نص ولا أصل دل على صحتها، وكذا قال ابن الصباغ: هو يدل على صحة العلة. وقال ابن برهان: الطرد عندنا شرط صحة العلة وليس دليلاً على صحتها. وذهب بعض القدماء منا ومن الحنفية إلى أنه دليل على صحتها. وقال ابن السمعاني: ١/٣٠٦ الاطراد ليس بدليل / لصحة العلة ولكن شرط لصحتها. وأما الانعكاس فليس بشرط لصحة العلة في قول أكثر الأصحاب، وهو قول جمهور الأصوليين من الفقهاء، وبه قال بعض المتكلمين قال: وذهب بعض أصحابنا إلى أن الانعكاس شرط، فإذا ثبت الحكم بوجود العلة ولم يرتفع بارتفاعها بطلت العلة، وهو قول بعض المعتزلة تعلقاً بالعلل العقلية، فإنه يجب انعكاسها، فكذلك السمعية. ولنا أن العلة منصوبة للإثبات فلا تدل على النفي. والثالث: أنه لا يدل بمجرده لا قطعاً ولا ظنّاً. وهو اختيار الأستاذ أبي منصور وابن السمعاني والغزالي والشيخ أبي إسحاق واختاره الآمدي وابن الحاجب. وقال الشيخ أبو إسحاق في كتاب ((الحدود)) أنه قول المحصّلين. قال إلكيا: وهو الذي يميل إليه القاضي، ونقله ابن برهان عنه أيضاً. واحتجوا بأنه قد وجد مع عدم ٢٤٤ ٠٠ العِلّية فلا يكون دليلاً عليها. ألا ترى أن المعلول دائر مع العلة وجوداً وعدماً، مع أن المعلول ليس بعلة لعلته قطعاً، والجوهر والعرض متلازمان مع أن أحدهما لیس بعلة في الآخر اتفاقاً، والمتضايفان - كالأبوة والبنوة - متلازمانٍ وجوداً وعدماً، مع أن أحدهما ليس بعلة في الآخر لوجوب تقدم العلة على المعلول ووجوب مصاحبة المتضايفين وإلا لما كانا متضايفين. وقد ضُعِّف هذا القول، أعني تجويز أن تكون العلة أمراً وراء المذكور، فإن هذا لو صح لجرى في غيره من المسائل، كالإيماء ونحوه. ومن العجيب أن جماعة من القائلين بهذا المذهب اعترفوا بصحة السبر والتقسيم وإن لم تقترن به مناسبة، وهو راجع للطرد، فإن غايته أن الأوصاف المقارنة للحكم قام الدليل على خروج بعضها عن صلاحية التعليل، فعُلم صحة التعليل بالباقي، ولا تجد النصف الباقي سوى مقارنته الحكم في الوجود مع انتفاء الظفر بدليل انتفاء صلاحيته للتعليل، وذلك مجرد طرد لا عكس فيه، وإذا كان السبر والتقسيم لا يدل إلا على اقتران الحكم بالوصف وجوداً علم أن من أخذ به وأنكر الطرد والعكس كمن أخذ بالمقدمة الواحدة وأنكر دلالة المقدمتين، وكمن أخذ بالكثرة في الألف وأنكرها في الألفين. التفريع : إن اعتبرناه فشرط ابن القطان في صحته أن يصح اقتضاؤه من الأصل، كالشدة المطربة في الخمر. قال: وكان بعض أصحابنا إذا لم تقم الدلالة على أن التحريم والتحليل كان لأجله لم يكن دالاً على صحة العِلّية، لأن العلية هي الموجبة للحكم، فلا يجوز أن يكون الفرع دالاً على الأصل. قال: وكان أبو بكر الصيرفي يقول: اختلف أصحابنا في الجَرَيان هل هو دالَّ على صحة العلية أم لا؟ على مذاهب: أحدها: أنه دالٌ عليها. والثاني : أنه بانفراده لا یکون علة حتى لا تدفعه ٢٤٥ الأصول، فإن دفعته لم يكن علة. والثالث: أنه علة حتى يقوم دليل على صحته. قال: ولا فرق بين الأول والثاني. وقال غيره: إنه يفيد ظن علية المدار للدائر بشروط ثلاثة: الأول : أن لا يكون المدار مقطوعاً بعدم عِلّيته، كالرائحة الفائحة للخمر، فإنا نقطع بأنها ليست علة للحرمة. الثاني : أن یکون المدار متقدماً على الدائر، بحيث أن يقال: وجد الدائر فحينئذ لا يرد دوران المتضايفين ولا دوران الوصف مع الحكم، لأن أحد المتضایفین