النص المفهرس

صفحات 221-240

اقتضاء الحكم، لا أنه يلزم خلو الوصف عن استلزام المصلحة وذهابها عنه، فإن
ذلك لا يكون معارضاً.
واعلم أن النزاع إنما هو في اختلال المناسب المصلحي بمعارضة مثله أو أرجح
منه في المفسدة، أما العمل به فممنوع ممن أثبت اختلال المناسبة. وأما من لم يثبته
تصرف في العمل به على ما سبق بالترجيح بينهما. والواجب ها هنا امتناع العمل به
للزوم الترجيح بلا مرجح أو التزام المفسدة الراجحة، فيستوي الفريقان في ترك
العمل به، لكن اختلفا في المأخذ، فالأول يتركه لاختلال مناسبة الوصف، والآخر
يتركه لمعارضة المقاوم أو الراجح، فترك العمل متفق عليه لكن طريقه مختلف فيه،
كذا قاله بعضهم.
وقد حقق الأصفهاني الخلاف فقال: اعلم أن ذات الوصف مغايرة للمناسبة
قطعاً، فإن كان المدعى أن ذات الوصف المصلحي تبطل إذا عارضتها مفسدة
فليس كذلك، فإن ذات الوصف أمر حقيقي لا تبطل بالمعارضة. وإن كان المدعى
أن مناسبته تبطل ومعنى المناسبة اقتضاؤها للحكم واستدعاؤها له فالحق أنها تبطل .
وإن شئت قلت: العمل بمقتضى المناسبة يستدعي سلامتها عن المعارض، والمعنى
بالمناسبة على هذا كون الوصف مصلحياً.
واعلم أن الخلاف في هذه المسألة إنما يتجه من القائلين بعدم تخصيص العلة.
أما من قال بتخصيصها فيقول ببقاء المناسبتين أو اجتماع جهتي المصلحة والمفسدة.
التفريع: إن قلنا: إنها تبطل التحق الوصف بالطرديات ولا يجوز التعليل به إلا
بترجيح المصلحة على المفسدة، كأن يقال: الحكم في الأصل مضاف إلى المصلحة
الفلانية وهي راجحة على ما عارضها من المفسدة، وإلا لزم الحكم مضافاً إلى غير
تلك المصلحة المرجوحة أو إلى مصلحة أخرى غيرها. أو لا يكون مضافاً إلى شيء
أصلاً، والكل باطل.
وإن قلنا: لا تبطل بقي الوصف على مناسبته ويصح التعليل به، ويحتاج
المعارض إلى أصل يشهد له بالاعتبار.
٢٢١

المَسْلك السَادسُ
السَبر والتقسيم
ويسميه المنطقيون (القياس الشرطي المنفصل) فإن لم يكن تقسيماً سموه
بالمتصل. وهو لغة: الاختبار، ومنه الميل الذي يختبر به الجرح الذي يقال له
المسبار، وسمي هذا به لأن المناظر في العلة يقسم الصفات ويختبر كل واحد منها في
أنه هل يصلح للعلية أم لا؟
وقد أشير إليه في قوله تعالى: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله، إذاً
لذهب كل إله بما خلق﴾ [سورة المؤمنون / ٩١] وقوله تعالى: ﴿أم خلقوا من غير شيء
أم هم الخالقون؟﴾ [سورة الطور/ ٣٥] فإن هذا تقسيم حاصر، لأنه ممتنع خلقهم منٍ
غير خالق خلقهم، وكونه يخلقون أنفسهم أشد امتناعا، فعلم أن لهم خالقاً
خلقهم، وهو سبحانه، ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكار ليبين أن هذه الصيغة
المستدل بها بطريقة بديهية لا يمكن إنكارها. وفي قوله وَ لا لعمر، في ابن صياد:
(إن يكن هو فلن تسلط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله).
وهو قسمان :
أحدهما :
أن يدور بين النفي والإثبات وهو المنحصر. والثاني: أن لا يكون كذلك وهو
المنتشر.
٣٠٢/ب فالأول: / أن يحصر الأوصاف التي يمكن التعليل بها للمقيس عليه ثم اختبارها
وإبطال مالا يصلح منها، بدليله: إما بكونه طرداً، أو ملغى، أو نقض الوصف أو
كسره أو خفائه واضطرابه، فيتعين الباقي للعلية، وهو قطعي لإفادة العلة، ويجوز
التمسك به في القطعيات والظنيات، فالأول كقولنا: العالم إما أن يكون قديماً أو
حادثاً، بطل أن يكون قديماً فثبت أنه حادث. والثاني كقولنا: ولاية الإجبار إما أن
لا تعلل أو تعلل بالبكارة أو الصغر أو الأبوة أو غيرها. والكل باطل سوى الثاني،
+
٢٢٢

فالأول بالإجماع، والثالث والرابع لقوله عليه السلام: (الثيب أحق بنفسها) فيتعين
الثاني. قال الهندي: وحصول هذا القسم في الشرعيات عَسير جداً، أي على وجه
التنقيب .
ويشترط أن يكون الحكم في الأصل معلّلاً بمناسب، خلافاً للغزالي، ويلتحق به
الطردي إذا قام الإجماع على أصل تعليله، كما لو قام الإجماع على تعليل حكم
بأحد أوصاف ثم قام الدليل على إبطالها كلها خلا واحداً، فيتعين للتعليل وإن كان
طردياً وإلا اختلف الإجماع. وهو ملخص ما اختاره إمام الحرمين.
وأن يقع الاتفاق على أن العلة لا تركيب فيها، كما في مسألة الربا، وأما في
غيرها فلا يكفي، فإنه وإن بطل كونه علة مستقلة جاز أن يكون جزءاً من
أجزائها. وإذا انضم إلى غيره صار علةً مستقلةً، وحينئذ فلا يكفي في إبطال سائر
الأقسام الاستدلال على أنه ليس واحد منها علة مستقلة، بل لابد من إبطال كون
المجموع علة أو جزءاً من العلة، وأن يكون حاصراً لجميع الأوصاف. وطريقه أن
يوافقه الخصم على انحصارها فيما ذكر أو يعجز عن إظهار زائد، وإلا فيكفي
المستدل أن يقول: بحثت عن الأوصاف فلم أجد معنى سوى ما ذكرته، أو الأصل
عدم ما سواها، واكتفوا في حصر الأوصاف بعدم الوجدان. وهذا إذا كان أهلاً
للبحث، ونازع في ذلك بعض المتأخرين، فإن ذلك يحتاج إلى الاطلاع على جميع
النصوص، ثم إلى معرفة جميع وجوه الدلالات، وهذا عسر جداً.
وقد يكون علمه قليلاً وفهمه ناقصاً. وكذلك قال الصفي الأصفهاني في ((نكته)):
من الفاسد قول المعلل في جواب طالب الحصر: بحثت وسبرت فلم أجد غير
هذه الأشياء، فإن ظفرت بعلة أخرى فأبرزها وإلا يلزمك ما يلزمني قال: وهذا
فاسد، لأن سبره لا يصلح دليلاً، لأن الدليل ما يعلم به المدلول، ومحال أن
يعلم طالب الحصر الانحصار ببحثه ونظره، وجهله لا يوجب على خصمه أمراً،
واختار ابن برهان في ((الأوسط)) التفصيل بين المجتهد وغيره. ثم إن كان مجتهداً
رجع إلى ما يغلب على ظنه، وإن كان مناظراً ولم يساعده الخصم فهل يلزمه إبداء
كيفية السبر؟ اختلفوا فيه على قولين: أحدهما: لا، لأنه لا يستقل(١) درء قوله،
(١) كذا في جميع النسخ.
٢٢٣