لیس مقدماً على الآخر، ولا الحكم على الوصف. الثالث : أن لا يقطع بوجود مزاحم يلزم من كون المدار علةً إلغاؤه بالكلية، فحينئذ لا يرد أجزاء العلة، لأنه وإن كان المعلول كما دار مع العلة دار مع كل جزء من أجزائها لكن الحكم بأي جزء كان يوجب إلغاء سائر الأجزاء، أو إلغاء المجموع بالكلية فيوجد لكل جزء مزاحم يمنع من الحكم بعليته، وهذا بخلاف المجموع، فإن كون المجموع علّةً ليس بموجب إلغاء الجزء بالكلية عن اعتبار الثاني، بل لكل جزء مدخل في التأثير. وأما القائلون بعدم اعتباره فشرطوا شرطين : أحدهما : أن يكون الوصف غير مناسب، فإنه متى كان مناسباً كانت العلة صحيحة من جهة المناسبة، صرح به الغزالي في ((شفاء الغليل)) وإلكيا وابن برهان وغيرهم. قلت: وأما من يدعي القطع فيه فالظاهر أنه يشترط ظهور المناسبة، ولا يكتفي بالدوران بمجرده، فإذا انضم المناسبة ارتقى إلى القطع. ثم قال إلكيا: والحق أن الأمارة لا تطرد ولا تنعكس إلا إذا كانت اجتماع الفرع والأصل في مقصود خاص في حكم خاص، فإن الأحكام إذا تباعد ما حدّها لايتصور أن تكون الأمارة الواحدة جارية فيها على نسق الاطراد والانعكاس، كقول القائل في الطهارة: إنها وظيفة تُشطّر في وقت فافتقرت إلى النية، كالصلاة، فهذا لا يتصور انعكاسه، وقد تطرد وتنعكس بعض الأمارات فإنها مجرى الحدود العقلية. :. ٢٤٦ فالحاصل أن الاطراد والانعكاس من باب الأشباه الظاهرة ومن قبيل تنبيه الشرع على نصبه ضابطاً لخاصة فعلقت به. ومما يتنبه له أن ما يوجد الحكم بوجودها وينعدم بعدمها، كالإحصان، فليس بتعليل اتفاقاً من حيث إن الطرد والعكس إنما كان تعليلاً للإشعار باجتماع الفرع والأصل في معنى مؤثر أو مصلحة لا يعلمها إلا الله، فكان الاطراد من الشارع تنبيهاً على وجود معنى جملي اقتضى الاجتماع ولا يتحقق ذلك مع وجود المعنى الظاهر، فإن الإيهام لا ميزان له مع وجود المعنى المصرح به. الثاني: أن يتجرد الوصف، فأما إذا انضم إليه سبر وتقسيم. قال في ((المستصفى)): يكون حينئذ حجة، كما لو قال: هذا الحكم لابد [له] من علة، لأنه حدث بحدوث حادث، ولا حادث يمكن أن يعلل به إلا كذا وكذا، وقد بطل الكل إلا هذا فهو العلة. ومثل هذا السبر حجة في الطرد المحض، وإن لم ينضمَّ إليه العكس. فائدة : الدور يستلزم المدار والدائر، فالمدار هو المدعى عِلّيته، كالقتل الموصوف، والدائر هو المدعى معلوليته كوجوب القصاص. ٢٤٧ المسْلك التَّاسِع الطَّرد وليس المراد به كون العلة لا تنتقض فذاك مقال العكس، بل المراد أن لا تكون علته مناسبة ولا مؤثرة. والفرق بينه وبين الدوران أن ذلك عبارة عن المقارنة وجوداً ٣٠٦/ب وعدماً. وهذا مقارن في الوجود دون العدم. وقال القاضي الحسین - فیما حكاه / البغوي عنه في تعليقه: الطرد شيء أحدثه المتأخرون، وهو حمل الفرع على الأصل بغير أوصاف الأصل من غير أن يكون لذلك الوصف تأثير في إثبات الحكم، كقول بعض أصحابنا في نية الوضوء. عبادة يبطلها الحدث وتُشطر بعذر السفر، فيشترط فيها النية كالصلاة، ولا تأثير للشَطْر بعذر السفر في إثبات النية. وكقول الحنفية في مس الذكر: معلّق منكوس، فلا ينتقض الوضوء بمسّه دليله الدبوس. أو قالوا: طويل مشقوق، فلا ينتقض بمسّه كالقلم والبوق. قال: وهذا سخف يتحاشى الطفل عن ذكره، فضلاً عن الفقيه. انتهى. وقال ابن السمعاني: هو الذي لا يناسب الحكم ولا يُشعر