لاحتمال أن يكون وراءه تقسيم متوجه لم يذكره، و(أصحهما)، واختاره في
((المنخول))، أنه لا بد من إبداء كيفية السبر، ليكون دليلاً غير مقتصر على مجرد
الدعوى، وليس للخصم أن يقول: لم يبحث، أو يسبر، أو هو غريب، ولا أن
يقول: بقي وصف آخر ولا أبرزه.
تنبيه :
لم يحكوا خلافاً في هذا القسم، ورأيت في كتاب ابن فورك: إذا كانت في المسألة
علل ففسدت إلا واحدة، هل ذلك دليل على صحتها؟ وجهان، الصحيح: نعم،
إذا ثبت أنه لابد أن يكون الحق في واحد منها، وثبت أن ماعداها فاسد، فعلم أن
الحق فيها أو لا يجوز خروج الحق عن جماعتها. انتهى.
القسم الثاني :
وهو المنتشر، بأن لا يدور بين النفي والإثبات أو دار ولكن كان الدليل على نفي
علية ماعدا الوصف المعين فيه ظنّاً، فاختلفوا فيه على مذاهب :
الأول: أنه ليس بحجة مطلقاً، لا في القطعيات ولا في الظنيات، وحكاه في
((البرهان)) عن بعض الأصوليين.
والثاني: أنه حجة في العمليات فقط لأنه يثير غلبة الظن، واختاره إمام الحرمين
وابن برهان، وقال الهندي: إنه الصحيح. ومثل ابن برهان استعماله في القطعي
هنا بقول أصحابنا: الله سبحانه يُرى لأنه موجود، وكل موجود يصح أن يرى.
وفي الظني بقولهم: الإيلاء إما أن يكون طلاقاً أو يميناً، فإذا بطل أن يكون طلاقاً
ثبت أنه يمين. فإن قيل: يجوز أن يكون لا طلاقاً ولا يميناً وله حكم آخر. قلنا:
نحن لا نمنع أن يكون له في الشرع حكم آخر فلا يكون طلاقاً ولا يميناً، ولكن
الذي يغلب على ظننا هو هذا القدر، والمقصود إظهار غلبة الظن، وهي حاصلة.
(انتهى).
٢٢٤

والثالث: أنه حجة للناظر دون المناظر، واختاره الآمدي، وقال إمام الحرمين في
((الأساليب)): بقيد تضمن إبطال مذهب الخصم دون تصحيح مذهب المستدل، إذ
لا يمنع أن يقال: ما أبطلته باطل، وما اخترته باطل، والحكم في الأصل الذي وقع
البحث فيه غير معقول المعنى، فلا يصلح السبر لإثبات معنى الأصل، وإنما يصلح
لإبطال مذهب الخصم.
وحكى القاضي ابن العربي في ((القبس)) قولاً آخر أنه دليل قطعي، وعزاه
للشيخ أبي الحسن والقاضي وسائر الأصحاب.
(قال): وهو الصحيح فقد نطق به القرآن ضمناً وتصريحاً في مواضع كثيرة، فمن
الضمن قوله: ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام) إلى قوله: ﴿ حكيم عليم﴾
[سورة الأنعام / ١٣٩]، ومن التصريح قوله: ﴿ثمانية أزواج﴾ إلى قوله:
﴿الظالمين﴾ [سورة الأنعام / ١٤٢ - ١٤٣].
تنبيهات
الأول :
ما ذكرناه أن هذا النوع من المسالك هو المشهور ونازع فيه جماعة من المتأخرين،
منهم أبو العباس القرطبي في ((جدله)) فقال: إنه شرط، لا دليل، لأن الوصف
الذي ينفيه السبر إما أن يقطع بمناسبته فهو التخريج، أو يعرو عنها فهو الطردي ولا
يصح أن يعلل به، أو لا يقطع بوجوده فيه ولا عدمها فهو الشبه، فلابد في العلة
من اعتبار وجود المصلحة أو صلاحيتها لذلك. ويلزم منه ما ذكرناه. إلا أن
التقسيم إذا كان دائراً بين النفي والإثبات فأبطل أحد القسمين مثلاً تعين المطلوب
في الثاني قطعاً، كقولنا: العالم إما قديم وإما حادث، محال أن يكون قديماً لكذا،
فلزم أن يكون حادثاً، فإن هذا ونحوه برهان قطعي، وهو المسمى عند المنطقي بـ
(الشرطي المتصل)). وقال في ((أصوله)): أكثر النظار عدُّوا هذا المسلك دليلاً على
التعليل، وفيه نظر. وذلك أن ما ينفيه السبر لابد وأن يكون ظاهر المناسبة، وهو
قياس العلة /، أو صالحاً لها، وهو الشبه، فالتحقيق أن يقال على التعليل هنا هو ١/٣٠٣
المناسبة، غير أن السبر عين دليل الوصف، فالسبر إذن شرط، لا دليل، وكذلك في
٢٢٥