به. وقال الإمام وأتباعه: هو الوصف الذي لا يكون مناسباً ولا مستلزماً للمناسب وإلا لم تكن حاجة إلى الطرد، ويكون الحكم حاصلاً معه في جميع صور حصوله غير صورة النزاع، فإن حصل في صورة النزاع كان دوراناً. قال الهندي: هذا قول الأكثرين. ومنهم من قال: لا يشترط ذلك، بل يكفي في علية الوصف الطردي أن يكون الحكم مقارناً له ولو في صورة واحدة. والصحيح الأول. وقد اختلفوا في كونه حجة، والقائلون بأن الطرد [و] العكس ليس بحجة، ففي كون الطرد ليس بحجة من طريق الأولى، فأما القائلون بحجية ذلك فقد اختلفوا في حجية الطرد، فذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة مطلقاً، وذهب بعضهم إلى أنه حجة مطلقاً، ومنهم من فصّل وقال بحجيته بالتفسير الأول دون ٢٤٨ الثاني. والمعتبرون من النظار على أن التسمك به باطل، لأنه من باب الهذيان. قال إمام الحرمين: وتناهى القاضي في تغليط من يعتقد ربط حكم الله عز وجل به، ونقله الكيا عن الأكثرين من الأصوليين، لأنه يجب تصحيح العلة في نفسها أولاً ثم تعليق الحكم عليها، فإنه ثمرة العلة، فالاستثمار بعد التصحيح، فلا يجوز أن يجعل ما حقه في الرتبة الثانية عَلَماً على ثبوت الأصل. قال: وقد رأينا في الطرد صوراً لا يتخيل عاقل صحتها، كتشبيه الصلاة بالطواف، ونقله القاضي أبو الطيب في ((شرح الكفاية)) عن المحصلين من أصحابنا وأكثر الفقهاء والمتكلمين. وقال القاضي الحسين - فيما نقله البغوي في ((تعليقه)) عنه -: لا يجوز أن يُدان الله به. وقال ابن الصباغ في «العدة)): الطرد جريان العلة في معلولاتها وسلامتها من أصل يردها وينفيها. والأكثرون على أنه لا يدل على صحتها. وذهب طوائف من الحنفية إلى أنه حجة، ومال إليه الإمام الرازي، وجزم به البيضاوي. قال ابن السمعاني: وحكاه الشيخ في التبصرة عن الصيرفي. وهذا فيه نظر. فإن ذاك في الاطراد الذي هو الدوران. وقال الكرخي: هو مقبول جدلاً، ولا يسوغ التعويل عليه عملاً، ولا الفتوى به. وقال القاضي أبو الطيب: ذهب بعض متأخرى أصحابنا إلى أنه يدل على صحة العلية، واقتدى به قوم من أصحاب أبي حنيفة بالعراق، فصاروا يطردون الأوصاف على مذاهبهم ويقولون. إنها قد صحت، كقولهم في مس الذكر: مسّ آلة الحرث فلا ينتقض الوضوء، كما إذا مس الفدّان. وإنه طويل مشقوق فأشبه البوق. وفي السعي بين الصفا والمروة: إنه سعي بين جبلين، فلا يكون ركناً في الحج، كالسعي بين جبلين بنيسابور. ولا يشك عاقل أن هذا سخف. قال ابن السمعاني: وسمى أبو زيد الذين يجعلون الطرد حجة، والإطراد دليلاً على صحة العلية ((حشوية أهل القياس)) قال: ولا يعد هؤلاء من جملة الفقهاء. قال ابن السمعاني: ويجوز للشارع نصب الطرد علماً عليه لكنه لا يكون علة بل تقريب للحكم وتحديد له. قال: وذكر القاضي أبو الطيب أن الاطراد زيادة دعوى على دعوى، والدعوى لا تثبت بزيادة دعوى، ولأن القياس الفاسد قد يطرد، ولو كان ٢٤٩ الاطراد دليل صحة العلية لم يقم هذا الدليل على الأقيسة الفاسدة المطردة، مثل قول من يقول في إزالة النجاسة بغير الماء: مائع لا تبنى عليه القناطر، ولا يصاد منه السمك، فأشبه الدهن والمرقة. وفي المضمضة: اصطكاك الأجرام العلوية فوجب أن لا ينقض الطهارة، كالرعد ولا يلزم الضراط لأنه اصطكاك الأجرام السفلية . قال القاضي: هذا مع سخفه ينتقض بما لو صفع امرأته وصفعته. والاشتغال بهذا هزأة ولعب في