سائر المسالك النظرية، فليس مسلكاً بنفسه، بل هو شرط المسالك النظرية. وقد
حكى عن قوم من الأصوليين في الدوران أنه شرط للعلة لا تثبت مع دليل عليها(١)،
وهو يتمشى مع ما ذكرناه في السبر، وهو الصحيح. انتهى.
وقد جزم الغزالي في ((المستصفى)) بأنه إذا استقام لم يحتج إلى مناسبة، ونازعه
شارحه العبدري أيضاً، لاعتقاده بأن السبر ليس من مسائل العلة، وإنما هو خادم
للوصف المناسب، أي به يتقيد الوصف المناسب المختلط بغيره.
وقال الأبياري في ((شرح البرهان)): السبر يرجع إلى اختبار في أوصاف المحل
وضبطها، والتقسيم يرجع إلى إبطال ما يظهر ابطاله فيها، فإذن لا يكون من الأدلة
بحال. وإنما تسامح الأصوليون بذلك لأن المراد بالدليل هو الذي دل على أن العلة
في جملة الأوصاف، والدليل الثاني دل على التعيين. وإلا فالسبر والتقسيم ليس هو
دليلاً قال: ولابد فيه من ثلاثة أمور: إحداها: أن يتبين المطلوب في الجملة:
وثانيها: سبر خاص. وثالثها: إبطال ماعدا المختار. فإن كانت هذه معلومة حصل
العلم بالمطلوب وإلا فلا، بل تحصل غلبة الظن. ثم إن كان الموضع مما يكتفى فيه
بغلبة الظن اكتفي به وإلا فلا قال: وهذا لا يتصور فيه خلاف وليس كما قال.
وقال ابن المنير في ((شرحه)): زعم بعض المتأخرين أن السبر إذا دار بين النفي
والإثبات فهو التقسيم، وعليه المعوَّل في العقليات، وإلا فهو السبر، وليس كما
زعم، بل السبر والتقسيم متغايران متلازمان في الدلالة في العقليات وفي الفقهيات
سواء دارت القسمة بين النفي والإثبات أم لا. فالسبر إذن في العقليات: اختبار
المقدرات لينظر أيها الحق. والتقسيم أن يقسم الصحة والبطلان بينهما فيعتبر ما هو
العلة، ويلغي ما ليس بعلة. وقد بان لك بهذا أن الدليل ليس نفس السبر
والتقسيم، وإنما الدليل هو الذي أوجب إضافة العلية إلى العلة، وهو الإجماع على
أن أحد الأوصاف علة مع دليل إلغاء سائر الأوصاف إلا المبقى فيتعين، وتقرير
الإجماع على أن أحد الأوصاف علةٌ الاستقراءُ من سبر الأولين فإنهم عللوا الأحكام
بجملتها، أو عللوا أكثرها، والأكثرية ملحقة بالعموم، وحكموا بأن العلة لا تعدو
أوصاف المحل، فيجب إلحاق كل صورة بالعام أو بالأغلب. وتقرير إبطال ماعدا
(١) كذا في جميع الأصول.
٢٢٦

المبقى يكون بأدلة الإبطال، كبيان أن الأوصاف طردية، أو لا مناسبة فيها، أو
يقول: بحثت فلم تظهر لي مناسبة قال: وفي الاكتفاء بالثاني إشكال، فإن المبقى لم
تظهر مناسبته أيضاً، وإلا بطلت فائدة السبر وخصوصيته. وكبيان الإلغاء في
الأوصاف لوجود الحكم في غير محل النزاع بالمبقى منفرداً عن غيره من الأوصاف،
فيندفع احتمال أن يكون المبقى جزء علة مع بقية الأوصاف.
(قال): ومن الأسئلة العاصمة لمسلك السبر والتقسيم أن المبقى لا يخلو في نفس
الأمر أن يكون مناسباً، أو شبهاً، أو طرداً خالياً، لأنه إما أن يشتمل على مصلحة
أو لا، فإن اشتمل على مصلحة فإما أن تكون منضبطة للفهم، أو كلية لا تنضبط.
فالأول: المناسب، والثاني: الشبه. وإن لم يشتمل على مصلحة أصلاً فهو الطرد
المردود. فإن كان ثَمَّ مناسبة أو شبه لَغَا السبر والتقسيم. فإن كان عَرِيّاً عن المناسبة
قطعاً لم ينفع السبر والتقسيم أيضاً.
فإن قلت: ينفع في حمل النظر في المناسبة عن المجتهد. قلت: لا يحمل ذلك عنه، لأن
المناسبة عندنا أمر وجودي مکشوف، حتى يقال: إنه ذوقي أو ضروري كالمحسوس،
فالمجتهد إذاً يعلمه(١) إذا لم يذق فيه مصلحة منضبطة ولا غيرها أنه لا مناسب
ولا شبه فتعين أنه طرد.
التنبيه الثاني :
نقل إمام الحرمين عن القاضي أن السبر والتقسيم من أقوى ما تثبت به العلل،
واستشكله، ووجهه الأبياري بأن مثبت العلة بالمناسبة أو الشبه يكتفى منه في النظر
بذلك وإن أمكن أن يبدي الخصم معارضاً راجحاً. وأما إذا أسند إلى السَّبْر
والتقسيم فقد وفى الوظيفة من أول الأمر ولم يبق متوقعاً ظهور ما يقدح أو يضرٍ،
ونازعه ابن المنير وقال: نحن ندفع أصل كونه مسلكاً، فضلاً عن كونه متميزاً.
وقوله سلف إبطال المعارضات غير مستقيم، لأنه وضع النظر في غير موضعه إذا لم
يقدر على دفع المعارضات، وجعل ذلك كافياً في التصحيح فأين الدليل الذي ذب
المعارضات عنه. وأما التمسك بالمناسبات فإنه وجه الدليل، وهي المعارضات
(١) كذا في جميع النسخ.
٢٢٧

بالأصل، فإنا ما نلحق به من اشتغل بدفع المعارضات وقنع بذلك دليلاً.
التنبيه الثالث:
إن أبدى المعترض وصفاً زائداً لم يكلف ببيان صلاحيته للتعليل، ولا ينقطع
المستدل بمجرد ذلك حتى يعجز عن إبطاله، بل له عدم اعتباره بطرق:
أحدها: بيان بقاء الحكم مع عدم الوصف المذكور في بعض الصور، كقولنا:
يصح أمان العبد، لأنه عاقل مسلم غير متهم، كالحر. فيقول الحنفي: العلة ثَمّ
وصف زائد، وهو الحرية، مفقود في العبد. فيقول المستدل: وصف الحرية ملغى
في العبد المأذون له، فإن أمانه يصح باتفاق عدم الحرية فصار وصفاً لاغياً لا تأثير
له في الحكم.
ثانيها: أن يبين كونه وصفاً طردياً ولو في ذلك الحكم، كقولنا: سرى العتق في
الأمة، كالعبد، بجامع الرق، إذ لا علة غيره، فإن قال: في الأصل وصف زائد،
وهو الذكورة المحصلة للكسب، فنقول: هو وصف لم يعتبره الشرع في باب
العتق. وقد يتفقان على إبطال ماعدا وصفين فيكفي المستدل الترديد بينهما.
ثالثها: أن لا تظهر مناسبة المحذوف. وقد سبق الاكتفاء بقول المناظر: بحثت
فلم أجد مناسبة، على أحد الرأيين. فإن ادعى المعترض أن الوصف المستبقى
٣٠٣/ب كذلك فليس للمستدل بيان مناسبته، لأنه / انتقال، ولكن يرجح سبره لموافقته
التعدية الحكم على سبر المعترض لعدمها، فإن التعدي أولى.
التنبيه الرابع :
قسم إلكيا السبر إلى ما يستعمل في القطعيات، وهو المفضي إلى اليقين بأن
يكون حاصراً يقيناً، بالدور بين النفي والإثبات. (قال): وهو الملقّب بـ ((برهان
الخلف)) وكان العقل دالاً على أن الحق أحدهما، فإذا بان بطلان أحدهما تعين الثاني
للصحة، فقد قام دليل الثاني على الخصوص ببطلان ضده، وإلى ما يستعمل في
الظنيات، ولا يخلو إما أن يكون المقصود إثبات حكمه أو دليله.
والأول يكفي فيه انتهاء السبر إلى حد الظن، سواء كان في شيئين أو أشياء،
٢٢٨

لأن الظن لا يختص بالنفي والإثبات، بل قد يقع بين شيئين متعاقبين، كقولنا:
الإيلاء لا يخلو إما أن يوجب التوقف عند انقضاء المدة أو البينونة، فلما قام الدليل
على أن مضي المدة لا يوجب البينونة دل على أنه يوجب التوقف، إذ لا حكم بينهما.
ثم طريق إبطال أحدهما بين. ومسألة اتفاق العلماء على قولين تقتضي أن الحكم لا
يخرج عنهما، فإذا بطل أحدهما ثبت الآخر.
والثاني ماعلم أن بطلان دليل الحكم دليل على صحة العلل، إلا أن يتفق على
كونه معلّلاً ثم يسبر ما عدا العلة التي يذهب إليها ويبطله فتصح علته، وعند ذلك
لا يشترط الدليل عليه، بل يكفي ذكر مجرد الوصف. وقيل: إذا لم يكن مقطوعاً به
فلابد من النظر إلى تلك العلة فعساها تبطل هذا فينظر في غيرها. وهذا بعيد فإن
السبر لا يفيد على هذا التقدير. ومقصودنا أن الظن يحصل عند ذلك بمجرد السبر،
وإذا بطل ذلك فقد ظن قوم أن هذا يعسر وجوده ولا بُعد عندنا في تقديره فإن
العلماء يتفقون على تعليل الرّبا، وإذا ثبت بالسبر غير الطعم والكيل ثبت ما بقي.
التنبيه الخامس :
السبر بالبحث وعدم العثور يدخل في جميع المسالك الاجتهادية، ولا خصوص
له بما نحن فيه.
مسألة
قال ابن القطان: اختلف أصحابنا فيما إذا كان في المسألة علل ففسدت جميعها
إلا واحدة، هل يكون فسادها دليلاً على صحة هذه؟ فقيل: لا حتى يقوم دليل على
صحتها. وقيل: نعم، لأنه ثبت أنه لابد من أن تكون إحدى العلل صحيحة،
فإذا بطل ما عداها وقد علمنا أن الحق لا يخرج عنها ثبت أن تلك صحيحة،
ونصره ابن القطان.
مسألة
يلتحق بالسبر قولهم: حکم حادث فلابد له من سبب حادث، ولا حادث إلا
٢٢٩

هذا فیتعین إسناده، وهو معنى قول أصحابنا: الأصل في کل حادث تقديره بأقرب
زمن إلا أن فيما سبق سبراً في جميع أوصاف المحل، وهذا في الأوصاف الحادثة
خاصة. وقد قيل: على هذه الطريقة لا يلزم من أن يكون الحكم حادثاً أن يكون
سببه حادثاً، بل قد يكون الحكم حادثاً وسببه متقدماً، كإباحة الوطء في الزوجة
عند عدم الحيض وانقطاعه، فإنه يستند إلى عقد النكاح المتقدم. وكذا تحريم الميتة
عند زوال الضرورة مستند إلى السبب الأول. وأمثلته كثيرة، فالسيرُّ فيه أن الحكم
تارة ينتفي لانتفاء المقتضي بكماله، أو لانتفاء جزء من أجزائه، وتارة ينتفي لفوات
شرط أو وجود مانع، فإذا كان انتفاء الحكم لانتفاء المقتضي بحاله فحدوث الحكم
لا يكون إلا لانتفاء سببه، وإذا كان الانتفاء لغير ذلك، فحدوث الحكم لا يكون
لحدوث سببه، بل يكون لحدوث جزء السبب، أو لحدوث الشرط، أو لانتفاء
المانع. وجوابه: أنا لو قدرنا حدوث الحکم مع تقدم سببه کان ذلك على خلاف
الأصل، لأن الأصل المقدر أن ثبوت السبب يلزم منه ثبوت الحكم، ولهذا صح
الاستدلال بثبوت السبب على ثبوت الحكم.
المَسْلك السَابع
الشبْه
ويسميه بعض الفقهاء ((الاستدلال بالشيء على مثله)» وهو عام أريد به خاص،
إذ الشبه يطلق على جميع أنواع القياس، لأن كل قياس لابد فيه من كون الفرع
شبيهاً بالأصل، بجامع بينهما. إلا أن الأصوليين اصطلحوا على تخصيص هذا
الاسم بنوع من الأقيسة، وهو من أهم ما يجب الاعتناء به. والفرق بينه وبين
الطرد، ولهذا قال الأبياري: لست أرى في مسائل الأصول مسألة أغمض من
هذه. وفيه مقامان:
[المقَام] الأول: في تعَرَيْفِه
وقد اختلفوا، فقال إمام الحرمين: لا يمكن تحديده. والصحيح إمكانه.
٢٣٠