الدين. انتهى. وقال الكرخي: هو مقبول جدلاً، ولا يسوغ التعويل عليه عملاً. وهو ظاهر كلام الغزالي. وقال إنه رأي المشايخ المتقدمين، وقال: هو مصلحة للمناظر في حق من أثبت الشبه ورآه معتمداً، بل لا طريق سواه، فإما أن يصار إلى إبطال الشبه رأساً، وقصر الجامع على المخيل، وإما أن يقبل من المناظر الجميع على الإطلاق. وها هنا أمور ذكرها إلكيا : أحدها : أن هذا كله في غير المحسوسات. أما المحسوسات فقد تكون صحيحة مثل ما نعلمه أن البرق يستعقب صوت الرعد فلهذا اطرد وغلب على الظن به . الثاني: أن الخلاف في هذه المسألة لفظي، فإن أحداً لا ينكره إذا غلب على الظن، وأحدٌ لا يتبع كل وصف لا يغلب على الظن، وإن أحالوا اطراداً لا ينفك عن غلبة الظن. i الثالث : إذا قلنا بأنه ليس بحجة، فهل يجوز التعلق به لدفع النقض أم لا؟ قال الكيا: فيه تفصيل: فإن كان يرجع ما قيد الكلام به إلى تخصيص العلة بحكمها فالكلام في تخصيص العلة سبق، وإن كان التقييد كما قيد به تقييداً بما يظهر تقيد من الشرع الحكم به. وصورة النقض آيلة إلى استثناء الشرع، فلا يمنع من هذا التخصيص، كما إذا علل إيجاب القصاص على القاتل فنقض بالأب فلا يمنع من هذا التخصيص، وإن كان يدل على معنى في عرف الفقهاء إلا اللغة وذلك المعنى صالح لأن يجعل وصفاً ومناطاً للحكم، فيجوز دفع النقض به، كقولنا: ما لا يتجزأ في الطلاق فذكر بعضه كذكر كله، فلا يلزم عليها النكاح، فإن كان النكاح ينبىء في الشرع عن خصائص ومزايا في القوة لا يلغى في غيره فيندفع النقض. ٢٥٠ فصْل ساق الغزالي في ((شفاء الغليل)) من كلام الشافعي وأصحابه هنا أمراً حسناً ينبغي للفقيه الإحاطة به فقال: قياس الطرد صحيح، والمعنيّ به التعليل بالوصف الذي لا يناسب، وقال به كافة العلماء كمالك وأبي حنيفة والشافعي. ومن شنّع على القائلين به من علماء العصر القريب، كأبي زيد وأستاذي إمام الحرمين، فهم من جملة القائلين به، إلا أن الإمام / يعبر عن الطرد الذي لا يناسب بـ (الشبه) ١/٣٠٧ ويقول: الطرد باطل والشبه صحيح، وأبو زيد يعبر عن الطرد بـ (المُخِيل)، وعن الشبه بـ(المؤثر)، ويقول: المُخِيل باطل والمؤثر صحيح. وقد بيّنا بأصله أنه أراد بالمؤثر ما أردناه بالمخيل، وسنبين أن القائلين بالشبه المنكرين للطرد مرادهم بالشبه ما أردناه بالطرد، وأن الوصف ينقسم إلى قسمين: مناسب كما ذكرنا، وهو حجة وفاقاً، ومنهم من يلقبه بالمؤثر وينكر المخيل. وغير المناسب أيضاً حجة إذا دل عليه الدليل، ومنهم من يلقبه بالشبه، حتى يخيل أنه غير الطرد وليس كذلك. (قال): ولقد عز على بسيط الأرض من يحقق الشبه . ثم قال: فنقول: اختلف الناس في الطرد والعكس، والشبه، فمنهم من قال بهما، ومنهم من أنكرهما، ومنهم من قال بأحدهما دون الآخر. ونحن نقول: مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي القول بهما جميعاً، فإنهم قالوا بالشبه وهو أضعف من القول بالطرد والعكس. (قال): وقد علل [به] الفقهاء كافّةً سقوط التكرار في مسح الخف، وشرعيته في غسل الأعضاء فقال أبو حنيفة رحمه الله في مسح الرأس: إنه مسح فلا يكون كمسح الخف. وقال الشافعي: أصل في الطهارة فكرر كالغسل، وكل منهما طرد محض. وكذلك قوله: طهارتان فأنّ تفترفان؟ ٢٥١ (قال): والذي يدل على أن الشافعي لم يذهب في التعليل مسلك الإخالة فصلٌ ذكره في كتاب ((الرسالة))، وقد نقلناه بلفظه قال الشافعي رحمه الله: قال الله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن﴾ الآية [سورة البقرة/ ٢٣٣] وأمر النبي ◌ّلير هنداً أن تأخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها وولدها، فكان الولد من الوالد، فأجبر على صلاحه في الحال التي لا يغني فيها عن نفسه، وكان الأب إذا بلغ أن لا يغني عن نفسه بكسب ولا مال فعلى ولده صلاحه في نفقته وكسوته، قياساً على الوالد، ولم يضع شيئا هو منه، كما لم يكن للوالد ذلك، والوالد وإن بعد، والولد وإن سفل في هذا المعنى، فقلنا: ينفق على كل محتاج منهم غير محترف، وله النفقة على الغني المحترف . وذَكَر حكم رسول الله و ◌ّلهم بأنّ الغلة بالضمان فقال: وكأن الغلة لم تقع عليها صفقة البيع فيكون لها حصة في الثمن، فكانت في ملك المشتري في الوقت الذي لو فات فيه العقد فات في ماله، فدل أنه إنما جعلها له لأنه حادثة في ملكه وضمانه، فقلنا كذلك في ثمر النخيل ولبن الماشية وصوفها وأولادها وولد الجارية وكل ما حدث في ملك المشتري وضمانه. وكذلك وطء الأمة الثيب وخدمتها. ونَهَى النبي ◌َّر عن الذهب بالذهب، والورق بالورق، والتمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح إلا مثلاً بمثل، يداً بيد، فلما حرّم النبي عليه الصلاة والسلام هذه الأصناف المأكولة التي يشح الناس عليها حين باعوها كيلاً لمعنيين : أحدهما: أن يباع منها شيء بمثله ديناً، والآخر: زيادة أحدهما على الآخر نقداً، كان كما كان في معناها، فحرمنا قياساً عليهما، فكذلك كل ما أُكِل مما ابتيع موزوناً، والوزن والكيل في ذلك سواء، وذلك كالعسل والزبيب والسمن والسكر وغيره مما يكال ويوزن ويباع موزونا، ولم يقس الموزون على الموزون من الذهب والورق، لأن يجوز أن يشتري بالدراهم والدنانير نقداً عسلاً وسمنا إلى أجل، ولو قيس عليه لم يجز إلا يداً بيد، كالدنانير والدراهم. ويقاس به ما كان في معناه من المأكول والموزون لأنه يعتاد الكيل والوزن. ٢٥٢ قال الغزالي: هذا كله نقلناه من لفظ الشافعي، فليتأمل المنصف ليعرف كيف علل بهذه الأوصاف [ما] لا يناسب، ذاهباً إلى أن المشارك له في هذه الأوصاف في معناه، غير معرِّج على المناسبة والإيماء . ونقل أبو بكر الفارسي من لفظ ابن سريج، في سياق كلام له في تصحيح التعليل بالاطراد والسلامة عن النواقض فصلاً وهو قوله: قلت: فإن قال قائل: إذا ادعيتم أن العلل تستخرج وتصح بالسبر والتقسيم والاطراد في معلولاتها، فإن عارضها أصل يدفعها عُلم فساده، وإن لم يعارضها أصل صحت فأخبروني: إذا انتزعتم علة من أصل، فانتزع مخالفوكم علة أخرى فخبّرونا: ما جَعَل علتكم أولى؟ فإن أحلتم ذلك أريناكم زعم العراقي علة البُرّ أنه مكيل، فإن ذلك لا يُنكر، وزعم الشافعي أنها الأكل دون الكيل،. فنقول: إنا تركنا جَعْل كل واحد من هذين الأمرين علة لأنه يخرجنا من قول العلماء الذي احتجنا إلى ترجيح قول بعضهم على بعض، لأن الشافعي اقتصر على الأكل، والعراقي على الكيل، فرجحنا هذه على تلك، فإنا وجدنا الكيل معناه معنى الوزن، ووجدنا ما حرم من الذهب والفضة لا يدل على تحريم الموزونات، وذلك لأن الذهب لا يجوز بالورق نسيئة، ويجوز الذهب بالموزونات نسيئة، وقرر هذا الكلام ثم قال: دل هذا على أن الشيء حرام لمعنى فيه، كالذهب والورق وأنها أصل النقدين وقيم المستهلكات ومنهما فرض الزكوات، فلم يحرما لأن