واختلفوا فيه فقيل: هو الجمع بين الأصل والفرع بوصف يوهم اشتماله على
الحكمة المفضية للحكم من غير تعيين. كقول الشافعي في النية في الوضوء
والتيمم: طهارتان فأنى تفترقان، قاله الخوارزمي في ((الكافي)). قال: ففي القياس
المعنوي تعيين المعنى المؤثر المناسب لثبوت الحكم، وفي قياس الشبه لا تعیین، بل
الجمع بينهما بوصف يوهم المناسب. وأما الطرد فهو الجمع بينهما بمجرد الطرد، وهو
السلامة عن النقض. ونحوه قوله في ((المستصفى)): الشبه لابد أن يزيد على الطرد
بمناسبة الوصف الجامع لعلة الحکم، وإن لم يناسب الحكم بأن يقرر بأن لله في کل
حكم سرّاً، وهو مصلحة مناسبة للحكم لم نطلع على عين تلك العلة ولكن نطلع
على وصف يوهم الاشتمال على تلك المصلحة قال: وإن لم يريدوا بقياس الشبه
هذا فلا أدري ما أرادوا به وبماذا فصلوه من الطرد المحض.
والحاصل أن الشبهي والطردي يجتمعان في عدم الظهور المناسب، ويتخالفان
في أن الطردي عهد من الشارع عدم الالتفات إليه، وسمي شبهاً لأنه باعتبار عدم
الوقوف على المناسبة يجزم المجتهد بعدم مناسبته، ومن حيث اعتبار الشرع له في
بعض الصور يشبه المناسب، فهو بين المناسب والطردي.
وقال إمام الحرمين: يتعذر حد الشبه بأن يقول هو يقرب الأصل من الفرع
ويمتاز عن الطرد أنه يغلب على الظن الاشتراك في الحكمة، والطرد لا يغلبه على
الظن، ومن خواص الطرد أنه يعلق نقيض الحكم عليه بقوله: طهارة بالماء فلا
تفتقر إلى النية، كإزالة النجاسة، فيقال: طهارة ما تفتقر إلى النية. وفيه نظر، لأنه
لابد من مقيس عليه، وهو التيمم، وقوله: طهارة بالماء ليس بجامع بين الأصل
والفرع.
١/٣٠٤
وهذا الذي قاله الإمام والغزالي أصله كلام القاضي أبي بكر، فإنه فسر قیاس /
الدلالة المورد على بعض تعريفات القياس، وهو الجمع بين الفرع والأصل بما لا
يناسب، ولكن يستلزم المناسب، فيقال: إنه الوصف المقارن للحكم الثابت له
بالتبع وبالالتزام دون الذات، كالطهارة لاشتراط النية، فإن الطهارة من حيث هي
لا تناسب اشتراط النية، لكن تناسبها من حيث إنها عبادة، والعبادة مناسبة
٢٣١

لاشتراط النية، أما ما يناسب بالذات فهو المناسب، أو لا يناسب مطلقاً فهو
الطردي، فالشبه حينئذ منزلة بين المناسبة والطردي، فلهذا سمي ((شبهاً)). هكذا .
قال الآمدي والرازي. وحكى الأبياري في ((شرح البرهان)) عن القاضي أنه ما
يوهم الاشتمال على وصف مُخيل. ثم قال: وفيه نظر من جهة أن الخصم قد ينازع
في إيهام الاشتمال على مُخيل إِما حقّاً، أو عناداً، ولا يمكن التقرير عليه. وقال بعد
ذلك: إن ما اختاره الغزالي هو خلاصة كلام القاضي حيث قال: هو الذي يوهم
الاشتراك في محل.
قلت: وهو ظاهر كلام الغزالي في ((الشفاء)) وعليه اقتصر صاحب ((العنوان))
فيه. والذي في ((مختصر التقريب)) من كلام القاضي أن قياس الشبه هو إلحاق فرع
بأصل لكثرة إشباهه بالأصل في الأوصاف من غير أن يعتقد أن الأوصاف التي شابه
الفرع بها الأصل علة حكم الأصل. وقيل: الشبه هو الذي لا يكون مناسباً
للحكم، ولكن عرف اعتبار جنسه القريب في الجنس القريب، وذلك لأنه يظن أنه
لا يعتبر في ذلك الحكم لعدم مناسبته له، فيظن أنه يمكن اعتباره في ذلك الحكم
لتأثير جنسه في جنس ذلك الحكم. واختاره الرازي في ((الرسالة البهائية))، كإيجاب
المهر بالخلوة، فإنه لا يناسب وجوبه، لأنه في مقابلة الوطء، إلا أن جنس هذا
الوصف، وهو كون الخلوة مظنة الوطء، يعتبر في جنس الوجوب، وهو الحكم
بتحريم الخلوة بالأجنبية.
وقيل: هو الذي لا تثبت مناسبته إلا بدليل، حكاه ابن الحاجب، وجعله
والذي قبله مفرعاً على أن الشبه غير مستقل بالعلية، بل يحتاج إلى مسلك آخر،
وأحسن ابن السمعاني فقال: قياس المعنى تحقيق، والشَّبَه تقريب، والطرد تحكم
(ثم قال): قياس المعنى: ما يناسب الحكم ويستدعيه ويؤثر فيه، والطرد عكسه،
والشبه أن يكون فرع يحاذيه أصلان فيلحق بأحدهما بنوع شبه مقرب، أي يقرب
الفرع من الأصل في الحكم المطلوب من غير تعرض لبيان المعنى (انتهى). وقيل:
هو الذي يلائم الأوصاف التي عهد من الشارع إناطة الحكم بها. وقال إمام
الحرمين: إن الناظر إذا فقد المعنى نظر في الأشباه، وهو أوسع الأبواب، وذلك لأن
٢٣٢

الشبه ينقدح عند إمكان المعنى وعند عدم فهمه، ولا يتحتم الأشباه في التعبدات
الجامدة. وفرق بين الشبه والطرد بأن الطرد نسبة ثبوت الحكم إليه ونفيه على
السواء. والشبه نسبة الثبوت مترجحة على النفي فافترقا.
وقال ابن المنير: اضطرب رأي الأمام في حدّه فقال مرة: هو المشير إلى معنى كلي
لا يتحرر التعبير عنه. وقال مرة: هوالذي يناسب تشابه الفرع والأصل في أي
حکم کان، لا في حکم معین، حتى لو نسبنا وجود الحكم المعین إلیه لکان على حد
نسبة عدمه إليه. وقال ابن رحال: فسره أكثر الأصوليين بما لا تثبت نسبته إلا
بدليل منفصل عنه: وقيل: ما يوهم المناسبة من غير تحقيق، وهما متقاربان. وقال
القاضي: ما يوهم الاجتماع في مخيل، وهذا التفسير أليق بالمظنة لا بالشبه، لأنه
مناسب في نفسه.
وقال القرطبي في ((أصوله)): قد تسامح علماؤنا في جعل الشبه من مسالك
العلة، فإن البحث فيه نظر في تيقن العلة لا في ذاتها. وكذلك نفي الفارق. وقد
اختلفت عباراتهم فيه، وحاصلها يرجع إلى عبارتين :
إحداهما: أنه هو الذي يكون الفرع فيه دائراً بين أصلين فأكثر لتعارض الأشباه
فيه، فيلحق بأولاها، كالعبد المتلف فإنه آدمي ومال، ولاشك أنه مضمون
بالقيمة، لكن هل تؤخذ قيمته بالغة ما بلغت ولو زادت على دية الحر، وهو مذهب
الشافعي ومالك، تغليباً لحكم المالية، أو لا تؤخذ قيمة زيادة على دية الحر تغليباً
لحكم الآدمية وهو مذهب أبي حنيفة. وسمى الشافعي هذا قياس غلبة الأشباه.
قال: وهذا لا ينبغي أن يخص باسم الشبه، لأنه قياس علة مناسب غير أنه تعارض
فيه العلل، فهو من باب المعارضة في الفرع ولا خلاف في هذا بعد، ولا مشاحة في
الاسم بعد فهم المعنى.
الثانية: أنه الوصف الذي يظن به صلاحيته للمناسبة من جهة ذاته، فخرج
منه المناسب بأنه معلوم المناسبة، والطردي لأنه معلوم نفيها. واحترزنا بقولنا ((من
جهة ذاته)) عن المظنة، فإنها لا تناسب بذاتها، بل ما اشتملت عليه. وهذا معنى ما
قاله القاضي أبو بكر وجرى عليه الجمهور، وهو المفهوم من قول الشافعي في
٢٣٣

الوضوء: طهارتان فكيف تفترقان؟! يعني: في نفي اشتراط النية، لكنا إذا تأملنا
وجدنا لقول الشافعي طهارة حكمية من دون العلل مالا نجد من قول الحنفي :
طهارة بالماء. وذلك راجع إلى قوله ((حكمية)) يصلح للمناسبة، ولم ينكشف لنا، ولم
نقدر على القطع بكونه عريّاً عنها، وليس كذلك طهارة ما، فإنه لا مناسب ولا
صالح. ومثله أيضاً قول الشافعية: طهارة موجبها في غير محل موجبها، فشرط فيها
النية كالتيمم. وهذا أصح ما قيل في الشبه. انتهى.
هذا ما يتعلق بتعريفه.
المقام الثاني: في حكمه
ولا يصار إليه مع إمكان قياس القلة بالإجماع، كما ذكره القاضي وغيره. وإنما
الكلام فيه إذا تعذرت. وقد اختلفوا فيه على مذاهب:
أحدها: أنه حجة، وحكاه القرطبي عن أصحابنا وأصحابهم. وقال شارح
((العنوان)) أنه قول أكثر الفقهاء. وقال في ((القواطع)): إنه ظاهر مذهب الشافعي.
وقد أشار إلى الاحتجاج به في مواضع من كتبه، منها قوله في إيجاب النية في الوضوء
كالتيمم: طهارتان فكيف تفترقان. وتابعه على ذلك أكثر الأصحاب. وقال
الشافعي في أواخر ((الأم)) في باب اجتهاد الحاكم: والقياس قياسان: أحدهما: أن
يكون في معنى الأصل، فذاك الذي لا يحل لأحد خلافه. والثاني أن يشبه الشيء
بالشيء من أصل، ويشبه من أصل غيره. ثم قال: وموضع الصواب عندنا في
ذلك أن ينظر: فأيهما كان أولى بشبهه صِير إليه، فإن اشتبه أحدهما في خصلتين،
والآخر في خصلة ألحقه بالذي أشبه في خصلتين. انتهى.
٣٠/ب
حكى هذا النصَّ الأصحاب في كتبهم، والماوردي والروياني وابن السمعاني.
قال: واختلف أصحابنا في ذلك فقال بعضهم: إن قوله هذا يدل على أنه حكم
بكثرة الأشباه من غير أن يجعلها علة لحكم. وقال بعضهم: إنما حكم بترجيح
إحدى العلتين في الفرع بكثرة الشبه. وقال الروياني في ((البحر)): وقول الشافعي
((فموضع الصواب ... )) إلى آخره، يريد إذا كانت كل خصلة علة مستقلة بنفسها
مستغنية عن صاحبتها مثل الأخ يتردد بين أن يكون كالأب، وبین أن يكون كابن
٢٣٤

العم، وهو يشبه الأب من وجه وهو محرم له بالقرابة، ويشبه ابن العم من وجوه
كثيرة من قبول الشهادة، وسقوط النفقة، وجريان القصاص من الطرفين معهما،
وجريان حد القذف، فإلحاقه بابن العم حتى لا يعتق عليه إذا ملكه أولى. ونقل
الغزالي في ((شفاء الغليل)) عن الشافعي وأبي حنيفة ومالك القول بالشبه بطريق
تمسكهم به. قال في ((المستصفى)): ولعل أكثر أقيسة الفقهاء قياس الشبه. قال:
ومنه قول الشافعي: طهارتان فأنى تفترقان؟! فإنه يوهم الاجتماع في مناسب، وهو
مأخذ الشبه وإن لم يطلع على ذلك المناسب. وقول أبي حنيفة: مسح الرأس لا
يتكرر ولأنه مسح لا يتكرر، قياساً على الخف. وقال الخوارزمي في ((الكافى)):
قياس الشبه عندنا حجة، فإن القياس المعنوي إنما صار حجة لأنه يفيد غلبة
الظن، والشبه يفيدها أيضاً. ومن أنكرها في الشبه كان منكرها في قياس المعنى.
انتھی .
وقد أنكر جماعة نسبة القول بالشبه إلى الشافعي، منهم أبو إسحاق المروزي،
ونقل عنه أنه قال: ليس بحجة، كما حكاه ابن السمعاني. وقال القاضي أبو بكر:
لا يكاد يصح القول بالشبه عن الشافعي مع علو رتبته في الأصول. وكذلك قال
الشيخ في ((اللمع)) أن كلام الشافعي متأوَّل محمول على قياس العلة، فإنه يرجح
بكثرة الأشباه ويجوز ترجيح العلل بكثرة الأشباه. قلت: وعبارة الشافعي رحمه الله
في ((الرسالة)): أن يكون الله ورسوله حرّم الشيء منصوصاً، أو أحل لمعنىٍّ، فإذا
وجدنا ذلك المعنى فيما لم ينص فيه بعينه كتاب ولا سنة أحللناه أو حرمناه، لأنه في
معنى الحلال والحرام. أو نجد الشيء يشبه منه الشيء من غيره ولا نجد شيئاً أقرب
منه شبهاً من أحدهما فنلحقه بأولى الأشياء شبهاً به، كما قلنا في الصيد. انتهى.
وقال في موضع آخر: القياس على قسمين: أحدهما: أن يكون الشيء في معنى
الأصل ولا يختلف القياس فيه. والثاني: أن يكون الشيء له الأصول أشباهاً(١)
بذلك، فيلتحق بأولاها به وأكثرها شبهاً به. وقد يختلف القائسون في هذا
انتھی .
(١) كذا في جميع النسخ.
٢٣٥