هاهنا أمراً يعرف به مقدارهما وهو الوزن، بل لما فيها من منافع الناس التي يعد لهما [فيها شيء] سواهما من التقلب والنقد الذي إليه ترجع المعاملة الدائرة بين الناس. وكذلك البُرّ والشعير إنما حُرِّما لأنهما الأقوات والمعاش والغذاء والطعام. ثم جرد من ذلك كله الأكل كان أعم الأمور. وقد ضم إليها في قول لأصحابنا أجزاء الكيل والوزن. قال الشافعي رحمه الله تعالى في كتاب ((البيوع القديم)): وروي عن ابن عباس أنه قال: لا ربا إلا في ذهب أو ورق وما يكال أو يوزن مما يؤكل أو يشرب، وقول ابن المسيب في هذا أصح الأقاويل . قال الغزالي: فهذا جملة ما أردنا نقله من لفظ الشافعي وابن سريج لنبين أن ٢٥٣ أرباب المذاهب بأجمعهم ذهبوا إلى جواز التعليل بالوصف الذي لا يناسب من غير استناد إلى إيماء ونص ومناسبة: (قال): والفرض الآن أن نبين نقلاً عن علماء الشرع كمالك وأبي حنيفة والشافعي رحمهم الله القول بالوصف الذي لا يناسب، ٣٠١/ب وتسميتهم ذلك علة. وكذلك تعليل النقدين بالنقدية القاصرة/ تدل على أن الشافعي لا يقتصر على التشبيه، إذ التشبيه إنما يقوم مِن فرع وأصل، ولا فرع لهذا الأصل . ٢٥٤ المُسْلِك العَاشِرُ تنقيح المنَاط والتنقيح: هو التهذيب والتمييز، وكلام منقح، أي: لا حشو فيه. والمناط: هو العلة. قال ابن دقيق العيد: وتعبيرهم بالمناط عن العلة من باب المجاز اللغوي، لأن الحكم لما عُلَّق بها كان كالشيء المحسوس الذي تعلق بغيره، فهو مجاز من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، وصار ذلك في اصطلاح الفقهاء بحيث لا يفهم عند الإطلاق غيره . ولما كانت هذه العلة منصوصاً عليها ولكنها تختلط بغيرها محتاجة إلى ما يميزها لقبوه بهذا اللقب. وهو أن يدل ظاهر على التعليل بوصف مذكور مع غيره مما لا مدخل له في التأثير لكونه طردياً أو ملغى، فينقح حتى يميز المعتبر، ويجتهد في تعيين السبب الذي أناط الشارع الحكم به وأضافه إليه بحذف غيره من الأوصاف عن درجة الاعتبار. وحاصله: إلحاق الفرع بالأصل بإلغاء الفرق، بأن يقال: لا فرق بين الأصل والفرع إلا كذا وكذا، وذلك لا مدخل له في الحكم البتة فيلزم اشتراكهما في الحكم لاشتراكهما في الموجب له، كقياس الأمة على العبد في السراية، فإنه لا فارق بينهما إلا الذكورة، وهو ملغى بالإجماع، إذ لا مدخل له في العلية . وسماه الحنفية (الاستدلال) وأجروه في الكفارات، وفرقوا بینه وبین القیاس بأن القياس ما ألحق فيه بذكر (الجامع) الذي لا يفيد إلا غلبة الظن. و(الاستدلال) ما يكون الإلحاق فيه بإلغاء الفارق الذي يفيد القطع، حتى أجروه مجرى القطعيات في النسخ وجوزوا الزيادة على النص ولم يجوزوا نسخه بخبر الواحد . قال الهندي: والحق أن تنقيح المناط قياس خاص مندرج تحت مطلق القياس، وهو عام يتناوله وغيره، وكل منهما قد يكون ظنياً - وهو الأكثر - وقطعيا. لكن حصول القطع فيما فيه الإلحاق بإلغاء الفارق أكثر من الذي الإلحاق فيه بذكر ٢٥٥ الجامع، لكن ليس ذلك فرقا في المعنى بل في الوقوع، وحينئذ لا فرق بينهما في المعنى. وقال الغزالي: تنقيح المناط يقول به أكثر منكري القياس، ولا نَعرف بين الأمة خلافاً في جوازه. ونازعه العبدري بأن الخلاف فيه ثابت بین من يثبت القياس وينكره، لرجوعه إلى القياس. وقال الأبياري: هو خارج عن القياس، وكأنه يرجع إلى تأويل الظواهر، ولهذا أنكر أبو حنيفة القياس في الكفارات