المذهب الثاني: أنه ليس بحجة. قال ابن السمعاني: وبه قال أكثر الحنفية،
وإليه ذهب من ادعى التحقيق منهم، وصار إليه أبو زيد ومن تبعه، وذهب إليه
أيضاً أبو بكر والأستاذ أبو منصور البغدادي انتهى. وإليه ذهب أبو إسحاق
المروزي والشيرازي والقاضي أبو الطيب، كما نقل في ((البحر))، وأبوبكر الصير في
والقاضي ابن الباقلاني، لكن هو عند القاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق
صالح لأن يُرجَّح به، وبه جزم القاضي أبو بكر في باب ((ترجيح العلل)) من کتاب
((التقريب)). وقال الكيا: وربما تردد القاضي أبو بكر في تصانيفه في إبطال الشبه
فقال: إن لم يبين مستند ظنه كان متحكماً، وإن بين كان مخيلاً. وربما قال: الإشباه
لابد وأن يستند إلى معني كلي. قال: وقد بينا تصورها لا على هذا الوجه.
ثم اختلف القائلون بحجيته في أنه بماذا يعتبر، على مذاهب:
أحدها : اعتباره مطلقاً.
والثاني : بشرط ذهاب الصورة إلى الحكم في واقعة لا يوجد منها إلا الوصف
الشبھي .
والثالث : بشرط أن يجتذب الفرعَ أصلان، وليس أصل سواهما، فيلحق
بأحدهما بغلبة الأشباه. حكاه القاضي، وهو ظاهر نص الشافعي السابق.
والرابع : بشرط أن لا يثبت للحكم علة بعينه، وإلا كان الرجوع إليها أولى من
الرجوع إلى أشباه وصفات لم يتعين كونها علة للحكم. حكاه القاضي وقال: إنه
راجع إلى الذي قبله.
ثم اختلفوا في الأشباه التي يغلب بها، على مذاهب:
أحدها : المعتبر المشابهة في الحكم فقط دون الصورة، وحكاه الرازي
والبيضاوي عن الشافعي، ولهذا ألحق العبد المقتول بسائر المملوكات في لزوم قيمته
على القاتل، بجامع أن كلاً منهما يباع ويشترى. وحكاه ابن السمعاني عن
أصحابنا، كوطء الشبهة مردود إلى النكاح في شرط الحد، ووجوب المهر بشبهة،
بالوطء في النكاح في الأحكام.
٢٣٦

والثاني : اعتبار المشابهة في الصورة، كقياس الخيل على البغال والحمير وسقوط
الزكاة بصورة شبه، أو كقياس الخيل على البغال والحمير في حرمة اللحم لقول
القائل: ذو حافر أهلي، حكاه ابن السمعاني عن بعضهم معتلا بوجود الشبه قال:
وإذا جاز تعليل الأصل بصفة من ذاته جاز تعليله بصفة من صفاته، ولأن العلل
أمارات، فيجوز أن يكون الشبه في الصورة أمارة على الحكم، كما يجوز أن يكون
الشبه في المعنى أو في الحكم أمارة على الحكم. قال: وهذا ليس بصحيح، إنما
الصحيح أن مجرد الشبه في الصورة لا يجوز التعليل به، لأن التعليل ما كان لها (١)
تأثير في الحكم وليس هو مما يفيد قوة في الظن حتى يوجب حكماً. انتهى.
وقال الأستاذ أبو منصور: ذهب قوم من أهل البدع إلى اعتبار المشابهة في
الصورة، وهو قول الأصم، ولهذا زعم أن ترك الجلسة الأخيرة من الصلاة لا
يضر، كالجلسة الأولى. ولا يعتد بخلافه. وهذا ما نقله الإمام في ((البرهان)) عن
أبي حنيفة وعن أحمد أيضاً في إلحاقه الجلوس الأول بالثاني / في الوجوب. واختار ١/٣٠٥
الكيا اعتبار الشبه في الصورة إذا دل دليل على اعتباره، كالمعتبر في جزاء الصيد
قال: وهذا أضعف الأنواع إذ لا يعرف له نظير. قال: وأما الشبه في الحكم، وهو
دلالة الحكم على الحكم فقط، كقول الشافعي: العبد أشبه بالحر في القصاص
والكفارة للحرمة، وتحمّل العقل مثله. فإن أوجب لاحترام المحل والشبه في
المقصود، كاعتبار خيار الشرط بخيار العيب إذا ثبت استواؤهما في المقصود، وهو
دفع الغبن فمعتبران.
واعلم أن الشافعي اعتبر الشبه في مواضع:
(منها) إلحاق الهرة الوحشية بالإنسية على الصحيح، دون الحمر الوحشية،
لاختلاف ألوان الوحشية كالأهلية، بخلاف الحمر الوحشية فإنها ألوانها متحدة دون
الحمر الأهلية فإن ألوانها مختلفة.
و(منها) حيوانات البحر: الصحيح حل أكلها مطلقاً. وقيل: ما أكل شبهه من
البر أكل شبهه من البحر، فصاحب هذا الوجه اعتبر الشبه الصوري. وعلى هذا
(١) كذا في جميع النسخ ويُحمل على كون ارادة (العلة) أو (العلل).
٢٣٧

فقال البغوي وابن الصباغ وغيرهما: حمار البحر لا يؤكل، فألحقوه بشبه الحمار
الأهلي دون الوحشي. وفيه نظر، فإنه لا نزاع في أن الأصل في حيوان البحر الحل.
و(منها) جزاء الصيد، كإيجاب البقرة الإنسية في الوحشية.
و(منها) إقراض الحيوان، ففي ردّ بدله وجهان أشبههما بالحديث المثل،
والقياس القيمة .
و(منها) السلت، وهو يشابه الحنطة في صورته والشعير بطبعه، فهل يلحق
بالحنطة أو الشعير أو هو جنس مستقل؟ أوجه.
و(منها) إذا كان الربوي لا يكال ولا يوزن، فيعتبر بأقرب الأشياء شبهاً به على
أحد الأوجه، وقس على هذا نظائره.
والثالث : اعتباره في الحكم ثم الأشباه الراجعة إلى الصورة.
والرابع : اعتباره فيها على حد سواء. حكاه القاضي.
والخامس: اعتبار حصول المشابهة فيما غلب على الظن أنه مناط الحكم، بأن
يظن أنه مستلزِم لعلة الحكم، أو علة للحكم. فمتى كان كذلك صح القياس،
سواء كانت المشابهة في الصورة أو المعنى. وهو قول الإمام الرازي، وحكاه القاضي
في ((التقريب)) عن ابن سريج (قال): وكان ينكر القياس على شبه لم يتعين كونه
علة للحكم، إما تعيناً لا احتمال فيه ولا يسوغ لأحد خلافه، أو تعيناً ظاهراً وإن
أمكن أن تكون العلة غيره قال: وكذلك كان يقول أبو بكر الصيرفي وأبطل القياس
على غير علة، وذكر أن أبا بكر القفال قال بالحكم بغلبة الأشباه، وزعم أن الأشباه
تنظم الأصل والفرع وإن لم تكن أوصاف علة حكم الأصل فإنها علة حكم
الفرع، لأن ما زاد عليها في حكم المعدوم، وشبه ذلك بغلبة الماء على المائع الطاهر
أو النجس، فجعل ما اختلط وغلب عليه في حكم المعدوم، وهذا تصريح منه بأنه
يحكم في الفرع بحكم الأصل لمشاركته فيما ليس بعلة للحكم في الأصل. وهو
عجيب، إذ كيف يجب رد الفرع على الأصل فيما ليس علة فيه.
والسادس: أن لا يوجد شيء لشبه به منه، وهو قول القاضي أبي حامد
المروروني .
٢٣٨
4

المذهب الثالث: في أصل المسألة: إن تمسك به الناظر، أي المجتهد، كان
حجة في حقه إن حصل غلبة الظن، وإلا فلا. وأما المناظر فيقبل منه مطلقاً،
واختاره في ((المستصفى)). وقد نص في ((القواطع)) القول بقياس الشبه وبين أنه يفيد
غلبة الظن وقال: لا ينكره إلا معاند.
(ثم قال): والحاصل أن التأثير لابد منه، إلا أن التأثير قد یکون بمعنىًّ، وقد يكون
بحكم، وقد يكون بغلبة شبه، فإنه رُبَّ شبهٍ أقوى من شبه آخر، وأولى بتعليق
الحكم به، لقوة أمارته، والشبه يعارضه شبه آخر، وربما ظهر فضل قوة أحدهما
على الآخر، وربما يخفى. ويجوز رجوع الشبهين إلى أصل واحد، ويجوز إلى أصلين،
فلا بد من قوة نظر المجتهد في هذه المواضع. وكذا قال القاضي أبو حامد المروري
في ((أصوله)): إنا لا نعني بقياس الشبه أن يشبه الشيء بالشيء من وجه أو أكثر من
وجه، لأنه ليس في العالم شيء إلا وهو يشبه شيئاً آخر من وجه أو أكثر من وجه، لكن
يعتبر أن لا يوجد شيء أشبه به منه ، فلا يوجد شيء من الوضوء بالتيمم، وكذا
القصاص في الطرف بالقصاص في النفس، أو على العكس.
وهذا لأن إلحاق الشيء بنظائره وإدخاله في سلكه أصل عظيم، فإذا لم يكن شيء
أشبه منه به لم يكن بد من إلحاقه به. قال: وهذا الذي قاله القاضي أبو حامد تقريب
حسن وهو عائد إلى ما ذكرناه. قال: وينبغي الاعتناء أولاً بالمعاني، فإن تعذرت
وأعوزت فحينئذ ينبغي الرجوع إلى قياس الشبه على الطريقة السابقة فلا بأس بذلك.
انتهى. وهذا الذي قاله محل وفاق بين القائلين ابقياس الشبه في أنه لا يُرجع إليه
إلا عند تَعذّر قياس العلة، وهو في الحقيقة قول من قال: إنه لا يُرجع إليه إلا
عند الضرورة.
وقال الكيا: شرطوا لقياس الشبه شروطاً:
منها: أن يلوح في الأصل المردود إليه معنى، فإنه إذا كان كذلك يقطع نظام
الشبه، وغاية من يدعي الشبه إيهام اجتماع الفرع والأصل في مقصود الشارع،
فإذا لاح في الأصل معنى انقطاع نظام الجمع. قال: هكذا أطلقوه، وإنما يستقيم
٢٣٩

إذا لاح في أحدهما معنى جزئي وفقد في الثاني، أما إذا كان استناد الأصل إلى معنى
كلي لا يتصور اطراده في آحاد الصور ولكن القياس سبق لإبانة المحل، فتعليل
الأصل لا يضر في مثله، على ما قدمناه، وقد ضرب الشافعي له مثالاً فقال: بدا(١)
عليه بيمين المدعي في القسامة في القصة المشهورة، فكان فيه خيال اللوث،
فاختصها بتلك الصورة وإن كانت المشابهة بين الدعويين حالة اللوث وحالة عدمها
ظاهرة، ولكن أمكن فهم تخصيص الحكم بتلك الصورة، أما عند اللوث فلا يعتبر
به غير تلك الحالة، وهذا بين.
ومنها: أن الشبه إذا لاح كان من ضرورته أن يكون الأصل مبطلاً معاني
الخصم، فإنه لا يكون خاصاً إلا على هذا الوجه، ولا يكون للخصم في مقابلته إلا
معنى عام بنهي(١) من الأصل نقضاً له.
وله نظائر: (منها) أن التيمم إذا صار أصلاً فالمعنى الذي يتعلق به منقوض
بالتيمم، وهو أن الوضوء ليس مقصوداً فلم يكن عبادة. (انتهى).
وقد أكثر أصحابنا في الاحتجاج لقياس الشبه. وأصح ما ذكروه مسالك:
٣٠٥/ ب أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام نبّه عليه في قوله: (لعل عرقاً نزعه) /
ووجهه أن النبي و ﴿ شبه حال هذا السائل في نزع العرق من أصوله بنزع العرق
من أصول الفحل.
وثانيها: أن قياس المعنى إنما صير إليه لإفادته الظن، وهذا يفيده، فوجب
القول به. واعترض الأبياري:
أولاً: بأنه قياس المعنى في الأصول فلا يسمع.
وثانياً: بمنع إفادة الظن.
وثالثاً: أنه لم تخل واقعة من حكم، قالوا: ومن مارس مسائل الفقه وترقّى عن
رتبة البادئ فيها علم أن المعنى المخيل لا يعم المسائل، وكثير من أصول الشرع
تخلو من المعاني خصوصاً في العبادات وهيئاتها والسياسات ومقاديرها، وشرائط
(١) كذا في جميع النسخ.
٢٤٠