وقال إن الكفارة خرجت(١) على الأصل. وقال ابن رحال: إن كان المقصود بالتنقيح تعليل الحكم في حق شخص، كما في حديث المجامع، فالأمر كما قال الحنفية، ولا يكون إثبات الحكم بطريق القياس، لأن القياس لا يستعمل في حق الأشخاص بل تكون التعدية بقوله عليه الصلاة والسلام: (حكمي على الواحد حكمي على الجماعة). وإن كان المقصود تعليلاً في واقعة فليس كما قالوا، بل هو من قبيل القياس، كما في قوله وَله: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) والفرق أن الحكم لا يتعدى من واقعة إلى واقعة بغير القياس، ويتعدى من شخص إلى شخص بغير القياس. [تحقيق المناط] أما تحقيق المناط فهو أن يتفق على علية وصف بنص أو إجماع، فيجتهد في وجودها في صورة النزاع، كتحقيق أن النباش سارق. وكأن يعلم وجوب الصلاة إلى جهة القبلة ولكن لا يدرك جهتها إلا بنوع نظر واجتهاد . سمي به لأن المناط، وهو الوصف، علم أنه مناط وبقي النظر في تحقيق وجوده في الصورة المعينة. قال الغزالي: وهذا النوع من الاجتهاد لا خلاف فيه بين الأئمة. والقياس مختلف فيه، فكيف يكون قياساً؟! ونازعه العبدري بما تقدم في نظيره . (١) في الأصل: ((رتب)). ٢٥٦ ٣ [تخريج المناط]: وأما تخريج المناط فهو الاجتهاد في استخراج علة الحكم الذي دل النص أو الإجماع عليه من غير تعرض لبيان علته أصلاً. وهو مشتق من الإخراج، فكأنه راجع إلى أن اللفظ لم يتعرض للمناط بحال، فكأنه مستور أُخرج بالبحث والنظر، كتعليل تحريم الربا بالطعم، فكأن المجتهد أخرج العلة، ولهذا سمي تخريجاً. بخلاف (التنقيح) فإنه لم يستخرج، لكونه مذكوراً في النص، بل نقح المنصوص وأخذ منه ما يصلح للعلية وترك مالا يصلح . قال الغزالي: وهذا الاجتهاد القياس الذي وقع الخلاف فيه. وقال البزدوي : هو الأغلب في مناظراتهم، لأنه به يظهر فقه المسألة، وتوجه عليه سائر الأسئلة . والحاصل أن بيان العلة في الأصل ((تخريج المناط))، وإثباته (١) في الفرع ((تحقيق المناط)). أي إذا ظننا أو علمنا العلة ثم نظرنا وجودها في الفرع وظننا تحقيق المناط فهو تحقيق المناط . [أمور تتصل بتنقيح المناط] وهاهنا أمور: أحدها : أن تنقيح المناط ليس دالاً على العلية بعينه، بل هو دال على اشتراك الصورتين في الحكم، بخلاف تخريج المناط فإنه لابد فيه من تعيين العلة والدلالة على عليتها. فلا يكون الأول من طرق إثبات العلة بعينها أصلاً، بل هو من طرق إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق. قاله الأصفهاني في ((شرح المحصول)). الثاني: ذكر بعض الجدليين أن تنقيح المناط لا يكون من قبيل المؤثر، لأن الظاهر لا يستقر بالدلالة على كونه علة، بل ينضم إليه دليل الحذف. والصحيح أنه من قبيل المؤثر. واختاره الشريف في ((جدله))، لأن دليل الحذف إنما أفادنا كون الحذف غير مراد، فأما كون الباقي مراداً فإنما استفدناه من الظاهر فكان مؤثراً إلا أنه دون المؤثر في الرتبة . (١) أي الوصف وهو العلة. ٢٥٧ الثالث: أن الإمام فخر الدين زعم أن هذا المسلك هو مسلك السبر والتقسيم، فلا يحسن عدُّه نوعاً آخر وليس كما قال، بل الفرق بينهما أن الحصر في دلالة السبر لتعيين العلة إما استقلالاً أو(١) اعتباراً. وفي نفي الفارق لتعيين الفارق وإبطاله، لا لتعيين العلة، بل هو نقيض قياس العلة، لأن القياس هناك عين جامعاً بين الفرع والأصل، وعينّ هنا الفارق بينهما . تنبيه : عدَّ صاحب ((المقترح)) من المسالك (نفي الفارق) بأن يبين أن الفرع لم يفارق الأصل إلا فيما لا يؤثر، فيلزم اشتراكهما في المؤثر، كالسراية في الأمة، قياساً على العبد. وهو عجيب! فإنه لا يدل على أن الوصف المعين علة، وإنما يدل على أن علة الأصل من حيث الجملة متحققة في الفرع من غير تعيين، ولهذا لم يعدَّه أحد من الجدليين من مسالك التعليل. وهو قريب من (السبر)، إلا أنه في السبر يبطل ١/٣٠٨ الجمع إلا واحداً. وفي نفي / الفارق يبطل واحد فتتعين العلة بين الباقي، والباقي موجود في الفرع، فيلزم اشتماله على العلة ثم على أصله. ولا بد فيه من تفصيل: فإن كانت مقدماته قطعية فهو صحيح، أو ظنية لم يصح، لأن القطع بتحقيق المناط في الفرع لم يحصل، وهو شرط عنده . وعد الاستاذ أبو إسحاق الأسفرايني من طرق العلة أن لا يجد الدليل على عدم علية الوصف، فقال: ليس على القائس إذا لم يجد شيئا مما قدمناه إلا أن يعرض العلة التي استنبطها على مبطلات التعليل، فإن لم يجد قادحاً، وعرضها على أصول الشريعة فلم يجد فيها ما ينافي علته، فيحكم بسلامة العلة حينئذ. وأطنب القاضي أبو بكر في تغليطه، وقال: هذا باطل لا أصل له، وقصاراه الاكتفاء بدعوى مجردة، والاكتفاء على صحة العلة بعدم الدليل على فسادها، فلِمَ ينكر على القائل أنها تفسد بعدم الدلالة على صحتها. فإن قال: عدم دلالة الفساد دلالة صحتها، (١) في جمع بالواو. ٢٥٨ قيل: عدم الدلالة على صحتها دلالة على فسادها. فتقابل القولان وتجدد دعوى الخصم . وقد عدّ بعضهم من طرق العلة أن يقال: هذا الوصف على تقدير عدم عليته لا يأتي معه ذلك، فوجب أن یکون علة لیمکن الإتيان معه بالمأمور به، وهو دورٌ، لأن تأتي القياس يتوقف على ثبوت العلة، فلو أثبتنا العلة به لتوقف ثبوت العلة عليه ولزم الدور . ٢٥٩ ٠ الاعْتُرَاضَات اعلم أن كل ما يورده المعترض على كلام المستدل يسمى (اعتراضاً) لأنه اعترض لكلامه ومنعه من الجريان. قال صاحب ((خلاصة المآخذ)): الاعتراض عبارة عن معنى لازمه [هدم] قاعدة المستدل، وهو جامع مانع. ثم حصره في عشرة أنواع: وقال: ما عداه داخل فيه: فساد الوضع، فساد الاعتبار، عدم التأثير، القول بالموجب، النقض، القلب، المنع، التقسيم، المطالبة، المعارضة. قال: والكل مختلف فيه إلا المنع والمطالبة، مع أن فيه خلافاً شاذّاً، وخالف في المنع غير واحد من الأئمة، وهو الشيخ أبو إسحاق العنبري، على حسب ما سمعته من القاضي الإمام فخر الدين أحمد الخطابي. انتهى. وتنقسم في الأصل إلى ثلاثة أقسام: مطالبات، وقوادح، ومعارضة، لأنه إما أن يتضمّن تسليم مقدمات الدليل أو لا، والأول: المعارضة، والثاني: إما أن يكون جوابه ذلك الدليل أو لا، والأول المطالبة، والثاني القادح. وقد أطنب الجدليون فيها، لاعتمادهم إياها. ومنهم من أنهاها إلى الثلاثين، وغالبها يتداخل. وأعرض الغزالي وغيره عن ذكرها في أصول الفقه وزعم أنها كالعلاوة عليه، وأن موضع ذكرها علم الجدل. وذكرها جمهور الأصوليين لأنها من مكملات القياس الذي هو من أصول الفقه، ومكمِّل الشيء من ذلك الشيء، ولهذه الشبهة أكثر قوم من ذكر المنطق والعربية والأحكام الكلامية، لأنها من موادّه ومكملاته . واعلم أنه ليس المراد من ورودها على القياس أنها تَرِد على كل قياس، لأن من الأقيسة ما لا يَرِد عليه بعضها، كالقياس مع عدم النص والإجماع، لا يتجه عليه ٢٦٠